المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الدراسة التحليلية لمقاصد وأهداف الحزب السابع من القرآن الكريم من سورة آل عمران من الآية 93

إبراهيم داود سلام درغام

صفحة ٦ من ١٢

الفصل الثاوي المبحث الثالث: المقاصد والأهداف لسورة آل عمران مه الآيت (151-115) 44 ﴿وَمَا فِي الأَرْضِ ﴾ كذلك مِمكًا ومُمكًا فيو يفعل في مِمكو ومُمكو ما يشاء، وفي التعبير بـ "ما" أيضاً إشارة إلى أن الكفرة الذين السياق ليم في عداد ما لّ يعقل." (1) المطمب الثانيالتعامل بالربا سبب اليلك واجتنابو سبب الفلح قال تعالى: ﴿يَا أَيُّيَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُمُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ المَّوَ لَعَمَّكُمْ تُفْمِحُونَ ﴾ [130]،بعد أن حذر المولى عباده المؤمنين من أخطر قضيتين يمكن أن يتساىموا فييما وىما: طاعة أىل الكتاب، واتخاذ بطانة من غير المؤمنين ، "حذر ىنا المسممين من فحش صفة لّزمة لمييود والمشركين وىي الربا " (2)، والربا مِن أقدم عصوره وليد الييود، فيم أُمَّة الإفك والبيتان، والإثم والعدوان، وأكل السُّحت، فقد شجَّع بعضُيم بعضاً عمى أكل الرِّبا، قال تعالى: ﴿ فَبِظُمْمٍ مِنَ الَّذِينَ ىَادُوا حَرَّمْنَا عَمَيْيِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِمَّتْ لَيُمْ وَبِصَدِّىِمْ عَنْ سَبِيلِ المَّوِ كَثِيرًا* وَأَخْذِىِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُيُوا عَنْوُ وَأَكْمِيِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَ ا لِمْكَافِرِينَ مِنْيُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [160-161] وقد فشا في الجاىمية الأولى؛ بسبب مُجاوَرة الييود، كما تفشَّى في الجاىميات العصرية الآن، بسبب سيطرة الييود عمى البنوك والّقتصاد العالمي. إن الربا من أكبر الكبائر التي حذر ا﵀ منيا في كتابو، وحذر منيا رسول ا﵀  في سنتو، قال رسول  في بيان شناعة الربا فيما ورد عَنْ أَبِي ىُرَيْرَةَ  :(اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ، قَالُوالا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْ صَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلتِ ).(3) إن ما يجري في العالم، من حروب أىمية، و زلّزل ، و قتل؛ ىو سبب لتفشي جريمتي الربا والزنا، ىكذا يقول :)مَا ظَيَرَ فِي قَوْمٍ الرِّبَا وَالزِّنَا إِلا أَحَمُّوا بِأَنْفُسِيِمْ عِقَابَ المَّوِ )(4) أما في الآخرة فقال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَأْكُمُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُوُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّيُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ المَّوُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَ نْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّوِ فَانْتَيَى فَمَوُ مَا سَمَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى المَّوِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ىُمْ فِييَا خَالِدُونَ ﴾275] (1) نظم الدرر، البقاعي(2/112.) (2) التفسير المنير، الزحيمي (3/84.) (3) صحيح البخاري ، كتاب الوصايا، باب، قول ا﵀ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُمُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُمْمًا إِنَّمَا يَأْكُمُونَ فِي بُطُونِيِمْ نَارًا وَسَيَصْمَوْنَ سَعِيرًا ،ح2615(3/1017.) (4) مسند الإمام أحمد ابن حنبل، ح 3809(1/402)، قال الشيخ الألباني: حسن، انظر: صحيح الجامع(2/985.)

