المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

جماليات المثل في القرآن الكريم دراسة أسلوبية

سعد قدور عيسات

صفحة ١١ من ٢٤

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 161 فهذا هو الذيليغيظ بهم الكفار. فهؤلاء معجبون، وأولئك بالغيظ يموتون! لا سيما أنَّه شبه المؤمنين بالزرع لكثرة أعداده، وتنَوُّع إمداده، وكثرة منافعه. وقد ذكر في المثل الأول صورا تقابلها صور مثلها في الثاني، وذلك أَنَّ محمدا صلى الله عليه وسلم صنع أصحابا هم أولئك الذين معه واخرج منهم للأمَّة جيلا فريدا، كما أخرج الزرع شطأه، فأصبحوا أشداء، كما أصبح الشَّطء مستغلظا، ولكن كما أنَّ تلك الشدة قد جعلتها الرحمة –في قوله رحماء - مستوية معتدلة، كذلك الشطء استوى واعتدل، بيد أَنَّ استواءه كان متجسدا على سيانٍ قائمة كالأ عمدة، مثل تلك الرحمة تماما فقد تجسَّدت على عمود الإسلام وهو الصلاة، وصارت مبنيَّة على كيانٍ أناس قائمين بالصلاة ليل نهار، وقتما أردت أن تراهم وجدتهم للذكر والخشوع، لابد أن يكون لينا رحيما، لذلك قامت الرحمة على كاهل هذا القلب الحنون. ثم جاءت آخر عبارة في المثل تقول مخلصون، ت قابله العبارة القائلة هاتين العبارتين تشتركان في كنونهما مسك ختام الأشياء التي بدونها لا تحصل السعادة، وذلك أنَّ ال مؤمن مهما كثرت صلاته وانسجم عمله مع السنَّة، لا يظفر بشيء إذا لم يكن مخلصا لله في عبادته، ففرحته لا تتمُّ إلاَّ بقبول العمل، وب لوغ الأمل، وحلول الفضل والرضوان، وهكذا الزرع مهما استوى على سوقه فكان ناضحا؛ لا يكتمل إلاَّ إذا كان بهيجا،ينئذٍ يتمُّ حلول ذلك الإعجاب عليه، والفرح به بمنظره والسَّعادة بمرآه. أمَّا قوله خاصة بمثل الصحابة في الإنجيل فقط، لأنه قال عدل اللفظ بانزياحية لطيفة إلى قصد جماعة العاقلين لأنَّ الكلام إنما جاء من أجلهم فقال:

عدد الصفحات ١٦١

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 162 {أي بالصَّحابة المذكورين في مطلع الآية، فهو يغيظ بهم جميع طوائف الكفار، وذلك هو ما كان من واقع الحال. وبالتالي؛ فقد كانت هذه العبارة الأخيرة كأرضية المشهد التي تحمل الصور في المشهدين جميعا. إنَّه مشهد متناسق متكامل الأجزاء، لا يغادر فيه رسمٌ موضعه، فسبحان من رصعه بألوان التعبير الجميل، والإعجاز الكامل الذي يستحيل أن يكون إلاَّ كلام الله. وفي قولهفلفظ {يعود على الذين هم مع محمد صلى الله عليه وسلَّم، معه في كل شيء في السراء والضراء، في السَّعَة والضيق، في الحل والترحال، فجاء التعبير على ما هو عليه في نظامه المألوف، إذ الأصل أن يؤتى في مكان الضمير بالضمير لأنه أبين للمعنى وأخصر للفظ، وهذا ما تحقق حين ناب الضمير47 كلمة مذكورة قبله ثمَّ إنَّه قدَّم المغفرة على الأجر، لأنها بمنزلة نزع الأدران، والأجر بمنزلة العطر، ومعلوم أنَّ العطر لا يوضع إلاَّ بعد نزع الدرن والتطهر ليضفي على المرء الطيب والانتشاء، ويزيد من أريحية النفس بعد تخففها من أثقال السيئات التي أزالتها عنها المغفرة الربانية الجليلة.

