82 وفي هذه اللحظة المحددة، حيث حرث الطائرات أجسادنا، يطالب المثقفون المتحلقون حول جسد غائب بقصيدة ُعادل قوة الغارة أو قلب موازين القوى على الأق القصيدة قيمتها كأن يُتاح لنا القول ان القصيدة ُول ما، في لغة ما، في جسد ما، ولكنها لا صل إلى الحنجرة والورق. سؤال بريء يحتاج إلى جواب بريء لولا أنه مليء - في هذه الجلسة - بالرغبة في اغتيال الشاعر الذي جرؤ على الاعلان بأنه يكتب صمته. ومن المثير للمرارة أن ننتزع من زمن الغارات هذا الوقت للثرثرة، وللدفاع عن دور الشاعر الذي يستمد خاصيته من اري لحظة يتوقف فيها كل شيء عن الكلام، لحظة صوغ فيها الملحمة الشعبية اريخها وابداعها الجماعي. بيروت هي الكتابة الابداعية المثيرة. شعراؤها الحقيقيون ومنشدوها هم مقاتلوها وناسها الذين لا يحتاجون إلى رفيه وتشجيع
عدد الصفحات ٨٢83 على عود مقطوع الأوت ستبحث طويلا طويلا عن المعادل اللغوي لبطولتهم وحياتهم المدهشة. فكيف ستطيع الكتابة الجديدة، المحتاجة إلى كسل، أن تبلور وتتشكّل في أوج معركة لها هذا الايقاع الصاروخي؟ وكيف يستطيع الشعر التقليدي - وكُلّ الشعر قليدي في هذه اللحظة - أن يصف هذا الشعر الجديد المختمر في بطن الزلزال؟ صبراً أيها المثقفون! فسؤال الحياة وال بأسلحتها كلها في هذه الساحة، سؤال الوجود الذي يصوغ شكله المادي والألوهي، أهم من السؤال الأخلاقي عن دور الشعر والشاعر. ومن اللائق أن نحترم الرهبة التي نشرها هذه الساعات، ساعات انتقال الوجود الانساني من ضفة إلى أخرى، ومن طور إلى طور، ومن اللائق أن يعرف الشعر القديم كيف يصمت، في خشوع، أمام حضرة هذا المولود الجديد. وإذا كان من الضروري أن يتحول المثقفون أو بعضهم إلى قناصة، فليحاولوا قنص مفاهيمهم القديمة وأسئلتهم القديمة وأخلاقهم القديمة. نحن الآن لا نصف بقدر ما نوصف. نحن نولد ماماً أو نموت ماماً.
عدد الصفحات ٨٣84 ولكن صديقنا الكبير، الباكستاني فايز أحمد فايز كان مشغولا بسؤال آخر: أين الرسامون؟ قلت: أيُّ رسامين يا فايز؟ قال: رسّامو بيروت. قلت: ماذا ريد منهم؟ قال: أن يرسموا هذه الحرب على جدران المدينة. قلت: ماذا دهاك يا فايز؟ ألا رى سقوط الجدران؟ … لماذا أرى الطاووس، الطاووس العجوز، يدبُّ على عصا من عاج، مدججاً بمسدسين، مترعاً بالزهو، ثملاً بالهجاء، مفتوناً ببصاق مُتوّج؟ لماذا أرى الطاووس العجوز، سارق الريش الملوّن، يرشيني بابتسامة حاقنة، ويغمد خنجراً في نخاعي؟ لماذا أرى الطاووس العجوز، يرمي عليّ رائحة العرق والعرق، ويحاول أن يُقَبِّل حذائي، ليدس لي قبرا حت الحذاء؟
عدد الصفحات ٨٤85 لماذا أرى الطاووس العجوز، يشرئبّ إلى المقعد والجدار، ليطلَّ على قلبي ويسرق حزن الليمون، ويهربه إلى قبطان سفينة لا صل، ظنّها سفينة نوح ولم صل؟ لماذا أرى الطاووس العجوز، مزدانا بحدوة حصان قتيل ظنّها وسام الشرف؟ لماذا أرى ال لقتلي، وواحد لقفاه الجشع؟ لماذا أرى الطاووس العجوز؟ لماذا أرى الطاووس؟ لماذا أرى؟ لماذا؟ احترق المكتب. قذيفة بحرية جعلته مخزنا للفحم. احترق قبل وصولنا بساعات. أين نجد مكاناً آخر لنتابع الثرثرة، مهنتنا الخالدة في الحرب وفي الهدنة: الثرثرة. أين نتابعها: نخرج، أم لا نخرج؟ فقد حسب المثقفون المنصهرون في
