ذاكرة للنسيان محمود درويش منشورات وزارة الثقافة بالتعاون مع دار الناشر جميع الحقوق محفوظة رام الله
عدد الصفحات ٢سيرة يوم الزمان: آب المكان: بيروت
عدد الصفحات ٣محمود درويش
عدد الصفحات ٤5 من المنام يخرج منامٌ آخر: هل أنتَ في خير، أعني هل أنتَ حيّ؟. - كيف عرفتِ أنني كنتُ أضع الآن رأسي على ركبتيك وأنام؟. - لأنكَ أيقظتني حين تحرّكْت في بطني. أدركتُ أني تابوتك. هل أنتَ حيّ؟ هل تسمعني جيداً؟ - هل يحدث ذلك كثيراً: أن يوقظني من المنام منام آخر هو تفسيرُ المنام؟. - هل هو يحدث لي ولك… هل أنتَ حيّ؟ - تقريباً. - وهل أصابتك الشياطين بسوء؟. - لا أعرف، ولكنّ في الوقت متسعاً للموت. - لا تمتْْ تماماً. - سأحاول.
عدد الصفحات ٥6 - لا مت أبداً - سأحاول. - قل لي: متى حدث ذلك؟ أعني متى التقينا، متى افترقنا؟. - منذ ثلاثة عشر عاما. - هل التقينا كثيراً؟ - مرتين: مرة حت المطر، ومرةً حت المطر، وفي المرة الثالثة لم نلتقِ. سافرت. ونسيتكِ. وقبل قليل ذكرت. ذكرت أني نسيتُكِ. كنتُ أحلم. - وهذا ما يحدث لي… كنتُ أحلم. ولقد حصلتُ على رقم هاتفك من صديقة سويدية قابلتك في بيروت. أتمنى لك ليلة سعيدة. لا نس أن لا موت. ما زلتُ أري ثانية، أريدك أن كلمني. يا للزمن… ثلاثة عشر عاماً. لا. لقد حدث ذلك الليلة. أتمنى لك ليلة سعيدة… الساعة الثالثة. فجرٌ محمولٌ على النار. كابوس يأتي من البحر. دُيُوكٌ معدنية. دخان. حديد يُعدُّ وليمة الحديد السيّد. وفجر يندلع في الحواس كُلّها قبل أن يظهر. وهدير يطردني من السرير ويرميني في هذا الممر الضيق. ولا أريد شيئاً، لا
عدد الصفحات ٦7 أتمنى شيئاً. ولا أقدر على إدارة أعضائي في هذا الاضطراب الشامل. لا وقت للحيطة، ولا وقت للوقت. لو أعرف فقط، لو أعرف كيف أُنظِّم زحام هذا الموت المنصبّ. لو أعرف كيف أُحرِّرُ الصراخ المحتقن في جَسَدٍ لم يعد جسدي من فرط ما حاول أن ينجو في َتَبُّع فوضى القذائف. كفى.. كفى - همستُ لأعرف إن كان في وسعي أن أفعل شيئاً يدلني عليّ.. ويشير الى مكان الهاوية المفتوحة من جهات ست. لا أستطيع أن استسلم لهذا القدر ولا أستطيع أن أُقاومه. حديد يعوي فينبح له حديد آخر. حُمّى المعادن هي نشيد هذا الفجر.. لو استراح هذا الجحيم خمس دقائق. وليكن من بعد ما هو بعد. خمس دقائق. أكاد أقول: خمس دقائق فقط أُعدّ خلالها عُدّتي الوحيدة ثم أتدبر موتي أو حياتي. خمس دقائق هل كفي؟ نعم.. كفي لأتسرّب من هذا الممر الضيّق المفتوح على غرفة النوم، المفتوح على غرفة المكتبة، والمفتوح على حمامٍ لا ماء فيه، والمفتوح على المطبخ الذي أتحفز لدخوله منذ ساعة ولا أستطيع.. لا أستطيع أبداً. نمتُ قبل ساعتين. وضعتُ قِطْعَتي قُطْن في أذنيّ، ونمتُ بعدما استمعتُ إلى نشرة الأخبار الأخيرة. لم قل إني ميت.
