المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

محمود درويش ذاكرة للنسيان

غير معروف

صفحة ٢ من ١٥

18 لن يمروا على حياتنا. فليمروا، إن استطاعوا أن يمروا، على ما لفظه الروحُ من جثث، فأين إرادتي؟ وقفتْ هناك، على الرصيف الثاني من الصوت الجماعي. أما الآن، فلا أريد أكثر من رائحة القهوة. خجلت. خجلتُ من خوفي وممن يدافعون عن رائحة البلاد البعيدة، الرائحة التي لم يشموها لأنهم لم يولدوا فيها. ولدوا منها بعيداً عنها. وتعلّموها بلا انقطاع وبلا كلل أو ملل. علموها من ذاكرة مسلطة ومن مطاردة ملحة: لستم من هنا - قيل لهم هناك. ولستم من هنا - قيل لهم هنا. وبين اتخذ الموت فيهم هذه الصيغة الاحتفالية. لقد أخرج آباؤهم من هناك ليحلوا ضيوفاً على هنا، ضيوفاً مؤقتين، من أجل إخلاء ساحات الوطن من المدنيين، ليتسنى للجيوش النظامية طهير أرض العرب وشرفهم من العار والدنس الظالمون المدى، فحقّ الجهاد وحقّ الفدا.. طلعنا عليهم طلوع المنون، فكانوا هباء وكانوا سدى

عدد الصفحات ١٨

19 لك الأغاني طارد فلول الغزاة وتحرِّر الأرض سطراً سطراً، كان هؤلاء، هنا، يولدون بلا مهد، وكيفما اتفق، على حصير أو في سلّة من قصب أو على أوراق الموز، يولدون كيفما اتفق بلا شهادة ميلاد وبلا سجل أسماء، بلا فرح وبلا ميلاد، كانوا أعباء على أهلهم وعلى جيران الخيمة، وباختصار: كانوا ولادة زائدة، كانوا بلا هوية. وانتهى الأمر إلى ما انتهى إليه. عادت الجيوش النظامية. وبقي هؤلاء يولدون بلا سبب، ويكبرون بلا سبب، ويتذكرون بلا سبب، ويحاصرون بلا سبب. جميعهم يعرف القصة، شديدة التشبه بحادثة سير كونية وبواقعة طبيعية. ولكنهم قرأوا كثيراً في كتاب أجسادهم وأكواخهم، قرأوا مييزهم وقرأوا الخطاب القومي، وقرأوا صادرات وكالة الغوث، وقرأوا سياط الشرطة. وظلّوا يكبرون ويزيدون عن حزام المخيم وعن مراكز الاعتقال. وقرأوا اريخ الحصون والقلاع التي وقَّعها الغزاة لتخليد اسمائهم على أرض ليست لهم، ولتزوير هوية الحجارة والبرتقال على سبيل المثال. أليس التاريخ قابلاً للرشوة؟ وإلاّ، فلماذا يحمل المكان، البحيرات والجبال والمدن، أسماءَ قادةٍ عسكريين لا لشيء إلا لأن أولئك القادة قد نفسوا انطباعاً

عدد الصفحات ١٩

20 أولياً لدى المشاهدة، فتحولت كلمات الانطباع إلى أسماء نتناقلها حتى الآن؟ أو.. هريد - ما أجملها - هكذا قال قائد روماني حين رأى البحيرة في مقدونيا، فصار هذا الدهش هو اسمها. وقس على ذلك مئات الأسماء التي نشير بها إلى أمكنة أشار إليها قبلنا عسكري منتصر، وصار من الصعب فكُّ الهوية عن هزيمتها. قلاع وحصون هي محاولات لحماية اسم لا يثق بخلوده من النسيان. حجارة مضادة للنسيان، حروب عكس النسيان. لا أحد يريد أن يَنْسى. وبشكل أدق: لا أحد يريد أن يُنْسى. وبشكل سلمي: ينجبون الأطفال ليحملوا أسماءهم، ليحملوا عنهم عبء الاسم أو مجده. إنه اريخ طويل من عملية البحث عن وقيع على زمان أو مكان، ومن حلِّ عقدة الاسم في مواجهة قوافل النسيان الطويلة.. فلماذا يطالب هؤلاء الذين ألقت بهم أمواج النسيان على ساحل بيروت أن يشذوا عن قاعدة الطبيعة البشرية؟ لِمَ يُطالبون بهذا القدر من النسيان؟ ومن هو القادر على ركيب ذاكرة جديدة لهم لا محتوى لها غير ظلٍ مكسور لحياة بعيدة في وعاء من صفيح صارخ؟ أهناك ما يكفي من النسيان كي ينسوا؟

