المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

محمود درويش ذاكرة للنسيان

غير معروف

صفحة ٣ من ١٥

34 ليوم واحد، أبرياء ليوم واحد.. لا نميمة ولا شتيمة ولا حسد حسناً، وأنا بلا زوجة وبلا ولد. فذلك يوفر على بعض الاصدقاء جهد التمثيل الطويل لدور حزين لا ينتهي إلا بحنوِّ الأرملة على المعزِّي. وذلك يوفر على الولد مذلّة الوقوف على أبواب المؤسسات ذات البيروقراطية البدوية. حسنٌ أني وحيد.. وحيد.. وحيد، لذلك ستكون جنازتي مجانية وبلا حساب مجاملة، ينصرف بعدها المشيعون إلى شؤونهم اليومية. أريد جنازة وتابوتاً أنيق الصنع أطلُّ منه، كما يريد وفيق الحكيم أن يطل، على المشيعين.. أسترقُ النظر إلى طريقتهم في الوقوف، وفي المشي، وفي التأفف، وفي حويل اللعاب إلى دموع. وأستمع إلى التعليقات الساخرة: كان يحب النساء، وكان يبذخ في اختيار الثياب. وكان سُجّاد بيته يصل الى الركبتين، وكان له قصر على الساحل الفرنسي اللازوردي، وفيّللا في اسبانيا، وحساب سريّ في زيوريخ، وكانت له طائرة سرية خاصة، وخمس سيارات فخمة في مرآب بيته في بيروت. ولا نعرف إذا كان له يخت خاص في اليونان. ولكن في بيته من أصداف البحر ما يكفي لبناء مخيّم. كان يكذب على النساء. مات الشاعر ومات شعره معه. ماذا يبقى منه؟ لقد انتهت مرحلته وانتهينا من خرافته، أخذ شعره معه ورحل. كان

عدد الصفحات ٣٤

35 طويل الأنف واللسان.. وسأستمع إلى ما هو أقسى عندما تحرر المخيلة من كُلّ شيء. سأبتسم في التابوت، سأبذل جهداً لأن أقول: كفى، سأحاول العودة فلا أستطيع. أما أن أموت هنا، فلا. لا أريد الموت حت الأنقاض. سأدعي لنفسي أنني ذاهب إلى الشارع للبحث عن الجريدة، فالخوف عار في حُمى البطولة المتفشية من جميع الناس، من أولئك الذين لا نعرف أسماءهم على خطوط الاشتباك، ومن أولئك البسطاء الذين اختاروا أن يبقوا في بيروت، اختاروا أن يكرسوا أيامهم للبحث عن نكة ماء وسط مطر القذائف، اختاروا أن يمدّدوا لحظة التحدي والصمود إلى اريخ، اختاروا أن يدفعونا لحمهم في صراع مع الحديد المنفجر. البطولة هي هذا الجزء المشطور من بيروت في هذا الصيف الحارق. هي بيروت الغربية. ليس من يموت هو من يموت بالمصادفة. الحيُّ حيّ بالمصادفة، إذ لم يسلم شبر واحد من صاروخ، ولم يسلم موقع خطوة واحدة من انفجار. ولكنني لا أريد الموت حت الأنقاض. أريد الموت في الشارع.

عدد الصفحات ٣٥

36 إنتشر أمامي، فجأة، الدود الموصوف في إحدى الروايات دود يرتب صفوفه وأنواعه وألوانه، بنظام صارم، لالتهام الجثة كأنه يسلخ اللحم كله عن العظام في دقائق. غارة واحدة.. غارتان ولا يبقى منّا غير الهيكل العظمي. دود يأتي من المجهول.. ومن التراب.. ومن الجثة ذاتها. الجثة أكل نفسها بجيش حسن التنظيم يطلع منها في لحظات. إنها صورة فرغ الإنسان من بطولته ومن لحمه، وتدفع به في عراء المصير العبثي، في العبث المطلق، في العدم الكامل. صورة جرّد الأناشيد من مديح الموت ومن الفرار إلى الفرار. أَمِنْ أجل التغلّب على بشاعة هذه الحقيقة، فَتَحَ الخيالُ البشريُّ - ساكنُ الجثة - فضاءْ لخلاص الروح من هذا العدم؟ أهذا ما يقترحه الدين والشعر من حلّ؟ ربما.. ربما.. .. ولأنني أعرف في المستشفى. لقد بترت الطائرات ساقيه وذراع بطنه وسملت عينيه، عندما كان يخلي المصابين في ميدان المدينة الرياضية. ماذا بقّى منه؟ أعني ماذا بقّى من وسامة

