المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الدراسة التحليلية لمقاصد وأهداف الحزب السابع من القرآن الكريم من سورة آل عمران من الآية 93

إبراهيم داود سلام درغام

صفحة ٨ من ١٢

الفصل الثالث المبحث الثالث: المقااد والأهد ا لسورة آل عمران مه الآيت (146-152) 101 الدنيا بالنصر والتمكين وحسن ثواب الآخرة وىى رضوانو ؛ الذى أحمو عمييم وىم فى الجنة دار المتقين والأبرار ،(1) ىذا مادلت عميو الآية في قولو  :﴿ فَآتَاىُمُ المَّوُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآْخِرَةِ وَالمَّوُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [148] فجمع ا﵀ ليم خيري الدنيا والآخرة، ففي الدنيا النصر، وفي الآخرة المغفرة والجنة، ىو جزاء حسن يناسب المحسنين ، الذين يحبيم ا﵀ تعالى. الحق  عندما يتكمم ىنا عن الدنيا فيو لم يصفيا بِ حُ سْ ن أو بشيء، فقط قال: ﴿ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ لكن عندما تكمم الحق  عن الآخرة فيو يقول: ﴿ وَحُسْنَ ثَوَابِ الآْخِرَةِ﴾ وىذا ىو الجمال الذي يجب أن يُ عشق؛ لأن الدنيا ميما طالت فيي متاع وغرور وزخرف زائل، وميما كنت مُ نَ عماً فييا، فأنت تنتظر حاجة من اثنتين، إما أن تزول عنك النعمة، وا ما أن تزول أنت عن النعمة.(2) ويختم الحق الآية بقولو ﴿وَالمَّوُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ "وقد أحسنوا حين ناجوا ربيم بعدما أصابيم. إنيم سألوا المغفرة، وسألوا أن يغفر ليم إسرافيم في أمرىم، وأن يثبت أقداميم وأن ينصرىم عمى القوم الكافرين؛ لأنيم رأوا أن قوتيم البشرية حين يتخمى عنيم مدد ا﵀ تصبح ىباء لا وزن ليا".(3) وىكذاينتيي ىذا المطمب في الاستعراض؛ وقد تضمن تمك الحقائق الكبيرة في التصور الإسلامي، وقد أدى ىذا الدور في تربية الجماعة المسممة. وادخر ىذا الرصيد للأُ مة المسممة في كل جيل، ثم يمضي السياق خطوة أُ خرى في استعراض أحداث المعركة ، واتخاذىا محوراً لمتعقيبات التي يتوخى بيا تصحيح التصور وتربية الضمائر والتحذير من مزالق الطريق والتنبيو إلى ما يحيط بالجماعة المسممة من الكيد وما يبيتو ليا أعداؤىا المتربصون ، كما يتضح ىذا من خلال المطمب الثاني.(4) المطمب الثانيعاقبة طاعة الكافرين الخُسران المبين قال :﴿يَاأَيُّيَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَمَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَمِبُوا خَاسِرِينَ* بَلِ المَّوُ مَوْلََّكُمْ وَىُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ * سَنُمْقِي فِي قُمُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِ المَّوِ مَا لَمْ يُ نَزِّلْ بِوِ سُمْطَانًا وَمَأْوَاىُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ﴾ [149-151]. بعد البيان الإليي لحال الربانيين ، وجزا ئيم عند ربيم، يزجر ا﵀ المؤمنين ، ويبعدىم، وينفرىم عن متابعة الكفار، الذين جحدوا نبوة محمد ، من الكفار والمنافقين والييود الذين انتيزوا ما (1 )انظرأيسر التفاسير، الجزائري (1/210)، التفسير الوسيط، طنطاوي (/760.) (2 )انظرفي ظلال القرآن، سيد قطب (1/463.) (3) تفسير الشعراوي، الشعراوي (1/1229.) (4 )انظرفي ظلال القرآن، سيد قطب (1/463.)

عدد الصفحات ١١٥

الفصل الثالث المبحث الثالث: المقااد والأهد ا لسورة آل عمران مه الآيت (146-152) 102 أصاب المسممين من اليزيمة والقتل والقرح ؛ ليثبطوا عزائميم ، ويخوفوىم عاقبة السير مع محمد ، ويصوروا ليم مخاوف القتال ، وعواقب الاشتباك مع مشركي قريش وحمفائيم ، وجو اليزيمة ىو أصمح الأجواء لخمخمة الصفوف، وا شاعة عدم الثقة في القيادة، والتشكيك في جدوى الإصرار عمى المعركة مع الأقوياء ، وتزيين الانسحاب منيا ومسالمة المنتصرين فييا! مع إثارة المواجع الشخصية والآلام الفردية ، وتحويميا كميا ليدم كيان الجماعة، ثم ليدم كيان العقيدة، ثم للاستسلام للأقوياء الغالبين.(1) في ىذه الآيات يحذر ا﵀ الذين آمنوا أن يطيعوا الذين كفروا؛ وذلك لأن طاعتيم تورث الردى في الدنيا والآخرة، حيث إنيم يحمموكم عمى الردة بعد الإيمان، والكفر با﵀ وآياتو وبرسولو بعد الإسلام، فتنقمبوا خاسرين قد خسرتم أنفسكم، وضممتم عن دينكم، وذىبت دنياكم وآخرتكم ، وليذا يأمر ربنا تبارك وتعالى أىل دينو ، وأتباع نبيو  بطاعتو، وموالاتو، والاستعانة بو ، والتوكل عميو.(2) قولو تعالى﴿بَلِ المّوُ مَوْلََّكُمْ وَىُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [150]. يعني ليسىؤلاء الكفار أنصاركم، حتى تطيعو ىم، بل ا﵀ ناصركم، فأطيعوه، كما أنو خير الناصرين، المستحقين لمطاعة، الجديرين بالاستعانة بو دون غيره ، وقولو ﴿بَلِ المّوُ مَوْلََّكُمْ ﴾ إضراب (3) لإبطال ما تضمنو ما قبمو.(4) ثم بشر ا﵀ ، المسممين بأنو سيمقى الرعب في قموب أعدائيم ، الخوف منيم والذلة ليم، بسبب كفرىم وشركيم، مع ما ادخره ليم في الدار الآخرة من العذاب والنكال .(5) حيث قال ﴿سَنُمْقِي فِي قُمُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِالمّوِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِوِ سُمْطَانًا وَمَأْوَاىُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ [151]. وىذا من أعظم مظاىر النصرة من ا﵀؛ حيث إنو من المعموم أن الجيوش التى تفقد معنوياتيا لا تستطيع القتال، بل لا تستطيع أن تستعمل سلاحيا، وقد أعطى ا﵀ المسممين ذلك، والنصر بالرعب مما اختص ا﵀  بو نبيو(6). (1 )انظرفي ظلال القرآن، سيد قطب (1/465.) (2) انظر: جامع البيان، الطبري (7/276)، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير (2/131). (3) كممة(بل) للإضراب الانتقالي، ذلك بأن ا﵀ تعالى يذكر أمراً، ثم يضرب عنو، أي يتركو وينتقل إلى بيان أمرٍ أعظم منو. انظر: التفسير المنيجي، فضل عباس(1/154.) (4) التحرير والتنوير، ابن عاشور (4/122.) (5 )انظرتفسير القرآن العظيم، ابن كثير (2/132.) (6 )انظر: التفسير الموضوعي لسور القرآن، نخبة من العمماء 1/529 .)

