المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مروج النور في الذب عن الصديقة الطهور

سيد علي شعبان

صفحة ٦ من ٩

www.dorar.net الدُّرَرُ السَّنِيَّة 81 2 -شهادتها لأمنا زينب رضي الله عنها بالفضل والديانة والورع، وهذا من طهارة قلبها ونقاء نفسها؛ حيث تكلمت بالثناء المضيء عن جارتها، مع ما كان بينهما من منافسةٍ في تحصيل الفضائل، وتلمُّس أسباب القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت قولة الصدق الطاهر عن جارتها أمنا زينب رضي الله عنها: وَهِيَ الَّتيِ كَانَتْ تُسَامِينيِ مِنْ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ف وثناؤها على سعد بن معاذ رضي الله عنه، وبيانها لصلاحه وأن ما كان منه إنما هو على س (فقام سعد بن عبادة وهو سيّد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً، ولكن احتملته الحميّة). وهذا لا يكون إلا من نفس شريفة فاضلة. (- ليس في الحديث كله غَضْبَةٌ للنفس بكلمةٍ نابية، ولا بقول جارح، ولا بإشارة حتى، وإنما هي نفس ربانية، تحتسب وتعف عن الخوض بالقول فيمن خاضوا فيها بالإفك، أو سمعوا لمن خاض فيها! (- رقة قلبها رضي الله عنها؛ إذ كانت تحس ذلك القلق الخفي من تغير النبي صلى الله عليه وسلم وحزنه الذي منع عنها ذلك المعهود من لطفه وحنانه عندما كانت تمرض. ولكنها أسرَّت هذا الحزن الرقيق في قلبها، واكتفتْ بذلك السؤالِ النفسيِّ الذي لا يعبر عنه لسانٌ بكلام. وهذا الحزن إنما ينبعث من قلب المحبِّ الذي تتكدر نفسه لتغير من يحب في سلوكه معه، ولكنه يضمر حياء الحزين في عدم التصريح بما في قلبه انتظارا لإقبال من يحب عليه، حتى يكون ذلك أبهج للنفس والقلب معاً. وهكذا كانت أمنا؛ حياءً ونبلا وشرف نفس، حتى مع أحب وأجل الناس صلى الله عليه وسلم.

عدد الصفحات ٨٢

www.dorar.net الدُّرَرُ السَّنِيَّة 82 2 -كان في ازدياد المرض على أمنا الصديقة عند سماعها ما قال أهل الإفك فيها، دليل كبير على شرف هذه النفس. فإن النفس كلما كانت طاهرة صافية، كلما كان وقع قول السوء فيها أليما، وإنما تعبر تلك الكلمات القاسية بغير النفوس الشريفة فلا تحدث عندها ألما لقسوة القلب وغلظ الكبد. ولذا كان الهم باديا على وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يبين في منطقه وسلوكه هذا الأسف الحزين، لما يقال عن أحب الناس إليه صلى الله عليه وسلم. ولق أثر الإفك، وش قي أصبح لا أكتح جالسان عندي، وأنا أبكي فاستأذنت عليّ امرأة من الأنصار، فأذنت لها فجلست تبكي معي). وهذا البكاء لا يكون إلا من نفس راقية وقلب طاهر، يجد مس الحزن الكاوي، ولا يتكلم إلا بعينيه، دمعا باكيا. (- كان في ذهول أمنا رضي الله عنها بعد الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم، وقد انقطع عن الكلام إليها والحديث معها-كما هي عادته الشريفة- شهرا كاملا، فكبرُ عليها أن يكون بدء الحديث إليها كلاماً ظاهره الحياد، وترك أمر براءتها لرب العالمين، ودعوتها، إن كان وقع منها ما قيل- وحاشاها- للتوبة والاستغفار..كان في هذا الذهول المفاجئ الذي أسكت عينيها عن الدمع ولسانهَا عن الكلام دليلٌ

