المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

جماليات المثل في القرآن الكريم دراسة أسلوبية

سعد قدور عيسات

صفحة ١٢ من ٢٤

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 177 وتهيئته لاستقبال الإيمان وعقائدهالمباركة" (220.) فإنَّ "الإيمان بالله والنبي وما أنزل إليه مستلزم لعدم ولايتهم ولايتهم يوجب عدم الإيمان؛ لأن عدم اللازم يقتضي عدم الملزوم" (221.) من هنا كانت "البراءة من الشرك تقتضي البراءة من المشركين والبراءة من الأوثان تقتضي البراءة من عابديها قال تعالى 4] ومثل ذلك قول الله تعالى: (وَأَعْتَز ل ك مْ وَمَا تَدْع ونَ م نْ د ون وَأَدْع و رَبِّي عَسَى أَلا أَك ونَ ب د عَاء رَبِّي شَق ي ًا) [48] وجوب مباينة الكفار، ومباينة الأفعال الخاصة بهم لمن كان قصده الحق والاهتداء بهداه، فكم من إنسان لا يقع منه الشرك ولكنه لا يعادي المشركين فلا يكون بذلك مسلما" (222 .) إن العداوة القلبية للكفار من أساس الإيمان، كما أنَّ كراهية الإيمان والتوحيد من أساس الكفر، وذلك الغيض والبغض من فرعون هو الذي يدعو إلى البراءة منه قبل عمله، لأنه هو القائم بهذا العمل والمحد ث له. من هنا أوحى التعبير في الكلام عن امرأة فرعون إيحاءا كثيفا بأنها على ملة إبراهيم، لان تبرؤه عليه الصلاة والسلام مذكور في السورة نفسها قبل آيات، هذا من جهة ومن جهة ثانية ظهرت عداوتها له وعدم موالاتها إياه، لذلك سألت الله النجاة منه قبل النجاة من عمله، لتلك النكتة البديعة. إنَّه مثل مفعمٌ بالبراءة من الكفر وأهله، والمفاصلة الشعورية التَّامة لذويه، ومن عجب أن يأتي نظير موقف إبراهيم من أبيه مواقف مماثلة في أمم متعددة ، منها موقف نوح عليه 220- عبد الله بن عبد الرحمن الجربوع "أثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية ضد الأفكار الهدامة" نشر عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة النبوية، السعودية، ط 1، 1423هـ2003م، ج1/51. 221- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني الدمشقي (المتوفى728هـ) "اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم" ت: ناصر عبد الكريم العقل، دار عالم الكتب، بيروت، لبنا ن، ط 7،1418هـ- 1888م، ج1/550. 222- محماس بن عبد الله محمد الجلعود "الموالاة والمعاداة في الشريعة الإسلامية" دار الجبهة، بدون، ج 1/121، بتصرف.

عدد الصفحات ١٧٧

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 178 السلام من ابنه، فلما تبين له أمره أيضاً من قوله تعالىكَ إ نَّه عَمَلٌ غَيْر صَال حٍ 46 ]لَكَ مَا لَيْسَ ل ي ب ه ع لْمٌ [ }47 ] ومنها موقف نوح ولوط من أزواجهما ... وموقف زوجة فرعون من فرعون في... [223 .) وهي لمَّا سألت الله تعالى الدار" فقالت الله تعالى لا يكون إلا في الجنة ذكرتها ورغبت فيها. وقد جاء لفظ البيت نكرة للدلالة على سؤالها أي بيت يكون، المهم أنه بجوار الله، وفي هذا أعظم الإيحاء وأوضح الدلالة على نفسها القَنوع، وعلى الإخبات والخشوع، وانصرافها عن الملهيات والزخارف، لاسيما وقد قالت بين القصور، فتأَمَّل. ثم إن التعبير قد رتب الامور في سؤال امرأة فرعون ربها سبحانهح ترتيبا تنازليا فبدأت بالاعلى ثم ما دونه، سواء في جانب حصول الشيء ووجوده، أو جانب انتفاء الشيء وانعدامه. ففي الجانب الاول سالت اكبر شيء وهو حصول جوار الرب سبحانه وتعالى، ثم نزلت إلى طلَب بيت في الجنة، وفي الجانب الثاني سالت أعظم شيء تريد انعدام البقاء عنده والهرب منه؛ وهو النجاة من فرعون، ثم نزلت إلى طلب النجاة من عمله، فالعمل لا يقوم بنفسه لولا فرعون فكان العمل اهون من العامل فأخَّرته، ثم نزلت مرة أخرى طالبة النجاة من القوم الظالمين. فإن هؤلاء الظالمون إنما هم نتيجة أعمال فرعون وجبروته، ولما كان هذا الفرعون اللعين من جملة الظالمين بل كبيرهم الذي علمهم الظلم وأمرهم به، ناسب أن تعيد لفظة 223- محمد الأمين الشنقيطي "أضواءالبيان في إيضاح القرآن بالقرآن"، ج8/86.