عدد الصفحات ٨٣

الفصل الثاوي المبحث الثالث: المقاصد والأهداف لسورة آل عمران مه الآيت (151-115) 45 فذكر تعالى مثميم عند القيام من قبورىم وىم يقومون، ويقعدون، ويغفون ويُصرعون في الّضطراب والقمق وتعذيب الضمير والوجدان والّنيماك في الأعمال والدّنيا، كمثل حال من يصرع في الدنيا بمس الجنون، وىم في الآخرة -من وقت قياميم من قبورىم إلى البعث والنشو ر- أشدّ تخبّطاً واضطراباً وتثاقلاً في حركاتيم، بسبب ثقل المال الحرام الذي أكموه من الرّ با، إنو يبعث كالمجنون؛ عقوبة لو.(1) وحكمة تحريم الرّبا ىي قصد الشَّريعة حملَ الأمَّة عمى مواساة غنيِّيا محتاجَيا ، احْتياجاً عارضاً موقّتاً بالقرض، فيو مرتبة دون الصدقة، وىو ضرب من المواساة، ويمكن أن يكون مقصد الشريعة من تحريم الرّبا؛ البعد بالمسممين عن الكسل في استثمار المال، وا لجاؤىم إلى التشارك والتعاون في شؤون الدنيا ، فيكون تحريم الرّبا ولو كان قميلاً، مع تجويز الربح من التِّجارة والشركات، ولو كان كثيراً ؛ تحقيقاً ليذا المقصد.(2) يقول: ﴿ يَا أَيُّيَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُمُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ المّوَ لَعَمَّكُمْ تُفْمِحُونَ﴾[130] وفي الآيةنداء من ا﵀ تعالى لممؤمنين بأن يجتنبوا أكل الربا ؛ لأنو سبب الخراب واليزيمة، وعقبة من عقبات الثبات، وخاطب ا﵀ المؤمنين، لأن الإيمان يستدعي إتيان أوامره واجتناب نواىيو . والحكمة من إدراج وا دخال آية تحريم الربا في قصة الغزوات(3) أنو قد تقدم أن ا﵀ تعالى وعد عباده المؤمنين، أنيم إذا صبروا واتقوا نصرىم عمى أعدائيم، وخذل الأعداء عنيم، كما في قولو تعالى:﴿ وَا ِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُىُمْ شَيْئًا ﴾، ثم قال: ﴿بَمَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِىِمْ ىَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ ﴾، وأن عدم تقوى ا﵀ يجعل الدنيا تسكن قمب العبد، حينئذ يصبح مستعداً لبيع دينو، وارتكاب كل المحرمات، من أجل الحفاظ عمييا، لذا أكد ا﵀  عمى أن تقواه ىو سبب الفلاح في الدنيا بالنصر والتمكين، وفي الآخرة بالفوز بالجنة (1)انظر: فتح القدير، الشوكاني(1/401)، أيسر التفاسير، الجزائري (3/86) التفسير المنير، الزحيمي (1/140.) (2 )انظرالتحرير والتنوير، ابن عاشور (3/215.) (3) وضع ىذهالآيات الواردة في الترىيب والترغيب والإنذار والتبشير ، في سياق الآيات الواردة في قصة أُ حد، ىو من سنة القرآن في مزج فنون الكلام ، وضروب الحكم والأحكام بعضيا ببعض. انظر: تفسير المنار، محمد رضا (4/100.)

