المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

رسائل ومسائل للشيخ عبدالرزاق البدر

أبو عبدالعزيز منير الجزائري

صفحة ١٠ من ١٧

كَلِمَات فِي مُنَاسَبَات فَضْلُ شَهْـر

عدد الصفحات ١٤٩

149  الحمـدُ لله الَّـذي جعـل الصِّيَـام حِصنـا حصينا مِـنَ النَّار وجُنَّـة، وجعلـه مرتقىً لكل خيـر وسـبيلً إلـى الجَنَّـة، وأشـهدُ أن ل إلـه إلَّ الله وحـده ل شـريك لـه عظُمَـت منـه علـى عبـاده المِنَّـة، وأشـهدُ أنَّ محمَّـداً عبـده ورسـوله لَ خيـر إلَّ فيما دعا إليه وسَـنَّه؛ صلَّـى الله وسـلَّم عليـه وعلـى آلـه الأخيـار وصحابتـه الأبـرار وسـلَّم تسـليما كثيرًا. أمَّا بعد: معاشـر المؤمنيـن عبـاد الله: أوصيكـم ونفسـي بتقـوى الله، فـإنَّ مَـنْ اتَّقـى الله وقـاه وأرشـده إلـى خيـر أمـور دينـه ودنيـاه، ثـمَّ اعلمـوا رعاكـم الله أنَّ نعمـة ا علينـا عظيمـة بهـذا الشَّـهر العظيـم والموسـم الكريـم؛ موسـم شـهر رمضـان المبـارك الَّـذِي تعـدَّدَت خيراتـه وتنوَّعـت بركاتـه وتعـدَّدت فضائلـه وميزاته؛ شـهر اصطفاه الله واختـاره مـن بيـن بقيَّة الشُّـهور وجعلـه للطَّاعة موسـما عظيمـا وللخيرات  كلِّهـا مرتقـى كريمـا، ولقـد تعـدَّدت الأحاديـث عبـاد الله عـن النَّبِـيِّ ﷺ مبيِّنـة عظيـم مكانـة هـذا الشـهر وكبيـر فضلـه وتعـدد خيراتـه وبركاتـه. وهـذه وقفـةٌ مـع حديـثٍ واحد مِنْ أحاديث الرَّسـول الكريم ﷺ المُنَوِّهة بهذا الشَّـهر المبيِّنـة لعظيم فضلـه وكبير مكانته: روى الترمـذي وابـن ماجـه وغيرهمـا من حديث أبـي هريـرة ﭬ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: « النَّـارِ فَلَـمْ يُفْتَـحْ مِنْهَـا بَـابٌ، وَفُتِحَـتْ أَبْـوَابُ الْجَنَّةِ فَلَـمْ يُغْلَقْ مِنْهَـا بَابٌ، وَنَـادَى مُنَادٍ يَـا بَاغِـيَ الْخَيْـرِ أَقْبِـلْ، وَيَـا بَاغِـيَ الشَّـرِّ أَقْصِـرْ، وَلِلَّـهِ عُتَقَـاءُ مِـنْ النَّـارِ وَذَلِـكَ فِـي كُلِّ