عدد الصفحات ٨٥86 ورشة الصمود الرائعة انصهاراً مدهشاً أن هذا السؤال هو سؤالهم. وحسبوا أن لهم حق الفيتو على القرار السياسي. وكان بعضهم يعتقد أن نشرة مصير المعركة. وقرروا أن هذا المنبر الشجاع هو الذي سيشهد للتاريخ ان المثقفين هم الذين يقودون انعطاف التاريخ. ما أجملهم! ما أجملهم!. الساعة الحادية عشرة، وعشرين ألف قذيفة، وثلاثين ثانية. خرجنا من المكتب المحترق إلى فضاء مشتعل. السماء عانق الأرض عناقاً دُخانياً. تدلّى مثقلة بالرصاص المصهور، برماديّ داكن لا يفتح انغلاقه العدميّ سوى لون برتقالي ُبَوِّلُه الطائرات الفضية المائلة الى بياض الوهج. طائرات رشيقة، خفيفة، ثب على هواء آمن كأن فيه أخاديد. قال عن غداء مثلاً، ما الحالة؟ … زفت. شروط الخروج مُذلّة، ونحن نناور، نحاول أن نشتري الوقت، بأي ثمن؟ بأي ثمن.. بمدافع مضادة للطائرات نفذت ذخيرتها، ببطولة شباب حيّروا العلم العسكري وحيّروا الجنون، إلى متى؟ إلى أن يحدث شيء ما لن يحدث. لم يحدث غيير، ما زلنا وحدنا. هل
عدد الصفحات ٨٦87 سيدخلون بيروت؟ لن يدخلوا بيروت. سيتكبدون خسائر يتحملون نتائجها. ولكنهم يحاولون قضم أطراف المدينة. حاولوا عند المتحف وفشلوا. معنويات الشباب عالية، عالية جداً. انهم أشباه شياطين. يائسون من النجدة. يائسون من حرك العالم العربي. يائسون من التوازن الاستراتيجي، لذلك يقاتلون بجنون. هل يبلغهم حديث الخروج؟ نعم، يبلغهم ولا يصدقون. يقولون: لك مناورة، ويقاتلون. ويعرفون أن هذا الصمت الذي يتوّج العالم يعطيهم منصّة الكلام. دمهم، وح « القتال والصمود. ندعو إلى الصمود والقتال بيروت من الخارج: محاصرة بالدبابات الاسرائيلية وبالشلل العربي الرسمي، بيروت غارقة في الظلام والابتزاز. بيروت عطش. ولكن بيروت ال الأخرى، متلك ارادتها. وترفع بنادقها لتحافظ على اشراق معانيها: عاصمة الأمل العربي..
عدد الصفحات ٨٧88 بشعار الناعم، يُراد لهذا الأمل أن ينتحر في مسّادة عربية منقولة عن الذاهبين الى انتحارهم في أوج انتصارهم. والشرط الوحيد الذي يضعه مبتكرو لفظة استسلام اريخ من المعاني المسقيّة بالدم. استسلام كامل الغضب. استسلام كل السلاح. استسلام بلا كاليف. ولكن، هل يعرف خبراء صناعة الابتزاز ما معنى هذا اليأس، ما نتائج هذا اليأس؟ لا نقول ابتزازا مضادا، ولا نُهدِّد بسقوط الهيكل علينا وعلى اعدائنا وعلى حلفائنا. ولكننا نُشهر حريتنا الوحيدة وشرطنا الوحيد على مائدة المفاوضات: أن نقاتل. بيروت ليست رهينة. ونحن فيها خلف متاريسنا لا نرهن حياتنا لغير المستقبل، ولتجدد دورة الدم في عروق الأجيال كلها إذ لا خيار لنا إلا الاحتفاظ بشرط حياتنا الحاضر: السلاح. السلاح الذي يعني جريدُنا منه جريدنا من أداة الوجود، ومن حماية شعلة أوقدناها بغابة من أشجار دمائنا، ومن الاستمرار في ايقاظ القارة العربية النائمة حت قمع الأنظمة.