عدد الصفحات ١٧٨

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 178 الخطورة والضرر ومن اللافت في سؤالها أنها طلبت الآخرة وقدمتها على مطالبها الدنيوية، بل جعلت المطلب دنيوي مجموعة من المعدومات، فلم تطلب حصول شيء، إنما طلبت ابتعاده والنجاة منه، فتأمَّل ذلك وكرره في خلدك فإنه عبرة لا تضاهى. وقد ختم المثل بلفظةفرين، لأن قوم فرعون لاسيما بعد انهزام السحرة، استيقنوا أحقية التوحيد وصدق الرسول، كما قال تعالى عنهم وَجَحَد وا ب هَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْف س ه مْ ظ لْمًا وَع ل و ًا [ }14] الباطل عن عمد، فناسب أن يصفهمبالظلم دون غيره. إنَّ المرأة لدى الحكمة القرآنية صارت مضرب مثل من جانبين، ففي حين تمثل امراة نوح وامرأة لوط مقام التخويف، تمثل امرأة فرعون مقام التشريف، إنه مثل كامن يجتمع من الصورتين، وهو معنى قول الناس "الخير امرأَة والشرُّ امرأة". وتأمل المثلين فهما يصوران مشهدين متعاكسين، الأول أن الهادي هو الله وحده، بحيث لا يستطيع النبي أن يدخل الإيمان في قلب احد حتى لو كان تحت يده، بالرغم من انه رسول الله، والمشهد الثاني أن الإضلال بيد الله تعالى دون ما سواه، بحيث أكبر طاغية وأعظم جبار لا يستطيع أن يضل حتى امرأته التي تسكن في بيته وتأوي إلى فراش واحد معه. المثل الثاني للمؤمنين: قال تعالى ب كَل مَات رَبِّهَا وَك ت ب ه وَكَانَتْ م نَ الْقَان ت ينَ [12.] "مريم التي لا زوج لها لا مؤمن ولا كافر، فذكر ثلاثة أصناف النساء؛ المرأة الكافرة التي لها وصلة بالرجل الصالح، والمرأة الصالحة التي لها وصلة بالرجل الكافر، والمرأة العزبة التي لا وصلة بينها وبين أحد، فالأولى لا تنفعها وصلتها وسببها، والثانية لا تضرها وصلتها وسببها، والثالثة لا يضرها عدم الصلة شيئا، في ضرب المثل للمؤمنين بمريم أيضا اعتبار آخر؛ وهو أنها لم يضرها عند الله شيئا قذف

عدد الصفحات ١٧٩

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 180 أعداء الله تعالى اليهود لها ونسبتهم إياها وابنها إلى ما برأهما الله عنه مع كونها الصديقة الكبرى المصطفاة على نساء العالمين، فلا يضر الحرص على الطاعة الرجل الصالح قذف الفجار والفساق فيه، وفي هذا تسلية لعائشة أم المؤمنين إن كانت السورة نزلت بعد قصة الإفك وتوطين نفسها على ما قال فيها الكاذبون إن كانت قبله" (224 .) ولما كانت الصديقة العذراء مر يم عليها السلام أفضل من امرأة فرعون، ذكر أوصافها تصريحا، ولم يصرح بأوصاف الأخرى، فراعى التعبير مريم أكثر من غيرها، وهذا دليل على التفضيل. فقد سلك القرآن في ذكر حالهما أسلوبين متغايرين يستشف منهما المتدبر العالم بعادة القرآن في تعريفاته للأمور وتبيين للأحوال، تلك المفاضلة. فالأول أسلوب التَّضَمُّن والاستلزام: وهو أنه لم يذكر إيمان امرأة فرعون وأوصافها كالتقوى والإنابة والإخبات، وإنَّما دلل على ذلك بكلام يتضمنه ويستلزمه، إذ إن الذي يسأل الله جواره وجنته، ويتبرأ من فرعون وعمله لا شك أنه يكون من المؤمنين. الثاني أسلوب المطابقة: حيث ذكر بصريح اللفظ أوصاف مريم وعدد مزاياها فنعتها بالتصديق والقنوت وربما كان في ذكر اسمها دون اسم امرأة فرعون تفضيلٌ آخر. ثم إنه سبحانه لمَّا كانت حادثة المرأتين الكافرتين وحادثة امرأة فرعون المؤمنة، قابلة للتكرار "لم يحدد لنا اسم امرأة من هاتين المرأتين، بل ذكر الأمر المهم فقط؛ وهو أن كلا منهما زوجة لرسول كريم، ولكن كلا منهما أصرت على الكفر فدخلتا النار. ولكن الحق سبحانه وتعالى حين أراد التخصيص بحادث لن يتكرر في أي زمان أو مكان جاء بذكر السيدة مريم بالتشخيص والتحديد الواضح فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا ف يه م ن رُّوح نَا وَصَدَّقَتْ ب كَل مَات رَبِّهَا وَك ت ب ه وَكَانَتْ م نَ القانتين 12]،[ امرأة أخرى التشخيص هنا واجب؛ لأنه لن تلد امرأة من غير زوج إلا هذه" (225)، وفرج أي امرأة لن ينفخ فيه الله تعالى من روحه التي هي من ملكه فتحمل ثم تلد، هيهات. 224- ابن قيم الجوزية "أمثال القرآن" ت: ناصر بن سعد الرشيد، ص55. 225- محمد متولي الشعراوي "تفسير الشعراوي"، ج2/1124.