عدد الصفحات ١١٦

الفصل الثالث المبحث الثالث: المقااد والأهد ا لسورة آل عمران مه الآيت (146-152) 103 عن جابر بن عبد ا﵀ قال: قال رسول ا﵀ :(أعطيت خمسا لم يعطين أحد من الأنبياء قبمي نصرت بالرعب مسيرة شير، وجعمت لي الأرض مسجدً ا وطيورا، وأحمت لي الغنائم، وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومو خاصة وبعثت إلى الناس عامة)(1)، وذلك الرّ عب لمكافرين من المسممين بسبب شركيم با﵀ تعالى، وكفرىم بآياتو ورسمو، من دون حجة ليم . أييا المؤمنون سيمقي ا﵀ في قموب الذين كفروا بربيم ، وجحدوا نبوة محمد  ممن حاربكم بِ أُ حد الرعب، و الجزع واليمع بما أشركوا با﵀، يعني ب سبب شركيم با﵀ وعبادتيم الأصنام، وطاعتيم الشيطان، التي لم أجعل ليم بيا حجة، وىي السمطان التي أخبر  أنو لم ينزلو بكفرىم وشركيم وىذا وعدٌ من ا﵀  لأصحاب رسول ا﵀  بالنصر عمى أعدائيم، ما استقاموا عمى عيده، وتمسكوا بطاعتو، ثم أخبرىم ما ىو فاعل بأعدائيم بعد مصيرىم إليو، فقال ومأواىم النار يعني: ومرجعيم الذي يرجعون إليو يوم القيامة، النار وبئس مثوى الظالمين ، أي نجعل مأواىم النار سكناً ومثوىً ليم، وبئس مثوى الظالمين الكافرين .(2) المطمب الثالث: الوعد الإليي بالنصر والتمكينلممؤمنين قال تعالى:﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ المَّوُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَيُمْ بِإِذْنِوِ حَتَّى إِذَا فَشِمْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَْمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآْ خِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْيُمْ لِيَبْتَمِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَالمَّوُ ذُو فَضْلٍ عَمَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾[152] وىذا عود إلى التسمية عمى ما أصابيم، وا ظيار لاستمرار عناية ا﵀ تعالى بالمؤمنين، ورمز إلى الثقة بوعدىم بإلقاء الرعب في قموب المشر كين، وتبيين لسبب ىزيمة المسممين ؛ تطميناً ليم بذكر نظيره ومماثمو السابق، وأن ا﵀ لم يخمفيم وعده، ولكن سوء صنيعيم أوقعيم في المصيبة(3) كقولو ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [79] وما زلنا نتابع من خلال الآيات الكريمة، أحداث غزوة أُ حد التي تناولت تفصيل وقائعيا سورة آل عمران، فمقد انتصر المؤمنون في أكثر الغزوات، بسبب ثباتيم ويقينيم واعتمادىم عمى ا﵀، وانيزموا في معركة أُ حد بسبب عصيانيم ومخالفتيم لأمر الرسول (4)،فجاء قولو :﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ المَّوُ وَعْدَهُ ﴾ بالنصر والظفر وحققو لكم أول النيار، وذلك أن النصر والظفر كان لممسممين في الابتداء، فمما عصوا أعقبيم البلاء. (1) صحيح البخاري ، كتاب التيمم، باب، قول النبي  جعمت الأرض ، ح328(1/128.) (2 )انظرجامع البيان، الطبري (7/279.) (3 )انظرالتحير والتنوير، ابن عاشور(4/127) (4 )انظرقبس من نور القرآن، الصابوني (1/158 وما بعدىا).

عدد الصفحات ١١٧

الفصل الثالث المبحث الثالث: المقااد والأهد ا لسورة آل عمران مه الآيت (146-152) 104 قولو: ﴿إِذْ تَحُسُّونَيُمْ(1) بِإِذْنِوِ﴾ أي تقتمونيم قتلاً ذريعاً بقضاء ا﵀ وتغمبونيم بإذنو(2) أخرج الواحدي في سبب نزوليا عن محمد بن كعب قال: "لما رجع رسول ا﵀  إلى المدينة، وقد أصيبوا بما أصيبوا يوم أُ حد، قال ناس من أصحابو، من أين أصابنا ىذا وقد وعدنا ا﵀ تعالى النصر، فأنزل ا﵀ تعالى الآية ﴿إِذْ تَحُسُّونَيُمْ بِإِذْنِوِ﴾".(3) قولو :﴿حَتَّى إِذَا فَشِمْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَْمْرِ وَعَصَيْتُمْ﴾ أي جبنتم وضعفتم ، والفَشْل(4) الوىن والإعياء، والتنازع التخالف، والمراد بالعصيان ىنا عصيان أمر الرسول  وقد رتبت الفعال الثلاثة في الآية عمى حسب ترتيبيا في الحصول، إذ كان الفشل، وىو ضجر بعض الرماة من ملازمة موقفيم لمطمع في الغنيمة، قد حصل أولاً ؛ فنشأ عنو التنازع بينيم في ملازمة الموقف ، وفي المحاق بالجيش لمغنيمة، ونشأ عن التنازع تصميم معظميم عمى مفارقة الموق ف الذي أمرىم الرسول  بملازمتو وعدم الانصراف منو، وىذا ىو الأصل في ترتيب الأخبار في صناعة الإن شاء ما لم يقتض الحال العدول عنو.(5) قولو :﴿مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ﴾ يعني من الغمبة التي كانت لممسممين يوم أُ حد أول أمرىم، وذلك حين صرع صاحب لواء المشركين. ثم بين سبب التنازع فقال: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا﴾ وىم الرماة الذين تركوا أماكنيم، ولحقوا بالمسممين من أجل الغنيمة، عندما رأوا ىزيمة المشركين (6) . المشركين (6) .قال ابن مسعود "ما شعرنا أن أحداً من أصحاب النبي  يريد الدنيا وعرضيا حتى كان يوم أُ حد. ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآْخِرَةَ﴾ وىم الذين لزموا أمر رسول ا﵀  وثبتوا حيث أمروا".(7) قولو :﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْيُمْ لِيَبْتَمِيَكُمْ﴾ أي بعد أن استوليتم عمييم ردكم عنيم بالانيزام ؛ ليمتحنكم، فيظير المخمص الثابت من غيره. " قال ابن إسحاق: انتيى أنس بن النضر، عم أنس ابن مالك، إلى عمر بن الخطاب وطمحة بن عبيد ا﵀، في رجال من المياجرين والأنصار، قد ألقوا بأيدييم فقال: ما يخميكم؟ فقالوا: قُ تل رسول ا﵀  قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا (1) والحَس: القتل الذريع وحَسَسْناىم أَي استَأْصمناىم قَتْلاً وحَسَّيم يَحُسُّيم حَسّاً قتميم قتلاً ذريعاً مستأْصلاً انظر: لسان العرب، ابن منظور (6/49)، مختار الصحاح، الرازي (1/167 .) (2) انظر: معالم التنزيل، البغوي (2/118)، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي (4/237). (3) أسباب النزول، الواحدي(1/126.) (4) الفشل "وفَشِلَ كفرِحَ فيو فَشِلٌ : كَسِلَ وضَعُفَ وتَراخَى وجَبُنَ "والفَشْل الجَبانُ المَرْعوبُ يُبْيَتُ عند الرّوع لا يُحْسِنُ قتالاً ولا شِراداً أي: ىَرَباً القاموس المحيط، الفيروز آبادي(1/1346) العين، الفراىيدي (6/462.) (5 )انظرالتحرير والتنوير، ابن عاشور (4 /128. (6 )انظر: التفسير الموضوعي، نخبة من العمماء1/530). (7 )انظرتيسير الكريم الرحمن، السعدي، 1/152.