عدد الصفحات ١٥٠

150 . (((لَيْلَـةٍ تأمَّـل - عبـد الله - هـذا الحديـث العظيـم الـدَّال علـى عظيـم مكانـة هـذا الشَّـهر ومـا بـه مِـنْ فضائـل ومزايَـا وخصائـص عظيمـة؛ شـهرٌ تصفَّـد فيـه مـردة خصَّـه ا الشَّـياطين، وتفتَّـح فيـه أبـواب الجنَّـة، وتغلَّـق فيـه أبـواب النَّـار، وكلُّ ذلـك عبـاد الله محـرِّكٌ للقلـوب المؤمنـة، مهيِّـجٌ للنُّفُـوس المطمئنَّـة لتقبِل علـى أبواب الخير وسـبله ولِتَنْكَفَّ عن أبواب الشَّـر وسـبله، أبواب الجنَّة مفتَّحة لأهلها؛ أهل الخير والفضائل أهـل المسـابقة للخيرات والمنافسـة للطَّاعات، وأبواب النَّـار مغلَّقة لأنَّ أهل الإيمان وعـن كلِّ مـا أحـرص مـا يكونـون في هـذا الشَّـهر علـى البعـد عمَّـا يُسـخطُ ا يغضبـه خوفـا مـن عقـاب الله وخوفـا مـن سـخطه سـبحانه ونـاره، والشَّـياطين الَّذِين كانـوا يصـدُّون النَّـاس عـن دين الله ويصرفونهم عن سـواء السَّـبيل؛ مِنَّـةُ الله على عباده عظيمـة في هـذا الشَّـهر بتصفيدهـم فـل يخلصـون إلـى مـا كانـوا يخلصـون إليـه في غير ( . 2(رمضان المتكـرِّر في كلِّ ليلـة من ليالي وتأمَّـل رعـاك الله ؛ تأمَّـل كثيـرًا ومليًّـا داعـي ا ؛ داعٍ ينـادي في كلِّ ليلـة مـن «رمضـان ليالـي رمضـان، وإنْ كنَّـا - عبـاد الله - ل نسـمعُ نـداء هـذا الدَّاعـي في كلِّ ليلـة إلَّ أنَّنـا مـن ندائـه علـى يقيـن؛ لأنَّ الَّـذِي أخرنـا بوجـود هـذا النِّـداء هـو رسـولنا الكريـم ﷺ ]ﮌ ﯢ[ )ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ( الَّـذِي مناديـا ينـادي كلَّ ليلـة، وقـد جـاء في بعـض الروايـات أنـه وثقـةٍ جازمـة بـأن (.759)، وابن ماجه682 رواه الترمذي((( فهذه من مزايا وعطايا ربِّ الرايا سبحانه وتعالى، فاللهم لك الحمد حمدًا كثيرًا طيِّبا مباركًا فيه. (2( قـال الإمـام ابـن الجـوزي الملعـون الشَّـيطان؛ فأولـى أن ل يسـكنكم مولكـم دار العقوبـة والهـوان، وأن يمنحكـم بمنِّـه وفضلـه دار الخلود (.والرِّضـوان، كمـا فضلنا بشـهر التَّجـاوز والغفران، وهو الكريـم المتفضِّل المنَّان

عدد الصفحات ١٥١

151 «ملَـك مـن الملئكـة ينادي بأمـر الله، ينادي كلَّ ليلة مـن ليالي رمضان .أَقْبِـلْ، وَيَـا بَاغِـيَ الشَّـرِّ أَقْصِرْ وتأمَّل هنا لتجد أنَّ ألوف النَّاس على قلبين: «* قلـب يبغـي الخيـر ويطلبـه وينشـده ويتحـرك في طلبه، وإلى هـؤلء يأتي النِّـداء ؛ فأنـت في موسـم الخيـرات وَوَقْـتُ المنافسـة في فعـل الطَّاعـات بَاغِـيَ الْخَيْـرِ أَقْبِـلْ ؛ والجِـدِّ والجتهـاد في العبـادات، فزِدْ تَحَرُّكا ونشـاطا وإقبـالً على طاعة ا .« * وقلـبٌ آخـر ـ عبـاد الله ـ الشَّـرُّ فيـه متحـرّك والإقبـال فيـه علـى الشَّـر متهيِّـج، وإلـى ؛ أمسـك عن الشـر وامنع «هـذا الصِّنـف مـن النَّـاس يـأتي النداء نفسـك عنـه وعـن أبوابـه فإنَّـك في وقـت فضيـل وفي موسـمٍ عظيـم، فـل أقـلَّ مِـنْ أَنْ تكـون في هـذا الشَّـهر مانعا لنفسـك وحاجـزاً لها عن الوقـوع في المحرمات وغَشَـيان نداء يتكـرَّر كلَّ ليلة مِنْ ليالي رمضان. «النَّواهـي والممنوعـات، فَمَـا حظُّنـا - عبـاد الله - مـن السـتجابة لهذين النداءيـن؟ نداء الخيـر والإقبال عليه، ونـداء التَّحذيـر من الشَّـر و النكفاف عنه. وهنـا - عبـاد الله - لبـدَّ مـن وقفـة في بيـان أحـوال النَّـاس مـع السـتجابة إلـى هـذا والجنَّـة:النِّـداء الكريـم والدَّاعـي العظيـم إلـى رضـوان ا وأخـذ بنواصيهم إلى الخيـر، فقلوبهم * هنـاك صنـف مِـنَ النَّـاس وفَّقَهـم ا علـى الخيـر مقبِلـة وأوقاتهـم في الطاعـات عامـرة بيـن ذكـرٍ لله وصيـامٍ وقيـامٍ وتـلوةٍ للقـرآن وعيـادةٍ للمرضـى أو صلـةٍ للأرحـام أو غيـر ذلـك مـن أبـواب الخيـر المتنوعة وسـبله العديدة.