عدد الصفحات ١٨٠

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 181 وتأمَّل استنكاف القرآن كما هي عادته من ذكر ما يخجل منه المخاطب، والتعبير عنه بطريقة لطيفة نظيفة، حيث لم يقل "نفخنا في فرجها" وإنَّما قال على الضمير لا على الاسم، ولم يذكر اسم الفرج لأجل النفخ في جملة واحدة، بل ذكره لغرض بيان إحصان مريم عليها السلام فقال جاعلا لفظة "النفخ" في جملة ولفظة "الفرج" في جملة أخرى، مفرقا بينهما، واكتفى في ذكر ما استحيى من إظهاره بوروده في الجملة الأولى .. السابقة، جملة الإحصان. وتأمل ما وصف الله تعالى به مريم، إنَّ هما وصفان فتدبرهما: التصديق: وهو يقتضي العلم، إذ المرء لا يصدق بشيء لا يعلمه. القنوت: ويقتضي العمل، بل هو درجةٌ راقية في طاعة الله وعبادته، لاسيما وأنه ذكر في القرآنٍ مراتٍ بعد الإسلام والإيمان فكأنه منزلة من الإحسان، ولأن الله تعالى جعل الخضوع البشري الكلي له سبحانه في القنوت، فقال تعالىوَالأَْرْض ك لٌّ لَه قَان ت ونَ116( ]226)، ولما كان هذا الخضوع القهري الكوني من الناس أجمعين تعالى هو أعلى القنوت، دل على أن أعلى ما في الخضوع الأمري الشرعي لله عز وجل هو القنوت، فالله محسن إلى الناس كلهم كافرهم ومؤمنهم في خلقهم ومعاشهم، ومعادهم فهم قانتون له رغما عنهم، فلذلك كان من بلغ درجة الإحسان طاعةً وعبادة كان من القانتين، فتأمل، والله تعالى أعلم وأحكم. هذا؛ ولما كان الصدق داع إلى القنوت قدَّمه في الذكر كتقدم العلم على العمل. ومن عجبٍ أن كان هذا المثل آخر مثل يضرب في القرآن العظيم، وكان قوله عن مريم 226- وفي الآية الأخرى قال جل ثناؤه وتقدَّست{ :وَلَه مَنْ ف ي السَّمَاوَات وَالأَْرْض ك لٌّ لَه قَان ت ونَ [ }26] فقط في القرآن الكريم، ولاحظ أنَّ أحداهما في سورة مدنية وهي البقرة، والثانية في سورة مكية وهي سو رة الروم، وانظر إلى أن الأولى كانت في سياق الحجاج إذ اليهود والنصارى كانوا في المدينة وكانوا يحاجُّ ونَ ه صلى الله عليه وسلم، لذلك وردت الآية بحرف "بل" للإضراب على مقولتهم الفاسدة من نسبة النصارى الضالين الولد إلى الله تعالى وتنزَّه سبحانه عن ذلك، فأجابهم، "بل" له ما في السماوات والأرض، في حين لم تكن الآية الأخرى في سياق الاحتجاج فأوردها بحرف العطف الواو فقال سبحانه الأولى قالتى يجمع في الآيتين كل شيء سواء كان عاقلا أو غير عاقل، وقدم آيتان تتقابلان وتتماثلان في اللفظ لا يوجد غيرهما في القرآن، ثم هما آيةٌ مدنية تقابلها وتكملها آيةٌ مكية، ومقامان ليس لهما في الدنيا ثالث مقام حجاج في الأولى يقابله مقام تقرير في الثانية، وحرف إضراب وهو الإضراب وهو"الواو"، و

عدد الصفحات ١٨١

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 182 {!، وآخر لفظةٍ جميلة، ختمت بها هذه السورة الجليلة؛ سورة التحريم! فماذا يا ترى؟ إن الله عز وجل أعلم بمراده، فلا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، وإن طهارة القلوب شيء لازم لفهم أسرار القرآن الحكيم. ثم بدا لي أمران هما: الأول: أنَّ آخر مثل مضروب هو درجة الصدِّيقية وما تقتضيه من العبادة والقنوت، والتي لا مطمع لأحد فوقها، إذ لا يوجد بعدها سوى درجة الأنبياء وقد انتهت بموتهم، وختمت بخاتمهم محمد صلى الله عليهم وعليهم وسلم، فأحرى بالمسلم أن يحاول بلوغ تلك الدرجة التي نالتها مريم عليها السلام. الثاني: أنَّ آخر ما ضرب الله لعباده أجمعين من الأمثال كي يهتدون ويعتب روا ويكونوا صالحين، هو تمثيله لهم امرأَةٌ من النساء. وإنها لرفعة عظيمة وإنه لمقام تفضيل للمرأة في القرآن أيَّما تفضيل، فيا لله للنِّساء من هذا الشرف. ثم إذا تأمَّلت مطلع السورة ونظرت في جوها العام، وجدت في هذه الأمثال من الأسرار البديعة ما يناسب سياقها، "فإنها سيقت في ذكر أزواج النبي والتحذير من تظاهرهن عليه وأنهن إن لم يطعن الله ورسوله ويردن الدار الآخرة لم ينفعهن اتصالهن برسول الله كما لم ينفع امرأة نوح ولوط اتصالهما بهما، ولهذا ضرب لهما في هذه السورة مثل اتصال النكاح دون القرابة، قال يحيى بن سلام: ضرب الله المثل الأول يحذر عائشة وحفصة ثم ضرب لهما المثل الثاني يحرضهما على التمسك بالطاعة"(227 .) وذلك كيما تزدادا من طاعته سبحانه كحال امرأة فرعون الطائعة المنيبة. 227- المصدر السابق نفسه، ص56.