عدد الصفحات ١١٨

الفصل الثالث المبحث الثالث: المقااد والأهد ا لسورة آل عمران مه الآيت (146-152) 105 عمى ما مات عميو، ثم استقبل القوم فقاتل حتى قُ تل".(1) وعن أنس بن النضر قال(غبت عن أول قتال رسول ا﵀  لئن أشيدني ا﵀ مع رسول ا﵀  ليرين ا﵀ ما أجد فمقي يوم أُ حد، فيزم الناس، فقال: الميم إني أعتذر إليك مما صنع ىؤلاء - يعني المسممين - وأبرأ إليك مما جاء بو المشركون، فتقدم بسيفو فمقي سعد بن معاذ فقال: أين يا سعد ؟ إني أجد ريح الجنة دون أُ حد، فمضى فقتل، فما عرف حتى عرفتو أختو ببنانو بشامة ، وبو بضع وثمانون من طعنة وضربة ورمية بسيم ).(2) قال تعالى﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَالمَّوُ ذُو فَضْلٍ عَمَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولقد عفا عنكم بفضمو؛ لما عمم من ندمكم فمم يستأصمكم بعد المعصية والمخالفة، والخطاب لجميع المنيزمين .(3) وا﵀ سبحانو صاحب الفضل عمى المؤمنين، ومن ذلك الفضل، عدم تسميطو الكافرين عمييم ليستأصموىم ، ومنع الكافرين من متابعة القتال ؛ حتى لا ينيوا أمر المسممين، ومن ذلك الفضل أيضاً العفو عنيم، وقبول التوبة منيم. قال أبو جعفر الطبري : "يعني بقولو جل ثناؤه: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ أييا المخالفون أمر رسول ا﵀  والتاركون طاعتو، فيما تقدم بو إليكم من لزوم الموضع الذي أمركم بمزومو عنكم ، فصفح لكم من عقوبة ذنبكم الذي أتيتموه، عما ىو أعظم مما عاقبكم بو من ىزيمة أعدائكم إياكم، وصرف وجوىكم عنيم، إذ لم يستأصل جمعكم" .(4) (1 )السيرة النبوية، ابن اسحاق، 1/116، حياة الصحابة، لمكاندىموي ( 2/50.) (2 )صحيح البخاري ، كتاب المغازي، باب، غزوة أُ حد، ح3822(4/1487.) (3 )انظرفتح القدير، الشوكاني(2/36.) (4 )جامع البيان، الطبري (7/298.)

عدد الصفحات ١١٩

601   اؾفصل اؾرابع اؾدراسة اؾتحلولوة لمقاصد وأفداف سورة آل عمران ؿن الآقة (153-170) ويشتمل على ثلاثة مباحث المبحث الأول المقاصد والأفداف ؾسورة آل عمران ؿن الآقة (153- 158) المبحث اؾثاـي المقاصد والأفداف ؾسورة آل عمران ؿن الآقة (159- 168) المبحث اؾثاؾث المقاصد والأفداف ؾسورة آل عمران ؿن الآقة (169-170)  

عدد الصفحات ١٢٠

601   المبحث الأول المقاصد والأفداف ؾسورة آل عمران ؿن الآقة (153 -158) وفيه ثلاثة مطالب: اطلب الأول: أفموة اؾسكونة والأؿن في ثبات المؤؿنين اطلب اؾثاـي: وسوسة اؾشوطان وإغواؤه ؿن أسباب الهزيمة في غزوة أُحد اطلب اؾثاؾث: دور المناػقين في تثبوط المؤؿنين  

عدد الصفحات ١٢١

الفصل الرابع المبحث اول: المقاصد والأهداف لسورة آل عمران مه الآيت(351-355) 601 المبحث الأوؿ المقاصد والأىداؼ لسورة آؿ عمراف مف الآية (351 - 358) قاؿ: إذْ تُصْعِدُوفَ وَلا تَمْوُوفَ عَمى أَحَدٍ وَالرَّسُوؿُ يَدْعُوكُـْ فِي أُخْراكُـْ فَأَثابَكُـْ غَمِّا بِغَـٍّ لِكَيْ تَحْزَنُوا عَمى ما فاتَكُـْ وَلا ما أَصابَكُـْ وَالمَّوُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَمُوفَ * ثُـَّ أَنْزَؿَ عَمَيْكُـْ مِفْ بَعْدِ الْ غَـِّ أَمَنَ ةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُـْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَىَمَّتْيُـْ أَنْفُسُيُـْ يَظُنُّوفَ بِالمَّوِ غَيْرَ الْحَؽِّ ظَفَّ الْجاىِ مِيَّةِ يَقُولُوفَ ىَؿْ لَنا مِفَ الأَْمْرِ مِفْ شَيْءٍ قُؿْ إِفَّ الأَْمْرَ كُمَّوُ لِمَّوِ يُخْفُوفَ فِي أَنْفُسِيِـْ ما لا يُبْدُوفَ لَؾَ يَقُولُوفَ لَوْ كافَ لَنا مِفَ الأَْمْرِ شَيْءٌ ما قُتِمْنا ىاىُنا قُؿْ لَوْ كُنْتُـْ فِي بُيُوتِكُـْ لَبَرَزَ الَّذِيفَ كُتِ بَ عَمَيْيِـُ الْقَتْؿُ إِلى مَضاجِعِيِـْ وَلِيَبْتَمِيَ المَّوُ ما فِي صُدُورِكُـْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُمُوبِكُـْ وَالمَّوُ عَمِيـٌ بِذاتِ الصُّدُورِ* إِفَّ الَّذِيفَ تَوَلَّوْا مِنْكُـْ يَوْـَ الْتَقَى الْجَمْعافِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّيُـُ الشَّيْطافُ بِبَعْضِ ما كَ سَبُوا وَلَقَدْ عَفَا المَّوُ عَنْيُـْ إِفَّ المَّوَ غَفُورٌ حَمِيـٌ* يَا أَيُّيَا الَّذِيفَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِيفَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِِِخْوَانِيِـْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَْرْضِ أَوْ كَانُوا غُزِّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِمُوا لِيَجْعَؿَ المَّوُ ذَلِؾَ حَسْرَةً فِي قُمُوبِيِـْ وَالمَّوُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَالمَّوُ بِمَا تَعْ مَمُوفَ بَصِيرٌ* وَلَئِفْ قُتِمْتُـْ فِي سَبِيؿِ المَّوِ أَوْ مُتُّـْ لَمَغْفِرَةٌ مِفَ المَّوِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُوفَ* وَلَئِفْ مُتُّـْ أَوْ قُتِمْتُـْ لَِِلَى المَّوِ تُحْشَرُوفَ [153-158]. تواصؿ الآيات الكريمة الامتناف عمى المؤمنيف بالعفو رغـ عظـ الذنب، وفداحة العواقب، و في ىذه الآيات الكريمة ما زاؿ السِّياؽ فييا عف غزوة أُحد، والأحداث التي وقعت فييا وصاحبَتيا، وما حصؿ لممؤمنيف مف مُخالفةٍ لأَِمر النّبي ، نتَج عنو ىزيمتيـ. (1) وجاءت ىذه الآيات لتُقرر وتعرضكثيراً مف الدروس والعبر المتعمِّقة بيذه السُّورة إثرَ ىذه الغزوة. المطمب الأوؿ: أىمية السكينة والأمف في ثبات المؤمنيف قاؿ تعالى: إذْ تُصْعِدُوفَ وَلا تَمْوُوفَ عَمى أَحَدٍ وَالرَّسُوؿُ يَدْعُوكُـْ فِي أُخْراكُـْ فَأَثابَكُـْ غَمِّا بِغَـٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَمى ما فاتَكُـْ وَلا ما أَصابَكُـْ وَالمَّوُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَمُوفَ*ثُـَّ أَنْزَؿَ عَمَيْكُـْ مِفْ بَعْدِ الْغَ ـِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُـْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَىَمَّتْيُـْ أَنْفُسُيُـْ يَظُنُّوفَ بِالمَّوِ غَيْرَ الْحَؽِّ ظَفَّ الْجاىِمِيَّةِ يَقُولُوفَ ىَؿْ لَنا مِفَ الأَْمْرِ مِفْ شَيْءٍ قُؿْ إِفَّ الأَْمْرَ كُمَّوُ لِمَّوِ يُخْفُوفَ فِي أَنْفُسِيِـْ ما لا يُبْدُو فَ لَؾَ يَقُولُوفَ لَوْ كافَ لَنا مِفَ الأَْمْرِ شَيْءٌ ما قُتِمْنا ىاىُنا قُؿْ لَوْ كُنْتُـْ فِي بُيُوتِكُـْ لَبَرَ زَ الَّذِيفَ كُتِبَ عَمَيْيِـُ الْقَتْؿُ إِلى مَضاجِعِيِـْ وَلِيَبْتَمِيَ المَّوُ ما فِي صُدُورِكُـْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُمُوبِكُـْ وَالمَّوُ عَمِيـٌ بِذا تِ الصُّدُورِ [آؿ عمراف 153-154.] (1 )انظر: التفسير الموضوعي، نخبة مف العمماء1/530).