عدد الصفحات ٨٨89 إن صمودنا في قلعة بيروت، غير القابلة للتدمير، هو الأداة الوحيدة لتحريك العملاق العربي المتمدِّد ما بين شاطىء محيطين. وهو الأفق الوحيد المطلّ من فوهة بندقية ومن ثقب جزمة مقاتل، ومن جرح يضيء في هذا العصر الأسود. ه الملايين.. وهكذا كون صورة بيروت من الداخل نقيض صورة بيروت من الخارج.. … وهكذا كنا نكتب، فماذا نكتب الآن؟ قال مع الصمود حتى الخروج.. بيروت؟ قال: مع الصمود. قلت: هل نستطيع أن نتجاهل ذلك؟ قال: لا نستطيع أن نتجاهل ذلك، ولكن ما العمل؟ ما العمل؟ صوت يشذ عن الأص
عدد الصفحات ٨٩90 مختلف وبعيد. صوت يسرق المكان ويهرول، صوت يقص الفضاء ويُحدث جويفاً في الضوء. هيا بنا… لم نعبر طريق الروشة منذ أيام. شارع عريض مهجور يتوسع من غياب الخطى، كأنه ملكية خاصة للبحر. بنايات دخن. نار هبط من أعلى إلى أسفل. حريق مقلوب. نوافذ شيخ وتتساقط على مهل. وتصل إلينا استغاثات الطوابق العليا واضحة جارحة. ناس حاصرهم النار والإنهيارات التدريجية الخارجة من هول الصدمة الأول كانوا هناك، يحاولون انقاذ اللحم البشري المعجون بالحديد والاسمنت والزجاج. لا أستطيع أن أشيح بوجهي عن مشهد المكان المجروح. للدم على الأرض وعلى الجدران جاذبيّةُ الوحشية. لا أستطيع أن أنصرف ولا أستطيع أن أخمد إحساس العجز. الزحام شديد. يدعونا رجال الدفاع المدني إلى الانصراف لأننا نعرقل مهمتهم، ولأن الطائرات ستعود لتقصف هذا الحشد الشهيّ. بلّل وجهي ماء ساخن يبعثه احتقان الغيظ، شدّني صاحبي من ذراعي: هيا بنا، هيا بنا.
عدد الصفحات ٩٠91 أغاروا من جديد. من جديد أغاروا. ما هذا اليوم؟ هل هو أطول يوم في التاريخ؟ نظرت إلى البناية المقابلة، نظرت إلى مكتبي الصغير نظرة وداع أخير. موجة من بحر، كنت أتابعها من هذه الشرفة، وهي نكسر على صخرة الروشة الشهيرة بانتحار العُشّاق.. موجة من بحر حمل بعض الرسائل الأخيرة، وتعود إلى الشمال الغربي الأزرق، والجنوب الغربي اللازوردي، رجع إلى شواطئها وقد طرّزت انكساراتها بالقطن الأبيض. موجة من بحر، أعرفها، ألاحقها بالشجن، وأراها وهي تعب قبل بلوغ حيفا، أو الأندلس. تعب فترتاح على شواطىء جزيرة قبرص. موجة من بحر، لن كون أنا. وأنا، لن أكون موجة من بحر.. كم أحببتُ هذا المكان، المهدّد بالتلاشي منذ البداية. ماذا
عدد الصفحات ٩١92 نُهديك؟ نباتات وود. زهور ونباتات. حوّلتُهُ إلى ما يشبه العش. أردتُ له أن يكون نصاً من نصوص المجلة. حروف بُنيّة مطبوعة على ورق أصفر ويُطلُّ على بحر. أردت له أن يكون مزهرية ثابتة على صهوة جواد جامح. أردت له شبها بالقصيدة. ولكن، لا نكاد نُعلِّق لوحة حتى نفجر سيارة مُفخّخة حت، وتطيح بكل رتيب. وما كدت أسند رأسي على مرفق يدي اليسرى، في انتظار فنجان القهوة، حتى وجدت نفسي خارج المكتب، لقد رفعني دويّ الانفجار، كما أنا بقلم الحبر والسيجارة، ووضعني سالماً أمام المصعد. وجدت وردة على قميصي. وبعد دقيقة حاولت العودة إلى المكتب الذي اختفى بابه وتحوّل إلى ساحة من زجاج مكسور وورق متطاير، فتصدّى لي الانفجار الثاني ليبقيني متجمداً قرب المصعد. ردّ الحارس الفتي على الانفجار بطلقات من مسدسه. ماذا فعل؟ قلت. قال: أطلق النار. قلت: على من طلق النار، وفي أي اتجاه؟ لعلّ أح السؤال من قبل، لذلك استهجنه، فهكذا يحدث دائما. رد الفعل الفوري، التلقائي، وربما الغريزي، على أي حدث أو احساس عنيف أو خبر أو اصابة كروية هو: اطلاق النار. مجزرة جديدة على الروشة: عشرون قتيلاً آخر من هذه الحُمّى
عدد الصفحات ٩٢93 الجديدة: حُمّى السيارات المفخخة التي أتقن صناعتها مع عملائه المحليين. لقد مهدت هذه السيارات لعملية الغزو، مهدت الأرض النفسية لتحويل هذا الحصار إلى حادث طبيعي، أحصنة طروادة معاصرة صهل في الوعي: لا أمن ولا أمان في بيروت الغربية، وكل سيارة واقفة على رصيف هي وعد بالموت.. فليدخل البرابرة! موجة من بحر في يدي. تسرب وتفلت. ناور حول صخرة ص الى طبيعتها، بشَعْر الصدر. حرٌّ ورطوبة، موجة كالقطة قضم ُفّاحة، ثم قبلني بطيش العابث: يحق لي أن أحبك. يحق لك أن حبني. ليس الحب حقاً، يا قطة، وأنا الآن في مام الأربعين. نزوي في ركن: وأنا نصف قَمرٍ أنثوي يتبع ذكراً. حرٌ ورطوبة. ولكن الجسد الصغير مُكيّف: دافىء في الشتاء، طريٌّ في الصيف. جسد طازج كشاطىء بحر جديد لم لمس الحيوانات الصغيرة طحلبه بعد. ينزلق ويبتعد. يحترق ويقترب. وتفصلني عنه رائحة حليب. لم لا نُعلِّق آب على كرسي؟ لم لا نسبح في بياض النوم؟. وتغطي عينين
عدد الصفحات ٩٣94 لامعتين ليلاً. لأنك صغيرة. زأر: لستُ صغيرة. أنا نصف قمر أنثوي يتبع ذكراً. يتبع رائحة الهال. ألا حق لي السباحة؟ ولكن، ليس هذا البياض بحراً. غضب وتقضم فاحةً وأظافر يدها. أجمع الشفتين باصبعي لتكبرا قليلاً.. لتصيرا قبلة. ها أنت حبني. اعترف بأنك حبني. قل لي انك حبني. فلماذا لا شرب ملحي؟ لأن العطش يكسر أناقة روح وتعود إلى الركن، قرفص في الركن: لا أريد الشعر… لا أحبُّ الشعر.. أريد الجسد.. أريد قطعة جسد.. جبان! جبان من أجلك لا من أجلي. ما شأنك أنت بما هو لي. أنا حرة في ما أملك. قف. قترب. يخشوشن مواؤها: أعطني شيئاً ألعب به. أعطني لعبة.. أية لعبة.. قطاً صغيراً متوتراً مشدوداً أمرر عليه يدي برفق إلى أن يسيل لُعابُهُ على صدري.. كانت الموجة وشك على الغرق، لولا انفجار عنيف هزّ صخور البحر، فطارت الموجة الى الطريق.. وطرت إلى السرير. … منذ ساعة، لم أتبادل الكلام مع صاحبي سيارته بلا هدف: أين أنت؟ سأل كلانا الآخ