عدد الصفحات ١٥٢

152 * وصنـف آخـر مِـنَ النَّـاس أَسَـرتْهم نفوسـهم، وقيَّدتهـم شـهواتهم، وكبَّلهـم تتبعهـم لحظـوظ نَفْسـهم، فَهُـم عـن الخيـر غافلـون، وعلـى الشـر مقبِلـون؛ وهـذه مصيبـة عظمـى تمـرُّ هـذه اللَّيالـي الكريمـة والمواسـم الفَضِيلـة والقلب ل يتحـرك للخير ول يطلبـه ويكـون في غايـة النصـراف عنـه والإقبـال علـى الشـر وسـبله عيـاذاً بـالله. وهنـا - عبـاد الله - تـأتي نـداءات شـرٍّ تصـرف النَّـاس عن الخيـر وتصدهم عـن أبوابه وسـبله، وإنَّ مـن أعظمهـا نكايـةً وأشـدَّها خطـرًا وأعظمهـا أثراً وبـلءً: تلـك القنوات الَّتِـي يتبـارى أربابهـا ويتنافـس أصحابها في هذا الموسـم (((الفضائيـة العاهـرة الفاجـرة العظيـم والشـهر الفضيـل في اصطياد المغفَّلين من أبناء المسـلمين لصدِّهم عن الخير وشـغْلهم في اللهـو والباطـل، ومـن عجيـب مكـر أولئـك - عبـاد الله - أنَّهـم جعلـوا لأفلمهم السَّـاقطة ورقصاتهم الآسِـنة ومسلسـلتهم الرَّدِيئة جعلوا لهم شـعاراً يتَّصل برمضـان، فمنهـم مـن يقـول رمضـان علـى موائـد الإثـم والرّذيلـة ومجالت السُّـفول والنحطاط، كيف يليق بمسـلم صام علـى طاعـة الله أن يفطـر علـى الإثـم والعصيان ومشـاهدة الإثـم والحرام؟! مـاذا تصنـع تلـك الأفـلم وتلـك المشـاهد المشـينة في قلـوب مـن يشـاهدها ونفوس مـن يطالعها؟! أتحرك في قلوبهم قيام الليل؟! أتدعوهم إلى الصِّيَام والقيام والطاعة وتلوة القرآن؟! أم أنَّها تهيِّج في نفوسهم حبَّ الشر والفساد والبحث عن أماكن الرَّذيلة والكساد. ولشـيخنا عبـد الـرزاق بـن عبـد المحسـن البـدر حفظـه الله مقـال نافـع بعنـوان((( (.ضمـن