عدد الصفحات ٣٦

37 كانت وقد الجمر حت ثياب الفتيات؟ كنا معاً في المدرسة الثانوية في كفر ياسيف. لم يحضر ال ساهياً وغائباً، يُؤثرُ البحر واصطياد العصافير على الكتب، ولا يشارك في شغب التلاميذ. فيه حُسْنُ يوسف وخَفَرٌ بلا قوى. عينان زرقاوان صافيتان من بحر عكا وأُمّه الحسناء الطاغية. شعر كستنائي مُجَعَّد، وجبين واسع يطل على ما فوقنا. كان بعيداً بعيداً وقويّ البنية. ولم نعرف لماذا ابتعد عن المدرسة وعن العائلة وعن الوطن إلى أن أشعل حرب حزيران. هكذا قالت الصحف الاسرائيلية بعناوين عريضة: إلقاء القبض على فدائي سلّل عبر الحدود لينسف حيفا. كان ذلك عشية حرب حزيران. وكان الإعلام الاسرائيلي منكباً على إعداد الذرائع لإعلان الحرب. لم نصدِّق أن فلسطيني، إذ لم يسبق له أن انخرط معنا في نشاط عام، إلا بعدما طالعتنا قامتُهُ المديدة في الصحف وهو يرسف في الأغلال. حدّثني أبوه، وهو ابن عمي، كيف كانت الشرطة ُسْمِعُهُ - خلف جدران الزنزانة - أنين المتواصل. قطيعٌ من الذئاب يستفرد بغزال أسير. لقد حطم والده ماماً وهو يستمع إلى الموت البطيء المتصاعد من جسد سمير، المرفّه، المنعّم، المدلّل، الأنيق، الوسيم. ولكن

عدد الصفحات ٣٧

38 أمّه ذات الجمال الجَهُوريّ حمت أعصابها، وتوازنها النفسي، بما أيقظ في أمومتها من حاسّة الزهو أمام حوّل ابنها إلى رجل يتحدى دولة هزمت دولاً، فرفعت أحزانها الى كبرياء. حكموا على أن يُمثِّل دور المتعاون مع إدارة السجن، متحملاً إهانات زملائه الفدائيين، لينفّذ خطته، ويعمل في مطبخ السجن، حيث حصل على ما يحتاجه من أدوات حادة، وعكف شهراً على قطع قضبان الزنزانة، إلى أن حانت ساعة الصفر، وتمكن من هريب بعض زملائه السجناء. أصرّ على أن يكون آخر الناجين، إلى أن انتبه الحراس إلى العملية وانتزعوه من قضبان النافذة ليحكموا عليه، مرة أخرى، بالسجن المؤبّد الثاني. بعد محاولة أخرى، حكم عليه بالسجن المؤبّد الثالث. وهكذا، كان على اطلاق سراحه… وفي عملية بادل أسرى خرج الوطن العربي الكبير، فلم يصدّق الفارقَ بين الفكرة وصورة الفكرة، ولم يصدق التنافر بين الحلم وأداة الحلم، فلجأ إلى مفاضلة السجناء التقليدية بين الحرية الخارجية الشكلية وبين الحرية الداخلية المجازية المنبثقة من ماسك اليقين، وسلام النفس، والارتباط بالخارج برباط المثال. لقد ألفنا

