المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

محمود درويش ذاكرة للنسيان

غير معروف

صفحة ٧ من ١٥

98 بناية ابتلعها قاع الأرض اختطفتها أيدي الوحش الكوني المتربِّص بالعالم الذي ينشئه الانسان على أرض لا طل إلا على شمس وقمر وهاوية… ليوقعه في حفرة لا قاع لها، حفرة ندرك على حافتها أننا لم نتعلم المشي، والقراءة، واستعمال اليد، إلا لنصل إلى نهاية ننساها، ننساها لنتابع البحث عن مُبرِّر لهذه الملهاة، لنكسر خيط العلاقة بين البداية والنهاية، لنتوهم أننا استثناء الحقيقة الوحيدة. ما اسم هذه الشيء؟ قنبلة فراغية، حفر ما حت الهدف فراغاً هائلاً يُجرِّد الهدف من قاعدة يجلس عليها، فيمتصه الفراغ ويحوله إلى مقبرة مدفونة، بلا عديل ولا غيير. وهناك، حت، في الحيِّز الجديد، يواصل الشكل الاحتفاظ بشكله. ويواصل سكان البناية الاحتفاظ بهيئاتهم السابقة، وبآخر أشكال حركتهم المختنقة. هناك، حت، حت ما كان حتهم قبل ثانية، يتحولون إلى منحوتات من لحم، ولكن لا حياة فيه حتى للوداع. فمن كان نائماً يظل نائما. ومن كان يحمل طبق القهوة يظل حاملاً طبق القهوة. ومن كان يفتح النافذة ظل يفتح النافذة. ومن كان يرضع من

عدد الصفحات ٩٨

99 ثدي أمه ظل يرضع من ثدي أمه. ومن كان نائما على زوجته ظل نائما على زوجته… ولكن الذي كان واقفاً على سطح البناية، بالمصادفة، استطاع أن ينفض الغبار عن ثيابه وأن يهبط الى الشارع، من غير حاجة الى استعمال المصعد، فقد سُوِّيت البناية بمستوى سطح الارض. لذلك بقيت العصافير، حيةً، في أقفاصها الجالسة على السطح. لماذا فعلوا ذلك؟ القائد كان هنا… وغادر منذ قليل. هل غادر حقاً؟ لقد نقله سؤالنا الخائف من أب إلى ابن. ولم نجد وقتاً لمحاكمة السؤال: وماذا لو كان هنا، فهل يُبرِّر ذلك لهم إبادة مائة انسان؟ كان سؤال آخر يشغلنا: هل نجا من محاولة اغتياله بالطائرات وبأحدث سلاح: القنبلة الفراغية؟ كان أمس يلعب الشطرنج أمام الكاميرا الاميركية ليدفع بيغن إلى مزيد من الجنون، وليحرمه من لياقة الشتيمة السياسية واستبدالها بالشتيمة الانسانية حيوانات دبُّ على أربع الانسانية ليبرر قتلنا، فإن قتل الحيوانات - إذا لم كن كلاباً - ليس محرماً في الشريعة الغريبة. كان بيغن يستعيد اريخ جنونه جرائمه، فقد ظن أن جنوده، صيادي هذه الحيوانات،

عدد الصفحات ٩٩

100 يقومون بنزهة صيد، فألقيت فيوجهه مئات التوابيت المرفوعة على آلاف صرخ: إلى متى؟ ولسنا بشراً لأننا لم نسمح له بدخول عاصمة عربية. وهو لا يستطيع أن يصدق أن البشر هم الذين يحولون دون حول الخرافة إلى محكمة مطلقة لمحاكمة كل القيم وكل البشر، في كل زمان وفي كل مكان، محكمة مطلقة وأبدية. لذلك أحال طبيعة من يقاومه إلى طبيعة غير بشرية، إلى طبيعة حيوانية، بعدما أغلقت عليه خرافته جميع منافذ سؤال ممكن: من الحيوان؟ لقد انقضت على حلمه، وعلى حلم يقظته، أشباح من أبادهم في دير ياسين، وغيّبهم عن المكان والزمان، غيّبهم ليشترط حضوره، في المكان والزمان، بذلك الغياب. ولكن لك الأشباح حاصره في بيروت وقد استعادت لحمها وعظمها وروحها استعادة بطولية. عاد الشبح من الضحية إلى البطل. وبين الشبح والبطل حُوصر نبي الكذب بهوس أقعده عن الاستعانة بفصول من التوراة كانت قادرة على أن كتب، وحدها، اريخ البشر. « …