عدد الصفحات ١٥٣

153 ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ (قـال الله تعالـى: ]30:ﮌ ﮤ [ )ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ عبـاد الله: وصنـف آخـر مـن النـاس ل يعرفـون في ليالـي رمضان إلَّ جلـوس مجالس ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ( الغِيبـة والنَّميمـة والسُّـخريَّة والسـتهزاء والتَّهكُّـم بالنَّـاس ) ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ]ﮌ ﯞ [ أوقـاتٌ فاضلـةٌ تُهـدر ومواسـم عظيمـة تُضيَّـع، وآخـر مِـنَ النَّـاس - عبـاد الله - ل يعرفـون في هـذه الليالـي الفاضلة إلَّ اللعب والبَطالَة والتسـكُّع في الشَّـوارع والذَّهاب ، أهكذا إلـى الأسـواق لمشـاهدة النِّسـاء والحتـكاك بهـن وفعل مـا يسـخط ا ليالـي رمضـان ؟! ولهـذا - عبـاد الله - ينبغـي علينـا أجمعين أنْ نكرِّر هذا النِّـداء في أذهاننا وأن نديره في ؛ إن قصُرت نفسـك أيَّها المؤمن «خيالنـا عـن فعـل الخيـرات والإقبـال علـى الطاعـات والمنافسـة في العبـادات فل أقـلَّ من أن تقصـر نفسـك عـن الشَّـر وأن تمنعهـا مـن الوقـوع فيـه وأن تحول بينهـا وبينه مسـتعينا .بـالله تبـارك وتعالى معتمـداً عليه ، وجاء في حديث «عبـاد الله : ثـم قـال ﷺ «آخـر رواه ابـن ماجـة ؛ وتأمَّـل هـذا - رعـاك الله - عنـد كلِّ إفطـار من هذه الطَّاعـة العظيمة (((فِـي كُلِّ لَيْلَـةٍ (. برقم((( ورحم الله الإمام ابن رجب لمَّا قال: و في بقيَّتـه للعابديـن مسـتمتع، و هـذا كتـاب الله يتلـى )ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ(«

عدد الصفحات ١٥٤

154 رقابـا مـن النـار في كلِّ ليلةٍ من ليالـي رمضان، وهنا والعبـادة الجليلـة يعتـق ا يسـأل المؤمـن نفسـه: أقلبـي يتحـرك شـوقا وطمعـا ورغبـةً في أن أكـون مـن هـؤلء رقابهـم مـن النـار في ليالي رمضـان الفاضلة؟الذيـن يعتـق ا أأكون من هؤلء أم أنِّي لَ حظَّ لي ول نصيب من ذلك؟ علينـا - عبـاد الله - أنْ نتأمَّـل في هـذا المقـام العظيم والملحظ الشَّـريف، ولنحرِّك في قلوبنـا حـبَّ ذلـك بأنْ نكـون عتقـاء الله عز وجل مـن النَّار. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ❒ ❒ ❒ ❒ ❒ ❒ ❒ ❒ ❒ فيـه بيـن أظهركـم و يُسْـمع، و هـو القـرآن الَّـذي لـو أُنـزل علـى جبـل لرأيتـه خاشـعًا يتصـدَّع، و مـع هـذا فـل قلـب يخشـع و ل عيـن تدمـع، و ل صيـام يصـان عن الحرام فينفع، و ل قيام اسـتقام فيرجى في صاحبه أَنْ يشـفع، قلوب خلـت مِـنَ التَّقـوى فهـي خـراب بلقـع، و تراكمـت عليهـا ظلمـة الذنوب فهـي ل تبصر و ل تسـمع، كم تتلـى علينا آيـات القـرآن و قلوبنا كالحجارة أو أشـد قسـوة؟! و كم يتوالى علينا شـهر رمضان و حالنا فيه كحال أهل الشـقوة؟! ل الشـاب منا ينتهي عن الصبوة! و ل الشـيخ ينزجر عن القبيـح فيلتحق بالصفوة! أيـن نحـن مـن قـوم إذا سـمعوا داعـي الله أجابـوا الدَّعـوة؟! و إذا تليـت عليهـم آيـات الله جَلَـتْ قلوبهـم جلـوة؟! وإذا صامـوا صامـت منـه الألسـنة و الأسـماع و الأبصـار أفما لنا فيهم أسـوة؟! ..كلما حسـنت منا الأقوال سـاءت (.الأعمـال، فـل حـول و ل قـوة إل بـالله العلـي العظيـم، و حسـبنا ا