عدد الصفحات ٣٨

39 شكوى الخارجين من حريتهم الداخلية إلى حريتنا المُشَوَّهة، وألفنا خيبتهم من كُلِّ ما يخدش مخيلتهم عنا وتصوّرهُمْ عن الخارج. قال لي في دمشق: أهذا هو الوضع؟ ليس من أجل هذا دخلت. وليس من أجل هذا خرجت. ولكنّ ما فيه من وفاء لارتباط الإطار والفكرة حال دون ذهابه بالخيبة إلى منتهاها؛ إلى استبدال الإطار والأداة بما هو أكثر وازناً وانسجاماً. كان شديد الخيبة من المؤسسة وشديد الالتحام بها. ليس في وسع رجل مثلي - قال - أن يغيّر جلده، لا خوفاً من إرهاب المؤسسة، بل خوفاً من انهيار أحد عناصر التوازن. فلأعتبر نفسي - سواء أكنت في هذا التنظيم أم في ذاك - خادماً لفكرة فلسطين وشعبها، دون أن أقبل الانسياق في صراع التنظيمات وفي خداع بعية بعضها، وهي لا شملني، إلى هذا النظام أو ذاك. كان يسيّج نفسه وتميُّزها بالجناح المطلق من الفكرة. كان يخشى أن يؤدي أيُّ عديل في إطاره إلى الطعن في صدق اريخه وفي حرارة ضحيته، لأن الاعتراض - في غياب الوطن والمجتمع وما يبلورانه من سُلّم قيمٍ - قابلٌ للشك والتشكيك الشائعين في حروب كلام لا ضبطها ضوابط أخلاقية ووطنية. ولم يسفر مثل هذا النوع من

عدد الصفحات ٣٩

40 يبدأ من راشق هذه التهم أحدُ منا. ثم استقر بيروت، ليواصل أسئلته الجارحة حول الحرية في السجن، والسجن في حرية قابلة للفساد والغاء نظام العقوبات، حتى لو مكن أحد الناطقين باسم هذه الحرية من دمير بناية على ساكنيها لتصفية حساب مع عضو في التنظيم، دون أن يفقد عضويته في القيادة، وحقّه في مثيل نظام عربي مثيلاً مدوياً في القيادة! لعلّ المحاكمة التي ستحقها الثورة هي أنها كانت خالية، وما زالت خالية، من قاليد محاكمة أعضاء القيادة على جرائمهم المدوية. واقتصرت المحاكمة على تبُّع جنايات أخلاقية يرتكبها شهداء المستقبل خلال بحثهم عن متعة عابرة في سيجارة حشيش، أو ام يتحولوا إلى منصة للخطابة. كان يصعب على وعلى أمثاله الخارجين من السجون الاسرائيلية، أن يدركوا كيف يقفز بعض ممثلي المخابرات على درجات سُلّم القيادة بذريعة المحافظة على بالدول. هل نحن جامعة الدول العربية؟. لم يتمكن من إدمان هذه التقاليد الملتبسة، لأنه لم ينضج إلى درجة التي تطلب استيعابها الأش السياسي الفلسطيني في علاقته المعقدة بالقاعدة العربية،

عدد الصفحات ٤٠

41 والقمة العربية، حتى وجد هذا الخطاب نفسه أسيرها لا ابنها المدلّل، منذ انقسم السؤال الديموقراطي عن السؤال القومي، وذه الوطنية مع المنظمة!.. ولكن في السجن وعن السجن في الحرية، انخرط في موجة ساهل عام جَرَفَتْنا جميعاً إلى شاطىء القدرية. .. ولأنني أعرفه منذ الطفولة، لم أذهب إليه في المستشفى، مستشفى البربير. لن عرفه - قالوا لي. وإذا كنت حبه - قالوا لي - صلِّ له أن يموت، لأن الموت راحتُهُ الوحيدة.. فقد دخل في إذن، لم يُطلق سراحه. لقد لاحقوه حتى بيروت. استبدلوا أحكام السجن المؤبد ب سمير.. مات حَبَقُ العائلة.. … لا أريد ان أموت، مشوّهاً، بين الأنقاض، أتمنى أن أُقصف على حين غفلة… في الشارع. أتمنى أن احترق ماماً… أن