عدد الصفحات ١٠٠

101 أن يشوع قال للشعب اهتفوا لأن الرب قد اعطاكم المدينة فتكون المدينة وكُل ما فيها محرماً للرب. راحاب الزانية فقط حيا هي وكُل من معها في البيت لأنها خبأت المُرْسَلَين اللذين أرسلناهما. وأما أنتم فاحترزوا من الحرام لئلا ُحرّموا وتأخذوا من الحرام وتجعلوا محلّة اسرائيل محرمة وتكدروها. وكل الفضة والذهب وآنية النحاس والحديد كون قدساً للرب وتدخل في خزانة ال وكان حين سمع الشعب صوت البوق ان الشعب هتف هتافاً عظيماً فسقط السور في مكانه وصعد الشعب الى المدينة كل رجل مع وجهه وأخذوا المدينة. وحرّموا كل ما في المدينة من رجل وامرأة من طفل وشيخ حتى البقر والغنم والحمير بحد السيف. وقال يشوع للرجلين اللذين جسسا الأرض ادخلا بيت المرأة الزانية وأخرجا من هناك المرأة وكل ما لها كما حلفتما لها. فدخل الغلامان الجاسوسان وأخرجا راحاب وأباها وأمها واخوتها وكل ما لها وأخرجا كل عشائرها وتركوهم خارج محلة اسرائيل. وأحرقوا المدينة بالنار مع كل ما بها. إنما الفضة والذهب وآنية النحاس والحديد جعلوها في خزانة بيت الرب. واستحيا يشوع راحاب الزانية وبيت أبيها وكل ما

عدد الصفحات ١٠١

102 لها. وسكنت في وسط اسرائيل إلى هذا اليوم. لأنها خبأت المرسلين اللذين أرسلهما يشوع لكي يتجسسا اريحا. وحلف يشوع في ذلك الوقت قائلا ملعون قدام الرب الرجل الذي يقوم ويبني هذه المدينة اريحا (سفر يشوع) … وكان القائد يلعب الشطرنج. لقد أحسن التلاعب بأعصاب بيغن المتدلية كأسلاك الكهرباء على مزبلة الاوزاعي. كان الرجل المُحاصَر في بيروت يحاصر، على رقعة الشطرنج، ما لا يفصح عنه. كان يحاصر في قراءتنا الخاصة اكثر من ملك وقف خارج اللعبة، ويحاصر اكثر من رقعة. كان يخاطب الكناية، ويُؤجِّل اذاعة خطب التأبين المليئة بالدموع الملكية والجمهورية والجماهيرية المعدّة منذ شهر، منذ طمأن التقدم الاسرائيلي خطباءنا الرسميين إلى مسافة الغزو المقترح، المبارك بصمت جليل، لحماية أمن الجليل من مدى الشوق المسلح الذي يحمله أبناء الجليل إلى أرض الجليل. هل كان هنا منذ قليل؟ هل خرج من هنا؟ رأيت أحد مرافقيه الذين لا يكذبون عليّ، ف