عدد الصفحات ١٥٥

كَلِمَات فِي مُنَاسَبَات شَهْرُ الصَّبْ

عدد الصفحات ١٥٦

156  إنَّ الحمد لله، نحمده ونسـتعينه ونسـتغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شـرور أنفسـنا وسـيئات أعمالنـا، مـن يهـده الله فَـلَ مُضـلَّ لـه، ومـنْ يضلل فل هـادي له، وأشـهدُ أنْ ل إله إل الله وحده ل شـريك له، وأشـهدُ أنَّ محمَّداً عبده ورسـوله، صلَّى الله وسـلَّم عليـه وعَلَى آله وصحبـه أجمعين. أمَّا بعد: اتَّقُـوا الله تعالـى، وراقبـوه جـلَّ في عـله في السـرِّ والعلنيـة والغيـب أيُّهـا المؤمنـون: والشَّـهادة مراقبـة مَـنْ يعلـم أنَّ ربَّـه يسـمعُه ويـراه. : عمـلٌ بطاعـة الله علـى نـورٍ مـن الله رجـاء ثـواب الله، وتـركٌ وتقـوى ا (.((لمعصيـة الله علـى نـورٍ مـن الله خيفـة عـذاب الله مـا أعظـم هـذه العبـادة وما أجلَّ شـأنها؛ عبـادة الصِّيَـام الَّتي أيُّهـا المؤمنـون عبـاد الله: علـى عبـاده في هـذا الشَّـهر المبـارك، وكم لهذه العبـادة من الآثار افترضهـا ا المباركـة، والفوائـد العظيمـة، والخيـرات المتنوعـة الَّتي يجنيها الصَّائمـون في دنياهم وأخراهم. »عبـادة الصِّيام إنَّ هـذه العبـادةأيُّهـا المؤمنـون: قـال الإمـام ابـن القيـم((( التقوى؟ قـال: أنْ تعمـل بطاعـة الله علـى نـور مِـنَ الله، ترجـوا ثـواب الله، وأنْ تـترك معصيـة الله علـى نـور مِـنَ الله، تخـاف عقـاب الله. (.وهذا أحسن ما قيل في حَدِّ التَّقوى

عدد الصفحات ١٥٧

157 وتقويـم السُّـلوك، وتقويـة الإيمـان، وإقامـة النَّفـس علـى طاعـة الرَّحمـن، والبُعـد بهـا عـن رعوناتهـا وسـفهها وغيِّهـا؛ فكم له مـن الآثار، وكم له مـن الثِّمار ولسـيمَا -عباد الله- لمـن وفَّقـه الله تعالـى لتكميل صيامـه وتتميمه. وهـذه وقفـةٌ مـع درسٍ عظيم مِـنْ دروس الصِّيام في عِظـم أثره وكبير أيُّهـا المؤمنـون: عائدتـه علـى الصَّائميـن في تهذيـب سـلوكهم وإقامـة نفوسـهم علـى الطَّاعـة وزمِّهـا بزمـام الشَّـرع؛ روى الإمـام أحمـد (.((« «وروى البـزَّار أي: غِلِّـه وحقـدَه وحسـدَه . (2(وَثَلَثَـةِ أَيَّـامٍ مِـنْ كُلِّ شَـهْرٍ يَذْهَبْـنَ بِوَحَـرِ الصَّـدْرِ «وروى النَّسـائي عـن الباهلـي ﭬ أنَّ النَّبـيَّ ﷺ قـال لـه (.3(أَيَّـامٍ مِنَ الشَّـهْرِ تأمَّلـوا في هـذه الأحاديـث كيـف وصـف النَّبـيُّ ﷺ شـهر رمضـان أيُّهـا المؤمنـون: بأنَّـه شـهر الصَّـر؛ وذلـك -عبـاد الله- لمـا في عبوديَّـة الصِّيـام مـن تحقيـقٍ للصَّـر، بـل إنَّ الصِّيـام نفسـه صـرٌ بمعـاني الصَّـر الثلثـة، فهـو صـرٌ علـى طاعـة الله، وصـرٌ عـن معصيـة الله، وصـرٌ علـى أقـدار الله المؤلمـة؛ وهـذه المعـاني الثَّلثـة للصَّـر جميعهـا ؛ فالصِّيـام -يـا معاشـر المؤمنيـن- صَـرٌ تتهـذَّب فيـه (4(مجتمعـة في عبوديَّـة الصِّيـام النُّفـوس، ويسـتقيم فيـه السُّـلوك، ويصلـح فيـه الحـال والعمـل. (. رواه أحمد((( رواه البزَّار (2( .( رواه النسائي(3( بعـض أهـل العلـم يعبِّـر عـن أنـواع الصَّـر: الصَّـر علـى المأمـور، الصَّـر علـى المَحْظـور، والصَّـر علـى (4( .(المقـدور