عدد الصفحات ٢٠

21 ومن سيساعدهم على النسيان في هذا القهر الذي لا يتوقف عن ذكيرهم باغترابهم عن المكان والمجتمع؟ من يرضى بهم مواطنين؟ من يحميهم من سياط الملاحقة والتمييز: لستم من هنا! يستعرضون الهوية المرفوعة للتدليل على خطر الدخول وخطر الخروج، لمحاصرة الأوبئة، ويراقبون براعة استخدامها رافعةً قومية، فهؤلاء المنسيون، المطرودون من النسيج الاجتماعي الداخلي، المنبوذون، المحرومون من حقّ العمل والمساواة، مطالبون في الوقت ذاته بأن يصفقوا لقمعهم لأنه يُوفّر لهم نعمة الذاكرة. وهكذا يُدْفَعُ المطالب بالنسيان أنه إنسان إلى قبول استثنائه من الحقوق ليتدرّب على التحرُّر من داء نسيان الوطن. عليه أن يُصاب بالسلّ كي لا ينسى أن له رئة، وعليه أن ينام في العراء كي لا ينسى أن له سماء أُخرى. وعليه أن يعمل خادماً كي لا ينسى أن له مهمة وطنية. ويمنع من التوطين كي لا ينسى فلسطين. وباختصار عليه أن يكون « حسناً.. حسناً. لقد عرف واجبه: هويتي - بندقيتي، فلماذا يكيلون عليه هماً لا ُحصى: إثارة الشغب، الإخلال بأصول

عدد الصفحات ٢١

22 الضيافة، التوريط، نشر عدوى السلاح؟ حين استكان أخرجوا روحه للكلاب الضالّة، وحين حرّك في اتجاه الوطن أخرجوا جسده للكلاب الضالّة. ولكن المثقفين القادرين على ارتداء أحدث الأزياء النظرية، أقنعوه بأنه بديل السائد، وحين انقض عليه السائد، طالبوه بالنقد الذاتي لأنه أفرط في الوطنية، أفرط إلى درجة الخروج عن حظيرة السائد! الظروف ليست ناضجة. الظروف ليست ناضجة. وكان عليه أن ينتظر. ما العمل.. ما العمل؟ الثرثرة في مقاهي بيروت. لقد ثرثر حتى قيل له إن بيروت قد أفسدته. وامتشقت سيدات المجتمع البنادق الرشاشة، المحاطة بوسوسة المجوهرات، ليخطبن في حفلات الدفاع عن وطنية يعني أن الوطن ليس هذا الطعام، وتناول السلاح ليستخدمه خ استخدم السلاح في معارك الدفاع عن النفس، في الداخل، ضد مندوبي الصهيونية المحليين قيل له: هذا دخُّل في الشؤون الطائفية. ما العمل؟ إذن، ما العمل لينهي عملية النقد الذاتي سوى الاعتذار عن وجود لم يوجد بعد. لست إلى هناك. ولست من هنا. ومن بين هذين النفيين وُلد هذا الجيل المدافع عن وعاء جسدي للروح، علّق عليه رائحة البلاد التي