عدد الصفحات ٧8 معنى ذلك أنني حيّ. فقَّدْتُ أعضاء جسمي فوجدتها كاملة عشر أصابع حت. عشر أصابع فوق. عينان. أذن طويل. اصبع في الوسط. وأما القلب فإنه لا يُرى. ولا أجد ما يشير إليه سوى قدرتي الخارقة على إحصاء أعضائي، ومسدس ملقىً على أحد رفوف المكتبة.. مُسدس أنيق، نظيف، لام المسدس علبة رصاص لا أعرف أين خبأتها منذ عامين خوفاً من حماقة، خوفاً من فورة غضب طائشة، خوفاً من رصاصة طائشة. إذن، أنا حيّ، وبتعبير أدق: أنا موجود. لا أحد يستمع إلى الرجاء المرفوع على الدخان: أريد خمس دقائق، لأتمكن من وضع هذا الفجر، أو حصتي منه، على قدميه، ومن التأهب للدخول في هذا اليوم المولود من عويل. هل نحن في آب؟ نعم. نحن في آب. وتحولت الحرب الى حصار. أبحث في الراديو، المتحول الى يد ثالثة، عما يحدث الساعة فلا أجد شاهداً ولا خبراً، فالراديو نائم. لم أعد أتساءل متى يتوقف عواء البحر الفولاذي. أسكن على الطابق الثامن في بناية غري أي صيّاد بالإصابة، فما بالك بأسطول حربي يحوِّل البحر إلى أحد مصادر جهنم؟
عدد الصفحات ٨9 واجهة البناية الشمالية كانت ُمتِّع سكانها بمشهد ما لسقف البحر المتجعِّد، لأنها واجهة من زجاج، والآن انقلبت إلى عراء المصرع. لماذا سكنتُ هنا؟ ما هذا السؤال الأحمق! فمنذ عشر سنين وأنا أسكن هنا، ولا أشكو من فضيحة الزجاج. ولكن، كيف أصلُ إلى المطبخ؟. أريد رائحة القهوة. لا أريدُ غير رائحة القهوة. ولا أريد من الأيام كلها غير رائحة القهوة. رائحة القهوة لأتماسك، لأقف على قدميّ، لأتحوّل من زاحف الى كائن، لأوقف حصتي من هذا الفجر على قدميه، لنمضي معاً، أنا وهذا النهار، إلى الشارع بحثاً عن مكان آخر. كيف أذيع رائحة القهوة في خلاياي، وقذائف البحر نقضُّ على واجهة المطبخ المطل على البحر لتنشر رائحة البارود ومذاق العدم؟ صرت أقيس المسافة الزمنية بين قذيفتين. ثانية واح والشهيق، أقصر من المسافة بين دقّتيْ قلب.. ثانية واحدة لا كفي لأن أقف أمام البوتاغاز الملاصق لواجهة الزجاج المطلة على البحر. ثانية واح
عدد الصفحات ٩10 الماء، ثانية واحدة لا كفي لأن أصبّ الماء في الغلاية. ثانية واحدة لا كفي لإشعال عود الثقاب. ولكن ثانية واحدة كفي لأن أحترق.. أقفلتُ مفتاح الراديو. لم أتساءل إن كان جدار الممر الضيّق يقيني فعلاً مطر الصواريخ. ما يعنيني هو أن ثمة جداراً يحجب الهواء المنصهر إلى معدن يُصيب اللحم البشري، بشكل مباشر، أو يتشظّى، أو يخنق. وفي وسع ستارة داكنة - في مثل هذه الحالات - أن وفِّر غطاء الأمان الوهميّ. فالموت هو أن رى الموت. أريد رائحة القهوة. أريد خمس دقائق.. أريد هدنة لمدة خمس دقائق من أجل القهوة. لم يعد لي من مطلب شخصي غير إعداد فنجان القهوة. بهذا الهوس حدّدت مهمتي وهدفي. وثبت حواسي كُلّها في نداء واحد، واشرأبّت عطشى نحو غاية واحدة: القهوة.. والقهوة، لمن أدمنها مثلي، هي مفتاحُ النهار. والقهوة، لمن يعرفها مثلي، هي أن صنعها بيديك، لا أن أتيك على طبق، لأن حامل الطبق هو حامل الكلام، والقهوة
عدد الصفحات ١٠11 الأولى يفسدها الكلام الأول لأنها عذراء الصباح الصامت الفجرُ، أعني فجري، نقيضُ الكلام. ورائحة القهوة تشرّب الأصوات، ولو كانت حيةً رقيقة مثل « لذا، فإن القهوة هي هذا الصمتُ الصباحي، الباكر، المتأني، والوحيد الذي قف فيه، وحدك، مع ماء ختاره بكسل وعزلة في سلام مبتكر مع النفس والأشياء، وتسكبه على مهل وعلى مهل في إناء نحاسيّ صغير داكن وس أصفر مائل إلى البنّي، ثم ضعه على نار خفيفة.. آه لو كانت نار الحطب.. إبتعدْ قليلاً عن النار الخفيفة، لتطلّ على شارع ينهض للبحث عن خبزه، منذ ورط القردُ بالنزول عن الشجرة وبالسير على قدمين، شارع محمول على عربات الخضار والفواكه وأصوات الباعة المتميزة بركاكة المدائح وتحويل السلعة الى نعت للسعر، واستنشق هواء قادماً من برودة الليل، ثم عُدْ الى النار الخفيفة - آه لو كانت نار الحطب - وراقب بمودة وتؤده علاقة العنصرين: النار التي تلوّن بالأخضر والأزرق،