عدد الصفحات ١٢٢

الفصل الرابع المبحث اول: المقاصد والأهداف لسورة آل عمران مه الآيت(351-355) 601 الثبات عمى الحؽ، وعمى العمؿ الصالح، والثبات في ميداف المعركة، ىو أحد صور الثبات التي يربي الإسلاـ المسمم يف عمييا. وتصور الآيات ىنا الحاؿ التي كاف عمييا المؤمنوف بعد حصوؿ الانكسار واليزيمة، وتذكرىـ حاليـ في وقت انيزاميـ عف القتاؿ ، ويعاتبيـ ا﵀  عمى ذلؾ،كي يعمؽ وقع المشيد في نفوسيـ و حسيـ؛ ليثير الخجؿ والحياء مف الفعؿ ومقدماتو التي نشأ عنيا مف الضعؼ والتنازع والعصياف، والعبارة ترسـ صورة حركتيـ الحسية ، وحركتيـ النفسية ، في ألفاظ قلائؿ، فيـ مصعدوف في الجبؿ ىرباً ، في اضطراب ورعب ، لا يمتفت أحد منيـ إلى أحد! ولا يجيب أحد منيـ داعي أحد! والرسوؿ  يدعوىـ، ليطمئنيـ عمى حياتو بعد ما صاح صائح: إف محمداً قد قُتؿ، فزلزؿ ذلؾ قموبيـ وأقداميـ، إنو مشيد كامؿ في ألفاظ قلائؿ.(1) ولكف ا﵀  حفظ نَبِيَّو  وثبت قموب المؤمنيف، وتمؾ مف أعظـ النعـ، وأكبر الآيات والمعجزات التي زخرت بيا ىذه الغزوة! حيث يقوؿ  إذْ تُصْعِدُوفَ (2) وَلا تَمْوُوفَ(3) عَمى أَحَدٍ وَالرَّسُوؿُ يَدْعُوكُـْ فِي أُخْراكُـْ [آؿ عمراف 153.] في ىذا الوقت الذى فررتـ مصعديف تيرولوف بسرعة في بطف الوادي ىاربيف مف المعركة، بعضكـ دخؿ المدينة، وبعضكـ انطمؽ إلى الجبؿ، وخمفتـ رسوؿ ا﵀ ، إلا مفثبت معو منكـ، وىـ قميؿ. (4) قاؿ السدي : "لما اشتد المشركوف عمى المسمميف بأُ حد فيزموىـ ، دخؿ بعضيـ المدينة، وانطمؽ بعضيـ إلى الجبؿ فوؽ الصخرة، فقاموا عمييا، فجعؿ الرسوؿ  يدعو الناس(إليّ عباد المّو، إليّ عباد المّو)".(5) عف البراء بف عازب قاؿ(جعؿ النبي  عمى الرجالة يوـ أُ حد عبد ا﵀ بف جبير، وأقبموا منيزميف ، فذاؾ إذ يدعوىـ الرسوؿ في أُ خراىـ، فقاؿ ليـ  :(إف رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا (1 )انظرفي ظلاؿ القرآف، سيد قطب (1/470.) (2) صَعِدَ المكاف وفيو صُعُوداً وأَصْعَدَ وصَعَّدَ ارتقى مشْرفاً، وقرأَ الحَسَفُإِذْ تَصْعَدُوفَ جَعَؿ الصُّعُودَ في الجَبَؿِ كالصُّعُودِ في السُّمَّـِ، والفرؽ بيف الاصعاد والصعود: أف الاصعاد في مستوى الارض، والصعود في الارتفاع يقاؿ أصعدنا مف الكوفة إلى خراساف، وصعدنا في الدرجة والسمـ والجبؿ. انظر: لساف العرب، ابف منظور (3/251)،والفروؽ المغوية، لأبي ىلاؿ العسكري ( 1/36)، تاج العروس، الزبيدي (1/2076.) (3) يقاؿ لويت عميو: عطفت وانتظرت، ومر لا يموي عمى أحد لا يقيـ عميو ولا ينتظره . انظر: أساس البلاغة، الزمخشري( 1/577) (4) انظر: تيسير الكريـ الرحمف، السعدي (1/152)، أيسر التفاسير، الجزائري (1/213)، التفسير الوسيط، طنطاوي (1/769.) (5) تفسير القرآف العظيـ، ابف كثير (2/137.)