عدد الصفحات ٢٢

23 لا يعرفها. لقد قرأ ما قرأ، ورأى ما رأى، ولم يصدق أن الهزيمة حتمية. وتبع لك الرائحة. منهم أخجل، دون أن أعرف أني أخجل منهم. الغامض يتراكم على الغامض ليحتك ويقدح الوضوح. وفي وسع الغزاة أن يفعلوا كُلّ شيء، في وسعهم أن يسلطوا البحر والجو والبرّ عليّ، ولكنهم لا يستطيعون أن يقتلعوا مني رائحة القهوة. سأصنع قهوتي الآن. سأشرب القهوة الآن. سأمتلىء برائحة القوة الآن، لأتميز عن خروف، على الأقل، لأعيش يوماً آخر، أو أموت محاطاً برائحة القهوة.. .. ُبعد الإناء عن النار الخفيفة لتجري اليدُ أولى ابداعاتها. ولا كترث بالصواريخ والقذائف والطائرات. فتلك إرادتي: سأذيع رائحة القهوة لأمتلك فجري. لا نظر إلى الجبل الذي يبصق كتله النارية في اتجاه يدك. ولكنك لا ستطيع أن نسى أنهم يرقصون هناك، يرقصون من النشوة. كانت سيدات القرنفل، في صحف البارحة، يرتمين على دبابات الغزاة في الأشرفية. كان النصف الأعلى من نهودهن، والنصف السفلي من أفخاذهن عارياً من الصيف ومن المتعة، ومعداً جيداً لاستقبال المخلّصين. قَبِّلني يا شلومو، قبِّلني على فمي،

عدد الصفحات ٢٣

24 ما اسمك يا حبيبي لأناديك باسمك يا حبيبي، شلومو كم انتظَرَتْكَ شغافُ قلبي. أدخل، يا شلومو، أدخل رويداً رويداً أو دفعة واحدة إلى بيتي لأحسّ فيك القوة. كم أحبُّ القوة يا حبيبي. واقصفوهم يا حبيبي، واذبحوهم، واقتلوهم بكل ما فينا من انتظار. لتحمك سيدة لبنان يا سيد شلومو. اقصفوهم ريثما أُعدُّ لك كأس العرق والغداء يا حبيبي. بعد كم ساعة قضون عليهم، بعد كم ساعة؟ لقد طالت العملية، يا شلومو، طالت، فلماذا أنتم بطيئون يا حبيبي. شهران، ما بالكم لا تقدمون؟ ولكن رائحتك كريهة، يا شلومو، لا بأس. هذا من الصيف والعرق. سأغسلك بماء الفل يا حبيبي. لماذا بوُّل في الشارع؟ هل تكلم الفرنسية؟ لا؟ أين وُلدت؟ في عز؟ أين عز هذه؟ في اليمن؟ لا بأس.. لا بأس. كنت أظُنّك شيئاً آخر. ما عليك يا شلومو! أُقصف من أجلي هناك.. هناك. ملعقة واحدة من البُنّ المكهرب بالهال ُرّسى، ببطء، على جاعيد الماء الساخن، حركها حريكاً بطيئاً بالملعقة، بشكل دائري في البداية، ثم من فوق إلى حت. ضيف إليها الملعقة الثانية، حركها من فوق إلى حت ثم حركها حريكاً دائرياً من الشمال إلى اليمين، ثم سكب عليها الملعقة الثالثة. بين

عدد الصفحات ٢٤

25 الملعقة والأخرى أبعد الإناء عن النار ثم أعده إلى النار. بعد ذلك أعلى ثم أعدها عدة مرات إلى أسفل، إلى أن يعيد الماء غليانه وتبقى كتلة من البن ذي اللون الأشقر على سطح الماء، تموّج وتتأهب للغرق. لا دعها غرق. أطفىء النار ولا كترث بالصواريخ. خذ القهوة إلى الممرّ الضيّق. صُبّها بحنان وافتنان في فنجان أبيض، فالفناجين داكنة اللون فسد حرية القهوة. راقب خطوط البخار وخيمة الرائحة المتصاعدة. أشعل سيجارتك الآن، السيجارة الأولى المصنوعة من أجل هذا الفنجان، السيجارة ذات المذاق الكوني التي لا يعادلها مذاق آخر غير مذاق السيجارة التي تبع عملية الحب، بينما المرأة دخِّن آخر العرق وخفوت الصوت.. ها أنذا أولد. امتلأت عروقي بمخدرها المنبّه، بعدما التقت بينبوع حياتها، الكافايين والنيكوتين وطقس لقائهما المخلوق من يدي. أتساءل: كيف كتب يدٌ لا بدع القهوة؟ كم قال لي أطباء القلب، وهم يدخنون: لا دخِّن ولا شرب القهوة. وكم مازحتهم: الحمار لا يدخّن ولا يشرب القهوة، ولا يكتب.