عدد الصفحات ١٠٢

103 همس في أذني: انه ليس هنا. لقد غادر المكان، وأضاف وعليك أنت ايضا أن غادر فورا، فهذا الزحام يغري صيادي الجو بغارة أخرى. كان هذا الشاب هو ال المكاتب وهمس في أذني: عال معي! فهمت الاشارة، ولم اسأل إلى أين أنا ذاهب. وقعت كل شيء إلا أن أجد نفسي، وجهاً لوجه، أمام هذا الرجل ذي الملامح الالمانية جالساً مع القائد. قال لي: هل تذكرني… أنا أوري. غضبت. ولكنني قلت مازحا: ماذا… هل دخلتم بيروت، أم وقعت في الأسر؟ قال: لا هذا ولا ذاك، جئت من الاشرفية لأجري مقابلة صحفية مع السيد عرفات. غضبت أكثر ولم أعلق. بيروت مليئة بمندوبي كل الصحف العالمية. أمن الضروري أن يجري هذا الحوار مع هذا الصحفي في هذا الوقت؟ لكل مقام مقال. وهذا المقام ليس لهذا المقال. ولكن لعرفات نظرة أخرى إلى الاعلام. فربما أراد أن يوصل رسالة مباشرة، وربما أراد أن يُمرِّغ بيغن في مزيد من الجنون. كان أبو عمار أهدأ من الرسالة التي شاء ابلاغها للرأي العام الاسرائيلي المضطرب. حين سأله الصحافي إلى أين سيخرج حين يخرج من بيروت؟

عدد الصفحات ١٠٣

104 أجاب بلا ردد: سأذهب إلى بلادي. سأذهب إلى القدس لم أتأثر بهذه اللغة بقدر ما أثر بها الاسرائيلي. واغرورقت عيناه بدموع الخجل. وأضاف أبو عمار: لم لا؟ لم لا أذهب إلى بلادي؟ لماذا يحق لك أن ذهب إلى بلادي ولا يحق لي أن أذهب إلى بلادي؟ ساد صمت، وانقطع الحوار. ازدادت المصورة ومساعدة الصحافي، حديقا بوجه العدو الأسطوري. سألتني احداهما: أين كوفيته الشهيرة؟ قلت لها: في كل مكان. ولكنه يرتدي الآن القبعة العسكرية لأنه يحارب. ازدادت التصاقا به. فقلت: هل أعجبك الرجل؟ إنه عازب. قالت: أعجبني كثيرا. أما أنا، فلم عجبني المقابلة، ولا خِفَّةُ صاحب الشقة الذي زجَّ بأفراد عائلته في عدسة الكاميرا الاسرائيلية لا لشيء… إلا ليرى أهله هناك صورة سعادته هنا! قلت لنفسي: من واجبنا أن نعرف لمن نشتاق: للبلاد، أم لصورتنا خارج البلاد، أم لصورة شوقنا للبلاد داخل البلاد! أين

عدد الصفحات ١٠٤

105 واللحم المُعلن. لم أره منذ يومين. هل وجد طعاماً وماء؟ كان هذا هاجسي. ومنذ َبَنَّيتُهُ كان نادرا ما يتكلم معي حين نكون وحيدين، فلعله صدق أني أبوه. رك الحي الذي كان يسكنه قبل الحصار وجاء إلى هنا ليقيم مع شاب لبناني سرياني الأصل. أين السرياني وأين الكردي؟ صادقا منذ اليوم الأول للحصار. أحدهما متوتر كعضلة وثانيهما بارد كقمر. كان « بأنه شهيد. وحين يلتقيان يشتم أحدهما الآخر، ثم يخرجان إلى ش كأنهما يحرسان الهواء من الاختراق ومن ثورة مضادة. أحببت « من الكلام ولا يتدخل فيه إلا ليتوتر. حاسم صارم ولا يساوم على شيء أو رأي. لا يقول إلا للورق الموضوع على وسادة ما فيه من عالم عجائبي، فنتازي، مترع بالفصاحة. ولا أعرف حتى الآن متى يبدأ فيه الروائي، السارد، ومتى ينتهي الشاعر. صفع الحياة الثقافية البيروتية بانفجار مفاجىء. ولكنه يدافع عن كتابته بقبضته وشراسته، لأنه لا يؤمن بالحوار بين المثقفين ويعتبره ثرثرة. يأخذ مسدسه وعضلاته المزهوة ويذهب إلى المقهى المناسب ليتربص بصغار النقاد