عدد الصفحات ٤١

42 أتفحّم، فلا يعثر دود الرواية إياه على وظيفته الخالدة فيّ، إذ ليس من عادة الدود أن يأكل الفحم. وهكذا، سأقول لنفسي إنني أبحث عن جريدة… لأبرر سيري في شارع لا قطة فيه ولا كلب. لم آبه بما يحدث خارج الزجاج. قذائف. صواريخ. بوارج. الرياح. نزل كما يهطل طائرات. مدفعية. هبّ عليّ كما هبّ المطر. تحرك كما يتحرك الزلزال. لا ستطيع الارادة البشرية ان فعل حيالها شيئا كأنه قدر لا يُرد. كُلُّ ما مخض عنه الخيال البشري من اب التكنولوجيا من قدم، يجري امتحان فاعليتها في أجسادنا اليوم. أيكون هذا اليوم أطول يوم في التاريخ؟ لا أحد يغسل الموتى، فليغسل الميت نفسه بنفسه، أعني بدم فاض عن الماء. أجمع ثروتي المائية، واستخدم كل قطرة منها بحرص فائق. لكُلّ قطرة دور، أكاد أعُدُّ قطرات الماء، خمسمائة قطرة لغسل الشعر، ألفان للجسد، مائة للفم، مائة للحلاقة، عشرون لكلّ أذن، خمسون لكل إبط… و… و… لكل قطرة قطعة من الجسد.

عدد الصفحات ٤٢

43 ما الماء؟ من قال إن الماء لا لون له ولا طعم ولا رائحة؟ ما ياء، دال، اثنان، ألف. أهذا هو H2Oالماء كل شيء؟ ولكن، ما هذه النشوة التي فتح الجلد لتوصلنا الى عيد هناك… في أرجاء الجسد وضواحيه فنقترب من طباع الفراش. الماء فرح الحواس وما يحيط بها من هواء. الماء هو الهواء المقطّر الملموس المحسوس المغموس بالضوء، ولهذا حث الأنبياء شعوبهم على حب الماء كل شيء ح في وع نفايات الصليبيين الماء، بينما كان صلاح الدين الأيوبي يرسل الثلج والفواكه الى اعدائه يقول. وأضحك فجأة من أغنية قول وأتساءل: كيف عرف المغني هذا الاكتشاف المبهر؟ وفي ل الزعتر كان القتلة يصطادون الفلسطينيات على نبع الماء، على ماسورة الماء المكسورة، كما يصطاد الصيادون الغزلان العطاش. الماء القاتل، الماء المخلوط بدم العطشى الذين غامروا بحياتهم من أجل كوب ماء. الماء الذي أشعل حروب البدو في الزمان القديم. الماء الصالح لتحسين شروط

عدد الصفحات ٤٣

44 التفاوض لدى من لم يلمس الماء انسانيتهم اليابسة. الماء الذي حرك ملوك العرب وحمّلهم مشقة الاتصال الهاتفي مع الرئيس الاميركي لإج الماء، خذ النفط وهات الماء، خذنا وهات الماء! … وص الطائرات، صوت الماء مرايا العروق لأرض الحريّة، صوت الماء هو الحرية، صوت الماء هو الانسانية. وما أن يعلن الى بيروت الغربية حتى يهبّ المحاصرون الى حنفياتهم إلا نحن… نحن سُكّان هذه البناية العالية، العالية الى أعلى نداء العطش، فقد حاصرنا صاحبها قبل حصار بيروت بسنين، منذ انحلّت السلطة، فجنّ هو بسلطته: السلطة على الماء. ما ان يتشاجر مع أحد المستأجرين، او مع زوجته، او مع حسابه في البنك، حتى يهبّ الى قطع الماء عنا جميعا. لذلك ربّى فينا، من زمان، هذا الصبر على الماء، ربّى فينا مدائح الماء. وعلّمنا ان نفرح بالماء، حين يتدفق ساعة، كما لم فرح به قبائل داحس، وحوّلنا الى حراس أنابيب، نتجسس منذ الفجر على صوت الماء المرتقب، وحين نسمع غرغرة