عدد الصفحات ٢٥

26 أعرف قهوتي، وقهوة أمي، وقهوة أصدقائي. أعرفها من بعيد وأعرف الفوارق بينها. لا قهوة شبه قهوة أخرى. ودفاعي عن القهوة هو دفاع عن خصوصية الفارق. ليس هنالك مذاق اسمه مذاق القهوة، فالقهوة ليس مفهوماً وليست مادة واحدة، وليست مطلقاً. لكُلِّ شخص قهوته الخاصة، الخاصة إلى حدّ أقيس معه درجة ذوق الشخص وأناقته النفسية بمذاق قهوته. ثمة قهوة لها م مُرتّباً. وثمة قهوة لها مذاق عصير الخروب. ذلك يعني أن صاحب البيت بخيل. وثمة قهوة لها رائحة العطر. ذلك يعني أن السيدة شديدة الاهتمام بمظاهر الأشياء. وثمة قهوة لها ملمس الطحلب في الفم. ذلك يعني أن صاحبها يساريّ طفولي. وثمة قهوة لها مذاق القِدم من فرط ما ألبّ البن في الماء الساخن. ذلك يعني أن صاحبها يميني متطرف. وثمة قهوة لها مذاق الهال الطاغي - ذلك يعني أن السيدة محدثة النعمة.. لا قهوة شبه قهوة أخرى. لكُلّ بيت قهوته، ولكُلّ يد قهوتها، لأنه لا نفس شبه نفساً أخرى. وأنا أعرف القهوة من بعيد: سير في خط مستقيم، في البداية، ثم تعرج وتتلوى وتتأوّد وتتأوّه وتلتفّ على سفوح ومنحدرات، تشبّث بسنديانة أو

عدد الصفحات ٢٦

27 بلوطة، وتتفلّت لتهبط ال حنيناًإلى صعود الجبل وتصعد حين تشتت في خيوط الناي الراحل إلى بيتها الأوّل. رائحةُ القهوة عودة وإع من سلالة المكان الأول، هي رحلة بدأت من آلاف السنين وما زالت عود. القهوة مكان. القهوةُ مسام ُس إلى الخارج، وانفصالٌ يُوَحِّد ما لا يتوحّدُ إلا فيها هي رائحة القهوة. هي ضدُّ الفطام. ثدي يُرضع الرجال بعيداً. صباحٌ مولود من مذاق مُر حليبُ الرجولة. والقهوة جغرافيا.. من هي لك الناهضةُ من منامي؟ هل هي حقاً كانت خاطبني قبل الفجر، أم كنت أهذي وأواصل المنام صاحياً؟ لم نلتق غير مرتين. في المرة الأول المرة الثانية حفظتُ اسمها. وفي المرة الثالثة لم نلتق. فلماذا ناديني الآن من حلم كنتُ أنام فيه على ركبتها؟ لم أقل لها في المرة الأولى: أحبك. ولم قل لي في المرة الثانية: أحبك. ولم نشرب القهوة معاً..

عدد الصفحات ٢٧

28 واعتدتُ أن أحصي عدد السوس في صحن حساء العدس، الطبق اليومي في السجون.. واع الاشمئزاز، لأنّ الشهية تكيّف، ولأن الجوع أقوى من الشهية. ولكنني لم أتكيّف أبداً مع غياب القهوة الصباحية، ومع ناول غسيل الشاي. ألهذا لم أتعايش مع ظروف السجن؟ سألتني صديقة بعد خروجي من السجن الأول: هل استمتعت؟ قلت: لا، لأنهم لا يقدمون القهوة. قالت: هذا شيء فظيع. وأضافت: ولكنني لا أشربُ القهوة. قلت لا أعرف سيدات كثيرات مهووسات بصباح القهوة. الرجل هو الذي يفتتح نهاره بالقهوة، أما المرأة فإنها ُفضِّلِّ المكياج! ليس ذلك ما آلمني. لقد مكن أحد زملائي السجناء من احضار فنجان من القهوة ل ومنحتُ نفسي وقتاً للتأمل، مما دفع زميلاً آخر إلى صويب نظرة استعطاف نحو الفنجان، جاهلتُها لأتوحّد مع ملكيتي، جاهلتُها وتلذذت برشف القهوة بسادية أيقظتْ فيّ إحساساً بالإثم فيما بعد. كان ذلك قبل عشرين عاماً، وما زالت لك النظرة المتوسلة لاحقني إلى الآن داعيةً إيّاي إلى إعادة النظر المستمرة في نفسي وإلى هذيب سلوكي، لأن العطاء وتقاسم

