المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الدراسة التحليلية لمقاصد وأهداف الحزب السابع من القرآن الكريم من سورة آل عمران من الآية 93

إبراهيم داود سلام درغام

صفحة ٧ من ١٢

الفصل الثالث المبحث الثاوي: المقااد والأهد ا لسورة آل عمران مه الآيت (139-145) 85 المبحث الثاني المقاصد والأىداف لسورة آل عمران من الآية ( 139- 145) قال تعالى ﴿وَلََّ تَيِنُوا وَلََّ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَْعْمَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ*إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْ قَوْمَ قَرْحٌ مِثْمُوُ وَتِمْكَ الأَْيَّامُ نُدَاوِلُيَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْمَمَ المَّ وُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُيَدَاءَ وَالمَّوُ لََّ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ*وَلِيُمَحِّصَ المَّوُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ*أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُمُوا الْجَنَّةَ وَلَ مَّا يَعْمَمِ المَّوُ الَّذِينَ جَاىَدُوا مِنْكُمْ وَيَ عْمَمَ الصَّابِرِينَ*وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ* وَمَا مُحَمَّدٌ إِلََّّ رَسُولٌ قَدْ خَمَتْ مِنْ قَبْمِوِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَمَبْتُمْ عَمَ ى أَعْقَابِ كُمْ وَمَنْ يَنْقَمِبْ عَمَى عَقِبَيْوِ فَمَنْ يَضُرَّ المَّوَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي المَّوُ الشَّاكِرِينَ﴾ [139-145] أمرت الآيات الكريمة المؤمنين بالتجمّد والصبر، ونيتيم عن الوىن والضعف، وبشرتيم بأنّيم ىم الأعمون، وشجعتيم عمى مواصمة الجياد في سبيل ا﵀ ، فإنّ العاقبة ليم، وأخبرتيم بأنَّ ما أصابيم من آلآم وجراح في غزوة أُحد، قد أُ صيب أعداؤىم بمثميا، وأنَّ الأيام دُ ول، وأنَّ ىزيمتيم في تمك الغزوة من ثمارىا، أنيا ميزت قوي الإيمان من ضعيفو، لأن المصائب كثيراً ما تكشف عن معادن النفوس، وخفايا الصدور، واتجاىات العواطف. المطمب الأول: مواساة المؤمنين بعد أُ حد قال: ﴿وَلََّ تَيِنُوا وَلََّ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَْعْمَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ* إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْمُوُ وَتِمْكَ الأَْيَّامُ نُدَاوِلُيَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْمَمَ المَّوُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُيَدَاءَ وَالمَّوُ لََّ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ [139-140] ىذا حث لأصحاب النبي عمى الجياد، زيادة عمى ما أصابيم من القتل والقرح يوم أُ حد، و تعزيةٌ (1) لأصحاب رسول ا﵀  ، لذلك قال تعالى﴿وَلََّ تَيِنُوا وَلََّ تَحْزَنُوا ﴾ أي لا تضعفوا فتقعدوا عن الجياد والعمل، فالعاقبة والنصرة لكم أييا المؤمنون، ولا تحزنوا عمى ما فاتكم من رجالكم، ولا تأسوْا فتجزعوا عمى ما أصابكم من المصيبة يومئذ. والمراد بالوىن الضعف، وأصمو ضعف الذات، كالجسم في قولو تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَىَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ [4 ]وىو ىنا مجاز في خور العزيمة ، وضعف الإرادة ، وانقلاب الرجاء ي أساً ، والشجاعة جبناً ، واليقين شكاً ؛ ولذلك نيوا عنو. أما الحزن فيو شدة الأسف البالغة حد الكآبة والانكسار. والوىن والحزن حالتان لمن فس تنشآن عن اعتقاد الخيبة، فيترتب عمييما الاستسلام وترك المقاومة. فالنيي عن الوىن والحزن في الح قيقة (1) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي (5/216.)

عدد الصفحات ٩٩

الفصل الثالث المبحث الثاوي: المقااد والأهد ا لسورة آل عمران مه الآيت (139-145) 86 نييٌ عن سببيما وىو الاعتقاد(1) ىكذا يتجو القرآن إلى المؤمنين بالتثبيت والتعزي ة فينياىم عن أسباب الفشل والضعف، ويأمرىم بالصمود وقوة ا ليقين، ويبشرىم بأنيم ىم الأعمون (2)؛ لذلك جاء قولو تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الأَْعْمَوْنَ ﴾، لأن "عقيدتكم أعمى فأنتم تسجدون ﵀ وحده، وىم يسجدون لشيء من خمقو أو لبعض من خمقو! ومنيجكم أعمى، فأنتم تسيرون عمى منيج من صنع ا﵀ تعالى، وىم يسيرون عمى منيج من صنع خمق ا﵀! ودوركم أعمى. فأنتم الأوصياء عمى ىذه البشرية كميا، اليداة ليذه البشرية كميا، وىم شاردون عن النيج، ضالون عن الطريق. ومكانكم في الأرض أعمى، فمكم وراثة الأرض التي وعدكم ا﵀ بيا، وى م إلى الفناء والنسيان صائرون".(3) ثم أضاف سبحانو إلى ذلك تسمية جديدة ليم، فأخبرىم بأن ما أصابيم من جراحٍ وآلامٍ قد أُ صيب أعداؤىم بمثمو؛ فقال  :﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ (4) فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْمُوُ وَتِمْكَ الأَْيَّامُ نُدَاوِلُيَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾[140] أي إن ما أصابكم من القرح في أُ حدٍ ليس مما ينبغي أن يكون موىناً لأمركم ومضعفاً لكم في عممكم ولا موجباً لحزنكم وانكسار قموبكم ؛ فإنو لم يكن نصراً تاماً لممشركين عميكم، وا نما ىو تربيةً لكم عمى ما وقع منكم من مخالفة قائدكم  في تدبيره الحربي المحكم، وفشمكم وتنازعكم في الأمر، وذلك خروج عن سنة ا﵀ في أسباب الظفر، وبيذه التربية تكونون أحقاء بألا تعودوا إلى مثل تمك الذنوب، واعمموا أنو إن يمسسكم قَرْح بموتٍ أو جراحاتٍ لا ينبغي أن يكون ذلك موىناً لكم، قاعداً بكم عن مواصمة الجياد، فإن عدوكم قد مسّو قَرْح مثمو وذلك في معركة بدر، والحرب سِجَال يومٌ لكم ويومٌ عميكم وىى سنة من سنن ربكم في الحياة. و ىذا من تمام قولو: ﴿وَلََّ تَيِنُوا وَلََّ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْمَوْنَ ﴾ فبين تعالى أن الذي يصيبيم من القرح لا يجب أن يزيل جدىم واجتيادىم في جياد العدو، وذلك لأنو كما أصابيم ذلك فقد أصاب عدوىم مثمو قبل ذلك، فاذا كانوا مع باطميم، وسوء عاقبتيم لم يفتروا لأجل ذلك في الحرب .(5) فأنتم أولىبالتماسك وعدم التخاذل منيم؛ لأنكم عمى الحق وا ن أصابكم أذى من عدوكم فلا تينوا، ولا تحزنوا "ومداولة الأيام وتعاقب الشدة والرخاء، محك لا يخطئ وميزان لا يظمم ، والرخاء في ىذا كالشدة ، وكم من نفوس تصبر لمشدة وتتماسك ولكنيا تتراخى بالرخاء وتنحل. والنفس المؤمنة ىي التي تصبر لمضراء ولا تستخفيا السراء وتتجو إلى ا﵀ في الحالين وتوقن أن ما أصابيا (1 )انظرالتحرير والتنوير، ابن عاشور ( 4/98.) (2 )انظرالتفسير الوسيط، طنطاوي (1/747.) (3) في ظلال القرآن، سيد قطب (1/452.) (4) قرأ حمزة والكسائي وخمف ﴿قَرْحٌ ﴾ بضم القاف في الموضعين، وقرأ الباقون ﴿قَرْحٌ ﴾ بفتحيما. انظر: النشر، ابن الجزري (2/242.) (5 )انظرمفاتيح الغيب، الرازي (4/395.)