عدد الصفحات ١١12 والماء الذي يتجعّد ويتنفّسُ حبيبات صغيرة بيضاء تحوّل إلى جلد ناعم، ثم كبر.. كبر على مهل لتنتفخ فقاعاتٍ تسع وتتسع بوتيرة أسرع وتنكسر، نتفخ وتنكسر عطشى لالتهام ملعقتين من السُكّر الخشن الذي ما أن يداخلها حتى هدأ بعد فحيح شحيح، لتعود بعد هنيهة إلى صراخ الدوائر المشرئبة إلى مادة أخرى هي البُنّ الصارخ، ديكاً من الرائحة والذكورة الشرقية.. أبعد الإناء عن النار الخفيفة لتجري حوار اليد الطاهرة من رائحة التبغ والحبر مع أولى إبداعاتها، مع إبداع أول سيحدّد لك، منذ هذه الهنيهة، مذاق نهارك وقوس حظّك. سيحدّد لك إن كان عليك أن عمل أم تجنب العلاقة مع أحد طيلة هذا اليوم. فإن ما سينتج عن هذه الحركة الأولى، وعن إيقاعها، وعم يحركها من عالم النوم الناهض من اليوم السابق، وعما يكشف من غموض نفسك، سيكون هوية يومك الجديد. لأن القهوة، فنجان القهوة الأول، هي مرآة اليد. واليدُ التي صنع القهوة ُشيع نوعية النفس التي حركها. وهكذا، فالقهوة هي ال الكاشفة لما يحمله النهار من أسرار.
عدد الصفحات ١٢13 ما زال الفجر الرصاصيّ يتقدم من جهة البحر على أصوات لم أعرفها من قبل. البحرُ برمته محْشُوٌّ في قذائف طائشة. البحر يبدل طبيعته البحرية ويتمعدن. أللموت كُ الأسماء؟ قلنا: سنخرج. فلماذا ينصب هذا المطر الأحمر - الأسود - الرمادي على من سيخرج وعلى من سيبقى من بشر وشجر وحجر؟ قلنا: سنخرج. قالوا: من البحر. قلنا: من البحر. فلماذا يسلحون الموج والزبد بهذه المدافع؟ ألكي نعجِّل الخطى نحو البحر؟ عليهم أن يفكوا الحصار عن البحر أولاً.. عليهم أن يخلوا الطريق الأخير لخيط دمنا الأخير. وما دام الأمر كذلك، وهو كذلك.. فلن نخرج، إذن، سأُعدُّ القهوة.. صحت عصافيرُ الجيران في السادسة صباحاً. ابعت قاليد الغناء المحايد منذ وج الضوء. لمن غني في زح طبيعتها من ليل سابق، ُغنّي لها لا لنا. هل كنا نعرف ذلك فيما مضى؟ لقد شقّت الطيور فضاءها الخاص في دخان المدينة المحترقة. كانت سهام الصوت المتعرجة لتفُّ على القنابل وتشير إلى أرض سالمة في الفضاء. للقاتل أن يقتل.
عدد الصفحات ١٣14 للمقاتل أن يقاتل. وللعصفور أن يُغنّي. ولكنني أكفُّ عن طلب الكناية، أكفُّ ماماً عن التأويل، لأن من طبيعة الحروب أن ُحقِّر الرموز، وتعود بعلاقات البشر والمكان والعناصر والوقت إلى خاماتها الأولى، لنفرح بماء يتدفق مع ماسورة مكسورة على طريق، لأن الماء هنا يتقدم منّا معجزة. من قال إن الماء لا لون له ولا طعم ولا رائحة؟ للماء لون يتفتّح في انفتاح العطش. للماء لون أصوات العصافير، ال القادمة من البحر ما دام فضاؤها سالماً. وللماء طعم الماء ورائحةٌ هي رائحةُ الهواء القادم، بعد الظهيرة، من حقل يتموج بسنابل القمح الممتلئة، في امتداد متقطِّعِ الضوء كبُقع الضوء المخطوفة التي يتركها وراءه وتّرُ جناح الدوري الصغير وهو يطير طيراناً واطئاً على حقل. وليس كل ما يطير طائرة. ولعلّ أسوأ الكلمات العربية هي أن الطائرة تأنيث الطيور واصل غناءها وتثبِّتُ أصواتها وسط هدير المدافع البحرية. ومن قال إن الماء لا طعم له ولا لون ولا رائحة. ومن قال إن هذه الطائرة هي أنيث هذا الطائر؟.