عدد الصفحات ١٥٨

158 نَعَـمْ -عبـاد الله-؛ ولهـذا فـإنَّ الصَّائـم لبـدَّ أن يكـون في جهـادٍ مـع نفسـه لتكميـل صيامـه وتَتَميمـه لينـال تلـك الفوائـد وليحصـل تلـك العوائـد. وأمَّـا إذا فـرَّط في هـذا التَّتميـم والتَّكميـل خـرج بـدون عائـدة ومضـى في صيامه بدون « :فائـدة، فقـد قـال النَّبِـي (.((لِلَّـهِ حَاجَـةٌ فِـي أَنْ يَـدَعَ طَعَامَهُ وَشَـرَابَهُ «وعَـنْ أَبِـي هُرَيْـرَةَ ﭬ قَـالَ: قَـالَ رَسُـولُ اللهِ ﷺ ( .2(الْجُـوعُ، وَرُبَّ قَائِـمٍ لَيْـسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّ السَّـهَرُ وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة عن رسول الله ﷺ. ولهـذا -عبـاد الله-ينبغـي أن نعلـم أنَّ الصيـام صـر، ومـن لـم يكن له صـر في صيامه لـم يسـتفد مـن درس الصِّيـام وعرتـه العظيمـة ولـم يحقِّـق مـا يُرجـى مِـنَ الصِّيـام مـن ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ (آثـار وثمار، يقـول الله تعالـى: ]ﮌ ﮎ[ )ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﮰ ﮱ (:  ولهـذا فسَّـر بعـض السـلف قـول ا أيُّهـا المؤمنـون: ، (3(]ﮌ ﮎ [ )ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ بـأنَّ الصَّر هنا هـو الصِّيام؛ (4(وفسَّـر بعـض السَّـلف قـول النبـي ﷺ (. رواه البخاري((( (. رواه ابن ماجه(2( قـال الإمـام ابـن القيـم فكمـا أنَّ الطَّعـام والشَّـراب يقطعـه ويفسـده، فهكـذا الآثام تقطع ثوابه وتفسـد ثمرته، فتُصَيِّره بمنزلـة مَنْ لم يصم (.« روى ابن أبي حاتم(3( .( رواه مسلم(4(

عدد الصفحات ١٥٩

159 وهـذا التَّفسـير في الآيـة ليـس تفسـيرًا بالمطابـق للمعنـى، وإنَّمـا هـو تفسـير بفـردٍ مـن أفـراده، فمـا مـن شـك أنَّ الصِّيـام صـر، ومـا مـن شـك أنَّ الصِّيـام ضيـاء لصاحبـه، ولكـن إنَّمـا يكـون ذلـك إذَا تمَّـمَ صيامـه وكمَّلـه. جديـر بـكلِّ مؤمـن أن يُعنـى بهـذه العبـادة أيُّهـا المؤمنـون: وتكميـل، وكـم هـو قبيح بالمرء المسـلم أنْ يصومَ نهار رمضان عنْ الطَّعام والشَّـراب والمنكـح ثـم إذا جـاء وقت الإفطـار أفطر على المعصية والمأثم عياذًا بالله؛ ولسـيما -عبـاد الله- أنَّ النَّـاس في هـذا الزَّمان مسـتهدفون في عباداتهـم وفي صيامهم وفي عموم طاعاتهـم مـن قبـل أعـداء الدِّيـن وخصـوم الشَّـريعة، ولسـيما -عبـاد الله- مـن خلل القنـوات الفضائيَّـة ومواقـع النترنـت الَّتِـي تعبـثُ بالعقـول عبثًـا عظيمًـا وبخاصـة في شـهر رمضان. وإذا كانـت الشَّـياطين تُصفَّـد في هـذا الشَّـهر فإنَّ هـؤلء ينطلقون انطلقـةً كبيرة صَدًّا عـن ديـن الله وحرفًـا للنَّاشـئة والشَّـباب عـن طاعـة الله مِـنْ خـلل مـا يُبَـثُّ ويشـاهدُ ويُقـدَّم في تلـك القنـوات، ولهـذا لبـدَّ مـن الصِّيـام، ولبـدَّ مـن الصَّـر، ولبـدَّ مِـنَ المحاسـبة للنَّفـس، ولبـدَّ مِـنْ زمِّهـا بزمـام الشَّـرع حتَّـى يكـون الصِّيـام مُثمـرًا وحتَّـى تكـون العوائـد كثيـرة والفوائـد متنوعَّـة، لَ أَنْ يُضيَّـع صيـام المـرء مِـنْ خـلل عبـث هـؤلء ومكرهـم ودسـهم . كفَى الله شبابنا وناشئة المسلمين شر الأشرار وكيد الفجَّار بمنِّه وكرمه.  لنجاهـد أنفسـنا علـى تكميل صيامنـا وتتميم عبادتنا فـإنَّ اأيُّهـا المؤمنـون: ﮌ[ )ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ (يقـول : ]ﮩ