عدد الصفحات ١٠٠

الفصل الثالث المبحث الثاوي: المقااد والأهد ا لسورة آل عمران مه الآيت (139-145) 87 من الخير والشر فبإذن ا﵀(1) لذلك تجمدوا وتماسكوا، فقد أصابيم كذلك ما أصابيم وتماسكوا وىم عمى الباطل، وىكذا يمضي السياق ليكشف للأمة المسممة عن جوانب من حكمة ا﵀ فيما وقع من أحداث المعركة ، ثم بعد ىذا العزاء الكريم الحكيم، ذكر تعالى ليم عمَّة ىذا الحدث الجَمَل، والسر فيو، في قولو  :﴿وَلِيَعْمَمَ ا﵀ الذين آمَنُواْ﴾ (2)، وفيو وجيان: أحدىما: أن يكون المعمل محذوفاً والمعنى: وليتميز الثابتون عمى الإيمان منكم من الذين عمى حرف، وىو من باب التمثيل ، بمعنى: فعمنا ذلك، فعل مَ نْ يريد أن يعممَ مَ نْ الثابت عمى الإيمان منكم مِ ن غير الثابت، وا لا فا﵀  لم يزل عالماً بالأشياء قبل كونيا والثاني: أن تكون العمة محذوفة، والمعنى ليسمييم عما جرى عمييم، وليبصرىم بأن العبد يسوؤه ما يجرى عميو من المصائب، ولا يشعر أن ﵀ فى ذلك من المصالح ما ىو غافل عنو .(3) أي ليظير بيذا الحادث المؤلم إيمان المؤمنين، وفعلاً فالمنافقون رجعوا من الطريق بزعامة رئيسيم المنافق الأكبر، عبد ا﵀ بن أبي بن سمول، والمؤمنون واصموا سيرىم وخاضوا معركتيم فظير إيمانيم واتخذ ا﵀  منيم شيداء.(4) وكان قد قتل يومئذ من المياجرين حمزةُ بنُ عبدِ المطمّب ، ومصعبُ بنُ عميرٍ صاحبُ رايةِ رسولِ ا﵀  ،وعبدُ المَّو بنُ جحشٍ ابنُ عمة النبي ، وعثمان بن مظعونٍ ، وسعدٌ مولى عتبةَ رضوان ا﵀ تعالى عمييم أجمعين، ومن الأنصار سبعون رجلاً .(5) وقدأخرج الواحدي عن ابن عباس أنو قال: "انيزم أصحاب رسول ا﵀  يوم أُ حد، فبينما ىم كذلك إذ أقبل خالد بن الوليد بخيل المشركين يريدون أن يعموا عمييم الجبل ، فقال النبي: الميم قوة لنا إلا بك، الميم ليس يعبدك بيذه البمدة غير ىؤلاء النفر، فأنزل ا﵀  ىذه الآية، وثاب نفر من المسممين فصعدوا الجبل ورموا خيل المشركين حتى ىزموىم ".(6) (1) في ظلال القرآن، سيد قطب(1/435.) (2) قال الزجاج: أراد العمم الذي يترتب عميو الجزاء وىو ثباتيم عمى الإيمان، وعدم تزلزليم في حال الشدة . انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور (4/104.) (3 )انظرالكشاف، الزمخشري (1/327.) (4) انظر: جامع البيان، الطبري (7/234)، أيسر التفاسير، الجزائري (1/206)، تفسير المنار، محمد رشيد رضا (4/118). (5) انظر: معالم التنزيل، البغوي (2/110)، إرشاد العقل السميم، أبو السعود (1/459.) (6) أسباب النزول، الواحدي(1/83.)