عدد الصفحات ١٢٣

الفصل الرابع المبحث اول: المقاصد والأهداف لسورة آل عمران مه الآيت(351-355) 660 مكانكـ ىذا حتى أرسؿ إليكـ، وا ف رأيتمونا ىزمنا القوـ وأوطأناىـ، فلا تبرحوا حتى أرسؿ إليكـ فيزموىـ)".(1) وكاف الجزاء عمى ىذا الفعؿ منكـ غمَّاً أصبتـ بو، وأذاقكـ ا﵀ إياه بعد غـ مف الجراح، والقتؿ، وفوت الغنيمة، وضياع النصر وكؿ ذلؾ الغـ واليزيمة ؛ بسبب عدـ خموص النية مف البعض فيكـ. ومعنى قولو  : فَأَثابَكُـْ غَمِّا بِغَـّ ، بحرماف ا﵀ إياكـ غنيمة المشركيف والظفر بيـ، والنصر عمييـ، وما أصابكـ مف القتؿ والجراح يومئذ ؛ بمعصيتكـ ربَّكـ، وخلافكـ أمر نبيكـ ، غـَّ ظنَّكـ أف نبيكـ قد قتؿ، وميؿ العدوّ عميكـ بعد فمولكـ منيـ ، وسمى العقوبة التي عاقبيـ بيا مف تسميط عدوىـ عمييـ حتى ناؿ منيـ ما ناؿ ثواباً، إذ كاف ذلؾ مف عمميـ الذي سخطو ولـ يرضو منيـ.(2) فالغـّ الأوَّؿ : بسبب اليزيمة وذىاب النَّصر، وذىاب المغنـ، ثـ جاءىـ الغـّ الآخر: أشدّ وىُو خَوؼ أفَّ النّبي قد قُتِؿ، وسماعيـ أفَّ النبي قد قُتِؿ، فجاء ىذا الغـّ ليُنسِييُـ كؿ شيء، لِيُنسييـ الحُزف عمى فوات النّصر، والحُزف عمى فوات المغنـ، ثـ لػػػػمّا عمموا أفّ النّبي حيّ وسميـ ومُعَافى، زاؿ عنيـ الألـ كُمَّو، ألـ اليزيمة، وألـ الجراح التّي أصابتيـ، وألـ فوات الغنيمة(3). ومف الآيات العظيمة في غزوة أُ حد أف الملائكة حضروىا، ودافعوا عف النبي  ، كما روى الشيخاف مف حديث سعد  قاؿ(رأيت رسوؿ ا﵀  يوـ أحد ومعو رجلاف يقاتلاف عنو، عمييما ثياب بيض كأشدِّ القتاؿ، ما رأيتيما قبؿ ولا بعد).(4) ثـ بيف الحكمة فيما حدث، في قولو : لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَمى ما فاتَكُـْ وَلا ما أَصابَكُـْ وىي تدريب المسمميف عمى تحمؿ المصائب، وعدـ الجزع ليا، لكي لا يحزنوا عمى ما فات يـ مف الغنيمة، والمنافع وما أصابيـ مف القتؿ والجراح، فيو أ نساىـ بمصيبة صغيرة مصيبة كبيرة .(5) (1) صحيح البخاري ، كتاب المغازي، بابإذْ تُصْعِدُوفَ وَلا تَمْوُوفَ عَمى أَحَدٍ وَالرَّسُوؿُ يَدْعُوكُـْ ،ح3840(4 / 1492.) (2) انظر: جامع البياف، الطبري 7/303 .) (3) انظر: الجامع لأحكاـ القرآف : القرطبي (4/233)،المحرر الوجيز : ابف عطيو(2/27)، روح المعاني: الألوسي(2/269.). (4)صحيح البػخػاري، كتاب المغازي، بػاب ﴿ إِذْ ىَمَّتْ طَائِفَتَافِ مِنْكُـْ أَفْ تَفْشَلا وَا﵀ُ وَلِيُّيُمَا﴾،ح3828(4/1489). (5 )انظرالتحرير والتنوير، ابف عاشور( 3/251.)

عدد الصفحات ١٢٤

الفصل الرابع المبحث اول: المقاصد والأهداف لسورة آل عمران مه الآيت(351-355) 666 ثـ رىبيـ سبحانو مف الوقوع في المعصية بعد ذلؾ، ورغبيـ في طاعتو بيذا الختاـ الرائع للآية الكريمة حيث قاؿ  : وَالمَّوُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَمُوفَ لا يخفى عميو شيء مف دقائقو وأسبابو، ولا مف نيتكـ فيو وعاقبتو فيكـ، ومف بلاغة ىذه الجممة في ىذا الموضع، أف كؿ واحد مف المخاطبيف يتذكر عند سماعيا أو تلاوتيا ، أف ا﵀  مطمع عمى عممو، عالـٌ بنيتو وخواطره فيحاسب نفسو، فإف كاف مقصراً تاب مف ذنبو وا ف كاف مشمراً ازداد نشاطاً ؛ خوؼ الوقوع في التقصير.(1) ولكف رحمة ا﵀ بعباده المؤمنيف الصادقيف لـ تتخؿ عنيـ، في ىذا الوقت العصيب حيث يقوؿ تبارؾ وتعالى : ثُـَّ أَنْزَؿَ عَمَيْكُـْ مِفْ بَعْدِ الْغَـِّ أَمَنَةً نُعاساً ، ولا شؾ أف ىذا رحمة بيـ، وا حساناً وتثبيتاً لقموبيـ، وزيادة طمأنينة؛ لأف الخائؼ لا يأتيو النعاس لما في قمبو مف الخوؼ، فإذا زاؿ الخوؼ عف القمب أمكف أف يأتيو النعاس. وفي ىذه الآية يمتف المّو تعالى عمى عباده فيما أنزؿ عمييـ مف السكينة والأمنة، وىو النعاس الذي غشييـ وىـ م شتمموف السلاح في حاؿ ىميـ وغميـ(2)،عف أبي طمحة قاؿ:)غشينا النعاس ونحف في مصافنا يوـ أحد فجعؿ سيفي يسقط مف يدي وآخذه، ويسقط وآخذه((3) وبمغ ذلؾ الأمف إلى حيث غشييـ النعاس، فإف النوـ لا يجيء مع الخوؼ، بؿ يدؿ عمى زواؿ الخوؼ بالكمية، و ا فَّ استغراؽ أي جماعة مجاىدة مرابطة في النوـ، ووصوليـ إلى أمف وسكينة روحية وقمبية، وا لى طمأنينة كاممة، إنما ىو لطؼ مف ا﵀  وفضؿ منو ليذه الجماعة، وىو دليؿ ثقة مف الجماعة، وتسميـ وتفويض واعتماد وتوكؿ منيا عمى ا﵀ تعالى. "وكاف مقتضى الظاىر أف يقدّـ النعاس ويؤخّر أمنة؛ لأفّ أمنة بمنزلة الصفة أو المفعوؿ لأجمو فحقّو التقديـ عمى المفعوؿ ، كما جاء في قولو تعالى: إِذْ يُغَشِّيكُـُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْوُ [11] ولكنّو قدّـ الأمنة ىنا تشريفاً لشأنيا؛ لأنَّيا جعمت كالمنزؿ مف ا﵀ لنصرىـ، فيو كالسكينة، فناسب أف يجعؿ ىو مفعوؿ أنزؿ، ويجعؿ النعاس بدلاً منو".(4) قولو تعالى يَغْشى(5)طائِفَةً مِنْكُـْ أي: أنزؿ ا﵀ عمى طائفة منكـ الأمف، والسكينة، والثبات؛ حتى أخذكـ النعاس، الذي يمسح عف نفوسكـ اليـ والغـ الذي أصابيا بسبب ىذه اليزيمة ، وىذه الطائفة التي أنعـ ا﵀ عمييا بالنعاس ىـ المؤمنوف الذيف ليس ليـ ىـ إلا إقامة ديف ا﵀، ورضا (1 )انظرتفسير المنار، محمد رشيد رضا( 4/152). (2 )انظرتفسير القرآف العظيـ، ابف كثير (2/144). (3) صحيح البخاري ، كتاب التفسير، باب آؿ عمراف، ح 4286(4/1662.) (4) التحرير والتنوير، ابف عاشور (3/252). (5) قرأ حمزة والكسائي وخمؼ (تغشى) بالتأنيث، وقرأ الباقوف (يغشى) بالتذكير. انظر: النشر، ابف الجزري، (2/242).