عدد الصفحات ١٦٢

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 163 المثلالثاني والثالث: قال تعالى جَنَّةٍ ب رَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَاب لٌ فَآتَتْ أ ك لَهَا ض عْفَيْن فَإ نْ لَمْ ي ص بْهَا وَاب لٌ فَطَلٌّ وَاللهَّ ب مَا تَعْمَل ونَ بَص يرٌ [265.] أنث كلمة {ة المنفقين في الرضا الإلهي الجميل، فالمرضاة – كما يقول الحرالي - مفعلة لتكرر الرضا ودوامه، وقد جاءت تاؤها مفتوحة إشارة إلى انفتاح الخيرات و سعة المراضي وانبساطها، وهذا من الإعجاز في الرسم القرآني البديع، وأردف ذلك بمحبتهم تثبيت أنفسهم على الهدى والخير مما يشي بأنَّ التعبير هنا يتضمن خوفهم من الرياء فهم يريدون أن تقبل أعمالهم ويتحاشون ما يبطلها، فينفقون من غير علة دنياوية ولا شائبة نفسانية، ويرومون البذل والعطاء وبكل سخاء حتى ينطبعوا بطابع الكرم والجود ويسهل عليهم الإنفاق، وهنا نكتة بديعة، فإن الله تعالى ذكر من حالهم ما يمنع أن تكون صدقتهم من ورائها منٌّ فضلا عن الأذى، وذلك أن تثبتهم المذكور لا بد لأجله أن يكونوا محتسبين، يرجون ثواب الآخرة، فإذا "كان المعطي محتسباً للأجر عند الله، مصدقاً بوعد الله له، طالباً من الله ، لا من الذي أعطاه، فلا يمن عليه ،كما لو قال رجل لآخر : أعط مماليكك هذا الطعام، وأنا أعطيك ثمنه، لم يمن على المماليك، لاسيما إذا كان يعلم أن الله قد أنعم عليه بالإعطاء" (206)، فهذه دلالة موحية تقابل المثل الأول الذي فيه عدم الإيمان بالله واليوم الآخر، علاوة على ما فيه من الرياء والسمعة وحب الظهور، والإنفاق لغير وجه الله العزيز الغفور، مما يرسم لنا أجزاءً بديعة متناظرة في المشهدين. والمؤمنون المنفقون يريدون أمرين أولهما رضا اله تعالى، والثاني الاستمرار على فعل الخير حتى يستمر ثوابهم، فكانت النتيجة أن ضاعف الله عز وجل لهم المثوبة كما تضاعف أ كل الجنة إلى ضعفين، وبين انه حتى وإن لم هناك وابل من مطر غزير فسيكون هناك مطر خفيف وتأتي الغلة المباركة على كل حال، حتى وإن لم تكن بقدر مضاعف، وذلك 206- ابن تيمية"مجموع الفتاوى" ت:عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، ج14/331.

عدد الصفحات ١٦٣

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 164 على حسب النيات والأعمال لذلك قال تعالى في الختام فالأول هو "حال السابقين المقربين، الله، فأصحاب الوابل أعلاهم درجة، وهم الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، وأصحاب الطل مقتصدوهم" (207.) وإنما لم يقل "يصيبها" طل، لغاية الاختصار من جهة، ولأجل ألاَّ يتكرر الفعل ثلاث مرات فيكون ثقيلا في السمع، وينبو عنه الطبع، فإنه قال يصبها وابل مراعاةً لما يكون سلس التغلغل في الأسماع صوتيا، وجميل الوقع على الطباع ذوقيا. وهذا كما جعل الجنة أي البستان في ربوة وهي المكان المرتفع حتى يكون موقعها جميل الرؤية منظرا، زكي الفاكهة ثمرا، فإن الارتفاع أنقى لهوائه، وهو المعنى الذي رام إليه القرآن في مثلٍ آخر وهو شجرة الزيتون حين جعلها لا شرقية ولا غربية أي نور الشمس لا يأتيها من جهة الشرق دون الغرب فكأنها في المكان المرتفع الذي لا تعزب عنه الشمس طولَ النهار، وذلك أطيب لثمرها وأصفى لهوائها وأبعد لها عن الحشرات الضارة والحشائش المهلكة، فكذلك حال الربوة فإنها في علوها تكتفي بالقليل من المطر، فإذا جاء كثيرا كان نورا على نور أي غلة على غلة، إذ "حملت في سَنَةٍ ما يحمل غيرها في سنتين"(208)، فتأمل تناسق الأمثال القرآنية برغم تباعد السورتين البقرة، والنور، وتدبر كيف أن هذا بستان متنوع، وتلك شجرة فريدة. والطل: المطر الخفيف، وفي ذلك يقول الراجز: والطلُّ ما خفَّ من الأمْ طَار *** والوابل الغزير ذو انه مَار . إنَّ هذا إذن؛ هو "المنظر الثاني المقابل بالإيمان، ندي ببشاشته . ينفق ماله .. وينفقه عن ثقة ثابتة في الخير، نابعة من الإ يمان، عميقة الجذور في الضمير . . وإذا كان القلب الصلد وعليه ستار من 207- محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية "طريق الهجرتين وباب السعادت ين" دار السلفية، القاهرة، مصر، ط 2، 1384هـ، ص368-370. 208- أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الإدريسي الشاذلي الفاسي أبو العباس (ت1224هـ) "البحر المديد في تفسير القرآن المجيد" دار الكتب العلمية ــ بيروت، ط2، سنة1423-2002م، ج1/174.