عدد الصفحات ١٠١

الفصل الثالث المبحث الثاوي: المقااد والأهد ا لسورة آل عمران مه الآيت (139-145) 88 "وقد ذكر ا﵀ أن الغرض من ىذا الابتلاء بالجيا د في سبيل ا﵀ وقتال الأعداء؛ عزة الدين، وأن يمتحن النفوس، فيرى من يصبر عند الشدائد، ويكرم بعضيم بنعمة الشيادة في سبيل ا﵀، التي ىي أجل النعم عند ا﵀، ولا يناليا إلا من صفت نفسو وثبت يقينو" (1)، والحكمة من امتحانيم بإدالة عدوىم عمييم ليمحصيم و ليخمصيم و لييذبيم (2)، ويعدىم إلى مرحمة الاصطفاء؛ فجاء قولو : ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُيَداءَ﴾ وىو تعبير عجيب عن معنى عميق إن الشيداء لمختارون، يختارىم ا﵀ من بين المجاىدين ويتخذىم لنفسو سبحانو فما ىي رزية إذن ولا خسارة أن يستشيد في سبيل ا﵀ من يستشيد. إنما ىو اختيار وانتقاء وتكريم واختصاص. إن ىؤلاء ىم الذين اختصيم ا﵀ ورزقيم الشيادة ليستخم صيم لنفسو سبحانو ويخصيم بقربو .(3) وجاءت الفاصمة القرآنية في قولو :﴿وَالمَّوُ لََّ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ لبيان أن أعداءىم من المشركين لا يحبيم ا﵀، أي لا يعامميم معاممة المحب لممحبوب، لأنيم يظممون أنفسيم ويسفيونيا بعبادة المخموقات، واجتراح السيئات، ويظممون غيرىم بالفساد في الأرض، والبغي عمى الناس وىضم حقوقيم، والظالم لا تدوم لو سمطة، ولا تثبت لو دولة، فإذا أصاب غرة من أىل الحق والعدل فكانت لو دولة في حرب أو حكم، فإنما تكون دولتو سريعة الزوال، قريبة الانحلال والاضمحلال، وفيو تعريض أيضاً بالمنافقين فإنيم أظمم الظالمين"(4). المطمب الثاني: سُنة الَّبتلَء لتمحيص المؤمنين ومحق الكافرين قال تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ المَّوُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ* أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُمُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْمَمِ المَّوُ الَّذِينَ جَاىَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْمَمَ الصَّابِرِينَ* وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [141-143] ما يزال الكلام عن أىل غزوة أُ حد، ففي الآيات السابقة إرشاد إلى أنو لا ينبغي ليم أن يحزنوا أو يضعفوا، وأنّ ما أصابيم من المحنة والبلاء، جاء عمى سنّة المّو الثابتة في المداولة بين الناس، ولتمحيص أىل الحق والإيمان، وكان فييا تقوية معنوية وتسمية لممؤمنين؛ كي يتربّوا عمى حبّ الجياد و التّحمي بالصفات التي ينالون بيا النصر، وقد أنكر تعالى عمى المؤمنين ظنيم أنيم بمجرد إيمانيم يدخمون الجنة، بدون أن يبتموا بالجياد والشدائد تمحيصاً وا ظياراً لمصادقين منيم في دعوى (1) قبس من نور القرآن، الصابوني (1/157.) (2) انظرإغاثة الميفان، ابن القيم( 2/190.) (3 )انظرفي ظلال القرآن، سيد قطب (1/454.) (4) تفسير المنار، محمد رشيد رضا (4/124.)

عدد الصفحات ١٠٢

الفصل الثالث المبحث الثاوي: المقااد والأهد ا لسورة آل عمران مه الآيت (139-145) 89 الإِيمان والكاذبين فييا قال ابن القيم: "وما يصيب المؤمن في ىذه الدار من إدالة عدوه عميو وغمبتو لو وأذاه لو في بعض الأحيان، أمرٌ لازمٌ لابد منو وىو كالحر الشديد والبرد الشديد والأمراض واليموم والغموم ، فيذا أمر لازم لمطبيعة والنشأة الإنسانية في ىذه الدار ، حتى للأطفال والبيائم، لما اقتضتو حكمة أحكم الحاكمين، فمو تجرد الخير في ىذا العالم عن الشر والنفع عن الضر والمذة عن الألم؛ لكان ذلك عالماً غير ىذا، ونشأة أخرى غير ىذه النشأة ، وكانت تفوت الحكمة التي مزج لأجميا بين الخير والشر، والألم والمذة، والنافع والضار، وا نما يكون تخميص ىذا من ىذا وتمييزه في دار أُ خرى غير ىذه الدار"(1) كما قال تعالى: ﴿لِيَمِيزَ ا﵀ُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَوُ عَمَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَوُ جَمِيعًا فَيَجْعَمَوُ فِي جَيَنَّمَ أُولَئِكَ ىُمُ الخَاسِرُونَ﴾ [37]. وىذه الآيات تبيّن أن طريق السعادة في الآخرة بالجياد والصّبر، وفي الدّنيا بالثبات عمى المبدأ والالتفاف حول النّبي  في المعركة، والتضحية والإحسان، وملازمة الحق والعدل والإنصاف، ثم عابيم  عمى قمة صبرىم وانيزاميم في المعركة مذكراً إياىم بتمنيات الذين لم يحضروا وقعة بدر، وفاتيم فييا ما حازه من حضرىا من الأجر والغنيمة .(2) "والتمحيص درجة بعد الفرز والتمييز، وعممية تتم في داخل النفس، وفي مكنون الضمير. إنيا عممية كشف لمكنونات الشخصية وتسميط الضوء عمى ىذه المكنونات ؛ تمييداً لإخراج الدَّ خَ ل والدَّ غَ ل(3)، والأوشاب(4)، وتركيا نقية واضحة م ستقرة عمى الحق بلا غبش ولا ضباب ، وكثيراً ما يجيل الإنسان نفسو ومخابئيا ودروبيا ومنحنياتيا، وكثيراً ما يجيل حقيقة ضعفيا وقوتيا وحقيقة ما استكن فييا من رواسب لا تظير إلا بمثير".(5) (1) إغاثة الميفان، ابن القيم(2/189.) (2) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري (1/208)، التفسير المنير، الزحيمي (4/107). (3 )الدَّغَل: بالتحريك الفساد مثل الدَّخَل والدَّغَل دَخَلٌ في الأَمر مُفْسِدٌ ومنو قول الحسن" اتَّخَذوا كتاب ا﵀ دَغَلاً أَي أَدغموا في التفسير "، وأَدْغَلَ في الأَمر أَدخل فيو ما يُفْسِده ويخالفو ، ورجل مُدْغِل مُخابٌّ مُفْسد ، والدَّغَل الشجر الكثير الممتفُّ وقيل ىو ا شتباك النبت وكثرتو ، انظر: لسان العرب، ابن منظور( 11/244)، مختار الصحاح، الرازي( 1/218.) (4) الأَوْشابُ الأَخْلاطُ من الناس والأَوْباشُ واحدُىم وِشْبٌ يقال بيا أَوباشٌ من الناس وأَوْشابٌ من الناس وىم الضُّروبُ المُتَفَر قون، انظر: لسان العرب( 1/797)، تاجالعروس، الزبيدي( 1/4397.) (5) في ظلال القرآن، سيد قطب (1/455.)