عدد الصفحات ١٠٥

106 في الصفحات الثقافية ويؤدبهم على ما كتبوا ضده. قلت له ذات مرة: هكذا كان يفعل فلاديمير ماياكوفسكي بنقاده في ش « الفوضى. فيها يطلق أعنة جياده ويشهر حوافر نشيد لا غبار حوله سوى الرصاص. وفيها يعود إلى عصور الجبال البعيدة، وإلى نايات رقِّص البعيد، وإلى الفرسان وقرقعة الخيلاء، وبهاء الفتوة الأولى. وباختصار: فيها يجد ميدان الرياح التي متشقه سيفاً طازجاً للمبارزة مع أعداء مرّوا. ولا يفهم.. لا يفهم أبداَ لماذا يكتب الكُتّاب في الحرب. من يأبه بهم في لحظة القوة؟ يضرب على مسدسه ويتوعد: سننتصر.. سنعفر أنوفهم في التراب. لم يكن يعرف ان كان سينتصر حقاً أم لا، فهو وَلَدُ المعارك الخاسرة، ولد ضد الحساب. ما يهمه هو التحدي والمبارزة. كان دون كيشوت وسانشو، يحيل الأعداء إلى نماذج في متناول اليد. يمتلىء حماسة فيتكوّر ويستطيل ويتوتر ويضرب أي شيء ثم يسلط على نفسه حكمة الفلسفة في الشعر والمعادي للغنائية. ووجد الجمال المنقطع النظير

عدد الصفحات ١٠٦

107 احذر يا السحالي التي ظهر في القيظ والهجير، في أخاديد النفس المتشققة من العطش. وصوتها صوت النبات اليابس في برية الأطلال. لكنه قطع شوطاً، لا راجع عنه، في عملية الاحالة الذاتية المقطوعة عن حقيقتها، وتوغل في الملهاة، ليحقق ما ينقص الفروسية: امرأة! اين الشظايا، أم اصطاد دجاجة ليهديها إلى المنقطع النظير القنبلة الفراغية. هيروشيما. مطاردة رجل بالطائرات. فلول الجيش النازي في برلين. احتدام الخلاف الشخصي بين بيغن ونبوخذنصر. عناوين خلط الماضي بالحاضر. وتدفع الحاضر إلى الهرولة. غد يُباع في أوراق اليانصيب. قدر اغريقي يتربص بأبطال صغار. اريخ مشاع، لا أهل له، مفتوح لمن شاء أن يرث. في هذا اليوم، في ذكرى قنبلة هيروشيما يجربون القنبلة الفراغية في لحمنا. نجح التجربة… أتذكر من هيروشيما المحاولة الاميركية لدفع هيروشيما إلى

عدد الصفحات ١٠٧

108 نسيان اسمها. وأعرف هيروشيما، زرتها منذ سع سنين. وفي إحدى ساحاتها كلمت عن ذاكرتها. من يُذَكِّر هيروشيما بأن هيروشيما كانت هنا. سألتني المترجمة اليابانية إن كنت قد شاهدت الشريط السينمائي الشهير. قلت: وفي وسعي أن أحب امرأة من سدوم، لأحب، أو لألعب. في وسعي أن أحب جسداً يقتلني حُرّاسه خلف النافذة. قالت: لا أفهم. قلت: هي خواطر شعرية… ولكن أين هيروشيما؟ قالت: هيروشيما هنا. أنت في هيروشيما. قلت: لا أراها، فكيف غطيتم اسم جسدها بالأزهار؟ ألأن الطيار الاميركي بكى فيما بعد. ضغط على زر صغير ولم ير إلا سحابة. وحين رأى الصور، فيما بعد، بكى. قالت: لك هي الحياة. قلت: ولكن اميركا لم بك ولم غضب على نفسها. غضبت من التوازن. هيروشيما غدا… هيروشيما هي الغد. لا شيء في متحف الجريمة يدل على اسم القاتل: من هنا جاءت الطائرة، من قاعدة ما في الباسفيك. واطؤ أم خنوع؟ أما الضحية فلا حتاج إلى أسماء: هياكل بشرية مجردة من ورق الشجر، أغصان عظمية للشكل، أشكال للشكل. بعض الجدائل الدالة على امرأة كانت هناك. كتابات على الجدران