عدد الصفحات ٨٤

الفصل الثاوي المبحث الثالث: المقاصد والأهداف لسورة آل عمران مه الآيت (151-115) 45 فكأن النفوس اشتاقت إلى معرفة خصال التقوى، التي يحصل بيا النصر والفلاح والسعادة، فذكر ا﵀ في ىذه الآيات أىم خصال التقوى ، التي إذا قام العبد بيا فقيامو بغيرىا من باب أولى و أحرى (1). "فالنيي عن أكل الربا في سياق التعقيب عمى المعركة الحربية أمر يبدو إذن مفيو ماً في ىذا المنيج الشامل البصير، والتعقيب عمى ىذا النيي بالأمر بتقوى ا﵀ رجاء الفلاح واتقاء النار التي أعدت لمكافرين ، إنو لّ يأكل الربا إنسان يتقي ا﵀ ويخاف النار التي أعدت لمكافرين، ولّ يأكل الربا إنسان يؤمن با﵀، ويعزل نفسو من صفوف الكافرين، والإيمان ليس كممة تقال بالمسان ، إنما ىو اتباع لممنيج الذي جعمو ا﵀ ترجمة عممية واقعية ليذا الإيمان ، وجعل الإيمان مقدمة لتحقيقو في الحياة الواقعية وتكييف حياة المجتمع وفق مقتضياتو".(2) المطمب الثالث سبب الرحمة الإليية بعد أن توعدَ ا﵀  الفاسقين والعصاه بالنار وحذرىم منيا ، عند المخالفة لأوامره ، وارتكاب نواىيو فقال تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِمْكَافِرِينَ وَأَطِيعُواْ المّوَ وَالرَّسُولَ لَعَمَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾[130-131] يدعو ا﵀ تعالى عباده إلى أن يجعموا بينيم و بين النار حجاباً، وذلك بطاعتو وطاعة رسولو ، واجتناب ما حرم ا﵀ تعالى لنيل رحمتو ، ﴿ وَاتَّقُواْ النَّارَ ﴾ أي: احترزوا عن متابعة المرابين وتعاطي ما يتعاطونو من أكل الربا المفضي إلى دخول النار أن تصموْىا بأكمكم الربا.(3) وكان أبو حنيفة-رحمو ا﵀- يقول: "ىي أخوف آية في القرآن، حيث أوعد ا﵀ المؤمنين بالنار المعدة لمكافرين ، إن لم يتقوه في اجتناب محارمو، فَ خوَّ ف آكل الربا من المؤمنين بالنار التي أعدت لمكافرين (4)، ومن تأمل ىذه الآيات وأمثاليا لم يحدث نفسو بالأطماع الفارغة، والتمني عمى ا﵀ تعالى. (5) قولو7﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِمْكَافِرِينَ ﴾ ترشد الآية إلى تجنب ما يفعمو الكفار في معاملاتيم، والتحذير والتنفير من النَّار وما يوقع فييا، بأنَّيا معدودة لمكافرين وا عدادىا لمكافرين عَدلٌ من ا﵀ تعالى وحكمة؛ لأنّ ترتُّ ب الأشياء عمى أمثاليا من أكبر مظاىر الحكمة، ومَن (1) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، السعدي (1/147.) (2) في ظلال القرآن، سيد قطب (1/445.) (3 )انظرجامع البيان، الطبري( 7/206)،روح المعاني، الألوسي (3/215.) (4 )انظر: غرائب القرآن ، النيسابوري( 2/257)، الموسوعة القرآنية ، الأبياري( 9/258.) (5) انظر: الكشاف، الزمخشري (1/323) البحر المحيط، أبو حيان(3/385)، مدارك التنزيل، النسفي (1/182.)

عدد الصفحات ٨٥

الفصل الثاوي المبحث الثالث: المقاصد والأهداف لسورة آل عمران مه الآيت (151-115) 44 أشركوا با﵀ مخموقاتو، فقد استحقّوا الحرمان من رحماتو، والمسممون لّ يرضَون بمشاركة الكافرين، لأنّ الإسلام الح قّ يوجب كراىية ما ينشأ عن الكفر، وذاك تعريض واضح في الوعيد عمى أخذ الربا .(1) وقولو تعالى﴿ وَأَطِيعُوا المَّوَ وَالرَّسُولَ﴾ يعني في تحريم الربا ، وقولو :﴿لَعَمَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ يعني لكي تُ رحموا فلا تُ عذبون، وقد قيل إن ذلك معاتبة من ا﵀  أصحابَ رسول ا﵀  الذين خالفوا أمرَه يوم أُ حد، فأخمُّوا بمراكزىم التي أمروا بالثبات عمييا، وعقّب الوعيدَ بالوعد ترىيباً عن المخالفة وترغيباً في الطاعة، وا يرادُ ﴿لَعَلَّ ﴾ في الموضعين للإشعار بعزة منالِ الفلاحِ والرحمة .(2) "فمن ىداية الآية، وجوب طاعة ا﵀ ورسولو ؛ لمحصول عمى الرحمة الإِليية، وىي العفو والمغفرة ودخول الجنة" .(3) "والطاعة ىي موافقةالأمر الجاري عند المأمور ، مع مراد الأمر ، قال رسول ا﵀  :)من أطاعني فقد أطاع ا﵀ ومن عصاني فقد عصى ا﵀(.(4) قال محمد بن إسحاق : "إن ىذه الآية من قولو تعالى : ﴿ وَأَطِيعُوا المَّوَ ﴾ ىي ابتداء المعاتبة في أمر أُ حد، وانيزام من ف ر، وزوال الرماة عن مراكزىم ".(6) (1) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور (3/215) وفتح القدير، الشوكاني( 2/24.) (2) انظر: إرشاد العقل السميم، أبو السعود (1/455)، أنوار التنزيل، البيضاوي (1/387.) (3) أيسر التفاسير، أبو بكر الجزائري (1/203.) (4 )صحيح البخاري، كتاب الجياد والسير، باب يقاتل من وراء الإمام ويتقي بو، ح 2957(4/50.) (5) محمد بن إسحاق ( ؟ - 124 ويقال بعدىا) ىو محمد بن إسحاق بن يسار ، أبو بكر المطمبي المدني ، تابعي، رأ ى أنس بن مالك ، قال ابن حجر : "ىو أحد الأئمة الأعلام". روى عن سعيد بن أبي ىند والمقبري وعطاء ونافع وطبقتيم. كان أحد أوعية العمم، حبرًا في معرفة المغازي والسير. قال ابن حجر العسقلاني في شأنو: إمام المغازي، صدوق يدلس، ورمي بالتشيع والقدر ، من تصانيفو: "السيرة النبوية " المشيورة بسيرة ابن إسحاق ، التي ىذبيا ابن ىشام. انظر: الأعلام، الزركم ي(6/28)، تذكرة الحفاظ، الذىبي (1/130) وميزان الّعتدال، الذىبي (6/56.) (6 )المحرر الوجيز، ابن عطية(2/3.)