عدد الصفحات ١٠٣

الفصل الثالث المبحث الثاوي: المقااد والأهد ا لسورة آل عمران مه الآيت (139-145) 90 الحكمة من ابتلَء المؤمنين في غزوة أُ حد: أولًَّ : ﴿وَلِيُمَحِّصَ المَّوُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ والتمحيص(1) يُعني التطيير من الذنوب والتنقية والتخميص من العيوب. ثانياً : ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ ليمحق الذين كفروا وييمكيم، ويمحو آثارىم .(2) وذكر محق الكافرين بعد تمحيص المؤمنين؛ لما بينيما من المناسبة حيث إن في كل من التمحيص و المحق إزالة ، إلا أن في الأول: إزالة الآثار وا زاحة الأوضار. وفي الثاني إزالة العين وا ىلاك النفس.(3) أخبر سبحانو أنو يريد تمحيص المؤمنين ، أي: تخميصيم من ذنوبيم؛ بالتوبة واستغفاره من الذنوب؛ التي أُ ديل بيا عمييم العدو ، وأنو مع ذل ك يريد أن يمحق الكافرين ببغييم وطغيانيم وعدوانيم إذا انتصروا، ثم أنكر عمييم حسبانيم وظنيم دخول الجنة بغير جيادٍ ولا صبرٍ ، وأن حكمتو تأبى ذلك، فلا يدخمونيا إلا بالجياد والصبر، ولو كانوا دائماً منصورين غالبين ؛ لما جاىدىم أحد، ولما ابتموا بما يصبرون عميو من أذى أعدائيم (4)، فقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُمُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْمَمِ المَّوُ الَّذِينَ جَاىَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْمَمَ الصَّابِرِينَ﴾[142.] ولذلك يصحح المولى مفيوماً مغموطاً يقع فيو كثير من الناس، وىو أن دخول الجنة يكون بدون جياد، وصبر، أي: لا يحصل لكم دخول الجنة؛ حتى تُبْتَمَوا ويرى ا﵀ منكم المجاىدين في سبيمو والصابرين عمى مقارنة الأعداء (5)، وىل ظننتم أن دخول الجنة يكون بلا جياد لمنفس واليوى ، والشيوات، والشياطين ويكون بلا صبر عمى فعل الطاعات ، وعن ارتكاب المعاصي ، وعمى التحمل عند الابتلاءات، وىذا مثل قولو : ﴿الم* أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا: آمَنَّا، وَىُمْ لَّ يُفْتَنُونَ﴾ [1-2]. (1) المحص وأَصم و التخميصُ ومَحَصْت الذىَبَ بالنار إِذا خَمَّصْتو مما يَشُوبو، وتمحِيصُ الذنوب تطييرُىا، و التَّمْحِيصُ الابتلاء والاختبار. انظر: لسان العرب، ابن منظور (7/89)، مختار الصحاح، الراز ي(1/246)، الصحاح في المغة، الجوىري (3/193.) (2) انظر: معالم التنزيل، البغوي (2/112)، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي (4/220)، التحرير والتنوير، ابن عاشور(4/104.) (3 )انظرروح المعاني، الألوسي (3/235.) (4 )انظرإغاثة الميفان، ابن القيم(2/191.) (5 )انظرتفسير القرآن العظيم، ابن كثير (2/127.)

عدد الصفحات ١٠٤

الفصل الثالث المبحث الثاوي: المقااد والأهد ا لسورة آل عمران مه الآيت (139-145) 91 ىل حسبتم، يا معشر أصحاب محمد ، وظننتم أن تدخموا الجنة، وتنالوا كرامة ربكم، وشرف المنازل عنده ؛ ولما يعمم ا﵀ الذين جاىدوا منكم، يقول: ولما يتبيَّن لعبادي المؤمنين، المجاىدُ منكم في سبيل ا﵀، عمى ما أمره بو .(1) "إن دخول الجنة محفوف بالمكاره، فيو يحتاج إلى جياد النفس عمى أداء حقوق ا﵀ وحقوق العباد، وجيادىا لتبميغ دعوة ا﵀ تعالى، ويحتاج إلى جياد النفس لأجل التخمص من الشح، وذلك ببذل المال في سبيل ا﵀، ويحتاج إلى جياد أعداء ا﵀ تعالى لإعلاء كممة ا﵀، ولتطيير الأرض من دنس المشركين، وىذا كمو لا يكون إلا بالصبر ؛ حتى يتميز الصابرون في جيادىم من غيرىم، فالصبر ىو عدة المجاىد؛ ليصل إلى ما يريد، وفي غزوة أُ حد كان عدم صبر الرماة، ومسارعتيم إلى جمع الغنائم، من أىم الأسباب التي أدت إلى ىزيمة المسممين" (2). ثم قال تعالى﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾[آل عمران :142]، فقد كنتم أييا المؤمنون قبل ىذا اليوم تتمنون لقاء العدو وتتحرقون عمييم، وتودون مناجزتيم ومصابرتيم، فيا قد حصل لكم الذي تمنيتموه وطمبتموه، فدونَكم فقاتموا وصابروا ، وقد ثبت في الصحيحين أن رسول ا﵀  قال(لَّ تَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَسَمُوا ا﵀ الْعَافِيَةَ، فَإذَا لقيتموىم فَاصْبِرُوا، وَاعْمَمُوا أنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَلِ السُّيُوفِ )(3) وىذاكلام ألقي إلييم بإجمال بالغ غاية الإيجاز، ليكون جامعا بين الموعظة، والمعذرة، والملام. والخطاب للأحياء، لا محالة، الذين لم يذوقوا الموت، ولم ينالوا الشيادة، والذين كان حظيم في ذلك اليوم ىو اليزيمة، فقولو: كنتم تمنون الموت أُ ريد بو تمني لقاء العدو يوم أُ حد(4). المطمب الثالثالتحذير من الَّنقلَب عمى الأعقاب قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلََّّ رَسُولٌ قَدْ خَمَتْ مِنْ قَبْمِوِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَمَبْتُمْ عَمَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَمِبْ عَمَى عَقِبَيْوِ فَمَنْ يَضُرَّ المَّوَ شَيْئًا وَسَ يَجْزِي المَّوُ الشَّاكِرِينَ* وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلََّّ بِإِذْنِ المَّوِ كِتَابًا مُؤَجَّلًَ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِوِ مِنْيَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ ا لآْخِرَةِ نُؤْتِوِ مِنْيَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [144- 145] لما انيزم من انيزم من المسممين يوم أُ حد، وقُتِل من قُ تل منيم، و لما أشاع أحد المشركين أن النبي  قد قُتل، بدأ الضعف يدبُ في نفوس بعض المسممين؛ بسبب ذلك، أعطى ا﵀ المسممين (1 )جامع البيان، الطبري (7/246.) (2) التفسير المنيجي، فضل عباس(1/145.) (3 )صحيح البخاري ، كتاب الجياد والسير، باب لا تتمنوا لقاء العدو، ح2861(2/1101.) (4 )انظرالتحرير والتنوير، ابن عاشور (4/107.)