عدد الصفحات ٢٨

29 الأشياء في السجن هو معيار صدق العطاء. لم أتخلّص من عقدة الذنب بما أغدقتُ عليه من أنصاف السجائر في محاولة لرشوة وازني النفسي. ما أشدّ أنانيتي! لقد حرمت زميلاً في السجن من نصف فنجان من القهوة، مما دفع الأقدار إلى معاقبتي، بعد أسبوع، يوم جاءت أمي لزيارتي ومعها ابريق من القهوة دلقه الحارسُ على العشب… والقهوة لا ُشرب على عجل. القهوةُ أُختُ الوقت. ُحْتَسى على مهل.. على مهل. القهوةُ صوت المذاق، صوت للرائحة. القهوة أمّل وتغلغل في النفس وفي الذكريات. والقهوة عادة لازمها بعد السيجارة عادة أخرى هي.. الجريدة. أين الجريدة؟ الساعة السادسة صباحاً. وأنا في عين الجحيم. ولكن الخبر هو ما يُقرأ لا ما يُسمع. والواقع، قبل سجيل الواقع، ليس واقعاً ماماً. أعرف باحثاً في الشؤون الاسرائيلية لا يكفُّ عن كذيب لأنه لا يقرأ الحقيقة إلا إذا كانت مكتوبة باللغة العبرية. وبما أن الصحف الاسرائيلية لم صل إليه، فإنه لا يعترف بأنّ

عدد الصفحات ٢٩

30 بيروت محاصرة! ليس هذا ما يُصيبني من حماقة، فالجريدة الصباحية إدمان. أين الجريدة؟ تصاعدت هستيريا الطائرات. لقد جُنّت السماء. جُنّت ماماً. يُنذر هذا الفجر بأن هذا اليوم هو آخر أيام الخليقة. فأين يضربون؟ أين لا يضربون؟ وهل تسع منطقة المطار لكُل هذه القذائف القادرة على قَتْل بحر؟ أفتح الراديو فأضطر للاستماع إلى الاعلانات التجارية السعيدة: ساعة سيتزن لضبط الوقت. سجائر ميريت، نكهة أكثر ونيكوتين أقل. عال إلى مارلبورو، عال إلى حيث المتعة. ميّة الصحة.. صحة من مذيعات مونت كارلو الخارجات للتو من الحمام أو غرف النوم المثيرة. قصفٌ شديد على بيروت. قصفٌ شديد على بيروت. قصفٌ شديد على بيروت؟. أهذا هو الخبر كأنه نبأ عن يوم عادي من أيام حرب عادية، عادية في نشرة الأخبار. أحوِّل إبرة الراديو إلى إذاعة لندن. الفتور المميت ذاته في أصوات مذيعين يدخنون الغليون على مسمع من المستمعين، أصوات منقولة على موجة قصيرة مكبرة إلى موجة متوسطة حوِّلها إلى كاريكاتور صوتي خبيث: ويقول مراسلنا إنه يبدو