عدد الصفحات ٨٦

73   الفصل الثالث الدراسة التحليلية لدقاصد وأهداف سورة آل عمران من الآوة(133-152) ويشتمل على ثلاثة مباحث الدبحث الأول الدقاصد والأهداف لسورة آل عمران من الآوة (133-138) الدبحث الثاني الدقاصد والأهداف لسورة آل عمران من الآوة (139- 145) الدبحث الثالث الدقاصد والأهداف لسورة آل عمران من الآوة (146 - 152)  

عدد الصفحات ٨٧

47   الدبحث الأول الدقاصد والأهداف لسورة آل عمران من الآوة (133- 138) وفيه ثلاثة مطالب: اطلب الأول: الأمر بالدسارعة والدنافسة في الخيرات اطلب الثاني: صفات الدؤمنين اطلب الثالث: الاعتبار بمصائر الأُ مم السابقة  

عدد الصفحات ٨٨

الفصل الثالث المبحث الأول: المقااد والأهد ا لسورة آل عمران مه الآيت (133-138) 75 المبحث الأول المقاصد والأىداف لسورة آل عمران من الآية ( 133- 138) قال: ﴿وَسَارِعُوٓا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُيَا ٱلسَّمَـٰوَتُ وَٱلأَْرْضُ أُعِدَّتْ لِمْمُتَّقِينَ*ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى ٱلسَّرَّاءِ وَٱلضَّرَّاءِ وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱل مَّوُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ *وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَمُوا فَـٰحِشَةً أَوْ ظَمَمُوا أَنفُسَيُمْ ذَكَرُوا ٱلمَّوَ فَٱسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِيِمْ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلََّّ ٱلمَّوُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَمَىٰ مَا فَعَمُوا وَىُمْ يَعْمَمُونَ*أُولَـٰٓئِكَ جَزَاؤُىُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّ بِّ يِمْ وَجَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِيَا ٱلأَْنْيَـٰرُ خَـٰمِدِينَ فِييَا وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِمِين ﴾[133-138] بعد النيي عن أكل الربا، والتحذير من النار، التي أُ عدت لمكافرين، والدعوة إلى التقوى، رجاء الرحمة والفلاح، أمرىم  بالمسارعة إلى مغفرتو وا دراك جنتو التي أعدىا ا﵀ لممتقين، فيم أىميا وأعمال التقوى ىي الموصمة إلييا، ثم وصف المتقين وأعماليم. المطمب الأول: الأمر بالمسارعة والمنافسة في الخيرات قال : ﴿وَسَارِعُوٓا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُيَا ٱلسَّمَـٰوَتُ وَٱلأَْرْضُ أُعِدَّتْ لِمْمُتَّقِينَ ﴾ [ عمران 133]. يأمر ا﵀  المؤمنينبالمسارعة إلى مغفرتو وا دراك جنتو التي عرضيا السماوات والأرض ، والقرآن الكريم يحرص عمى حث المسمم دائماً عمى العمل الصالح، الذي يوصمو الى مغفرة ا﵀ تعالى ويدخمو في رحمتو، وقد جاءت الآيات ىنا لتحثيم عمى ذلك، فيو سبحانو يقول ليم: بادروا إلى العمل الذي يوصمكم إلى مغفرة ا﵀ تعالى، ويدخمكم جناتو الواسعة التي أعدىا ا﵀ لممتقين؛ الذين صانوا أنفسيم عن محارم ا﵀، وجعموا بينيم وبينيا ستراً .(1) في الآية مسألتان الأولى: قولو :﴿وَسَارِعُوٓا﴾(2)، قال أبو جعفر الطبري : "يعني تعالى ذكره بقولو: ﴿وَسَارِعُوٓا﴾ بادروا وسابقوا يعني: إلى ما يستر عميكم ذنوبكم من رحمتو، وما يغطييا عميكم من عفوه عن عقوبتكم عمييا".(3) (1 )انظرالتفسير المنيجي، فضل عباس(1/138.) (2) قرأ المدنيان وابن عامر ﴿وَسَارِعُوٓا﴾ (بغير واو) قبل السين، وقرأ باقي السبعة ﴿وَسَارِعُوٓا﴾( بالواو). انظر: النشر، ابن الجزري (2/242.) (3) جامع البيان، الطبري (7/207.)