عدد الصفحات ٨٣

www.dorar.net الدُّرَرُ السَّنِيَّة 83 مبين على فراغ نفسها من هذا الذي رُمِيَتْ به، ولم يكن يخطر لها على بال، و يدور في خيال. فإن المفاجأةَ تَدل على نفي العلم الس وأن ما وقع له لم يكن ليتوق من فم النبي صلى الله عليه وسلم، والذي تعلم أنه يعلم براءتها يقينا بلا شك. فأمسكت عن البكاء، وقد أحسَّتْ أن حزنها أوسعُ من هذا الدمع، وهي تقول عن ذلك: (فلمّا قضى رس أحسّ منه قطرةً!). ثم التفت النفس المكلومة، وأحس عليها صدرها بما فيه من هم وحزن، وضاقت عينها بدمعها، فلم تجد إلا رب العالمين تس متوجهة إليهم بالعتاب الباكي والدفاع الأس (فقلت وأنا جارية حديثة السّ سمعتم هذا الحديث، حتىّ استقرّ في أنفسكم وصدّقتم به، فلئن قلت لكم: إنيّ بريئة، واللّ ﭽ ﭾ ﭿ ﮋ بريئة لتصدّقنيّ، واللّه ما أجد لكم مثلاً إلاّ قول أبي يوسف، قال ﮊﮀ ﮁﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈﮉ ﮊ ﮋﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ](8[

عدد الصفحات ٨٤

www.dorar.net الدُّرَرُ السَّنِيَّة 84 ما لم يخطر له ببال يوما ما، فضلا عن أن يتورط فيه (- يبزغ في هذا الحديث الجليل هذا الورع الصادق، وهذه الخشية الزكية؛ حيث لم نسمع قط في هذا الحديث كله، وألسنة أهل الإفك تخوض فيما تخوض، والأسماع تسمع، والأنفس قد تحملت ما تحملت، والصديقة الصِّدِّيقة، لها من الفضل والحظوة والمكانة عند الله وعند رسوله وعند المؤمنين ما لها، ولكنها لم تركن لشيء من هذا، وتواضعت لربها، وافتقرت إليه، لا ترى لنفسها- وهي في هذه السن الصغيرة؛ حيث كان لها من العمر أربع عشرة سنة- شأنا، ولا تحسب نفسها من ذوي التميز الذين يتكئون على ظنهم بأنفسهم، فيزكون أنفسهم وهم ليسوا على شيء! فالصديق تلك القدم الراس وهو ش في تلك الس الغضب والاعتداد بالنفس. لكن الصديقة الصغيرة كانت كبيرة النفس شريفةً، تقول عن نفسها: (وأنا حينئذٍ أعلم أنيّ بريئة، وأنّ اللّه مبرّئي ببراءتي، ولكن واللّه ما كنت أظنّ أنّ اللّه منزل في شأني وحياً يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلّم اللّه فيّ بأمرٍ يتلى، ولكن كنت ّئني اللّه بها). أرجو أن يرى رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم في النّوم رؤيا يبر ولذا كان الفرج أقرب إليها مما تأمل، وكان أكبر وأكرم وأعظم أثرا وأجل قدرا مما تتوقع، إذ يوحي رب العالمين لنبيه صلى الله عليه وس

عدد الصفحات ٨٥

www.dorar.net الدُّرَرُ السَّنِيَّة 85 وتحفظ في الصدور والسطور، ويمتد هديها الخالد عبر الأزمنة والأمكنة والعوالم كلها، تشهد بطهارة أمنا المباركة، بقول أحكم الحاكمين ورب العالمين. وقد أبان الزمخشري فأحسن، عن تلك الآيات الجليلة قائلاً: (ولو فليت القرآن كله وفتش في إفك عائش الش أقدم عليه، ما أنزل فيه على طرق مختلفة وأس بابه، ولو لم ينزل إلا هذه الثلاث لكفى بها. حي الآخرة، وبأنّ ألس جزاءهم الحق الواجب الذي هم أهله، حتى يعلموا عند ذلك أَنَّ اللَّهَ هُوَ الحَْقُّ الْمُبِينُ فأوجز في ذلك وأشبع، وفصل وأجمل، وأكد وكرّر، وجاء بما لم يقع في وعيد المشركين عب الله عنهما: أنه كان بالبصرة يوم عرفة، وكان يس عن هذه الآيات فقال: من أذنب ذنبا ثم تاب منه قبلت توبته إلا من خاض في أمر عائشة، وهذه منه مبالغة وتعظيم لأمر الإفك. ولقد برّأ الله تعالى أربعة بأربعة: برأ يوس أَهْلِها. وبرأ موس ولدها حين نادى من حجرها: إني عبد الله. وبرّأ عائشة بهذه الآيات العظام في كتابه