عدد الصفحات ١٦٤

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 165 الرياء يمثله صفوان صلد عليه غشاء من التراب ، فالقلب المؤمن تمثله جنة . جنة خصبة عميقة التربة في مقابل حفنة التراب على الصفوان . جنة تقوم على ربوة في مقابل الحجر الذي تقوم عليه حفنة التراب ! ليكون المنظر متناسق الأشكال ! فإذا جاء الوابل لم يذهب بالتربة الخصبة هنا كما ذهب بغشاء التراب هناك . بل أحياها وأخصبها ونماها ... إنه المشهد الكامل ، المتقابل المناظر ، المنسق الجزئيات ، المعروض بطريقة معجزة التناسق والأداء، الممثل بمناظره الشاخصة لكل خالجة في القلب وكل خاطرة ، المصور للمشاعر والوجدانات بما يقابلها من الحالات والمحسوسات ، الموحي للقلب باختيار الطريق في يسر عجيب . . ولما كان المشهد مجالا للبصر والبصيرة من جانب ، ومرد الأمر فيه كذلك إلى رؤية الله ومعرفته بما وراء الظواهر ، جاء ا لتعقيب لمسة للقلوب: { بصير208.) ثم هاهنا عطفان في قوله ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات والمنفقين ابتغاء وجوه الناس وطلبا لمحمدتهم وثنائهم، وهو بالنسبة لقوله تعالى قبل ذلك بآيات261] مناسبة210.) و"تحت هذا المثل من الفقه أنه سبحانه شبه الإنفاق بالبذر، فالمنفق ماله الطيب لغيره باذر ماله في أرض زكية فمغلة، بحسب بذره وطيب أرضه، وتعاهد البذر بالسقي ونفي الدغل والنبات الغريب عنه، فإذا اجتمعت هذه الأمور ولم تحرق الزرع نار ولا لحقته جائحة جاء أمثال الجبال" (211)، وكالسنابل السبع الطوال، في كل سنبلةٍ مائة حبة إلى انه جل ذكره، جعل صدقة المنفق في باب الجهاد تتضاعف سبعة مائة ضعفا، بما يفوق 208- سيد قطب إبراهيم حسين الشاربي (ت1385هـ "في ظلال القرآن" دار الشروق - بيروت- القاهرة، ط 17، سنة 1412ه، ج1/308 . 210- ينظر؛برهان الدين أبي الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور" ت: عبد الرزاق غالب المهدي، دار الكتب العلمية - بيروت - 1415هـ- 1885م، ج1/518. 211- محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية "أمثال القرآن" ت: ناصر بن سعد الرشيد، نشر مطابع الصفا، مكة المكرمة، السعودية، ط 2، سنة1402هـ1882م، ص50.

عدد الصفحات ١٦٥

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 166 صاحب الضعفين، وصاحب الطل الأقل من ذلك، فكانت الدرجات إذن ثلاث. وانظر إلى قوله حبة ليمثل بها للدرجة العليا، في حين أن الناس لو أرادوا التشبه في هذا المقام لفكروا مباشرة في شيء ضخم، ولم يخطر ببالهم حبة! ولكنه الإعجاز في براعته كيف يشق طريقا غير طريق الآخرين ويربي على أساليبهم في البيان، فيضفي على التعبير مسحة من الجمال، يرى من خلالها المخاطَب ألوانا من المعاني الدقيقة الفائقة التي تثير الإعجاب. ثم إنها السنبلة الجميلة، بل باقة من السنابل المتقابلة، إذ نبتت من حبة واحدة، فهي الآن مزدانة بالحب حاملة، فتبصر ها لأجل ذلك منحنيةً مائلة، ويا له من منظر خلاب! وقد جمع السنابل بجمع القلة على وزن مفاعل، وهو كثير في القرآن من جهة، وأفصح من جهةٍ أخرى، فلم يقل سنبلات، ولكنه قالها في سورة يوسف عليه الصلاة والسلامإ نِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ س مَانٍ يَأْك ل ه نَّ سَبْعٌ ع جَافٌ وَسَبْعَ س نْب لاَتٍ خ ضْرٍ وَأ خَرَ يَاب سَاتٍ [ } 43] السلامة بجمعٍ مثله، فقال ا في قوله { بألفٍ ممدودةٍ يليها حرف تاءٍ منوَّن، يضخ في النفس إحساسا بالجمال وشعورا به ولا يقال هنا إنه قدم الناحية الصوتية على المعنى المراد لكون جمع القلة أفصح؛ كلا، بل الجمع المذكور ليس أفصح هاهنا، إذ هو مشروط بأن يخلو من مجاورة جمع السَّلامة قد جاوره، وهذا الشرط هو الذي نستفيده من أسلوب القرآن، فنعمل به، ولا نعكس فنخضع كتاب الله لقواعد النحاة واللغويين، التي يجب أن يكون القرآن معيارا لها لا أن تكون معيارا له. فلما خلا الكلام في آية البقرة من مجاورة جمع السلامة قال ونرى من جهةٍ أخرى أنَّ المقام أصلا؛ يلح على التقليل، لذلك ناسبه جمع القلة، فتراه قال حبة، وأسند إليها الإنبات فقال