عدد الصفحات ١٠٥

الفصل الثالث المبحث الثاوي: المقااد والأهد ا لسورة آل عمران مه الآيت (139-145) 92 درساً يفيدىم ومن بعدىم، إلى يوم الدين. مما يستفاد من الآية الكريمة:- وفي ىذه الآية إشارة إلى أنو يجب عمى المسممين وا ن مات نبييم أو قُ تل، أن يذودوا عن شريعتو وعن سنتو، في حياتو وبعد مماتو، وفييا أيضاً دليلٌ عمى أن الكفر ىو التأخر والرجعية والانقلاب عمى العقب، "وأية خسارة بعد خسارة الارتداد عمى الأعقاب من الإيمان إلى الكفر؟ وأي ربح يتحقق بعد خسارة الإيمان فالذي لا يتحرك إلى الأمام في ىذا المجال لا بد أن يرتد إلى الوراء ، والذي لا يكافح الكفر والشر والضلال والباطل والطغيان لا بد أن يتخاذل ويتقيقر ويرتد عمى عقبيو إلى الكفر والشر والضلال والباطل والطغيان! والذي لا تعصمو عقيدتو ولا يعصمو إيمانو من طاعة الكافرين والاستماع إلييم والثقة بيم يتنازل -في الحقيقة- عن عقيدتو وا يمانو منذ المحظة الأولى"(1)، وأما الإسلام فإنو التقدم والمضي إلى الإمام فيما ينفع الإنسان في دينو ودنياه. وقد كانت غزوة أُ حد مقدمةً وا رىاصاً بين يدي موت رسول ا﵀ ، فثبتيم و وبخيم عمى انقلابيم عمى أعقابيم إن مات رسول ا﵀  أو قُتل، بل الواجب لو عمييم أن يثبتوا عمى دينو، وتوحيده، ويموتوا عميو أو يُ قتموا، فإنيم إنما يعبدون رب محمد ، وىو حيٌ لا يموت، فمو مات محمد، أو قُتل، لا ينبغي ليم أن يصرفيم ذلك عن دينو، وما جاء ب و فكل نفسٍ ذائقة الموت، وما بُ عث محمد  ليخمد، لا ىو ولا ىم، بل ليموتوا عمى الإسلام، والتوحيد ، فإن الموت لا بد منو سواء مات رسول ا﵀  أو بقي، وليذا وَبَّ خَ يم عمى رجوع من رجع منيم عن دينو، حينما صرخ الش يطان أنَّ محمداً قد قُ تل.(2 ) والمقصود من الآية إثبات أنو لا منافاة بين الرسالة وبين القتل أو الموت؛ لأن ىذه سنة ا﵀ الماضية في أنبيائو ورسمو من قبل، فإنيم لابد أن يفارقوا الدنيا إما بموت وا ما بقتل ظمماً، كما وقع من الييود لعنيم ا﵀ حينما قتموا يحيى وزكريا . فمحمد  رسُولٌ كسائرِ الرُّسُل قد بَمَّغ كما ب مَّغوا، ولزمكم أيُّيا المؤمنُون العمل بمُضَمَّن الرسالة، وليست حياتو وبَقَاؤه بَين أظيركم شَر طاً في ذلك؛ لأنو يَمُوت؛ كما مَاتَتِ الرُّسُل قبمو ، "فيل انقمب أتباع الرسل السابقين عمى أعقابيم حينما ماتت رسميم، فكيف تكونون أقل شأناً من ىذه الأمم، ىَ بْ أن ذلك قد حدث، فمماذا لا يبقى الخير الذي بمغو فيكم رسول ا﵀  إلى يوم القيامة، الرجل الذي يكون قد صنع خيراً يموت بموتو، أيكون قد صنع شيئاً ، لا فالذي يريد أن يصنع خيراً فعميو أن يصنع خيراً يخمفو. (1) في ظلال القرآن، سيد قطب(1/466.) (2) زاد المعاد، ابن القيم (3/224.)

عدد الصفحات ١٠٦

الفصل الثالث المبحث الثاوي: المقااد والأهد ا لسورة آل عمران مه الآيت (139-145) 93 لذلك فالزعامات الفاشمة ىي التي يكون الفرد فييا زعيماً ، ثم يموت، ونبحث عن زعيم بعده فلا نجد ونتساءل: لماذا خنق الزعيم أصحابو وزملاءه؟ أكان خائفاً منيم، ونظل نتمنى أن يكون قد ربَّى الزعيم أناساً ، فإذا ما ذىب نجد من يخمفو، فلا يوجد إنسان يضمن حياتو"(1) وفي ىذه الآية الكريمة إرشاد من ا﵀  لعباده أن يكونوا بحالة لا يزعزعيم عن إيمانيم أو عن بعض لوازمو، فقْ دُ رئيس ولو عظم، وما ذاك إلا بالاستعداد في كل أمرٍ من أمور الدين، بعدة أناس من أىل الكفاءة فيو، إذا فقد أحدىم قام بو غيره، وأن يكون عموم المؤمنين قصدىم إقامة دين ا﵀، والجياد عنو، بحسب الإمكان، لا يكون ليم قصد في رئيس دون رئيس، فبيذه الحال يستتب ليم أمرىم، وتستقيم أمورىم. (2) فالأُمة مدعوة لأن تؤمن برس الة تحرك كل فرد فييا حركة ذاتية ، ولا يحركيا أو يمنيا عن الحركة حياة شخص ولا موتو ، إن الرسالة ليست مرتبطة بوجود شخص ، فكيف إذن يرتد عنيا بعد موتو من كان يؤمن بيا في حياتو؟ وقد خمت من قبمو الرسل يحممون ىذه الدعوة الضاربة في جذور الزمن العميقة في منابت التاريخ المبتدئة مع البشرية ، تحدو ليا باليدى والسلام من مطالع الطريق ، وىي أكبر من الداعية وأبقى من الداعية، فدعاتيا يجيئون ويذىبون، وتبقى ىي عمى الأجيال والقرون، ويبقى أتباعيا موصولين بمصدرىا الأول الذي أُ رسل بيا الرسل وىو باق  يتوجو إليو المؤمنون، وما يجوز أن ينقمب أحد منيم عمى عقبيو، ويرتد عن ىدى ا﵀. وا﵀ سبحانو حيٌ لا يموت. ثم توعَّد سبحانو المُنْقَمِب عمى عَقِبَيْوِ بقولو: ﴿فَمَن يَضُرَّ ا﵀ شَيْئاً ﴾ لأن المعنى فإنما يضرُّ نفسو، وا ياىا يوبق ؛ بتعريضيا لمسخط والعذاب. (3) وفي ىذه الآية مسائل: الأولى: "أنيا نزلت بسبب انيزام المسممين يوم أُ حد حين صاح الشيطان: قد قُ تل محمد ".(4) ذكر الواحدي في سبب نزوليا: "لما كان يوم أُ حد انيزم الناس، فقال بعض الناس قد أُ صيب محمد فأعطوىم بأيديك م، فإنما ىم إخوانكم. وقال بعضيم، إن كان محمد قد أُ صيب، ألا تمضون عمى ما مضى عميو نبيكم حتى تمحقوا بو، فأنزل ا﵀  في ذلك﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلََّّ رَسُولٌ قَدْ خَمَتْ مِن قَبْمِوِ ٱلرُّسُلُ ﴾ إلى ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَوُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ﴾".(5) (1 )تفسير الشعراوي، الشعراوي (1/1214.) (2 )انظرتفسير الكريم الرحمن، السعدي (1/150.) (3 )انظرالجواىر الحسان، الثعالبي(1/253)،ظلال القرآن، سيد قطب(1/457.) (4 )الجامع لأحكام القرآن، القرطبي (4/218.) (5 )أسباب النزول، الواحدي(1/118.)