عدد الصفحات ٨٦

www.dorar.net الدُّرَرُ السَّنِيَّة 86 المعجز المتلوّ على وجه الدهر، مثل هذه التبرئة بهذه المبالغات فانظر، كم بينها وبين تبرئة أولئك؟ وما ذاك إلا لإظهار علوّ منزلة رس صلى الله عليه وسلم، والتنبيه على إناقة محل سيد ولد آدم، وخيرة الأوّلين والآخرين، وحج وتقدّم قدمه وإحرازه لقصب الس .(((وليتأمّل كيف غضب الله في حرمته، وكيف بالغ في نفي التهمة عن حجابه) (- إخلاصها التوحيد لرب العالمين؛ لتمام صدقها وسلامة قلبها؛ حيث لم تتوجه لأقرب الناس وأجلهم بالشكر، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما حمدت رب العالمين تبارك وتعالى، حمداً خالصاً من الالتفات لأحد من المخلوقين، نقيا من لا واللّه (رؤية النفس، فلما قالوا لها: قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: ، إخلاصا لله في التوحيد، ومعاتبة محبة للنبي (لا أقوم إليه، ولا أحمد إلاّ اللّه عزّ وجلّ صلى الله عليه وسلم. قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: (إنمّا قالتْ ذلك إدْلالاً كما يدُلُّ الحْبيبُ على .(2(حبيبهِ ويعلق ش بعد أن حبس الوحي عن رس قائ (.224،223/3 ((الكشاف((( (.477/8 ((فتح الباري (2(

عدد الصفحات ٨٧

www.dorar.net الدُّرَرُ السَّنِيَّة 87 الفاقة والرّغبة منها ومن أبويها، والافتقار إلى اللّه والذّلّ له وحس ل من الخلق، ولهذا وفّت هذا المقام حقّه لمّا قال لها أبواها .(((عليه براءتها، فقالت وقد س وآلمها، ووجهه مشرقٌ بالفرحة وتبرئة رب العالمين لزوجته الصديقة رضي الله عنها. فتلك اثنتا عشرة عينا تفجرت بالطهر في صحراء الإفك اللاهبة، تروي فؤاد كل مؤمن، فخراً بأمه الصديقة، وحمداً لرب العالمين بتشرفنا بالانتساب إليها. الضوء الثاني: و وها هنا وقفة لدفع الإفك باعتماد النظر العقلي المجرد في س رض كلام رب العالمين تبارك وتعالى، ولا في حديث خليله صلى الله عليه وس سأصرف الكلام في نقاط موجزة تعتمد سلوك أمنا قاعدة بذاته لدفع الريبة والإفك عنها؛ حتى تدل دلالة قاطعة أن هذا السلوك ليس سلوك أهل الريب، وإنما هو سلوك الأصفياء الأنقياء. أولاً: كان خروج أمنا مع النبي صلى الله عليه وس صلى الله عليه وسلم في الإقراع بين زوجاته عند خروجه مسافرا، فأيتهن خرج سهمها خرج (.234/3 ((زاد المعاد (((

عدد الصفحات ٨٨

www.dorar.net الدُّرَرُ السَّنِيَّة 88 صلى الله عليه وس فيما بينهم، وليس هذا بحاصل هنا. ثانياً: لم يكن لتأخر أمنا عن الجيش قَصْدٌ أو إرادة، إنما هي حاجة الإنسان التي تط وإنما كانت تنأى بعيدا؛ لأن الرجوع لنفس المكان مَظِنَّةُ أن يرجع إليها أحد، لاسيما النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان يأنس إليها ويسايرها في الطريق. وليس هنالك مريبٌ يضمر في نفس فإن هذا مما يفسد على أهل الريب تدبيرهم. ف وخل وظننت أنهّم سيفقدوني فيرجعون إليّ). ثالث تس والشمس متوهجة في الأفق. وأهل الرَّيْب يتخيرون هدأة الليل وستر الظلام يتخفون فيه، ويتأخرون بعيدا عن أعين الناس؛ كي لا يراهم أحد وهم عائدون. وإذا صح هذا عقلا، وهو صحيح، فإن دخول أمنا في نحر الظهيرة، مُبطل لقول كل ذي نفس خبيثة ش بما يؤخره لليل، أو أن يدخل مفارقًا صاحبه الذي ركب معه الجُرمَ، فيرجع كل واحد منهما إلى المدينة بمفرده، لا أن يكونا معًا، فالرجوع في النهار بل في نحر الظهيرة دليل