عدد الصفحات ١٦٦

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 167 مخلوق أن يفعل، لاسيما وهو لا يساوي إلاَّ حبة؟ ولكنك تنبهر إذا علمت أن هذه الحبة مع ضعفها وقلة شأنها وخفة وزنها أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة. إنَّ التعبير يأتيك بشيء قليل ليضع لك فوقه شيئا ضخما كبيرا، يندر في العادة أن يحمله. وهذا ليس تهويلا، بل هو الدقة الفائقة في التصوير لانَّ هذا تماما هو حال الصدقة القليلة حينما يصبح أجرها أكثر منها بكثير، وكثير جد ًا. بل قد تكون تلك السَّبعة السنابل، أكثر من عددها الحاصل، فتفوق حباتها السبعة مائة ضعفا، وينال صاحبها حينئذ سعةً وش رفا، لهذا قال جل ذكر ه وفي تقديم لفظ الجلالة التبرك باسمه سبحانه، لكونه الفاعل الحقيقي في مضاعفة الحسنات، خاصَّةً إذا كانت في سبيله وإعلاءً لكلمته. لهذا جعل السنبلة تنبت سبع سنابل وقبل أن ينتهي عملها بين أنَّه هو الفاعل الحقيقي كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء بفعل الصدقات، موضحا أنه ليس كل سنبلة هذا شأنها وليس كل صدقة تكون كذلك، بل إرادة الله سبحانه هي الأساس. وحتى لا يقع تشويش على الناس ختم قائ مضاعفة الأجور، وتَقَدَّمَ اسم الله للتبرك به، وجاءت كلمة { يضاعف لآخر ويحصل التفاوت بين المنفقين رغم أن بعضهم أنفق أكثر، ولم يكن أجره أوفر؟ ذلك؛ لأنه سبحانه واسع محيط بكل صغيرة وكبيرة، وبكلِّ ظاهرة وخفية، ويعلم خبايا نفوس العباد، ونوايا كل فؤاد، ومن أخلص في صدقته وعمله ومن لم يخل ص، ودرجة

عدد الصفحات ١٦٧

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 168 إخلاص كل منفق، ومنزلته في التقوى، فلا جرم أن يكون ذلك التفاوت، ثم إنَّ الأمر كما قال تعالى في آيةٍ أخرى54 .] فهو عز وجل "يضاعف بحسب حال المنفق وإيمانه وإخلاصه واحسانه ونفع نفقته وقدرها ووقوعها موقعها فان ثواب الإنفاق يتفاوت بحسب ما يقوم بالقلب من الإيمان والإخلاص والتثبت عند النفقة وهو إخراج المال بقلب ثابت قد انشرح صدره بإخراجه، وسمحت به نفسه، وخرج من قلبه قبل خروجه من يده فهو ثابت القلب عند إخراجه غير جزع ولا هلع ولا متبعه نفسه ترجف يده وفؤاده ويتفاوت بحسب نفع الإنفاق ومصارفه بمواقعه وبحسب طيب المنفق وذكائه" (212.) ومن أفضل مواقع الإنفاق ومصارفه؛ موقع الجهاد لأنه ذروة سنام الإسلام، فمن ذكاء المرء أن يصرف نفقته في سبيل الله إحقاقا لكلمة الله التي هي العليا، وأجر من انفق في هذا السبيل هو الأجر الأعلى، والثواب الأوفى. وتأمل إلى مثل الجنة بالربوة كيف جعلها بستانا يحوي ألوان الثمار، في حين هذا المثل ليس فيه إلا نوعا واحدا مما تنبت الأرض ثم هو ليس على الأشجار بل على سيقان نبتة خفيفة، ومع ذلك فهذا في الذروة أجرا، وذاك قد يكون! وانظر إلى التمثيل الأعلى للثواب كيف جاء بشيء هو من أساسيات الحياة، وهو القمح وحده، بخلاف ثمار البستان فليست كذلك، ولكنَّها باجتماعها قد تكون!! {وَاللهَّ ي ضَاع ف ل مَنْ يَشَاء وَاللهَّ وَاس عٌ عَل يمٌ } وفي تقديم كلمة شيء، ومن كان محيطا بالأشياء كلها والأمور جميعها كان عليما. ثم إن الفاصلة هنا الفاصلة في القرآن ليست سجعا فقط، بل هي شيء يطلب ه المعنى في حد ذاته، ويستدعيه 212- محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية "أمثال القرآن" ت: ناصر بن سعد الرشيد، نشر مطابع الصفا، مكة المكرمة، السعودية، ط 2، سنة1402هـ1882م، ص50.