عدد الصفحات ٩٤95 آعرف أين كنت. قل الحقيقة، أما كنت هناك فعل أمراً إدّاً مع زوجة الطيار؟ اندهش: كيف عرفت؟ قلت: لأنني عائد من أمر مشابه. لهذا عرفت إلى أين يأخذنا الموت.. قال: آن لنا أن نأكل. قلت: السردين مرة أخرى؟. قال: أي شيء. لم يكن هذا ال سيارته وصاح: خروف مذبوح. كنا في أول شارع الكومودور القادم من الروشة. عرفنا البائع. لم يكن جزاراً. كان صانع جنازات. يلتصق بأي قائد في أية جنازة ليظهر في المشهد والصورة. قلت: كم في ظاهرتنا من مفارقات. ومن حسن حظي أن الآخر للصورة. هل عرف أن عين الكاتب سلبية، كما أن أذن القائد سلبية. فتهما المفارقة الجارحة هنا والنميمة هناك. لقد شاعت النميمة في حياتنا بشكل مدمّر. وكانت مصاحبة لظاهرة التضخم الذاتي،لتمدُّد الجسد وانكماش قلق السؤال. فُتحت مكاتب بأكملها، مكيفة الهواء، صالوناتٍ للنميمة وبثّ الشائعات. وازدهرت جارة الشهداء عند بعض التنظيمات الصغيرة: ما زلنا في حاجة إلى عشرين شهيداً لنملأ القائمة! وصراع مسلح على شهيد مجهول التنظيم.
عدد الصفحات ٩٥96 واعدام مقاتل رفض اطلاق الرصاص على صديق له ينتمي إلى نظيم آخر، فألقوا بجثته في بئر مهجورة إلى أن عثرت عليها العرّافة.. و… قاطعني قلت: لا أريد. قال: أين سنأكل. نحتاج إلى فحم وإلى بناية شبه آمنة. دهشنا حين رأينا السماء زرقاء صافية لا عكرها أية طائرة. منذ دقيقة لم مر الطائرات. هل عبوا؟ امتلأت الشقة الآمنة في البناية، شبه الآمنة، في ساقية الجنزير بالأصدقاء الجياع. خرجت الناس من الملاجىء. لا طائرات… لا طائرات. قال أحدهم: أين كُتُبُ باختين؟ رد آخر: لقد حملها الناقد - وهو ساكن الشقة - ورحل. حاول البعض أن يُشهِّر. قال آخر: كفى، فنحن في حاجة إلى فلسطيني حيّ، يهتم بالماركسية وعلم اللغة. اعتبروا ذلك فاتحة نميمة وتأهبوا، لكن عاصفةً من الطائرات هَبَتْ علينا لتنقذ الناقد الغائب وترمينا إلى الشارع. … وهذا الصوت لا نعرفه من قبل. خفيض، بعيد، عميق،
عدد الصفحات ٩٦97 س المهيب. شعرنا جميعاً - وقد صرنا خبراء في علم الأصوات القاتلة - بأن شيئاً غير عادي، في هذه الحرب غير العادية، قد حدث. وبأن سلاحاً جديداً قد جُرِّب. متى ينتهي هذا اليوم الطويل؟ متى ينتهي لنعرف إن كنا أحياء أم موتى! قال الحامل فخذ الخروف: ماذا نفعل بفخذ الخروف؟ جاهلنا سؤاله الجشع. لكنه ألحّ بالسؤال السخيف، ونحن مشغولون حتى قلت له: خذ هذه بالعثور على ما يلُمُّ أشلاءنا.. ألحّ اللحمة إلى أقرب ملجأ، أثقبها. وانكحها. وخلِّصنا منها ومنك!. ولكن ذلك الصوت البعيد حرّك فينا قلق الغابات الأولى السحيقة. مشيت أنا و الصنايع يحيطون بتابوت حجري ضخم. الوجوم يحمل ثقل المعادن حت شمس محجبة بجميع ألوان الرماد. نندس بين الحشود لنجد مكاناً للتطلع خلف الأكتاف المتزاحمة، خلف السياج البشري المشدود على خوف وغضب، فنرى:
عدد الصفحات ٩٧