عدد الصفحات ١٢٥

الفصل الرابع المبحث اول: المقاصد والأهداف لسورة آل عمران مه الآيت(351-355) 661 ا﵀ ورسولو، ومصمحة إخوان يـ المسمميف، فأكرميـ ا﵀  بآيات عظيمة، وخص نبيو بمعجزات باىرة، كانَت مُعِيناً لممؤمنيف عمى ثباتيـ رغـ ىزيمتيـ، ومقويةً ليـ في محْنَتِيـ رغـ قمتيـ وكثرة عدوىـ. وقولو : وَطائِفَةٌ قَدْ أَىَمَّتْيُـْ أَنْفُسُيُـْ ، وىناؾ طائفة منافقة لا ييميـ إلا أنفسيـ، ونجاتيا، فلا ييتموف بالديف، ولا برسوؿ ا﵀ ، ولا بالجماعة المسممة ، وىؤلاء الذيف تيميـ أنفسيـ وتصبح محور تفكيرىـ ، وتقديرىـ ، ومحور اىتماميـ وانشغاليـ، فيؤلاء لـ تكتمؿ في نفوسيـ حقيقة الإيماف، ومف ىؤلاء كانت تمؾ الطائفة الأُ خرى التي يتحدث عنيا القرآف في ىذا الموضع، طائفة الذيف شغمتيـ أنفسيـ وأىمتيـ، ويروف أنيـ دُ فعوا إلى المعركة دفعاً ولا إرادة ليـ فييا؛ وىـ مع ذلؾ يتعرضوف لمبلاء المرير ، ويؤدوف الثمف فادحاً مف القتؿ والقرح والألـ.(1) ىؤلاء لا يغشاىـ النعاس مف القمؽ، والخوؼ، والفزع؛ لأنيـ يظنوف با﵀ غير الحؽ كما تظف الجاىمية، حيث يَ شُ كوف في نصر ا﵀ لرسولو ، ولجنده، ولدينو. ومف الظف غير الحؽ با﵀ أف يتصوروا أف ا﵀ مضيعيـ في ىذه المعركة التي ليس ليـ مف أمرىا شيء ؛ لذلؾ جاء قولو  يَظُنُّوفَ بِالمَّوِ غَيْرَ الْحَؽِّ ظَفَّ الْجاىِمِيَّةِ ، فيـ يقولوف بسبب ضعؼ عزيمتيـ، وقمة يقينيـ ىؿ لنا في النصر الذي وعدنا بو حظ ونصيب، بعد ىذه اليزيمة، ويتساءلوف يَقُولُوفَ ىَؿْ لَنا مِفَ الأَْمْرِ مِفْ شَيْءٍ ، وفاتيـ الإيماف بأف كؿ شيء بيده سبحانو مف نصر أو ىزيمة قُؿْ إِفَّ الأَْمْرَ كُمَّوُ (2) لِمَّوِ وعمى ىذا يجب التسميـ لأمره، والرضا بقضائو، والمسارعة في مرضاتو . ثـ يكشؼ ا﵀ خبايا ما يدور بينيـ يُخْفُوفَ فِي أَنْفُسِيِـْ ما لا يُبْدُوفَ لَؾَ يَقُولُوفَ لَوْ كافَ لَنا مِفَ الأَْمْرِ شَيْءٌ ما قُتِمْنا ىاىُنا ، ويبيف أنيـ يقولوف فيما بينيـ وبيف أنفسيـ، خوفاً ورىبة، لو كاف الأمر كما قاؿ محمد  لما غمبنا قط، وما قُتؿ منا مف قُ تؿ في ىذه المعركة ، ولذلؾ فقؿ ليـ يا محمد: قُؿْ لَوْ كُنْتُـْ فِي بُيُوتِكُـْ لَبَرَزَ الَّذِيفَ كُتِبَ عَمَيْيِـُ الْقَتْؿُ إِلى مَضاجِعِيِـْ وَلِيَبْتَمِيَ المَّوُ ما فِي صُدُورِكُـْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُمُوبِكُـْ وَالمَّوُ عَمِيـٌ بِذاتِ الصُّدُور [154] فقدر ا﵀ينفذ لا محالة، ولو قعدتـ في بيوتكـ، لبرز وخرج مف ىذه البيوت، مف كتب عميو القتؿ، إلى مصارعيـ وأماكف موتيـ، لا يمنعيـ مف قدر ا﵀ مانع وقد حدث في أُ حد ما حدث، لفوائد كثيرة لممسمميف؛ وذلؾ ليمتحف ما في صدور المؤمنيف مف الإخلاص ويمحص ما في قموبيـ مف وساوس (1 )انظرفي ظلاؿ القرآف، سيد قطب (1/471). (2) قرأ البصرياف كُمُّوُ بالرفع، و الباقوف بالنصب انظر: النشر، ابف الجزري، (2/242) .