عدد الصفحات ١٦٠

160 - أي صيام شـهر الصر« وفي قـول نبيِّنَـا ﷺأيُّهـا المؤمنـون: وثلثـة أيـام مـن كل شـهر- فائـدة عظيمـة جليلة القـدر ينبغي علـى الصَّائـم أَنْ يتفطَّن لهـا أَلَ وهـي عِبَـاد الله: أنَّ الصِّيـام ولسـيما صيـام رمضـان وهـو صيـام فريضـة يعـدُّ مدرسـةً عظيمـة تربويـة لتهذيـب السُّـلوك وإصـلح النَّفـس، فهـي فرصـةٌ ثمينـةٌ ل تعـوَّض أَنْ يعالـج المـرء نفسـه مـن خـلل عبـادة الصِّيـام؛ وذلـك بالعمـل علـى تنقيـة قلبـه مـن دسـائس القلـوب وأحقادهـا وأضغانهـا وخباياهـا مِـنَ الأعمـال القبيحـة والأمـور السَّـيِئَّة والسـخائم الشـنيعة التـي تنطـوي عليهـا القلـوب. ولهـذا عبـاد الله: إنَّهـا لفرصـة عظيمـة أن يـداوي المرء نفسـه في إصلح قلبِـه بإخراج الأحقـاد والحسـد والضغائـن ونحـو ذلـك مـن الأعمـال القبيحـة الَّتِـي قـد تنطـوي عليهـا القلـوب وربمـا تمتـلأ بها كثيـر مِنَ النُّفـوس، ففرصـةٌ عظيمة من خـلل عبوديَّة الصِّيـام فرضهـا ونفلهـا أن يذهـب مـا في قلـب المـرء مـن وحـر الصَّـدر غِـلًّ وحقـدًا وحسـدًا وغيـر ذلـك، وإن لـم تذهـب هـذه الأشـياء وأحـس المـرء ببقائهـا في نفسـه فليعلـم أن في صيامـه دخـن. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ❒ ❒ ❒ ❒ ❒ ❒ ❒ ❒ ❒