عدد الصفحات ٨٩

الفصل الثالث المبحث الأول: المقااد والأهد ا لسورة آل عمران مه الآيت (133-138) 76 وتقديم المغفرة عمى الجنة في قولو تعالى ﴿مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ ﴾ لما أن التخمية مقدمة عمى التحمية، وقيل: لأنيا كالسبب لدخول الجنة.(1) قال ابن عثيمين: "من أطاعو دخل الجنة، وىذا حق مستفاد من قولو تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾.(2) "والسرعة مقابميا العجمة، والسرعة ىي التقدم فيما ينبغي، ومعنى أن تتقدم فيما ينبغي، أنك تجعل الحدث يأخذ زمناً أقل، وىي محمودة، وضدىا الإبطاء، فالسرعة محمودة، والإبطاء مذموم ، لكن العجمة تقدم فيما لا ينبغي، وىي مذمومة، مقابميا التأني، والتأني ممدوح، وا ن الحق حين يقول: ﴿وَسَارِعُوٓا إِلَىٰ﴾ أي: خذوا المغفرة وخذوا الجنة بسرعة، لأنك لا تعرف كم ستبقى في الدنيا، إياك أن تؤجل عملاً من أعمال الدين، أو عملاً من أعمال الخير؛ لأنك لا تعرف أتبقى لو أم لا، فانتيز فرصة حياتك وخذ المغفرة وخذ الجنة" .(3) وفي الجنة من أنواع النعيم ، كما أخبر النبي  يقول ا﵀ تعالى(أعددت لعبادي الصالحين ما لَّ عين رأت ، ولَّ أذن سمعت ، ولَّ خطر عمى قمب بشر ) قال أبو ىريرة  :اقرءوا إن شئتم ﴿فَلََ تَعْمَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَيُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَمُونَ﴾ [17]. (4) وأعظم نعيم الجنة رؤية أىميا لربيم  عياناً بأبصارىم (5) كما قال تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ*إِلَى رَبِّيَا نَاظِرَةٌ ﴾ [22- 23]. المسالةالثانية: قولو تعالى: ﴿عَرْضُيَا ٱلسَّمَـٰوَتُ وَٱلأَْرْضُ﴾ تقديره (كعرض) فحذف المضاف ، كقولو: ﴿مَا خَمْقُكُمْ وَلََّ بَعْثُكُمْ إِلََّّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ ا﵀َ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [28 ] أي: إلا كخمق نفس واحدة وبعثيا إن معنى قولو: ﴿عَرْضُيَا ٱلسَّمَـٰوَتُ وَٱلأَْرْضُ ﴾ تنبيياً عمى اتساع طوليا، كما قال في صفة فرش الجن ﴿بَطَائِنُيَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ﴾ [54] أي: فما ظنك بالظيائر.(6) (1 )انظرروح المعاني، الألوسي (3/215.) (2) شرح ثلاثة الأصول، محمد بن العثيمين (1/16.) (3) تفسير الشعراوي، الشعراوي (1/1185.) (4) صحيح البخاري ، كتاب، باب قولو : ﴿فَلََ تَعْمَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَيُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَمُونَ﴾ ، ح 4406 (14/456) . (5 )انظررسالة في أسس العقيدة، محمد بن عودة السعوي (1/1114 وما بعدىا). (6 )انظرتفسير القرآن العظيم، ابن كثير (2/117.)