عدد الصفحات ٤٤

45 الماء نعلن العيد ونجمع ما هبنا رحمته في الأواني والقناني والصحون والكؤوس وفي جيوب المعاطف الجلدية، فالماء في هذه البناية كنز نجلِّله بالطقوس، ونتحدث عن سيرته في سهراتنا. لقد وحّدنا حديث الماء وحوّلنا الى عائلة واحدة، ولكن صاحب البناية يغار من شارون، وينافسه في السادية، فحين بتهج بيروت الغربية بالافراج عن الماء، نكتفي نحن بدور التضامن، لأن هذه البهجة لا شملنا، ولأن الماء لا يصل الينا، نحن آخر الأسرى يا أبا ربيع. إغفر لنا ذنوبا لم نرتكبها يا أبا ربيع. الدنيا حرب يا أبا ربيع. والعفو عند المقدرة يا أبا ربيع. أعطنا رزقنا من الماء يا أبا ربيع. وما من سميع وما من شفيع. الى ان اضطررت الى الاستعانة باللجان الشعبية المسلحة التي أفرجت عن الماء بالقوة، فنسينا الحرب ونسينا الحصار من فرط ما فرحنا بالماء. لي… ولمن اكتوى، مثلي، بجروح الماء، قدّم اسماء الماء؛ ونعوته، هذا غيض من فيضها: ماء. ماءة. مويه. أمواه. مياه. ماهة، بلال. رجع. أبيض. أس السَعْبَر. الطَيْس. الطيسل. الرَيْب. الجوار. الخِضْرم. القَلَيْدُم.

عدد الصفحات ٤٥

46 العُبام. الهُر. الهرهور. الهرهار. الهراهر. اليهمور. الزمزم الزُمزوم. الزمزام. القاموس. الجُراجر. اليهري. الضحضاح. الكوثر. الأهيغ. الجبجاب. الهُلاهل. الطرطبيس. البثق. الحائر. المدّ. الحفل. الأزّيَب. الثمَد. المشفوه. المضفوف. الرقراق. ال النطفة. الرزغ. الصبّة. الشول. الرفض. الخبط. الصبابة. القصملة. الصلاصل. الضلضل. الذفاف. ال القطرب. الزرجون. المزّة. المجّة. النقمة. النغبة. المكلة. النشفة. الغرفة. القرحة. الحسوة. المزعة. السُؤر. الوشل. اللزب. الجحقة. الهلال. الرشف. الطملة. الدعث. الحيل. الطلح. ال الشريب. الشروب. الهجهج. المُخْضم. الزعاق. الذعاق. النمير. المسوس. الباضع. الغريض. البسر. الحنبريت. القراح. وغيرها… وغيرها… وغيرها. الدرج الحجري الطويل وسط الزجاج المهشم، لا … أهبط على أعرف إن كانت الطوابق السفلى قد أصيبت. وأتساءل: ماذا