عدد الصفحات ١٨٢

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 183 الأمثال الشخصية (التخصيص والتجسيد الفصل الثاني: الشخصية المناقضة (الكافرون).

عدد الصفحات ١٨٣

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 184 المثل الأول والثاني: يقول تعالىعَاص فٍ لا يَقْد ر ونَ م مَّا كَسَب وا عَلَى شَيْءٍ ذَل كَ ه وَ الضَّلال الْبَع يد 18] الكفار في بطلانها وعدم الانتفاع بها برماد مرت عليه ريح شديدة في يوم عاصف فشبه سبحانه أعمالهم في حبوطها وذهابها باطلا كالهباء المنثور لكونه ا على غير أساس من الإيمان والإحسان وكونها لغير الله عز وجل على غير أمره برماد طيرته الريح العاصف فلا يقدر صاحبه على شيء منه وقت شدة حاجته إليه فلذلك لا يقدرون مما كسبوا على شيء لا يقدرون يوم القيامة مما كسبوا من أعمالهم على شيء فلا يرون لها أثرا من ثواب ولا فائدة نافعة فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه موافقا لشرعه"(228.) وقد شبه الله تعالى أعمالهم بالرماد لسواده وعدم تماسكه، فلونه من لون بواطنهم تلك التي تخرج عنها الأعمال فلا تلبث أن تتسم بسمة السواد مهما بدت للناس في صبغة بيضاء، لأنها لغير الله جل وعلا، وهي من تهافتها لا تتماسك مثل حبات الرماد المتباينة التي لا يربطها ببعضها بعض شيء جامع، فهي متنافرة غير متظافرة ولا متَّحدة، لذلك فهي هاوية قد سقط بعضها على بعض بحيث ليس لها قوام و لا أركانٌ ثابتةٌ تقف عليها، فهي خليقةٌ أن تنبسط على الأرض وتتفرَّشها كشأن الصريع المنطرح الذي لا يملك قياما وليس له ما يعتمد عليه ليرتفع وينهض، فهو ابدا ملقى مرتخٍ، باقٍ على تهافته هشاشته، وذلك شان أعمال الكفار من عدم المتانة والاشتداد، فكيف إذا جاءها يومٌ شديد، يوم يقوم الناس لرب العبيد!، وفي هذا الجو البياني المتناسق أورد الله تعالى لفظ ريح عذاب، فالريح قد تكون طيبة لكن إذا اقترن معها الاشتداد فصارت عاصفة كانت عذابا، كما قال تعالىه وَ الَّذ ي ي سَيِّر ك مْ ف ي الْبَرِّ وَالْبَحْر حَتَّى إ ذَا ك نْت مْ ف ي الْف لْك وَجَرَيْنَ ب ه مْ ب ر يحٍ طَيِّبَةٍ وَفَر ح وا ب هَا جَاءَتْهَا ر يحٌ عَاص فٌ وَجَاءَه م الْمَوْج م نْ ك لِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّه مْ أ ح يطَ ب ه مْ دَعَو ا اللهََّ م خْل ص ينَ لَه الدِّينَ لَئ نْ أَنْجَيْتَنَا م نْ هَذ ه لَنَك ونَنَّ م نَ الشَّاك ر ينَ [ }:22] ثم إنَّ الشيء الرخو بكثرته قد تتولد منه نوع قوة ومتانة على نحو ما قال الشاعر 228- ابن قيم الجوزية "أمثال القرآن" ت: ناصر بن سعد الرشيد، ص37.

عدد الصفحات ١٨٤

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 185 تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرا *** وإذا افترقن تكسَّرت أفرادا بخلاف ما إذا كان الشيء قليلا فصار خفيفا، وهو ما قصد إليه التعبير القرآني حين أورد كلمةللدلالة على القلة والحقارة، والضعف والضَّآلة، وهل أعمال الكفار إلا كذلك، ومع هذا فالرماد لا يكون غلا بعد خمود النار وانطفاء ضوئها، وذلك هو عمل الكافر الذي يأتي من جراء خمود الإيمان في قلبه وانطفاء أنواره في فؤاده، فالرماد إذن هو أولا خفيف وهو ثانيا قليل فذلك ضعف فوق ضعف، ويقابله أن الريح شديدة أولا وهي ثانيا في يومٍ عاصف، فتلك قوة فوق قوَّة، فتخيل أن هناك درجتين ضعيف وأضعف، ومنزلتين قوي وأقوى؛ كيف يمكن لحبات الرماد الحقيرة أن تقف في هذا الجو العصيب، كيف وهي بدونه غير واقفة فما حالها معه !، وقد اجتمعت فيه قوَّ تان، لا شك أنها ستفرقه تفريقا، ولا تبقي منه ولا تذر، بل ترمي بذرات الرماد إلى أبعد مكان حتى لا تلتقي ذرة منه بأختها، فهذا حال أعمال الكافرين، من هنا تظهر المناسبة في قوله ذلك هو الضلال البعيد، فبعد حبات الرماد كبعد أعمال الكافر يوم القيامة عنه، ويا ليتها مجتمعة حتى يتعب ويظفر بها، كلاَّ، إنه لا يعرف أين يتوجه فإن كل عمل من أعماله في مكان هو بعيدٌ عنه أوَّلا، ثم هو لا يدريه ثانيا، وتنكير الرماد لبيان قلته مقدمة نتيجتها كثرة التشتيت وزيادة التفتيت لذراته، فلو كان كثيرا لربما وجت منه حفنةٌ في مكان ما مجتمعةً مع بعضها بعضٍ ولو على الفرض والتَّنزُّل، ولكنه ليس إلا قليلا فأنى لحفنة لذرة منه أن توجد، بله حفنة، إنه العجز التام عن الظفر بعمل من الأعمال الرمادية يوم القيامة في وقتٍ يكون فيه كل أحد أحوج ما يكون إلى أعماله، فلا يجد الكافر منها شيئا ولا يظفر منها بنصيب، فقلة الرماد أدعى لتشتته، وتشتته ادعى لضلال الوجهة التي منها يقصد الكافرون ليحوزا على أعمالهم، لا سيما وقد تفرقت في كل مكان، وفي أبعد موطن. وقد قال أبعد منهم، لا ينالوها أبدا بل سيضلون ويتيهون في البحث عنها من دون جدوى، لا بل حالهم كحال من يريد الحصول على حبات الرماد في يوم عاصف اشتدت ريحه، وبالتالي لا يغتر الإنسان بما كسب، وان أعماله من كسبه فإن الله تعالى قد يجعلها ابعد عنه مما بين