عدد الصفحات ٩٠

الفصل الثالث المبحث الأول: المقااد والأهد ا لسورة آل عمران مه الآيت (133-138) 77 وىذه الآية كقولو تعالى﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُيَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِمَّذِينَ آَمَنُوا بِا﵀ِ وَرُسُمِوِ ذَلِكَ فَضْلُ ا﵀ِ يُؤْتِيوِ مَنْ يَشَاءُ وَا﵀ُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [21] والمراد وصفيا بالسعة والبسطة (1) فقولو :﴿وَسَارِعُوٓا﴾ و﴿سَابِقُوا﴾ فيو الأمر بالمسارعة والمسابقة إلى مغفرتو وجنتو جل وعلا وذلك بالمبادرة والمسابقة إلى امتثال أوامره .(2) عن أنس بن مالك قال لما دنا المشركون قال النبي  :(قوموا إلى جنة عرضيا السموات والأرض( قال: يقول عمير بن الحمام الأنصاري يا رسول ا﵀ جنة عرضيا السموات والأرض قال: نعم قال: بخ بخ ، فقال رسول ا﵀  :)ما يحممك عمى قولك بخ بخ قال: لَّ وا﵀ يا رسول ا﵀ إ رجاء أن أكون من أىميا قال: فإنك من أىميا، فأخرج تمرات من قرنو فجعل يأكل منين ثم قال: لئن أنا حييت حتى أكل تمراتي ىذه إنيا إذاً لحياةٌ طويمةٌ قال: فرمى بما كان معو من التمر ثم قاتميم حتى قتل).(3) قولو تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِمْمُتَّقِينَ﴾ "يدل عمى أن تقوى ا﵀ ىو السبب الذي بو تنال الجنة".(4) المطمب الثاني: صفات المؤمنين قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى ٱلسَّرَّاءِ وَٱلضَّرَّاءِ وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱلمَّوُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ*وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَمُوا فَـٰحِشَةً أَوْ ظَمَمُوا أَنفُسَيُمْ ذَكَرُوا ٱلمَّوَ فَٱسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِيِمْ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلََّّ ٱلمَّوُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَمَىٰ مَا فَعَمُوا وَىُمْ يَعْمَمُونَ*أُولَـٰٓئِكَ جَزَاؤُىُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّيِمْ وَجَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِيَا ٱلأَْنْيَـٰرُ خَـٰمِدِينَ فِييَا وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِمِين﴾ [134-136] يخبر ا﵀ في ىذه الآيات الكريمة عن بعض صفات عباده المؤمنين المتقينومنيا: 1- الإنفاق في السراء والضراء ينفقون الأموال والجيد في طاعة ا﵀، في جميع الأحوال "وىم ثابتون عمى البذل، ماضون عمى النيج، لا تغيرىم السراء ولا تغيرىم الضراء ، السراء لا تبطرىم فتميييم، والضراء لا تضجرىم فتنسييم ، إنما ىو الشعور بالواجب في كل حال، والتحرر من الشح والحرص ، ومراقبة ا﵀ وتقواه وما يدفع النفس الشحيحة بطبعيا المحبة لممال بفطرتيا ، ما يدفع النفس إلى الإنفاق في كل حال إلا دافع أقوى من شيو ة المال وربقة الحرص وثقمة الشح دافع (1) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير (3/109)، معالم التنزيل، البغوي (2/104)، الكشاف، الزمخشري، (1/324.) (2 )انظرمشكاة المصابيح، التبريزي (8/815.) (3) صحيح مسمم، كتاب الجياد، باب، ثبوت الجنة لمشييد، ح 3520(9/500.) (4) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، الشنقيطي (17 /94.)