عدد الصفحات ٨٩

www.dorar.net الدُّرَرُ السَّنِيَّة 89 ساطع على البراءة وسلامة النية رابعاً: لم يكن رجع صفوان رضي الله عنه شيئا استثنائيا في هذه الغزوة، بل كان هذا حاله، يكون في الس يُرجع إلى أصحاب الأمتعة ما يجده ساقطاً منهم عادةً في الطريق وهم لا يشعرون. يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: (ووقع في حديث ابن عمر بيان سبب تأخّر صفوان ولفظه سأل النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أن يجعله على السّاقة فكان إذا رحل النّاس قام يصلّي ثمّ اتّبعهم فمن س .(((وكان صفوان يتخلّف عن النّاس فيصيب القدح والجراب والإداوة) وإذاً فهي عادة يعلمها الكل عنه، ويس صف اس منه وألفوه، ويلتوي في سلوكه ويتخفى، حتى يحقق ما يريد. وهذا منتفٍ في حق صفوان رضي الله عنه، فبطلت فرية الكذابين. خامس وتتبع الخبر، واستراق السمع، وتتابع الأسئلة القلقة: هل عرف أحد؟ هل كان كذا؟ ماذا قيل؟! ولم يكن هذا من شأن أمنا رضي الله عنها، بل عادت إلى بيتها مصحوبة ببراءة النفس وطهارة القلب، مصابة بوعكة ألزمتها البيتَ، فلم نس (.462،46(/8 ((فتح الباري (((

عدد الصفحات ٩٠

www.dorar.net الدُّرَرُ السَّنِيَّة 90 شيء لم تعلمه، ولا تتبعتْ خبرا، ولا أظهرت توجسا وخوفا. بل كل الذي يملأ عليها فكره هو الذي كان يش أنيّ لا أعرف من رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم اللّطف الّذي كنت أرى منه حين أش تيكم؟) ثمّ ينصرف، فذاك الّذي يريبني ولا أشعر بالشّرّ حتىّ خرجت بعدما نقهت). لا تش الشر ويعرف وقوعه أحدٌ أسْرع من الذي وقع فيه! لكنّ أمنا ما علمت شيئا من ذلك، ولا عرفته إلا قَدَراً، ولم ن ينبئ عن خوفٍ مكتوم. سادس ذلك القول ناهية أمه عن ذلك، ذاكرة فضله وأنه من أهل بدر. فلو كانت متوجسة مرتابة، مذعورة القلب، لاتخذت من أم مسطح نصيرا لها وعضدا، يسندها ويؤيدها، ولألبته الكظيم، ودمعة المهموم الذي زاده الخبر مرضا على مرض! سابعاً: كان في امتناع أمنا عن القيام إلى النبي صلى الله عليه وسلم، بعد نزول براءتها، وغضبها العاتب المحب، دليلٌ لأهل البصيرة بأن هذا س ذلك الإفك. ف

عدد الصفحات ٩١

www.dorar.net الدُّرَرُ السَّنِيَّة 91 بانصراف التهمة عنه ظاهراً، بينما الحر النبيل إذا ما وقع عليه الظلم ومسه الأذى أخص ما يمَُسُّ به الإنس وإنما يقوم وقد أثقله الجرح الذي مسه؛ لا تستخفه نشوة البراءة فتنسيه مرارة الأذى، بل يظل معه الألم زمنا حتى يهدأ ويسكن. فغض كس عرضها، فلم تس الله علي الغضب من س .(((عنها..و((النَّاسُ مَعَادِنٌ)) كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه نقاط أدرتها استنباطا عقليا من سلوك أمنا، ودلالاته النفسية على طهارتها وبراءتها رضي الله عنها؛ إذ كان س الإفك، فكيف وقد تنزلت الآيات المباركات في تبرئتها وتزكيتها والدفاع عنها؟! ول واعين، لألجم الواحد منهم صريح العقل عن النطق بما يبطله العقل الس فضلا عن مخالفته للوحي المعصوم، وللإيمان القويم. الضوء الثالث مو كان لاب (.2526( )(958 /4)، و((صحيح مسلم3383( )(94/4 ((صحيح البخاري (((