عدد الصفحات ١٠٨

109 شرح درجات التدرج في القتل: من الحريق، إلى الدخان، إلى السموم، إلى الاشعاع. دريبات أولى على قتل كوني أشمل. خطيط أولي للنهاية. هكذا بدو الآن التدميرية، سلاحاً ذرياً بدائياً، يسمح للخيال العلمي بأن يكتب سيناريو لنهاية العالم: انفجار هائل، انفجار عظيم، يشبه بداية كوّن الكرة الأرضية، بفوضاها المنظمة: جبال، وديان، سهول، صحاري، أنهار، بحار، منحدرات، بحيرات، جاعيد، صخور، وما يتبعه من نوعات جميلة في أرض مجدها المدائح الشعرية والصلوات الدينية. بعد الانفجار العظيم يشب حريق هائل يلتهم ما يستطيع التهامه من طعام النار: البشر والشجر والحجر، والمواد القابلة للاحتراق، ينتج دخاناً كثيفاً يحجب الشمس إلى أيام فتبكي السماء مطراً أسود يسمم كل شيء حيّ، يسمونه المطر النووي. برد الأرض وتعود إلى عصرها الجليدي الأول. وفي مرحلة الانتقال السريع من هذا العصر إلى العصر الجليدي لن يبقى حياً إلا الجرذان وبعض أنواع الحشرات. يصحو الجرذ، ذات صباح، ليجد نفسه انساناً يحكم الأرض. كافكا مقلوب. وأنا اسأل: أيهما أقسى: أن يصحو الانسان ليجد نفسه حشرة ضخمة، أم: أن

عدد الصفحات ١٠٩

110 صحو الحشرة فتجد نفسها انساناً يلعب بالقنبلة النووية وقد حسبها كرة قدم! سماء بيروت قُبّة كبيرة من صفيح داكن. الظهيرة المطبقة نشر رخاوتها في العظام. الأفق لوح من الرمادي الواضح لا يلونه سوى عبث الطائرات. سماء من هيروشيما. في وسعي أن أتناول طبشورة وأكتب على اللوح ما أشاء من أسماء وتعليقات. اجتذبتني الخاطرة: ماذا سأكتب لو صعدت إلى سطح بناية عالية الوطن؟ كلها من ذاكرتي ومن اصابعي. نسيت الأبجدية. لم أتذكر غير حروف خمسة: ب ي روت. جئت إلى بيروت منذ أربع وثلاثين سنة. كنت في السادسة من عمري. وضعوا على رأسي قبعةً وتركوني في ساحة البرج. كان فيها رام. ركبت في الترام. سار الترام على خطيّ حديد متوازيين. صعد إلى ما لا أعرف. صعد على خطي الحديد وسار. سار الترام. لم أعرف أيهما يُسَيِّر هذه اللعبة الكبيرة

عدد الصفحات ١١٠

111 ذات الجلبة: خط الحديد الممدود على الأرض، أم العجلات الدائرة على خط الحديد. نظرت من نافذة الترام. رأيت بنايات كثيرة، فيها نوافذ كثيرة، طل منها عيون كثيرة، ورأيت أشجارا كثيرة. الترام يسير والبنايات سير والأشجار سير. كل شيء حول الترام يسير عندما يسير الترام. عاد الترام الى المكان الذي وضعوا فيه قبعةً على رأسي. لقفني جدي بلهفة. وضعني في سيارة وذهبنا إلى الدامور. الدامور أصغر من بيروت وأجمل من بيروت، لأن فيها بحراً أكبر، ولكن ليس فيها رام. خذوني إلى التزام، فأخذوني إلى الترام. ولا أذكر من الدامور غير البحر وبساتين الموز. ما أكبر أوراق الموز.. ما أكبرها! والزهور الحمراء المتسلقة على جدران البيوت. وحين جئت إلى بيروت، مرة أخرى، قبل عشر سنين، كان أول شيء فعلته هو انني أوقفت سيارة اكسي وقلت للسائق: خذني إلى الدامور. كنت قادما من القاهرة، وكنت أفتش عن خطى صغيرة لولد مشى خطى لا ليق بعمره، خطى أكبر منه ومن قدميه. عمَّ كنت أبحث: عن الخطى أم عن الولد؟ أم عن أهل قطعوا البرية الوعرة ليصلوا إلى ما لم يجدوا، كما لم يجد كافافي ايتكاه؟ كان البحر في مكانه. كان يدفع الدامور شرقا لتصير أكبر. وصرت أنا أكبر. صرت شاعرا يبحث عن