عدد الصفحات ١٠٧

الفصل الثالث المبحث الثاوي: المقااد والأهد ا لسورة آل عمران مه الآيت (139-145) 94 الثانية وىذه الآية أدلُ دليل عمى شجاعة الصديق وجراءتو فإن الشجاعة والجرأة حدىما ثبوت القمب عند حمول المصائب، ولا مصيبة أعظم من موت النبي فظيرت عنده شجاعتو و عممو(1). قال شيخ الإسلَم: "فالشجاعة المطموبة من الإمام لم تكن في أحدٍ بعد رسول ا﵀  أكمل منيا في أبي بكر".(2) فأعمم ا﵀ تعالى في ىذه الآية أن الرسل ليست بباقية في قَوميا أبداً ، وأنو يجب التمسك بما أتت بو الرسل ، وا ن فُ قِ دَ الرسول بموتٍ أو قتل. وأكرمَ  نبيو بوصفو بِاسمين مشتقين من اسمو، محمد(3) وأحمد(4)، وقد ورد اسمو  مُحمد في القرآنأربع مرات، وأحمد وردت مرة واحدة ، وىذا من المواضع التي ذكر فييا اسم النبي  صراحة، سماه بو جده عبد المطمب وقيل لو، لم سميتو محمداً وليس من أسماء آبائك؟ فقال: رجوت أن يحمده الناس. تقول العرب رجل محمود ومحمد إذا كثرت خصالو المحمودة . قال عباس بن مرداس السممي: يا خاتم النُّبآء إنك مرسل ** بالخير كل ىدى السبيل ىُ داكا إن الإلو بنى عميك محبة ** في خمقو ومحمدا سماكا(5) ولا يأتي اسمو  إلا في حالة الخبر عنو بالرسالة: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ المَّوِ ﴾ [29] ﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَمَى مُحَمَّد﴾ [2]،﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ ﴾ [40] أو ىنا﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلََّّ رَسُولٌ﴾ لكن لم يناد النبي  باسمو في القرآن قط، إنما نودي بصفتو؛ تعظيماًلو  . (1 )انظرالجامع لأحكام القرآن، القرطبي (4/218.) (2) منياج السنة النبوية، ابن تيمية( 8/62.) (3) ذكر السييمي: أنو لم يسم بو من العرب قبل ولادة رسول ا﵀ إلا ثلاثة: محمد بن سفيان، ومحمد بن أحيحة ومحمد بن حمران. انظر: الروض الأنف، السييمي(1/276.) (4) إذن فرسول ا﵀  جمع لو ا﵀ بين الأمرين؛ فيو محمد من ا﵀ وحامد ﵀؛ لأن رسول ا﵀  جمع ا﵀ لو بين مقامين: مقام الاصطفاء ومقام المجاىدة، فبالاصطفاء كان «محمداً»و«محمود»، وبالمجاىدة كان حامداً و أحمد. انظر: تفسير الشعراوي، الشعراوي (1/1213.) (5) الكامل في المغة والأدب، المبرد( 1/197.)

عدد الصفحات ١٠٨

الفصل الثالث المبحث الثاوي: المقااد والأهد ا لسورة آل عمران مه الآيت (139-145) 95 فنودي بيا أييا النبي، يا أييا الرسول، يا أييا المزمل، يا أييا المدثر، وىكذا، بخلاف غيره من إخوانو من الأنبياء فقد نودوا بأسمائيم: يا إبراىيم، يا نوح، يا موسى، يا عيسى، وىكذا، فينا خبر عنو بصفة الرسالة .(1) "وعن عائشة  أن رسول ا﵀ مات وأبو بكر بالسُّنْح(2)، فقام عمر يقول وا﵀ ما مات رسول ا﵀  قالت: وقال عمر وا﵀ ما كان يقع في نفسي إلا ذاك وليبعثنو ا﵀ فميقطعن أيدي رجال وأرجميم ، فجاء أبو بكر فكشف عن رسول ا﵀  فقبمو، قال بأبي أنت وأمي طبت حياً وميتاً والذي نفسي بيده لا يذيقك ا﵀ الموتين أبداً ، ثم خرج فقال : أييا الحالف عمى رسمك ، فمما تكمم أبو بكر جمس عمر، فحمد ا﵀ أبو بكر وأثنى عميو وقال ألا من كان يعبد محمداً  فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد ا﵀ فإن ا﵀ حيٌ لا يموت"(3) وقال﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَا ِنَّيُمْ مَيِّتُونَ﴾ [30] لقدكان موتو  فتنة حقيقية للأمة الإسلامية، لكن لا شك أن الفتنة كانت أعظم ما يكون عند أصحابو، فميس من رأى كمن سمع، وليس من عاش وخالط كمن قرأ كتاب اً ، أو سمع محاضرةً ، لا شك أن مصيبة الصحابة بفقد رسول ا﵀ كانت أعظم وأجَلّ من مصيبة أي مسمم في الحبيب . ثم قال تعالى﴿وَسَيَجْزِي المَّوُ الشَّاكِرِينَ﴾ فمن كان عممو لمدنيا فقط ، نال منيا ما قدره ا﵀ لو، ولم يكن لو في الآخرة نصيب، ومن قصد بعممو الدار الآخرة أعطاه ا﵀ منيا ، مع ما قسم لو في الدنيا، وسنعطي الشاكرين من فضمنا ورحمتنا في الدنيا والآخرة، ب حسب شكرىم لنا، وعمميم لمرضاتنا وسيجزي المّو الشاكرين نعمو الذين يثبتون عمى الإسلام؛ لأن الكلام في حق من ينتكسون أو ينقمبون عمى أعقابيم ويرتدون، والذين قاموا بطاعتو، وقاتموا عن دينو، واتّبعوا رسولو حيّاً وميّتاً ، بأن يمنحيم من فضمو ورحمتو في ال دّنيا والآخر ة بحسب شكرىم وعمميم .(4) (1 )انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي (4/218)، التحرير والتنوير، ابن عاشور (4/110)، تفسير الشعراوي، الشعراوي (1/1214.) (2) السنح بضم الميممة وسكون النون وبضميا أيضاً ، وآخره حاء ميممة، يعني بالعالية مسكن زوجتو. انظر: فتح الباري، ابن حجر( 8/145.) (3) صحيحالبخاري ، كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي لو كنت متخذا خميلاً، ح3467(3/1343.) (4 )انظرالتفسير المنير، الزحيمي (4/110.)