عدد الصفحات ١٦٨

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 168 ويلحُّ في إيجاده، فما هي كالسجع الذي يكون على حساب المعاني، ويتقدَّم فيه الرَّنين على المضامين! إنَّ الفاصلة هي الأمر المعجز الذي يجمع بين المعنى وحسن الصوت، في تساوق وتعانق وتظافر لا يكون فيه هذا على حساب ذاك، وهي معادلة صعبة التحقيق ولكن القرآن جسَّدها بكل ي سر وبكل سلاسة. وتأمل أخيرا؛ لفظةبع رنينا لفظة

عدد الصفحات ١٦٩

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 170 المثل الرابع والخامس: قال تعالىأ ك ل هَا دَائ مٌ وَظ لُّهَا ت لْكَ ع قْبَى الَّذ ينَ اتَّقَوْا وَع قْبَى الْكَاف ر ينَ النَّار 35.] "لما ذكر عذاب الآخرة لأهل الكفر والفجور ذكر نعيم الآخرة لأهل الإيمان والتقوى، فقال {تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها وقوله أمره ونهيه، والشر" (213.) وقد قدم الأ كل على الظل وغن ساواهما في الدوام، لأجل أن المرء إذا أكل وشبع احتاج إلى أن يتمدد في الظل، وإنها لمناسبة جميلة حقا. ولفظتي { فيدعم الصوت المعنى ويلتحد معه، وبهذا كان أحلى في السمع، وأجلى في الفهم. قال تعالىمْ يَتَغَيَّرْ طَعْم ه وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّار ب ينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَ سَلٍ مُّصَف ًى وَلَه مْ ف يهَا م ن ك لِّ الثَّمَرَات وَمَغْف رَةٌ مِّن رَّبِّه مْ 15.] قوله يجعله ينتظر ذكر كاف التشبيه، أي مثل الجنة ككذا وكذا، ولكن شيئا من ذلك لم يكن، بل قال ولغزه هو أن مثل الجنة التي وعد المتقون كمثل الجنة التي وعدوها نفس ها، وهي التي فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه إلى آخر أوصافها، فالتعبير العجيب الفريد ذاك، يشير إلى أنه لا شبه لها ولا مثيل، فهي في الأوَّل والأخير لا تشبه إلاَّ نفسَها، ويا له من حسن بيان. لهذا جاء الأسلوب منذ البدء يسلبها مواصفات الدنيا من الأ سون والتغير، ليخلص الوصف 213- جابر بن موسى بن عبد القادر بن جابر أبو بكر الجزائري "أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير" مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية، ط 5، سنة1424هـ2003م، ج3/32.

عدد الصفحات ١٧٠

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 171 لشيء لم تره العيون بعد ، ولا تتصوَّر ه الأذهان، وهذا ما يفسر لك عدم وصفه كما هو مباشرة لان العقول لا تتمثله في مخيلاتها، فلا معد لَ عن ذكره بسلب خصائص الدنيا عليه من الزوال والتحول، لهذا قال في الآية الأخرى في سلوك سبيل التصوير القريب إلى الأذهان، وتفضيل السلب على الإيجاب عندما يكون ذلك أدنى إلى الفهم واقرب على الأذهان. وهاهنا مقابلة بديعة بين أسلوبين، لتتكامل المشاهد، فأحد الأسلوبين للسلب والثاني للإيجاب، ففي سورة الرعد إثبات دوام الأكل والظل، وفي سورة محمد نفي الأسون عن الماء والتغير عن اللبن، فهنا النفي والسلب لخصائص الدنيا العكرة الحائلة، وهناك إثبات عكس خصائصها المتغيرة الزائلة، وقد أوجب في المثل الأول، وسلب في الثاني، وتلك هي منطقية التصوير في أصل البيان، حيث تقديم الموجبات على السَّوالب إلاَّ لطارئ أسلوبي استحق المراعاة البيانية فكانت له الأسبقية وكان له التقديم . ولما تميز المثل الأول بتقديم ذكر الأوصاف الإيجابية فيه، وتأخير الأوصاف السلب يَّة إلى المشهد الآخر من المثل الثاني، خصَّ هذا الثاني بمزية التفصيل في وصف الجنة، فذكر أربعة أنهار وبيَّن أن فيها من كل الثمرات، وأعطى للأول الوصف العمومي، فذكر الانهار بالجمع د ون تفصيل وعمم في الثمرات فقال الأ كل، بل رتَّب في المذكورات العامة والمفصلة فبدأ بالأنهار وثنَّى بالأ كل في المثل الأول، وفي الثاني بدأ بما بدأ به سابقا مفيضا في معددا أنواع الانهار ماء ولبن وخمر وعسل، وثنَّى بالذي ثنى به من قبل م حددا الثمرات بأنَّها من كل نوع يمكنك أن تعرفه فهي بلا حساب لذلك لم يذكرها واكتفى في تفصيلها بإشارة إلى كثرتها، فتأمَّل ذاك العدل في توزيع المزايا البيانية على المشاهد ، وهذا الترتيب في شرح القضايا التمثيليَّة وحل المعاقد، وذلك كلُّه حتى يتساوى المشهدان تكام لا، ويتضافران تعادلا واقترابا، ولكي لا يذهب بالفضل مشهد دون آخر في الشيء الواحد وفي الموضوع نفسه، حتى وإن و جد تفاوتٌ ما فإنه مقصود لحكمة البيان العادل المستقيم، ذلك الذي يقيم بينهما حينئذٍ مقاربةً تصويرية صادقة، هي التي يعقلها العالمون ويرونها على حقيقتها ممثِّلَةً عينَ العدل.