عدد الصفحات ١٤15 ولكن العصافير صمت فجأة. كفُّ عن الكلام وعن التحليق الروتيني في هواء الفجر منذ هَبّت عاصفةُ الحديد الطائر. أمِنْ هديرها الفولاذي سكتت، أم من شابُهٍ غير متعادل في الشكل والاسم: جناحان من حديد وفضّة في مقابل جناحين من ريش. حيزوم من حديد وكهرباء في مقابل منقار من نشيد. حمولة من صواريخ في مقابل حبة قمح وقشة؟ وقفت العصافير عن الغناء، واكترثت بالحرب، لأن أرض سمائها لم عد سالمة.. السماء نخفض، كأنها سقف إسمنتي يقع. البحر يتحوّل الى يابسة ويقترب. السماء والبحر من مادة واحدة. البحر والسماء يضيِّقان عليّ الخناق. أدرتُ مفتاح الراديو لأعرف أخبار السماء. لم أسمع شيئاً. جمّد الوقت. جلس عليّ ليخنقني. مرّت الطائرات من بين أصابعي. اخترقت رئتي. كيف أصل الى رائحة القهوة. كيف أموت يابساً بلا رائحة القهوة. لا أريد.. لا أريد.. فأين إرادتي؟ وقَفَتْ هناك، على الطرف الثاني من الشارع، يوم أطلقنا النداء المضاد لزحف الخرافة علينا من الجنوب، يوم كوّر
عدد الصفحات ١٥16 اللحم البشري عضلة الروح وصاح: لن مروا.. ولن نخرج اشتبك اللحم مع الحديد وتغلّب على علم الحساب العسير، فتوقّف الغزاة على السور. هنالك وقت لدفن الموتى، وهنالك وقت للسلاح، وهناك وقت ليمرّ الوقت على هوانا.. لتطول البطولة، فنحن، نحنُ أصحابُ الوقت.. كان الخبز يصعد من التراب. وكان الماء ينبجس من الصخر. كانت صواريخهم حفر لنا آبار الماء، وكانت لغة قتلهم غرينا بالنشيد: لن نخرج. وكنا نرى وجوهنا على شاشة الآخرين غلي بالوعد العظيم وتخترق الحصار بشارات نصر لا نكسر. لن نفقد شيئاً منذ الآن، ما دام هنا في بيروت - وسط هذا البحر، على بوابة هذه الصحراء أسماء لوطن مختلف، وعودة المعاني إلى مفرداتها، هنا خيمة للتائهة من المعاني، والضالّة من الألفاظ، ولشتات الضوء اليتيم المطرود من الوسط.. فهل عرف ه القوى، وبمطالع أغنيات سابقة، وبقذائف يدوية، وزجاجات جعةٍ ساخنة، وبشهوات فتيات في ملجأ، وبقصاصات هوية ممزقة، وبرغبات واضحة في الإنتقام من آباء حكماء، وبجنون
عدد الصفحات ١٦17 الخلاص من شيخوخة الفكرة، وبما لا يدرون من رياضة الموت النشيط.. هل، هل عرفوا أنهم يصححون، بجراحهم وطيشهم المبدع، حبر اللغة التي ساست شرق المتوسط كُلّه في اتجاه غرب لا يطلب من العبودية غير حسين شروط التحاقها، منذ حصار عكا في العصور الوسطى حتى حصار بيروت المُكَلف بالانتقام من كل التاريخ في العصور الوسطى؟ وهل عرفوا حين انصرفوا إلى محاصرة الحصار، أنهم ينوبون عن الأسطورة في انتشال الواقع من الخارق إلى البسيط، ليرشدوا قارئ الرمل المضلّل إلى أسرار نسيج البطولة المكوّنة من البسيط إلى البسيط؟ كأن يُمْتَحَن رجل برجولته، وتمتحن أنثى بأنوثتها، وكأن يكون للكرامة قوة الاختيار بين الدفاع عنها أو الانتحار، وكأن لا يرضى الفارس باشتراط فروسيته الذاتية، الأخلاقية والجسدية، بعودة عصر الفروسية الرسمية.. وأن يشق بنفسه، وحيداً هذا الفضاء المتطاول فيصوّب مساراً لما فيه من غموض الحافز. وكأن شقّ حفنة من البشر عصا الطاعة على المألوف كي لا يتساوى هذا الشعب، هذا الشعب المخلوق من مزاج النار العنيدة، مع قطعان الغنم التي يريد أن يسوسها راعي القمع وراعي الخرافة، معاً، عبر سياج التواطؤ.
عدد الصفحات ١٧