عدد الصفحات ٣٠

31 للمراقبين الحذرين أن ما يبدو مما يتضح عندما يتمكن المتحدث لولا صعوبة الاتصال بالوقائع لعلّ في الأمر ما يدل على أن كلا المتحاربين يحاول عسى ولا سيما ناهيك عن غموض ما قد يسفر عن طائرات مجهولة أسماء الطيارين ُحلِّق إذا أردنا الدقة حيث قد يتأكد أن بعض الناس يظهر في زيّ حسن. لغة عربية سليمة، المعلومات نتهي بأغنية ذات لغة عربية سليمة العواطف لمحمد عبدالوهاب: يا جيني يا قوللي أروح لك يا قوللي أروح منك فين. أصوات متشابهة الرتابة، رمل يصف بحراً، أصوات فصيحة ونزيهة صف الموت كما صف الأحوال الجوية، وكما لا صف سباق الخيل والدراجات. عَمَّ أبحث؟ أفتح الباب عدة مرات ولا أعثر على الجريدة. لماذا أطلب الجريدة والبناياتُ تساقط من الجهات كُلّها. ألا كفيني هذه القراءة؟ ليس ذلك ماماً. فالباحث عن الجريدة وسط هذا الجحيم ه عينين إنسانيتين، عن صمت مشترك، وعن كلام متبادل، باحث عن مشاركة ما في الموت، عن شاهد يشهد، عن شاهد على جثة، عن مُبلغٍ عن سقوط حصان، عن لغة للصمت

عدد الصفحات ٣١

32 وللكلام، عن انتظار أقلّ ضجراً لموت أكد. فإن ما يقوله هذا الفولاذ، هذه الوحوش الفولاذية، هو أن أح السكينة.. ولن يحصي قتلانا.. كنتُ أكذب على نفسي، فليست فيّ حاجة إلى البحث عن وصف ما هو حولي وفي داخلي الدالف. حقيقةُ الأمر هي أنني كنتُ خائفاً من الوقوع بين الأنقاض، فريسة أنين لا يصل. كان ذلك مؤلماً، مؤلماً إلى حدّ التماهي مع الحادثة وقد حدثت. أنا الآن هناك بين الأنقاض. أحسُّ بوجع الحيوان المهروس فيّ. وأصرخ من وجعي ولا يسمعني أحد. كان ذلك الشبح يصابون بساقهم يواصلون الاحساس بالوجع في الساق حتى بعد بترها بسنين. إنهم يمدون أيديهم لتحسس موضع الوجع في ساق لم يعد لها وجود.. وقد يلاحقهم هذا الوجع الوهمي الوجع الشبح إلى آخر العمر. أما أنا، فأشعر بوجع شديد جرّاء إصابة لم حدث.. لقد طُحِنَتْ ساقاي حت الأنقاض. وهذه ظنوني: قد لا يقتلني الصاروخ بشكل خاطف دون أن أشعر. فقد ينهار عليّ حائط على مهل على مهل في عذاب لا ينتهي واستغاثة لا بلّغ مصيري إلى أحد. قد يطحن ساقي

عدد الصفحات ٣٢

33 أو ذراعي أو جمجمتي، أو قد يربض على صدري، وأبقى حيّاً عدة أيام لا وقت فيها لأحد للبحث عن بقايا كائن. قد يختلط لحمي بالاسمنت والحديد والتراب فلا يدُلُّ شيء عليّ. وقد ينغرز زجاج نظارتي في عيني فأصاب بالعمى. وقد يتغلغل عامود من الحديد في خاصرتي. وقد أُنسى في زحام اللحم البشري الممعوس المفقود بين الأنقاض. ولكن، لماذا أهتم بمصير جثتي وعنوانها إلى هذا الحد؟ لا أعرف. أريد جنازة حسنة التنظيم، يضعون فيها الجثمان السليم، لا المشوّه، في ابوت خشبي ملفوف بعَلَمٍ واضح الألوان الأربعة، ولو كانت مقتبسة من بيت شعر لا دلُّ ألفاظه على معانيه، محمول على أكتاف أصدقائي، وأصدقائي - الأعداء. وأريد أكاليل من الورد الأحمر والورد الأصفر. لا أريد اللون الورديّ الرخيص ولا أريد البنفسج لأنه يذيع رائحة الموت. وأريد مذيعاً قليل الثرثرة، قليل البحة، قادراً على ادعاء حزن مقنع، يتناوب مع أشرطة حمل صوتي بعض الكلام. أريد جنازة هادئة، واضحة، وكبيرة ليكون الوداع جميلاً وعكس اللقاء. فما أجمل حظ الموتى الجدد، في اليوم الأول من الوداع، حين يتبارى المودعون في مدائحهم. فرسان ليوم واحد، محبوبون

عدد الصفحات ٣٣