عدد الصفحات ١٧١

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 172 إنها بالعموم؛ معادلةٌ دقيقة في توزيع المعاني على جغرافية البيان، وأناقة خلابة في نظام ترتيب الألوان على لوحات فن الكلام، تلك هي ريشة القرآن الماهرة الساحرة التي هي أدَقُّ من لسان الميزان الذي لا ي خيس شعيرة واحدة ! أمَّا المشاهد التي يرام فيها التف ضيل فذلك لتفاضل الأشياء الممثل لها فيتفاضل رسم المشاهد التمثيلية تبعا لذلك. من هنا كان كل تشبيه تمثيلي في القرآن تمثيلا عادلا بين المثل والممثل له، وليس من شريطة العدل ولا من شريعته التساوي، إذ العدل هو إعطاء كل ذي حق حقه، فإذا تفاوتت حصص البيان، فذلك لتفاوت الممثَّلات التي يقع عليها القضاء البياني الحكيم. وأنت إذا تأمَّلت التقابل التصويري في الرسوم التعبيرية تلاحظ أنه لما قال في المثل الأوَّل وعدم الركود، فإنَّ الماء إذا كان راكدا لا يجري كان مظنة الأسون، وبالمقابل؛ لما لم يذكر جريان الأنهار في المثل الثاني و بقي احتمال و رود الأسون عليها نفاه عنها بصريح اللفظ، فقال جل ثناؤه214.) واعجب أنت لتقاسم أدوار البيان في الكريم العظيم، فإنه في المثل الأول نفى الأسون بتلميح إيحائي لطيف، وفي الثاني نفاه بصريح اللفظ وضعا للنقاط على حروف البيان الشريف، نفيا لأي شبهةٍ متحرِّرَةٍ (!) من عقل سخيف، ولأي وَهمٍ كسيح تجرف ه الأذيال ، ولأي احتمال.. يمليه خيالٌ بعيد! وأما قوله منذ خلقها الله تعالى ماؤها على حاله من الطهورية والعذوبة لم يتغير له طعم ولا لون ولا ريح؛ لذلك أخبر عن حاله بأنه غير آسن، إشارة إلى أن ذلك صفة ثبوتية دائمة له، فلا يرد سؤال السائل: هل يأسن ماء الجنة،إذ كيف يليق ذلك وهي منذ خلقت إلى وقت نزول الآية ماؤها على ما صفه رب العزة جل وعلا، فهو لم يتغير ر غم طول المدة، فدل على أن 214- فاضل صالح السامرائي "لمسات بيانية في نصوص من التنزيل"، بدون، ص206.