عدد الصفحات ١٨٥

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 186 المشرق والمغرب، تلك هي مكاسب الكافر التي يعتد ب ها ويعددها، لكنه يوم القيامة لا يجدها، فسبحان الله رب العالمين. وأما مناسبة ورود هذا المثل في سورة إبراهيم فالظاهر أن السور المكية التي تصدرت بذكر الكتاب وأولها الأعراف المص (1) ك تَابٌ أ نْز لَ إ لَيْكَ فَلاَ يَك نْ ف ي صَدْر كَ حَرَجٌ م نْه ل ت نْذ رَ ب ه وَذ كْرَى ل لْم ؤْم ن ينَ ( 2)} الر ت لْكَ آيَات الْك تَاب الْحَك يم1) أَكَانَ ل لنَّاس عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إ لَى رَج لٍ م نْه مْ أَنْ أَنْذ ر النَّاسَ وَبَشِّر الَّذ ينَ آمَن وا أَنَّ لَه مْ قَدَمَ ص دْقٍ ع نْدَ رَبِّه مْ قَالَ الْكَاف ر ونَ إ نَّ هَذَا لَسَاح رٌ م ب ينٌ ( 2)} الر ك تَابٌ أ حْك مَتْ آيَات ه ث مَّ ف صِّلَتْ م نْ لَد نْ حَك يمٍ خَب يرٍ ( 1) أَلاَّ تَعْب د وا إ اللهََّ إ نَّن ي لَك مْ م نْه نَذ يرٌ وَبَش يرٌ ( 2)} الر ت لْكَ آيَات الْك تَاب الْم ب ين ( 1) إ نَّا أَنْزَلْنَاه ق رْآنًا عَرَب ي ًا لَعَلَّك مْ تَعْق ل ونَ 2)} يكن مطلعها ذكر الظلمات والنور، وخامسها إبراهيم وقد ورد في مطلعها قوله تعالى الر ك تَابٌ أَنْزَلْنَاه إ لَيْكَ ل ت خْر جَ النَّاسَ م نَ الظُّل مَات إ لَى النُّور ب إ ذْن رَبِّه مْ إ لَى ص رَاط الْعَز ي ز الْحَم يد (1) اللهَّ الَّذ ي لَه مَا ف ي السَّمَاوَات وَمَا ف ي الأَْرْض وَوَيْلٌ ل لْكَاف ر ينَ م نْ عَذَابٍ شَد يدٍ ( 2) الَّذ ينَ يَسْتَح بُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآْخ رَة وَيَص دُّونَ عَنْ سَب يل اللهَّ وَيَبْغ ونَهَا ع وَجًا أ ولَئ كَ ف ي ضَلاَلٍ بَع يدٍ }هدٍ مصور يجسده المثل أبلغ تجسيد . فكان التمثيل بالرماد الذي اشتدت به الريح في يوم عاصف فلم تبق نارا مضيئة ولا جذوة مشتعلة، واغتدت الريح منفعلةً أشد انفعال، لأن مطلع السورة يبين خروج الناس من الظلمات إلى النور بكتاب الله تعالى وهدايته وتعاليمه، لكن الكافرين استحبوا الظلمة على النور وفضلوا الدنيا على الآخرة، فبقوا في الظلام يعمهون، وفي الضلال البعيد يتخبطون، فناسب ذلك ذكر الرماد لأنه لا يكون إلا بعد انطفاء نور التنور، وضياء اللهيب، فإذا بهم يعكسون المراد، فيمكثون بأعمالهم في الظلمات ويجسدون الرمادية القاتمة السوداء التي يأتيها الفناء ولا ينالوا منها أي شيء من الأشياء، ويمسون من المحرومين البعداء، والله تعالى أعلم. فهذا إذن مثل عام في جميع أعمال الكافرين، وهناك مثل خاص بقضية الإنفاق عندهم بعينها، فيقول جل ثناؤه مَثَل مَا ي نْف ق ونَ ف ي هَذ ه الْحَيَاة الدُّنْيَا كَمَثَل ر يحٍ ف يهَا ص رٌّ أَ صَابَتْ