عدد الصفحات ١٦١

كَلِمَات فِي مُنَاسَبَات مِنْ صِفَاتِ الزَّوْجَةِ الصَّالِحَة

عدد الصفحات ١٦٢

162  إنَّ الحمد لله نحمده ونسـتعينه ونسـتغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شـرور أنفسـنا وسـيِّئات أعمالنـا ، مـن يهـده الله فـل مضـل لـه ، ومـن يضلـل فـل هـادي لـه ، وأشـهد أن ل إلـٰـه إل الله وحـده ل شـريك لـه ، وأشـهد أنّ محمَّـدًا عبـده ورسـوله ، صلَّـى الله وسـلَّم عليـه وعلـى آلـه وأصحابـه أجمعين ، أمَّـا بعد : لـي ولكـم جميعًـا التوفيق والسـداد والهدايـة والرَّشـاد ، وأن يمنَّ فأسـأل ا علينـا بالعلـم النَّافـع والعمـل الصالـح، وأن يعلِّمنـا مـا ينفعنـا وأن ينفعنـا بمـا علَّمنـا سـميع الدعـاء وهـو أهـل الرَّجـاء وهـو حسـبنا ونعـم وأن يزيدنـا علمًـا إنـه الوكيل. » صِفَـاتِ الزَّوْجَـةِ الصَّالِحَـةِ ثـمّ إنَّ موضـوع هـٰـذه المطويـة التـي هـي بعنـوان ليـس الـكلم والخطـاب فيهـا مختصـا بالشـابة المقبِلـة على الـزَّواج الرَّاغبـة في معرفة صفـات الزَّوجـة لتتحلَّـى بهـا ولتهيِّـئ نفسـها لتحقيقهـا وتتميمهـا وتكميلهـا ، وليـس أيضًـا مختصًّـا بالمـرأة المتزوِّجـة التـي قـد أحبّـت لنفسـها صفـات الزَّوجـة الصالحـة لتحافـظ عليهـا ولتحققهـا في حياتهـا ، كمـا أنـه ليـس مختصًّا بالمـرأة المقصِّـرة لعلج مـا عندهـا مـن تقصيـر وتذكيرهـا بجوانـب النَّقـص لتتـدارك أمْرهـا وحياتهـا الزَّوجيـة الكريمـة ؛ بـل إنَّـه خطـابٌ وتذكـرةٌ أعـمّ مـن هـٰـذا كلـه ؛ فهـو تذكـرةٌ للأب الـذي يُريد لبناتـه ومـن تحـت يـده نشـأةً طيِّبـةً وحيـاةً كريمـةً ودخـولً للحيـاة الزّوجية علـى وفق مـراد الله ومـراد رسـوله ﷺ، لتكـون عونًا له ليذكِّرهـن بالضَّوابط الشَّـرعية والصِّفات المرعيـة التـي ينبغـي علـى الفتـاة أن تنشـأ عليهـا ، وتَذْكِـرةٌ لـلأم وهـي راعيـة في بيتهـا ومسـؤولةٌ عـن بناتهـا، وموجِّهـةٌ لهـنَّ، وكثيـرٌ مـن البنـات ينشـأن علـى أنـواع مـن

عدد الصفحات ١٦٣

163 الأخـلق والصِّفـات اكتسـبنها مـن الأم ، وهـو تَذكِـرةٌ كذٰلـك للدُّعـاة للعنايـة بهـٰـذا الأمـر والهتمـام بـه، والسَّـعي في نشـر هـٰـذه الصِّفـات الفاضلـة والأخـلق الحميـدة والخـلل المباركـة لتكـون صفـاتٍ للبنـات والنِّسـاء في مجتمـع الإيمـان وفي ديـار المُؤمنيـن ؛ لسـيَّما ونحـن نعيـش زمنًـا غُزيـت فيـه المـرأة غـزوًا لـم يحْصـل لهـا في أيِّ فـترة مـن فـترات التَّاريـخ السَّـابقة، عـر مجـالت عديـدة وقنـوات كثيرة ووسـائل متعـدِّدة تهـدف للإطاحـة بعفّـة المـرأة وشـرفها وكمالهـا وحِلْيتهـا وزينتهـا وإيمانهـا وأخلقهـا وفضيلتهـا. فهـذه كلمـات عـن صفـات الزوجـة الصالحة، أسـأل الله الكريم رب العـرش العظيم أن يكتـب فيهـا خيـرا ونفعـا، وأن يجعلهـا مفتـاح خيـر مغـلق شـر، وأن يجعـل فيهـا هدايـة للقلـوب، وصلحـا للنفـوس، وصلـة بـرب العالميـن، لتحقيـق رضـاه، ونيـل ، فأقـول وبـالله أسـتعين: والبعـد عمـا يسـخطه ويغضبـهمحابـه وأول ما أبدأ به ما جاء ﴾ ﭦ ﭥ ﭤ ﭣ ﭢ ﭡ ﭠ:﴿ قـال ا [ لقـد أتـى هـذا الجـزء مـن الآيـة علـى مجامـع الأمـور في هـذا البـاب، واسـتوعب بدللتـه وجمعـه كل صفـة فاضلـة ونعـت كريـم للمـرأة الصالحـة، وهـي مَـنْ جَمَعَتْ بيـن صفتيـن: ﴾، والقنوت هو ﭡ تتعلـق بصلتهـا بربها، ففي قوله سـبحانه : ﴿ الصفـة الأولى: المداومـة علـى طاعـة الله، والمحافظـة علـى عبـادة الله، واللتزام بطاعـة الله، والعناية بفرائـض الإسـلم وواجبـات الدين، وعدم إهمالهـا وإضاعتها.

عدد الصفحات ١٦٤