عدد الصفحات ١٧٢

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 173 الصفاء لازم له أبدا، وفي قوله عن اللبن كائنة. ثم إن الأدوات الحرفية التي تسلب المعنى وتدخل على طباق السلب قد جاءت متنوعة، ففي الماء قال وإنما ذكر حرفا آخر وقال "ليس آسنا" لحدث في النطق صعوبة ملحوظة، لا سيما في تكر السين، حيث يقفز اللسان من مخرجها فويق الثنيتين السفليين ( 215) إلى غاية أدنى الحلق حيث مخرج الهمزة في كلمة ذلك مشقة ظاهرة، خاصة وهو في تلاوته ينطق الكلمات ولا يقطع الحروف تقطيعا، ولا هناك وقف يساعده على النطق بسهولة، فناسب ذلك أن يذكر في الثاني إذ لو قال عن اللبن "غير متغير" لحدثت بتكرر حرف الغين وتقاربه المشكلة نفسها مع تكرر حرف السين، بل أشد. ولما نفى عن اللبن التغير كأن ذهن المخاطب يتذكر تخث ر اللبن وذلك أشبه بالخمر، فناسب أن يذكر الخمر بعده، قد بدأ بعد الماء الشروب "باللبن لأنه يجري مجرى الطعام لكثير من الْعَرَب في غالب أوقاتهم ، ث مَّ بالخمر ، لأنه إذا حصل الري والشبع تشوَقْت النفس لما يستلذ به ، ث مَّ بالعسل لأن فيه الشفاء في الدُّنْيَا م مَّا يمرض من المطعوم والمشروب"(216.) ولما كان العسل لا بد له عند العسالين من تصفية من القذى والوسخ والشمع وفضلات النحل وغيرها؛ بيَّن أن عسل الجنة لا يحتاج لذلك فهو مصفى من أصله، فاقنع به أيها الموعود ودونكه إنه هنيء مريء. ولما كان الماء أصل مادة الحياة ولا يستغني عنه في الدنيا أحد قدم ذكره لفضيلته وكونه 215- نور الدين علي بن محمد الضبَاع المصري "منحة ذي الجلال في شرح تحفة الأطفال" ت: حمد اله حافظ الص فتي، دار الإمام مالك، 1432هـ2011م، ص15. 216- عَبد الْعَز يز بْن م حَمَّدٍ الس لمان "موارد الظمآن لدروس الزمان"، بدون، ج5/438 .

عدد الصفحات ١٧٣

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 174 من الضروريات، وكان اللَّبن أفضل المشروبات بعد الماء وكان من الحاجيات التي منزلتها بعد الضروريات؛ ذكره ثانيا، ثم ذكر ثالثا الخمر اللذيذ فما كل خمر فيه لذة بل من أنواعه ما هو نتن كريه الرائحة، وآخره بعد اللبن لكونه من الكماليات التي هي المرتبة الثالثة بعد الضروريات والتحسينات، ثم ذكر العسل المصفى رابعا لأنه قد يكون ضروريا وقد يكون حاجيا وقد يكون تحسينيا، ثم بعد أن أفاض في التفصيل ختم البيان بالتعميم فقال من كل الثمرات أي ولهم في الْجَنَّة أنواع من الثمار المختلفة الطعوم والروائح والأشكال، من نخيل وأعناب ، وتفاح ورمان وتين وغير ذَل كَ ، م مَّا لا نظير له في الدُّنْيَا" (217.) فهذه هي المحاسن، فأين الشوائب؟ إنها منعدمة تماما لحلول مغفرة الله تعالى لهم، هنا تلتقي بداية الآية مع نهايتها، توضيح ذلك أنه قال في الأول المغفرة الدالة على حسن الوعد وإنجازه وان الجنة خالية من الشوائب والنقائص والمكدرات، لأن الله قد غفر لأهلها، فأنجز لهم بذلك ما وعدهم على وجه التمام والكمال والرَّوعة. ولقد نسب المغفرة إليه مع انه لا أحد يغفر غيره، لبيان أن الوعد المنجز إنما هو من الله الذي وسعت رحمته كل شيء، فإنه في أوَّل الآية لم يعين الذي وعد المتقين بالجنة لكونه معلوما، ولكنه في آخرها عينه بطريقة غير مباشرة حتى لا ينسى المخاطب المتقي حمد ربه وشكره على فضله ونعمته، فإن حلول النسيان ووقوع الذهول حاصل للمتقين. وقال سبحانه وتعالى لعباده رزقا وخلقا وتدبيرا، ومغفرة وهدايةً وتبصيرا، هو عين ربوبيته، وأما أفعال خلقه فهي تألههم له وخضوعهم بين يديه وعبادتهم إياه، وذلك هو توحيد الألوهية فلا يعبدون سواه، ولا يتوجهون بأعمالهم لغيره، ولغير طلب مرضاته والفوز بجنته. 217- عَبد الْعَز يز بْن م حَمَّدٍ الس لمان "موارد الظمآن لدروس الزمان"، بدون، ج5/438.