عدد الصفحات ١٨٦

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 187 حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَم وا أَنْف سَه مْ فَأَهْلَكَتْه وَمَا ظَلَمَه م اللهَّ وَلَك نْ أَنْف سَه مْ يَظْل م ونَ [ }117.] فالمثل خاص وحق الخاص التقديم على العام، وهذا ما ورد بالفعل، فإنه قد ذكر في سورة آل عمران، والمثل العام مذكور في سورة إبراهيم، فتأمَّل واعتبر. فإن سورة إبراهيم لما كانت مكية جاء المثل عاما لجميع أعمال الكافرين وأنه ينالها الإحباط، فهي تتناول المشركين من أهل الكفر، وأما آل عمران فسورة مدنية تخاطب أهل الكتب وهم اليهود الذين سكنوها بأن إنفاقهم الذي يعدُّونه تدينا هو كمثل ريحٍ فيها صر أي برد شديد محرق؛ أصابت حرث قومٍ ظلموا أنفسهم فأهلكته وصيرته صعيدا زلقا، ومعلوم أن النصارى جاهلون واليهود ظالمون، فسبب الهلاك من جراء الظلم الذي هو تَعَمُّد المخالفة وتَقَصُّد الخطأ كما هو شأن هؤلاء المغضوب عليهم.

عدد الصفحات ١٨٧

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 188 المثلالثالث: قال عز م ن قائل ب كْمٌ ع مْيٌ فَه مْ لاَ يَعْق ل ونَ 171 .] فسر بعض العلماء الآيةَ على أن مرادها هو أنَّ مثل الكافرين في دعائهم آلهتهم؛ كمثل الذي ينعق بشيء بعيد فهو لا يسمع من أجل البعد فليس للناعق من ذلك إلا النداء الذي يتعبه وينصبه، لكننا إذا أتينا إلى السياق تبدى لنا مفهوم اوضح، وهو المناسب للتمثيل لكونه أدق وأصدق وأجمل وأبين، فإنَّه "لما نددت الآية قبل هذه(170[ )ه تعالى لَه م اتَّب ع وا مَا أَنْزَلَ اللهَّ قَال وا بَلْ نَتَّب ع مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْه آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤ ه مْ لاَ يَعْق ل ونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَد ونَذه الآية بصورة عجيبة ومثل غريب للذين يعطلون قواهم العقلية حتى أصبحوا؛ كالشياه لا تفهم إلا مجرد الصوت" (228)، وهذا التفسير هو اختيار ابن جرير الطبري، وقد نقله عن ابن عباس رضي الله عنهما (230.) والسياق يصور ثلاث صور يقابلها في التمثيل ثلاثٌ مثلها كالآتي الصورة الأولى: دعوة المؤمنين للكفار إلى التوحيد، الثانية إعراض الكافرين احتجاجا باتباع الآباء ر غم انعدام البرهان المقنع، الثالثة وصف آبائهم بأنهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون. فالصورة الأولى يقابلها في المثل صياح المؤمنين بالكفار أن ارجعوا عن هذه المعتقدات الفاسدة لدرجة أنهم ينعقون بهم ويصيحون عليهم لشدة خطر الشرك الواقعين فيه، والصورة الثانية يقابلها عدم استجابة الكفار للدعوة رغم الصياح المتفاوت في درجة علوُّه فمرة هو دعاء للهدى والنور، ومرة هو أشد وأعلى حيث يكون نداء لأن الدعاء طلب القريب والنداء 228- جابر بن موسى بن عبد القادر بن جابر أبو بكر الجزائري "أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير" مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية، ط 5، سنة1424هـ2003م، ج1/146، بتصرف وقد قلب الشيخ جابر المعنى فقال إن المتبعين من رؤوس الكفر يدعون إتباعهم للشرك والفسوق كالغنم التي تدعى من راعيها فتستجيب له تقليدا منها لما ألفته من الصوت دون فهمها معناه، حتى وإن كانت تدعى إلى أن ت ذبح، في حين الآية لا تدل على الاستجابة، بل على العكس تدل على عدم استجابة الكفار لدعاء الراعي وندائه. 230- محمد بن جرير الطبري، أبو جعفر (ت310 هـ) "جامع البيان عن تأويل آي القرآن" ت: صدقي جميل العطار، دار الفكر، 1415ه/ 1885م، ج2/113.