عدد الصفحات ١٠٩

الفصل الثالث المبحث الثاوي: المقااد والأهد ا لسورة آل عمران مه الآيت (139-145) 96 ثم أخبر تعالى أنو لا يموت أحدٌ إلا بقدر المّو، وحتى يستوفي المدة التي حددىا المّو لو، ولذا قال: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلََّّ بِإِذْنِ المَّوِ كِتَابًا مُؤَجَّلًَ ﴾[145.] أي أثبتو المّو مقروناً بأجل معين، ومؤقتاً بوقت لا يتقدم ولا يتأخر، فقد يظل الشجاع الذي تعرض لأىوال الحرب حيّاً ، ويموت الجبان الذي تخبأ في مأواه(1)، وىذا مثل قولو تعالى: ﴿وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَّ يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلََّّ فِي كِتابٍ﴾ [11]، وقولو﴿ىُوَ الَّذِي خَمَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلًَ وَأَجَلٌ مُسَمِّى عِنْدَهُ ﴾ [2]، وقولو: ﴿فَإِذا جاءَ أَجَمُيُمْ لَّ يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلَّ يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ [61]. (1) التفسير المنير، الزحيمي (4 /112.)

عدد الصفحات ١١٠

74   الدبحث الثالث الدقاصد والأهداف لسورة آل عمران من الآوة (146 - 152) وفيه ثلاثة مطالب: اطلب الأول: ثبات أتباع الأنبياء على الحق وصبرهم اطلب الثاني: عاقبة طاعة الكافرون الخسران الدبين اطلب الثالث: الوعد الإلهي بالنصر والتمكين للمؤمنين  

عدد الصفحات ١١١

الفصل الثالث المبحث الثالث: المقااد والأهد ا لسورة آل عمران مه الآيت (146-152) 98 المبحث الثالث المقاصد والأىداف لسورة آل عمران من الآية ( 146 - 152) قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَوُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَىَنُوا لِمَا أَصَابَيُمْ فِي سَبِيلِ المَّوِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَالمَّوُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ*وَمَا كَانَ قَوْلَيُمْ إِلََّّ أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَا ِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَ بِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَمَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ*فَآتَاىُمُ المَّوُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآْخِرَةِ وَالمَّوُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ* يَا أَيُّيَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَمَى أَعْقَابِكُ مْ فَتَنْقَمِبُوا خَاسِرِينَ* بَلِ المَّوُ مَوْلََّكُمْ وَىُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ*سَنُمْقِي فِي قُمُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّ عْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِالمَّوِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِوِ سُمْطَانًا وَمَأْوَاىُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ* وَلَ قَدْ صَدَقَكُمُ المَّوُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَيُمْ بِإِذْنِوِ حَتَّى إِذَا فَشِمْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَْمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَ ا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآْخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْيُمْ لِيَبْتَمِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَالمَّوُ ذُو فَضْلٍ عَمَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [146-152] تتابع الآيات في سرد أحداث تمك الموقعة الأليمة، التي انيزم فييا المسممون بعد أن كان النصر حميفيم، لسبب بسيط ىو مخالفتيم لأمر رسول ا﵀  فانتكسوا وانيزموا، ووقع فييم ما وقع من القتل، فجاءت الآيات تشد من عزيمت يم، وتخفف عنيم الأحزان والأشجان .(1) المطمب الأولثبات أتباع الأنبياء عمى الحق وصبرىم قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ (2) مَعَوُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَىَنُوا لِمَا أَصَابَيُمْ فِي سَبِيلِ المَّوِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَالمَّوُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ* وَمَا كَانَ قَوْلَيُمْ إِلََّّ أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَا ِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَمَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ*فَآتَاىُمُ المَّوُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآْخِرَةِ وَالمَّوُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [146-148 ] جاءت الآيات الكريمة؛ تسمية لممؤمنين عما كان وقع في نفوسيم يوم أُ حد، وما زال السياق في الحديث عن أحداث الغزوة، فذكر تعالى ىنا ما ىو في تمام عتابو لممؤمنين في الآيات السابقة، من عدم صبرىم وانيزاميم وتخمييم عن نبييم  في وسط المعركة . قال تعالى:﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ ﴾ أي وكم من نبي من الأنبياء السابقين، قاتل معو جموع كثيرة، وىو كلام مبتدأ سيق توبيخاً لممنيزمين، حيث لم يستنوا بسنن الربانيين المجاىدين، من (1 )انظرقبس من نور القرآن، الصابوني (1/158.) (2) قرأ نافع وابن كثير والبصريان ﴿قَاتَلَ ﴾ بضم القاف وكسر التاء من غير ألف، وقرأ الباقون ﴿قَاتَلَ ﴾ بفتح القاف والتاء وألف بينيما. انظر: النشر، ابن الجزري (2/242.)