عدد الصفحات ١٢٦

الفصل الرابع المبحث اول: المقاصد والأهداف لسورة آل عمران مه الآيت(351-355) 661 الشيطاف. وىذا مف التربية لممسمميف بالشدائد، وىو سبحانو عميـ بما في القموب، لا يخفى عميو شيء مما فييا، وا نما يبتم ي بالشدائد والمحف ليظير لمناس المؤمف مف المنافؽ، والصادؽ مف الكاذب(1) "وقد سأؿ رجؿ الشافعي فقاؿ: يا أبا عبد ا﵀ أيما أفضؿ لمرجؿ أف يُمَّ كف أو يُ بتمى، فقاؿ الشافعي لا يُ مكف حتى يُ بتمى، فإف ا﵀ ابتمى نوحاً وا براىيـ وموسى وعيسى ومحمداً صموات ا﵀ وسلامو عمييـ أجمعيف فمما صبروا مكنيـ".(2) المطمب الثاني: وسوسة الشيطاف وا غواؤه مف أسباب اليزيمة في غزوة أُحد قاؿ تعالى: إِفَّ الَّذِيفَ تَوَلَّوْا مِنْكُـْ يَوْـَ الْتَقَى الْجَمْعافِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّيُـُ الشَّيْطافُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا المَّوُ عَنْيُـْ إِفَّ المَّوَ غَفُورٌ حَمِيـٌ [155] يبيف ا﵀ السبب في ىزيمة مف ىزـ يوـ أُ حد، وجاءت الآيات الكريمة "استئناف اً لبياف سبب اليزيمة الخفي، وىي استزلاؿ الشيطاف إياىـ ، فبيف ا﵀ السبب بقولو سبحانو إِفَّ الَّذِيفَ تَوَلَّوْا مِنْكُـْ أي انيزموا منكـ يا معشر المسمميف، يَوْـَ الْتَقَى الْجَمْعافِ جمع المسمميف وجمع المشركيف يوـ أُ حد وكاف قد انيزـ أكثر المسمميف (3) لأنيـ خالفوا أمر النبي، وتركوا مواقعيـ، كاف ذلؾ منيـ بسبب إغواء الشيطاف ليـ، ولـ يكف عناداً منيـ، ولا فراراً مف الزحؼ رغبة في الدنيا، إنما ىو الضعؼ البشري، وا غواء الشيطاف. و الآية تدؿ عمى أف المعاصي لا تُ نسب إلى ا﵀، فإنو تعالى نسبيا في ىذه الآية إلى الشيطاف(4)، وىو كقولو تعالى عف موسى  ىَذَا مِفْ عَمَؿِ الشَّيْطَافِ [15] وقوؿ يوسؼ : مِفْ بَعْدِ أَفْ نَزَغَ الشَّيْطَافُ بَيْنِي وَبَيْفَ إِخْوَتِي [100 ] وقوؿ صاحب موسى : وَمَا أَنْسَانِيوُ إِلاَّ الشَّيْطَافُ [63]، وورد مثؿ ذلؾ في ثلاثة وعشريف موضعاً .(5) مناسبة الآية لما قبميا "ومناسبة ذكر ىذه الآية عَ قب التي قبميا أنو تعالى بعد أف بيف ليـ مرتبة حؽ اليقيف بقولو قُؿْ لَوْ كُنْتُـْ فِي بُيُوتِكُـْ انتقؿ بيـ إلى مرتبة الأسباب الظاىرة ، فبيف ليـ أنو إف كاف للؤسباب تأثير، فإف سبب مصيبتيـ ىي أفعاليـ التي أملاىا الشيطاف عمييـ وأضميـ، فمـ يتفطنوا إلى السبب، ومف شأف ىذا الضلاؿ أف يحوؿ بيف المخطئ وبيف تدارؾ خطئو، ولا يخفى ما في الجمع (1) انظر: مدارؾ التنزيؿ، النسفي (1/190)، البحر المحيط، أبو حياف(3/430). (2) الفوائد، ابف قيـ الجوزية (1/208.) (3 )انظرمعالـ التنزيؿ، البغوي (2/122). (4 )انظرمفاتيح الغيب، الرازي (4/431). (5) انظر: حجج القرآف، ابو الفضائؿ الرازي (1/33) .

عدد الصفحات ١٢٧

الفصل الرابع المبحث اول: المقاصد والأهداف لسورة آل عمران مه الآيت(351-355) 661 بيف ىذه الأغراض مف العمـ الصحيح، وتزكية النفوس، وتحبيب ا﵀ ورسولو لممؤمنيف، وتعظيمو عندىـ، وتنفيرىـ مف الشيطاف، والأفعاؿ الذميمة، ومعصية الرسوؿ، و تسفيو أحلاـ المشركيف والمنافقيف.(1) وقولو تعالى بِبَعْضِ ما كَسَبُوا يوـ أُحد مف ذنوبيـ استزليـ الشيطاف وطمب منيـ الزلؿ ودعاىـ إليو، وىؤلاء الذيف انيزموا يوـ أُ حد كاف السبب في تولييـ أنيـ كانوا أطاعوا الشيطاف فاقترفوا ذنوباً، فمذلؾ منعتيـ التأييد وتقوية القموب حتى تولوا، وقيؿ استزلاؿ الشيطاف إياىـ ىو التولي، وا نما دعاىـ إليو بذنوب قد تقدمت ليـ، لأفّ الذنب يجرّ إلى الذن ب، كما أف الطاعة تجر إلى الطاعة.(2) فيذه الآية تُشير إلى مسألة مُيمة وَىي شُؤـ المعاصي وخطورتيا، فيذا الفَشَؿ الذِّي أَصاب المؤمنيف في غزوة أُ حد وأَنتج قتمى وجِراحاً وقِراحاً وىزيمةً، ىذا كاف سببو أفَّ الشَّيطاف اِستطاع أف يَستَّزِؿ بعض المُؤمنيف ببعض ذُنُوبيـ التِّي كسبوىا، فيذه الذُّ نوب التي كسبوىا كانت مدخلاً لمشَّيطاف أف يستَزِلَّو، وكأف الشيطاف لا يجترئ عمى أف يستزؿ أحداً ممف آمف، إلا إذا صادؼ فيو تحملاً مف ناحية، لكف الذي ليس عنده تحمؿ لا يقوى عميو الشيطاف، ساعة يأتي الإنساف ويعطي لنفسو شيوة مف الشيوات فالشيطاف يرقمو ويضع عميو علا مة ويقوؿ ىذا ضعيؼ، ىذا نقدر أف نستزلو، ولذلؾ فالنفس ىي مطية الشيطاف إلى الذنوب، وفي الحديث: (إف الشيطاف يجري مف ابف آدـ مجرى الدـ )(3)، وعندما يرى الشيطاف واحداً تغمبو نفسو في حاجة فالشيطاف يقوؿ: ىذا فيو أمؿ، إذف فالشيطاف لا يستزؿ إلا الضعيؼ، ولذلؾ فالذي يكوف ربو عمى ذكر منو دائماً لا يجترئ عميو الشيطاف أبداً .(4) قولو تعالى إِفَّ المَّوَ غَفُورٌ حَمِيـٌ أي: غفورٌ لممذنبيف الخطائيف بما يوفقيـ لو مف التوبة والاستغفار، والمصائب المكفرة، حَمِيـٌ لا يعاجؿ مف عصاه، بؿ يستأني بو، ويدعوه إلى الإنابة إليو، والإقباؿ عميو، ثـ إف تاب وأناب قبؿ منو، وصيره كأنو لـ يجر منو ذنب، ولـ يصدر منو عيب.(5) (1 )انظرالتحرير والتنوير، ابف عاشور ( 4/140.) (2 )انظرالكشاؼ، الزمخشري (1/339). (3) صحيح البخاري ، كتاب المباس، باب التكبير والتسبيح عند التعجب، ح3107(3/1195.) (4 )انظرتفسير الشعراوي، الشعراوي (1/1244). (5 )انظر تفسير الكريـ الرحمف، السعدي (1/153).