عدد الصفحات ٩٢

www.dorar.net الدُّرَرُ السَّنِيَّة 92 لقطع دعاوى المفترين المارقين، الذي يعرضون الأقوال منتزعة من س غير تامة، مصحوبة بالذهنية الحاقدة المريضة التي تحرف معاني الكلم. وهذا ديدن أه في س مثل أن تطالبهم بالدليل كاملا غير منقوص، مجردا عن الهوى والتحريف، وس لهذا بعدُ إن شاء الله. فنق وح (بيدر الفضائل). ولا ريب أن النبي صلى الله عليه وس عنه فالكلام عن عرضه، وفي أحب الناس إليه، وهو أغْي قالها لأصحابه عندما بلغته غيرة س . (((لأنا أغير منه، واللّه أغير منيّ)) وقد كان هذا الغضب والهم معروفين في وجهه وس عند وقوع المردة الأفاكين في عرض أمنا الصديقة، وكان الصحابة وأهل بيته يعلمون عنه ذلك. غير أنه كان تام الصدق والصبر صلى الله عليه وسلم، موقنا في ربه تبارك وتعالى بأنه سينتصر له، ويؤيده، وكان من حكمة رب العالمين أن احتبس عنه الوحي (.36 /2)، و((مسلم74(6( )(23/9 ((البخاري (((

عدد الصفحات ٩٣

www.dorar.net الدُّرَرُ السَّنِيَّة 93 شهرا، والناس يخوضون، كلٌّ على شاكلته. فاحتمل أعباء الصبر وقام لله به خير قيام، والأمر ش ويؤذيه هم أم المؤمنين التي كان يرعاها إذا تعبت، ويحوطها بحنانه وجميل شمائله صلى الله عليه وسلم. وثقل عليه الأمر الكبير، حتى لم يكن ليتكلم من شدة ما به مع أمنا الصديقة، وإن الله وسلامه. وإذا كان ذلك كذلك، فلم س بعض آله وأصحابه، كعلي وأسامة، وأمنا زينب، وجارية أمنا عائشة رضي الله عنهم أجمعين؟ أكان هذا السؤال على سبيل الشك، وكان جواب علي تأكيدا لهذا الشك .(((كما يقول أهل الضلال؟! وللجواب عن هذا يقال: أولاً: لقد ظل النبي صلى الله عليه وس طهارة زوجه، وكان لابد لهذا العبء الثقيل، وهذا الصبر الجميل أن يتنفس في بعض الأحيان بسؤال العليم الذي يستروح إلى إجابة السؤال من غيره، وهو يعلمها، وهذا مما تأنس به نفس المهموم، ولا تطمئن إليه نفس شاكٍّ، وحاشاه صلى الله عليه وسلم ) وفي هذا الكتاب ما 25 كما قال صاحب كتاب: ((خيانة عائشة بين الحقيقة والاستحالة)) (ص ((( فيه من البذاءة والسوء، والطعن في أمنا والتعدي عليها بأفحش الفحش وأخبث القول، ما لا يتصور مسلم صدور مثله من كائن ينسب نفسه لهذه الأمة، نسأل الله العافية من سخطه، ورضي الله عن أمنا الصديقة عائشة ولعنة الله تترى على من رماها في عرضها.

عدد الصفحات ٩٤

www.dorar.net الدُّرَرُ السَّنِيَّة 94 أن يشك في أحب الناس إليه وأقربهم منه ثانياً: ينس عليه وسلم المؤكد القاطع لألسنة أهل الإفك، على براءة أمنا الصديقة من قبل نزول الآيات، وقد قام بهذه الشهادة بين الصحابة وأمام الناس، قائلا: (يا معشر المسلمين من يعذرني من رجلٍ قد بلغني أذاه في أهل بيتي، فواللّه ما علمت على أهلي إلاّ خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلاّ خيراً، وما كان يدخل على أهلي إلاّ معي). فهذا قَسَ النبي صلى الله عليه وسلم كان عن شك، أعلموا عن أمنا رضي الله عنها ما لم يعلمه المعص صلى الله عليه وسلم في شهادته؛ لأنهم يطعنون في عرض خليلته صلى الله عليه وسلم. وهذا صريح الدلالة في أمر نبينا صلى الله عليه وسلم وقطعه ببراءة أمنا، وأنه ما شكَّ ولا ارتاب، وما كان سؤاله إلا ليستروح بسماع ما يعلمه من الجواب. ويقول شيخ الإسلام ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى من جملة كلام نفيس ذكره تعليلا لهذا الأمر: (إنّ رس والتي رميت زوجته فلم يكن يليق به أن يشهد ببراءتها مع علمه أو ظنّه الظّنّ المقارب للعلم ببراءتها، ولم يظنّ بها سوءاً قطّ وحاشاه وحاشاها، ولذلك لمّا استعذر من أهل الإف إلاّ خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلاّ خيراً، وما كان يدخل على أهلي إلاّ مع