عدد الصفحات ١١١

112 ولد كان فيه، ركه في مكان ما ونسيه. الشاعر يكبر و يسمح للولد المنسي بأن يكبر. هنا قطفت الصور الأولى. وهنا علمت الدروس الأولى. وهنا قبلتني صاحبة البستان. وهنا سرقت الورد الأول. وهنا كان جدي ينتظر العودة في الجرائد ولا يعود. جئنا من قرى الجليل. نمنا ليلة قرب بركة رميش القذرة، قرب الخنازير والأبقار. وفي الصباح التالي سرنا شمالا، قطفْتُ التوت من صور. ثم استقر بنا الرحيل في جزّين. لم أر الثلج من قبل. كانت جزين مزرعة للثلج وكان فيها شلال. لم أر الشلال من قبل. ولم أعرف، من قبل، أن التفاح يتدلى من أغصان الشجر، كنت أحسبه ينبت في الصناديق. نحمل السلال القصبية الصغيرة ونختار التفاح عن الشجر. أريد هذه الحبة. وأريد لك الحبة. آخذها وأغسلها في جداول المياه الهابطة من سفح الجبل إلى مجاريها الصغيرة بين البيوت الصغيرة المتوجة بالقرميد. وفي الشتاء لم نتحمل ب يسرق الوقت من الوقت. والبحر يتلوى كأجساد العاشقات أهله هناك في ليرفع صرخته في الليل ولليل. ذهب الولد إلى البعيد. في بعيدٍ لم يجده هناك في البعيد. مات جدي وهو

عدد الصفحات ١١٢

113 يحدق في راب محبوس خلف سياج. في راب غيَّروا جلده من قمح وسمسم وذرة وبطيخ آحمر وأصفر إلى ُفاح خشن. مات جدي وهو يَعُدُّ الغياب والمواسم ودقات القلب على أصابع يدين يابستين. سقط كالثمر المحروم من غصن يسند عليه عمره. لقد خربوا قلبه. عب من الانتظار هنا في الدامور. ودَّع أصدقاءه، وأرجيلته، وأبناءه، وأخذني وعاد ليجد ما لم يجد هناك، وهنا كثر الغرباء واتسعت مخيماتهم. مرت حرب… حربان… ثلاث… أربع، وازداد الوطن ابتعاداً عنهم، وازداد الأطفال ابتعاداً عن حليب أمهاتهم بعدما شربوا حليب وكالة الغوث. فاشتروا بنادق ليقربوا البلاد الهاربة من أيديهم. أع على الطريق، فاعترضهم حُرّاسُ الحروب الأهلية، فدافعوا عن خطاهم، فخرج الطريقُ عن الطريق. وسكن اليتيم جلد اليتيم، ودخل المخيم في المخيم. لا أستطيع أن أحفر اسمي على حجر في الدامور، حتى لو كانت متراسا لقناصة أرادوا روحي. لا أستطيع ولا أستطيع. فلتبعدوا هذا المُصوِّر عن وجه الحجر. أبعدوا هذا الخطاب عن بحرٍ ما زال جالساً على مكانه. ولا أستطيع أن أرفع

عدد الصفحات ١١٣