عدد الصفحات ٤٦

47 أفعل لو انقضّت عليّ جثة؟ كيف سأحملها ولمن أنقلها؟ ماذا أفعل لو لم أجد أحداً أتحدث اليه؟ لمن أنقل كلامي ومن يشاطرني صمتي؟ سأصفّر لحنا.. مطلع أغنية من أغاني بيروت المتفجرة من هذه الحرب. لم كن بيروت للغناء، ولم يستخدم الشعر اللبناني اسم بيروت القابل للاستعمال في جميع بحور الشعر. اسم موسيقي ينساب بسلاسة في قصيدة النثر وفي القصيدة… وماذا أفعل لو لم أجد قطة أداعبها؟ ماذا سأفعل لو لم أجد ما أفعل؟ الطابق الرابع باب مفتوح. صباح الخير يا أستاذي على - هكذا كنت أخاطبه منذ عشر سنين. في الثمانين من العمر، وسيم، هادئ، كأنه قلب يمشي على قدمين. رحل من منزله الكائن على خطوط التماس بعدما انهارت عليه جدرانه الثلاثة، وأق مختفيا في اوروبا، ثم أقام في شقة ابنته. كنت ازوره يوميا وأحمل عنه عبء الحرب، وأحمل له الكعكة والجريدة. كان شاعرا مجددا، ولعله أوّل من كتب قصيدة النثر ثم وقف عن كتابة الشعر ليتفرغ، كلية، لمجلته الأدبية الشهرية. كان هو هيئة التحرير والادارة والموزِّع والمصحح. لم عادل شكواه

عدد الصفحات ٤٧

48 من وحشية القصف غير شكواه من الماء وصاحب البناية أحفاده، ويتقبّل اضطهاد زوجته ذات كان يأنس اليّ والى الشخصية الطاغية بابتسامة اعتذار عن ذنب لم يرتكبه. وحين ك الطائرات المغيرة: كفى، ماذا ريدون منا؟ نحن نعرف أنكم أقوى منا، ونعرف أنكم متلكون طائرات أحدث، وأسلحة أشد فتكاً. ولكن ماذا ريدون منا؟ كفى! كانت زوجته زجره: دعهم وشأنهم… عايزين يضربوا… وانت مالك - قولها باللهجة المصرية الرادعة دون أن خجل من وجودي: عايزين يضربوا الفلسطينيين… وكنت أمازحه لأقطع يار الحرج المكهرب: حقا، لماذا عرقل عمل الطيارين؟ فيضحك، وهي لا ضحك، كانت في داخلها التربوي المعادي لما هو خارج طائفتها حتفل بالخدمة المجانية التي يقدمها الاسرائيليون لبطل أحلامها الوحيد: بشير الجميل. كانت عتقد ان هذه الحرب هي مجرد طوع اسرائيلي لتنظيف لبنان من الغرباء والمسلمين، وحين ستنتهي بوصول بطل أحلامها الى رئاسة الجمهورية، وبخروج الغرباء من لبنان، سيعود الاسرائيليون من حيث جاءوا دون ان يحصلوا على أيّ أجر. كان في وسعك ان جادلها في سيرة السيد المسيح والسيدة مريم العذراء ورسائل بولس دون ان

عدد الصفحات ٤٨

49 نفعل. أما البشير، فتحيط اسمه بحزام التابو المقدّس، يا سيدة لبنان احفظيه لنا! ومع ذلك لم أكنّ لها العداء، بل الاحساس بالشفقة على ما قطعته من أشواط الوهم ورفض « لدى الباعة من خبز وعنب، فأمام مثل هذا الانغلاق الصلب والتشكُّل النهائي توقف محاولات الاقناع. وعبثا حاول الاستاذ، ذو الماضي العلماني، ان يقنعها بأن الاسرائيليين لا يحبون لبنان ولا يدافعون عن لبنان، وان صاروخا واحدا من طائراتهم سيحولنا، نحن الموارنة والمسلمين الجالسين في هذه الشقة الى كفتة! وهي، هي المحصنة بقناعتها النهائية، حب المناقشة العقيمة، ويسألني الاستاذ رأيي ليساعدني من باطن، عليها، فأتجنب الاستفزاز وما قد غدقه عليّ الراكد: اذن، ما قائلا: ليست لك مشكلتي، فتحرك الماء هي مشكلتك؟ أناور قائلا: مشكلتي هي ان أعرف ما هي مشكلتي. وفي المناسبة، هل أفرج صاحب البناية عن الماء؟ تقول: لا تهرب مما نحن فيه. أنت عرف ان لا مشكلة بين الموارنة واليهود.

عدد الصفحات ٤٩