عدد الصفحات ٩٥

www.dorar.net الدُّرَرُ السَّنِيَّة 95 ولكن لكمال صبره وثباته ورفقه وحسن ظنّه بربّه وثقته به، وفىّ مقام الصّبر والثّبات وحسن الظّنّ باللّه حقّه حتىّ جاءه الوحي بما أقرّ عينه، وسرّ قلبه وعظّم قدره وظهر .(((لأمّته احتفال ربّه به واعتناؤه بشأنه) ولذا جاء جواب علي رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وس الهم، ودفعاً للحزن الذي ثقل على النبي صلى الله عليه وسلم، فكان جوابه متضمنا فائدتين جليلتين: • حسم هذا الهم بترك مادته، فأشار عليه بفراقها، وأن الله الفائدة الأولى: لم يضيق عليه، وفي النساء كثيرات غيرها. فابتدأ علي رضي الله عنه كلامه تصعيدا، لكي يستل غلواء الحزن الكامن في نفس النبي صلى الله عليه وسلم، حتى يسكن قلبه ويهدأ باله ويطمئن خاطره، عندما يرى تقديم المؤمنين راحته على راحة أي واحد منهم، وأنه مهما علا قَدْرُ إنسان لديك في قلبك يا رسول الله، فأنت أجل قدرا وأعظم منزلةً في قلوبنا أن يتكدر خاطرك بسببه، وأن تحزن من أجله، بل نفديك بآبائنا وأمهاتنا. وهذا كان شأن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، لاسيما الكبار الأخيار أمثال أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، يقدمون النبي على أنفسهم وأهليهم والناس أجمعين، .(2(وكانوا يتجمعون باكين إذا مس النبي صلى الله عليه وسلم هَمٌّ أو حزن علي في حبه كعمر في حبه! وإن موق (.235/3 ((زاد المعاد ((( (.5(9(( )28/7 انظر: ((صحيح البخاري)) في قصة اعتزال النبي صلى الله عليه وسلم لزوجاته (2(

عدد الصفحات ٩٦

www.dorar.net الدُّرَرُ السَّنِيَّة 96 بس أجل زوجاته قدرا وأعظمهن منزلة عنده. ه عندما ش مشربة له، فاستأذن عمر على النبي صلى الله عليه وسلم، فسكت النبي ولم يرد على رباح خادمه، يقول الفاروق رضي الله عنه: (فقلت: يا رباح، استأذن لي عندك على رس أنيّ جئت من أجل حفصة، والله، لئن أمرني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بضرب .(((عنقها، لأضربنّ عنقها، ورفعت صوتي!) فهي حفصة ابنته التي فطر على حبها، ولكنه يقسم أن لو أمره النبي صلى الله عليه وسلم بقتلها لقتلها! نعم يعرفون لأهل الفضل والمكانة فضلهم ومنزلتهم، ولكنهم رضي الله عنهم لا يصبر الواحد منهم على حزن يمس النبي صلى الله عليه وسلم، فيسارعون إلى مرضاته ولا يبالون بأحد مهما كان، رضي الله عنهم أجمعين. فهذا هو الذي كان من علي رضي الله عنه، وهو الذي كان من عمر رضي الله عن لأمنا عائشة عندما قال ما قال، بل كلٌّ ينطلق من محبة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن تعظيم قدره، وتقديمه على كل من عداه، مهما علت منزلته وسمت مكانته. (.479( )((05/2 ((صحيح مسلم(((

عدد الصفحات ٩٧