عدد الصفحات ١٢٨

الفصل الرابع المبحث اول: المقاصد والأهداف لسورة آل عمران مه الآيت(351-355) 661 المطمب الثالث: دور المنافقيف في تثبيط المؤمنيف قاؿ تعالى: يَا أَيُّيَا الَّذِيفَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِيفَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِِِخْوَانِيِـْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَْرْضِ أَوْ كَانُوا غُزِّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِمُوا لِيَجْعَؿَ المَّوُ ذَلِؾَ حَسْرَةً فِي قُمُوبِ يِـْ وَالمَّوُ يُحْ يِي وَيُمِيتُ وَالمَّوُ بِمَا تَعْمَمُوفَ بَصِيرٌ*وَلَئِفْ قُتِمْتُـْ فِي سَبِيؿِ المَّوِ أَوْ مُتُّـْ لَمَغْفِرَةٌ مِفَ المَّ وِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُوفَ * وَلَئِفْ مُتُّـْ أَوْ قُتِمْتُـْ لَِِلَى المَّوِ تُحْشَرُوفَ [156- 158]. ينيى سبحانو عباده أف يتشبيوا بالمنافقيف القائميف لو كاف كذا وكذا لما وقع قضاؤه بخلافو وجاءت الآيات الكريمة تدعو المؤمنيف إلى الشجاعة والاستبساؿ ؛ ليثبتوا عمى إيمانيـ أماـ الأعداء، وتحذرىـ مف سموؾ طريؽ المنافقيف في التباطؤ والتخاذؿ عف الجياد، وموقفيـ المخزي الفاضح في تمؾ الغزوة، بتثبيط عزائـ المؤمني ف، وتآمرىـ عمى الدعوة الإسلامية .(1) فلا تتحسروا أييا المؤمنوف عمى مف استشيد منكـ واصبروا فإف الموت بيد ا﵀، ولا تكونوا كيؤلاء الكفار، الذيف يقولوف عف إخوانيـ في النسب أو في السموؾ أو في الاعتقاد؛ حينما يسافروف لمتجارة، أو لمغزو والحروب ثـ يموتوف خلاؿ ذلؾ يقولوف عنيـ لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا ما ماتوا في السفر، ولا قتموا في الغزو، وىذا ىو الذي نيى عنو النبي  حيث قاؿ(وا ف أصابؾ شيء فلا تقؿ لو أني فعمت كذا لكاف كذا وكذا، ولكف قؿ قدر ا﵀ وما شاء فعؿ، فإف لو تفتح عمؿ الشيطاف)(2) أي تفتح عميؾ الحزف .(3) لقدوُجد ىذا الاعتقاد الفاسد، في نفوسيـ، ليزدادوا حسرة عمى موتاىـ وقتلاىـ، لِيَجْعَؿَ المَّوُ ذَلِؾَ حَسْرَةً فِي قُمُوبِيِـْ فرد ا﵀ قوليـ الباطؿ، وبيف أف الأمر بيد ه ، ولا يحيا أحد ولا يموت في موعده المقدر إلا بمشيئتو سبحانو، ولا يزاد في عمر أحد ولا ينقص إلا بقضائو وقدره ، فقاؿ  وَالمَّوُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَالمَّوُ بِمَا تَعْمَمُوفَ(4) بَصِيرٌ . وبعد توضيح ىذا الاعتقاد الفاسد في الموت في سبيؿ ا﵀، وبياف فضؿ الموت في سبيؿ ا﵀ تعالى، والجزاء العظيـ عميو ، يقوؿ: وَلَئِف قُتِمْتُـْ فِي سَبِيؿِ المّوِ أَوْ مُتُّـْ لَمَغْفِرَةٌ مِّفَ المّوِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُوفَ (5) [157.] (1 )انظرالوابؿ الصيب مف الكمـ الطيب، ابف قيـ الجوزية ( 1/228)، قبس مف نور القرآف، الصابوني(1/163.) (2) صحيح مسمـ، كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترؾ العجز والاستعانة ، ح 2664(4/2052.) (3) انظر: إقامة الدليؿ عمى إبطاؿ التحميؿ، ابف تيمية (4/362)، الكمـ الطيب، ابف تيمية (1/124). (4) قرأ ابف كثير وحمزة والكسائي وخمؼ (يعمموف) بالغيب، وقرأ الباقوف (تعمموف) بالخطاب. انظر: النشر، ابف الجزري (2/242.) (5) قرأ حفص (يجمعوف بالغيب، وقرأ الباقوف (تجمعوف) بالخطاب. انظر: النشر، ابف الجزري (2/242.)

عدد الصفحات ١٢٩

الفصل الرابع المبحث اول: المقاصد والأهداف لسورة آل عمران مه الآيت(351-355) 661 إف الموت في سبيؿ ا﵀ وسيمة وطريؽ إلى نواؿ رحمة ا﵀، وعفوه، ورضوانو، وذلؾ الجزاء خير مف البقاء في الدنيا، وجمع حطاميا الفاني، وا نكـ أييا المؤمنوف إف جاىدتـ في سبيؿ ا﵀ تعالى وقُ تمتـ، أو مُ تـ عمى فراشكـ بعد أف أديتـ رسالتكـ في الحياة، وأطعتـ ا﵀ تعالى فيما أمركـ بو ونياكـ عنو، ستنالوف مغفرة مف ا﵀  لذنوبكـ، ورحمة ا﵀  الواسعة، وىذا خيرٌ لكـ مما تجمعونو في الدنيا مف حطاميا ورغيد عيشيا الذي مف أجمو تتثاقموف عف الجياد في سبيؿ ا﵀، وتتأخروف عف لقاء العدو، فرحمة ا﵀ ومغفر تو باقيتاف تنفعاف الإنساف في دنياه وآخرتو، وما يجمعو الإنساف مف عرض الدنيا زائؿ ذاىب .(1) ويخبر ا﵀ أف مف مات أو قتؿ فمصيره ومرجعو إلى ا﵀ حيث يقوؿ وَلَئِف مُّتُّـْ أَوْ قُتِمْتُـْ لِِلَى ا﵀ تُحْشَرُوفَ أي: ترجعوف إليو، وتحشروف عنده؛ فيجازيكـ بأعمالكـ، إف خيراً فخير، و إف شراً فشر. وفي الآية الأولى جاء بتقديـ القتؿ عمى الموت قاؿ تعالى: وَلَئِف قُتِمْتُـْ فِي سَبِيؿِ المّوِ أَوْ مُتُّـْ وجاء في ىذه الآية بتقديـ الموت عمى القتؿ قاؿ  : وَلَئِف مُّتُّـْ أَوْ قُتِمْتُـْ لِِلَى ا﵀ فقدـ القتؿ عمى الموت في الآية الأولى؛ لأنيا جاءت في المقاتميف، والغالب في شأنيـ أف مف يمقى ا﵀ منيـ ويفضي إلى ربو يكوف بسبب القتؿ أكثر مما يكوف بسبب الموت حتؼ أنفو، أما ىذه الآية فقد جاءت لبياف أف مصير جميع العباد ومرجعيـ يوـ القيامة يكوف إلى ا﵀  وأف أكثرىـ تزىؽ نفسو وتخرج روحو مف بدنو بسبب الموت، فمذا قدـ الموت ىنا عمى الق تؿ. إذف فكؿ كممة وجممة جاءت مناسبة لموقعيا. إنو قوؿ الحكيـ الخبير.(2) (1 )انظر: التفسير الموضوعي لسور القرآف، نخبة مف العمماء 1/534)،التفسير المنيجي، فضؿ عباس(1/163.) (2) انظر: التحرير والتنوير، ابف عاشور (4/143)، تفسير الشعراوي، الشعراوي (1/1248.)

عدد الصفحات ١٣٠