عدد الصفحات ١٨٨

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 188 طلب البعيد في طلب البعيد من شدة الصوت ما لا يوجد في طلب القريب، وقد بدأ بالدعاء لبيان انهم دعوا إلى الحق بهدوء فلم يستجيبوا ودعوا إليه بإنذار يصيح صاحبه صياحا لتحذيرهم ولكن دون جدوى، فهو ينع ق بما لا يسمع، و فالذين يدعون وينادون هم ليسوا عقلاء لهذا لم يصدق حمل المثل على دعاء الكفار لمعبوداتهم كون ها لا يمكن أن تسمع الدعاء والنداء من جهة، ولأن فيها من هم عاقلون كالأموات من البشر والقاعدة ان الخطاب العربي يغلب جانبهم لوجودهم مع غير العاقل فيجيء التعبير بـتي تستعمل لغير العقلاء، وما دام قد وردت في التعبير القرآني والصياح هم الكفار المشابهون للأنعام التي هي غير عاقلة فلا تفهم الخطاب وإنما تسمع الأصوات الصائحة الصارخة دون استيعاب للمعاني، وبالتالي لا تحصل الهداية ولا يتحقق المطلوب، والصورة الثالثة يقابلها صمم الكفار عن الهدى وبكمهم عن قول أي شيء يوحي بالاستجابة ولو مجرد كلمة "نعم"، عمي فهم لا يبصرون شيئا من الحقائق سوى ما تعودوا عليه من التقليد فيرعون ما وجدوه على ظهر ارض الشرك المقيت، ولا يستعملون عقلوهم للخروج من هذا الواقع المشين ولا يتفهمون مضامين رسالة الخير التي تدعوهم إلى الصواب وتبصرهم به، بيد أنهم لا بصيرة لهم، فهم يملكون الألسنة والعيون والآذان، ولكنها معطلة تماما لكونهم قد عطلوا الأذهان، وهي على الترتيب: دعوة يقابلها نعيق بالدعاء والنداء، ومدعوون يحتجون بالتقليد يقابلها كفار لا يسمعون إلا مجرد الصوت دون معناه وحجته ودليله، وآباء لا يعقلون ولا يهتدون يقابلها أبناء صم بكم عمي فهم لا يعقلون. ومناسبة جعل حال المؤمنين وهيئتهم في دعوتهم كحال الناعق وهيئته في نعيقه تتمثَّل والله أعلم في أن هذا الصوت ارتبط عند العرب بالإنذار والإعلام بالمصيبات والدواهي، والكفار مع ذلك الصياح المتعالي والنذر المترادفة لا يلقون استجابة فكيف بغيرها، هذا من جهة، ومن جهة ثانية أَن النعيق يحمل معنى الزجر، وهو الذي يؤيد الم فهم السالف ويدفع كون الناعق هم الأسياد المتبعون حين يدعون أتباعهم إلى ضلالهم، فهذا المعنى لا يتناسب معه لفظ فيه معنى الزجر، لكونه نهيا، والنهي إنما صدر من المؤمنين عن اتباع طريق

عدد الصفحات ١٨٩

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 180 الشرك لا من رؤوس المشركين، ومن جهةٍ ثالثة فإنَّ قوله ا مبنية على حذف مضاف، أي: مثَل واعظ الذين كف روا ... وداعيهم إلى} الذي يرعَى البهائم، وينعق عليها؛ ليزجرها، أو يدعوها فإذا سمعَت النداء رفعَتْ رؤوسها ولم تعق لْه، ثم عادت إلى مراعيها، فلا تسمع من الراعي يزجرها، ولا تفقه ما يقول لها، كذلك الكفار المنهمكون في الكفر، إذا دعاهم أحد إلى التوحيد لا يلتفتون إليه، ولا يفقهون ما يقول لهم، كالبهائم أو أضل" (231)، وإذن فجعل دعوة المؤمنين نعيقا لأجل تشبيه الداعي بالراعي والنعق نداء الغنم .. وقد أخذ الأخطل معنى هذه الآية في قوله يصف جريراً بأن لا طائل في هجائه الأخطلَ: فانْع قْ بضأْنك يا جرير فإنما *** منَّتْك نفس ك في الخلاء ( 232) ض233.) فالراعي ينعق لمصلحة الغنم ويمد صوته إليها وهي ذاهبةٌ إلى حتفها إذ لا عقل لها و ميز سوى سماع الصوت مجردا عن معناه، خاليا من محتواه، ومن جهةٍ رابعة فإنَّ القوم استسلموا للذاذة النوم الدغمائي والتقليد العمائي فهم لا يريدون أن يسمعوا صياحا يوقظهم من فراشهم الناعم الوثير لاسيما إذا كان الصوت عنيفا شديدا مثل النعيق، وهو إلى ذلك يحمل شؤما في نظرهم وينذر بشر يرتقبهم غن لم يستجيبوا، فيكتفون بمجرد سماع الصوت دون فهم المعنى لكونهم لا يريدون إدراك محتوى الرسالة، فهي بالنسبة إليهم جعجعة ليس لها طحين، لذلك لا يبتدرونها بالوعي والتركيز، ولا بالفهم والميز، بل يعرضون ولا يعقلون، مثل أهل الصمم والبكم والعمى. والتمثيل "إنما عطفه بالواو هنا ولم يفصله كما فصل قوله ناراً صح ذلك" (234.) وقد حذف لفظ الوعظ يعني مثل الواعظ للذين كفروا بناءا على "جواز حذف وعظ اكتفاء 231- أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الإدريسي الشاذلي الفاسي أبو العباس(ت: 1224هـ"البحر المديد في تفسير القرآن المجيد" دار الكتب العلمية ــ بيروت، ط2، سنة1423-2002م، ج1/174. 232- ذكر ابن عاشور بدل كلمة الخلاء كلمة الظلام، والصواب ما أثبتناه، ولعله كتب بيت الأخطل من حفظه فوهم، وقد جل من لا يسهو. 233- محمد الطاهر بن عاشور "التحرير والتنوير" دار سحنون للنشر والتوزيع - تونس - 1887 م، ج2/112-113. 234- المصدر السابق نفسه، ج2/111.