عدد الصفحات ١٧٤

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 175 المثل السادس والسابع: يقول جل جلاله ع نْدَكَ بَيْتًا ف ي الْجَنَّة وَنَجِّن ي م نْ ف رْعَوْنَ وَعَمَل ه وَنَجِّن ي م نَ الْقَوْم الظَّال م ينَ ( 11) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ ع مْرَانَ ا لَّت ي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا ف يه م نْ ر وح نَا وَصَدَّقَتْ ب كَل مَات رَبِّهَا وَك ت ب ه وَكَانَتْ م نَ الْقَان ت ينَ [ } :11-12.] ضرب لنا سبحانه مث "في عدم تضرر المؤمن بقرابة الكافر ولو كانت القرابة الزوجية وما أقواها، بامرأة فرعون الكافر الظالم آسيا بنت مزاحم من آمن، فلما عرف فرعون إيمانها أمر بقتلها، فلما علمت بعزم الطاغية على قتلها قالت في مناجاتها لربها: رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة ونجني من فرعون وعمله، الذي هو الكفر والظلم؛ حتى لا أكون كافرة بك ولا ظالمة لأحد من خلقك، ونجني من القوم الظالمين أي من عذابهم، فَش دَّت أيديها وأرجلها لتلقى عليها صخرة عظيمة إن هي أصرت على الإيمان، فرفعت بصرها إلى السماء فرأت بيتها في الجنة ففاضت روحها شوقاً إلى الله وإلى بيتها في الجنة" (218)، ووقعت الصخرة على جسدٍ روح فيه. في هذه الآيات مثلان للمؤمنين، نحللهما كالآتي: المثل الأول للمؤمنين: ومن واقعية القرآن في مطابقة المعاني الحالة في الألفاظ كالجذوع، والمنتشرة حول اللفظ كالفروع وإيحاءات، والعالقة بالفروع كالثمار وإشارات؛ مطابقةً صادقة لواقع الحدث؛ أَنَّ التعبير أسكت المرأتين الكافرتين ولم يذكر لهما نطقا، دلالة على نفاقهما وتكتمهما على ما تفعلان، فكأنهما جامدتين وكذلك حال قلبيهما جمودا وموتا، في حين ترسم العبارات في المثل الثاني امرأة ناطقة متحركة قد رفعت يديها إلى السَّماء، وقلبها تتقطر رقة وإيمانا داعية بجوار الله في الجنة والنجاة من الجبار الطاغية وعمله. 218- جابر بن موسى بن عبد القادر بن جابر أبو بكر الجزائري "أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير" مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية، ط 5، سنة1424هـ2003م، ج5/380.

عدد الصفحات ١٧٥

جماليات المثل في القرآن الكريم: دراسة أسلوبية . 176 وتأمَّل حياءها الذي تشي به المعاني المحوِّمة حول الألفاظ؛ فإنها دعت أولا بما يسترها ويحقق حرمتها وهو البيت الذي تهنأ فيه وتستتر وتعيش بحشمتها في رحابه، وهذا دليل الصدق الباهر، والذَّيل الطاهر، ونموذجٌ حي على طريقة تفكير أهل الإيمان، بما يكفل لهم مصلحة الدنيا والآخرة، وأن قضية الستر الجميل، والعمل الفضيل غالبة على عقولهم. فتدبر قولها فرعون وأمثاله، ومن كفره وأعماله. وقد قالتولم تقل "وكفره" أو "فعله" لأَنَّ العمل أشمل من الفعل، فهو يطلق لغةً على عمل القلب واللسان والجوارح (218)، في حين يطلق الفعل على الجوارح فقط، من هنا طلبت النجاة من أي شيء يصدر من فرعون سواء كان قولا أو فعلا. ثم إنها تبرأت من فرعون قبل أن تتبرأ من عمله، ودعت الله بالنجاة منه قبل النجاة من ضلاله، وتلك هي المفاصلة البدنية المفضية إلى المفاصلة المعنوية، لأن المبتعد عن الضَّالين سوف ينجو منهم ومن ضلالهم فالتبرُّؤ من الكفار يقتضي التبرؤ من كفرهم، لكن التبرؤ من كفرهم فقط لا يقتضي التبرؤ منهم، لهذا المغزى جاءت آيات في المقام نفسه في القرآن فقال تعالىا ب رَآء م نْك مْ وَم مَّا تَعْب د ونَ م نْ د ون اللهَّ كَفَرْنَا ب ك مْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَك م الْعَ دَاوَة وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى ت ؤْم ن وا ب اللهَّ وَحْدَه 4] فقدم براءتهم من الكفار قبلكفرهم، لأن البراءة الأولى تتضمن الثانية، ولا عكس، كمثل قوله تعالى في سورة البقرةتَمْسَكَ ب الْع رْوَة الْو ثْقَى [256]. فقدم الكفر بالطاغوت لأن المرء قبل أن يؤمن لا بد أن يخلو قلبه من الاعتقاد بالمعبودات الزائفة، ثم يلي ذلك أن يحل محلها الاعتقاد الصحيح، إنَّها "خطوة مقدمة لتطهير القلب، 218- ي نظر؛أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (ت:728هـ) "الإيمان" ت: محمد ناصر الدين الألباني، نشر المكتب الإسلامي، عمان، الأردن، ط 5،1416هـ1886م، ص138 و207.

عدد الصفحات ١٧٦