عدد الصفحات ١١٢

الفصل الثالث المبحث الثالث: المقااد والأهد ا لسورة آل عمران مه الآيت (146-152) 99 العمماء واتقياء والصالحين، وكانوا ىداة معممين، فما وىنوا أي ما ضعفوا ولا ذلوا لعدوىم وما فروا عندما قُ تل نبييم، كما ىمّ بعضكم أن يفعل أييا المؤمنون، فصبروا عمى القتال مع أنبيائيم متحممين آلام القتل والجرح ؛ فأحبيم ربيم تعالى لذلك (1)، فإن ا﵀ يحب الصابرين عمى الإسلام، المتمسكين بو، المجاىدين أعداءه، من أجل نشره، وا علاء مبادئو. وقولو: ﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ أي: جموع كثيرة ممن آمنوا بو، واعتقدوا أنو رسول ا﵀ ، فما وىنوا، وما ضعفوا بعد قتل النبي، وما ذلوا لما أصابيم في الجياد في سبيل ا﵀، وفي سبيل إعلاء دينو، وا نما صبروا عمى قتال الأعداء، ولم ييربوا مولين الأدبار، لأنيم يعتقدون أنيم يقاتمون في سبيل ا﵀ لا في سبيل نبييم، فعميكم أييا المسممون أن تعتبروا بأولئك، وتصبروا كما صبروا فإن دين ا﵀ واحد، وسنتو في خمقو واحدة.(2) لقد نفت الآيات عن المؤمنين الصادقين أتباع الأنبياء ثلَث صفات 1- الوىن: والوَىَنُ الضَّعْف في العَمَل والأمر والعَظْم ونحوه . ورجُل واىِنٌ ضَعِيف لا بَطْشَ عنده ، ومَوْىُون في جِسْمو(3)،وفسره قتادة ىنا بالعجز، والزجاج : بالجبن أي ما وىنوا لقتل نبييم، أو لقتل من قُ تل منيم، والوىن من الأمور الخطيرة التي إذا أصيبت بيا الأُمة تضعف لذلك ذكر سبحانو لا الناىية قبل الوىن مباشر ة.(4) 2- الضعف: قال ابن فارس: "(ضعف) الضاد والعين والفاء أصلانِ متباينانِ، يدلُ أحدُىما عمى خلاف القُوَّة، ويدلُّ الآخر عمى أن يزاد الشَّيءُ مِثمَو"(5)،"والضُّعْف في الرأْي والعَقْل".(6) 3- الَّستكانة: يعني وما ذلوا فيتخشَّعوا لعدوّىم بالدخول في دينيم ومداىنتيم فيو خيفة منيم، ولكن مضوا قُدُمًاً عمى بصائرىم ومنياج نبي يم، صبر اً عمى أمر ا﵀ وأمر نبييم، وطاعة ﵀ واتباعاً لتنـزيمو ووحيو.(7 ) (1) انظر: روح المعاني، الألوسي (3/253)، أيسر التفاسير، أبو بكر الجزائري (1/210.) (2)انظر: معالم التنزيل، البغوي (2/117)، تفسير المنار، محمد رشيد رضا ( 4/230)، أيسر التفاسير، حومد(1/439.) (3)انظر: لسان العرب، ابن منظور (13/453)، المخصص، ابن سيده (1/198)، فقو المغة وسر العربية، الثعالبي(1/59.) (4) انظر: روح المعاني، الألوسي (3/255)، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي (4/230.) (5) معجم مقاييس المغة، ابن فارس (3/362.) (6) الفروق في المغة، ابو ىلال العسكري (1/330)،المخصص، ابن سيده(1/198.) (7) انظرجامع البيان، الطبري (7/269.)

عدد الصفحات ١١٣

الفصل الثالث المبحث الثالث: المقااد والأهد ا لسورة آل عمران مه الآيت (146-152) 100 وبعد أن بين ا﵀ تعالى محاسن أىل الإيمان الفعمية، يبين محاسنيم القولية، حيث يقول :﴿وَمَا كَانَ قَوْلَيُمْ إِلََّّ أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَا ِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَا مَنَا وَانْصُرْنَا عَمَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ* فَآتَاىُمُ المَّوُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآْخِرَةِ وَالمَّوُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [ عمران 147-148] فمم يكن ليم من قولٍ، ولا عمى ألسنتيم من كلامٍ في كل حال إلا ىذا الدعاء، ربنا اغفر لنا ذنوبنا وا سرافنا في أمرنا، مقدمين طمب المغفرة عمى ما ىو الأىم بالنسبة لحاليم؛ لتكون الإجابة أقرب إلييم ، لما في ذلك من الخضوع ﵀ ، والركون لجنابو سبحانو، إذ قالوا بعد ذلك داعين، وثبت أقدامنا وانصرنا عمى القوم الكافرين ، فيؤلاء المؤمنين كانوا من الصابرين عمى تحمل المكاره، والشدائد، وى ؤلاء الص ابرون ىم الذين يحبيم ا﵀ تعالى؛ لأنيم صبروا عمى آلام القتال، ومشاق الطاعات والتكاليف التي كمفيم ا﵀ بيا، إضافة إلى ذلك فإنيم كانوا يتوجيون بالدعاء إلى ا﵀ تعالى دائماً، وخاصة في مواطن القتال بأن يييئ ليم أموراً ثلَثة.(1) الأول أن يغفر ليم سبحانو ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَيُمْ إِلََّّ أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ فما كان ليم من قولٍ في تمك الحال التي اعتصموا فييا بالصبر والثبات، وعزة النفس، وشدة البأس إلا ذلك القول المنبئ عن قوة إيمانيم، وصدق إرادتيم ، وىو الدعاء بأن يغفر ا﵀ ليم بجيادىم.(2) الثاني أن يثبت أقداميم في المعركة، عند جياد أعدا ئيم بتقوية قموب يم، وا مدادىم بالمدد الروحاني من عنده .(3) الثالث أن ينصرىم عمى القوم الكافرين. (4) ثم إنيم لم يتكموا عمى ما بذلوا جيدىم بو من الصبر، بل اعتمدوا عمى ا﵀ تعالى، وسألوه أن يثبت أقداميم عند ملاقاة الأعداء الكافرين، وأن ينصرىم عمييم، فجمعوا بين الصبر وترك ضده، والتوبة والاستغفار، والاستنصار بربيم، لا جرم أن ا﵀ نصرىم، وجعل ليم العاقبة في الدنيا والآخرة. (5) وجاء ترتيب ىذه الأوصاف ف ي نياية الدقة بحسب حصوليا في الخارج، فإن الوىن الذى ىو خور في العزيمة إذا تمكن من النفس أنتج الضعف الذى ىو لون من الاستسلام والفشل، فيم بعد أن سألوا ا﵀، مغفرة ذنوبيم وتثبيت أقداميم ف ي أرض المعركة ؛ حتى لا يتزلزلوا فينيزموا ، والنصرة عمى القوم الكافرين أعداء ا﵀ وأعدائيم ، فاستجاب ليم ربيم فأعطاىم ما سألوا ، وىو ثواب (1 )انظرالتفسير المنيجي، فضل عباس(1/150.) (2 )انظرالمنار، محمد رشيد رضا (4/142.) (3 )انظرروح المعاني، الألوسي (3/257.) (4) انظرجامع البيان، الطبري (7/273.) (5 )انظرتيسير الكريم الرحمن، السعدي (1/151.)

عدد الصفحات ١١٤