عدد الصفحات ١٩٠

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 181 بالمثل منه ... و لأن هذه الآية نزلت في اليهود، وإياهم عنى الله تعالى ذكره بها، ولم تكن اليهود أهل أوثان يعبدونها ولا أهل أصنام يعظمونها ويرجون نفعها أو دفع ضرها. ولا وجه إذ كان ذلك كذلك لتأويل من تأول ذلك أنه بمعنى: مثل الذين كفروا في ندائهم الآلهة ودعائهم إياها (235 .) فإن قال قائل: وما دليلك على أن المقصود بهذه الآية اليهود ؟ قيل: دليلنا على ذلك ما قبلها من الآيات وما بعدها، فإنهم هم المعنيون به، فكان ما بينهما بأن يكون خبرا عنهم أحق وأولى من أن يكون خبرا عن غيرهم" (236.) فإن قيل إن كلمة ينعق تدل على الواحد المفرد، وهو الداعي إلى الله تعالى وأول من يدخل في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أليس كذلك؟ نقول نعم فهو سيد الدعاة على الإطلاق. فإن قيل: فهل دعوته عليه الصلاة والسلام تشَبَّه بالنعيق؟ نقول: لا، وكلاَّ، "فإن قوله: {ي قوله تعالى استوقد17] (237 .) والذي يدل على انه سبحانه شبههم بالأنعام قوله في المثل الآخر يَسْمَع ونَ أَوْ يَعْق ل ونَ إ نْ ه مْ إ لا كَالأَنْعَام بَلْ ه مْ أَضَلُّ سَب يلاً بين النوعين التساوي في عدم قبول الهدى والانقياد له وجعل الأكثرين أضل سبيلا من الأنعام لأن البهيمة يهديها سائقها فتهتدي وتتبع الطريق فلا تحيد عنها يمينا ولا شمالا والأكثرون يدعونهم الرسل ويهدونهم السبيل فلا يستجيبون ولا يهتدون ولا يفرقون بين ما يضرهم وبين ما ينفعهم والأنعام تفرق بين ما يضرها وما ينفعها والله تعالى لم يخلق للأنعام قلوبا تعقل بها ولا ألسنة تنطق بها وأعطى ذلك لهؤلاء ثم لم ينتفعوا بما جعل لهم من العقول 235- وقد غل ط الشيخ أبو بكر جابر الجزائري في "أيسر التفاسيرج1/146،فنسب إلى ابن جرير هذا التأويل الذي لا يقول به، بل الذي قال إنه لا وجهَ له. 236- محمد بن جرير الطبري، أبو جعفر (ت310 هـ) "جامع البيان عن تأويل آي القرآن" ت: صدقي جميل العطار، دار الفكر، 1415ه/ 1885م، ج2/113. 237- الطاهر بن عاشور "التحرير والتنوير، ج2/111.

عدد الصفحات ١٩١

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 182 والقلوب والألسنة والأسماع والأبصار فهم أضل من البهائم فإن من لا يهتدي إلى الرشد وإلى الطريق مع الدليل له أضل وأسوأ حالا ممن لا يهتدي حيث لا دليل معه" (238.) وهذا كقوله تعالى [74] فالحجارة تنفع بالماء، فهي أفضل من هؤلاء! ولقد ذكر أداة الاستثناء بالأرض والبطن، فأين هم من نور السماء والفطانة!، وإذا كان الأعمى لا يبصر ر غم حلول الضياء وطلوع النهار فهو معذور، ولكن لا يبصر سليم البصر مع وجود النور!، من هنا كانوا أضل من البهائم المعذورة بالمانع الطبيعي، أما هم فلا عذر لهم في التقام الأشواك في هذا الجو الربيعي!! وقوله في بداية هذه الآية الكريمة معنى بل الإضرابية ، واستفهام الإنكار معًا ، والإضراب المدلول عليه بها هنا إضراب انتقالي . والمعنى : بل تظن ه ، فإنهم لا يسمعون الحق ولا يعقلونه ، أي : لا يدركونه بعقولهم" ( 238.) وتلك هي حقيقة الغفلة عن آيات الله وما فيها من الهدى والتبصير، والمواعظ والخير، كمثل قوله تعالىه مْ أَعْي نٌ لاَ ي بْص ر ونَ ب هَا وَلَه مْ آذَانٌ لاَ يَسْمَع ونَ ب هَا أ ولَئ كَ كَالأَْ نْعَام بَلْ ه مْ أَضَلُّ أ ولَئ كَ ه م الْغَاف ل ونَ178 ] ثم إنَّ "الجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لأنها في جواب سؤال لأن ما تقدمها في إنكار سمعهم يثير في النفس سؤالاً عن نفي سماعهم وفهمهم فأجيب أضل من الأنعام لأن البهائم إن لم تعقل صحة التوحيد والنبوة لم تعتقد بطلان ذلك بخلاف هؤلاء المشركين" (240) فتأمَّل ثم هم أيضا "غاية في الغفلة ، ومَثل في الضلالة؛ لأن البهائم تعرف من ي حسن إليها ممن 238- ابن قيم الجوزية "أمثال القرآن" ت: ناصر بن سعد الرشيد، ص25-26، بتصرف 238- محمد الأمين الشنقيطي "أضواءالبيان في إيضاح القرآن بالقرآن"، ج6/58. 240- جابر الجزائري "أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير"، ج3/617.

عدد الصفحات ١٩٢