عدد الصفحات ٩١

الفصل الثالث المبحث الأول: المقااد والأهد ا لسورة آل عمران مه الآيت (133-138) 78 التقوى ، ذلك الشعور المطيف العميق الذي تشف بو الروح و تخمص وتنطمق من القيود والأغلال".(1) وقد قال رسول ا﵀ :(اليد العميا خير من اليد السفمى).(2) 2- كظم الغيظ وامتلاك أنفسيم عنده، وعدم التصرف عند الغضب بما يؤدي إليو ، ولا يعممون أحداً بو، احتساباً ﵀ تعالى "والإسلام لا يريد من المؤمن أن يُ صب في قالب من حديد لا عواطف لو، بل يريد لممؤمن أن ينفعل للأحداث أيضاً، لكن الانفعال المناسب لمحدث، الانفعال السامي، الانفعال المثمر، ولا يأتي بالانفعال المدمر. لذلك يقول الحق: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ ا﵀ِ وَالَّذِينَ مَعَوُ أَشِدَّاءُ عَمَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَيُمْ ﴾[29 ]فالمؤمن ليس مطبوعاً عمى الشدة، ولا عمى الرحمة، ولكن الموقف ىو الذي يصنع عواطف الإنسان، فالحق سبحانو يقول: ﴿أَذِلَّةٍ عَمَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَمَى الكَافِرِينَ يُجَاىِدُونَ فِي سَبِيلِ ا﵀ِ وَلََّ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لََّئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ ا﵀ِ يُؤْتِيوِ مَنْ يَشَاءُ وَا﵀ُ وَاسِعٌ عَمِيمٌ ﴾[54] وىل ىناك من ىو ذليل عزيز م عاً؟ نقول: المنيج الإيماني يجعل المؤمن ىكذا، ذلة عمى أخيو المؤمن وعزة عمى الكافر".(3) 3- العفو عن الناس: فلا يؤاخذون أحداً بذنب جناه عمييم، بل يعفون ويسامحون، ويدخل في العفو عن الناس، العفو عن كل من أساء إليك بقول أو فعل، والعفو أبمغ من الكظم، لأن العفو ترك المؤاخذة مع السماحة عن المسيء، وىذا إنما يكون ممن تحمى بالأخلاق الجميمة، وتخمى عن الأخلاق الرذيمة، وممن تاجر مع ا﵀، وعفا عن عباد ا﵀ رحمةً بيم، وا حساناً إلييم، وكراىةً لحصول الشر عمييم، وليعفو ا﵀ عنو، ويكون أجره عمى ربو الكريم، لا عمى العبد الفقير، كما قال  :﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْمَحَ فَأَجْرُهُ عَمَى ا﵀ِ إِنَّوُ لََّ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [40] (4)فوصفا﵀  المتقين بمعاممة الخمق بالإحسّان إلييم بالإنفاق،وكظمِ الغيظ، والعفو عنيم، فجمع بين وصفيم ببذل النَّدى، واحتمال الأذى، وىذا ىو غايةُ حسن الخمق(5) 4- الَّستغفار لمذنوب: وذِ كرُ ا﵀ عند الذنب، والخوف من عقابو؛ بما يبعث عمى التوبة، والإقلاع عن المعصية، والندم عمى اقترافيا ، قال تعالى: ﴿وَمَن يَغْفِرُ الذنوب إِلََّّ ا﵀﴾[آل عمران : 135] "وىذا وصف لذاتو بسعة الرحمة وقرب المغفرة، وا نّ التائب من الذنب عنده كمن لا ذنب لو، وأنو لا مفزع لممذنبين إلا فضمو وكرمو ، وأنّ عدلو يوجب المغفرة لمتائب، لأن العبد إذا جاء في الاعتذار (1) في ظلال القرآن، سيد قطب (1/446.) (2) صحيح البخاري ، كتاب الزكاة، باب الاستعفاف عن المسألة، ح1472(1/440.) (3) تفسير الشعراوي، الشعراوي (1/1188.) (4 )انظرتيسير الكريم الرحمن، السعدي (1/148.) (5 )انظرجامع العموم والحكم، ابن رجب البغدادي( 19/23.)

عدد الصفحات ٩٢

الفصل الثالث المبحث الأول: المقااد والأهد ا لسورة آل عمران مه الآيت (133-138) 79 والتنصل بأقصى ما يقدر عميو وجب العفو والتجاوزوفيو تطييب لنفوس العباد، وتنشيط لمتوبة، وبعث عمييا وردع عن اليأس والقنوط وأن الذنوب وا ن جمت فإن عفوه أجل وكرمو أعظم"(1 ) والفاء في قولو ﴿فَٱسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِيِمْ﴾ لمدَلالة عمى أن ذكرَه ت عالى مستتبعٌ للاستغفار لا محالة(2) والإحسان إلى المسيء، حيث إنو يحب صاحب ىذه الصفة، وكفى بذلك مكسباً . 5- عدم الإصرار عمى الفاحشة : لم يثبتوا عمى ما أتوا من الذنوب، ولم يقيموا عمى ذنوبيم غير مستغفرين. ﴿وَىُمْ يَعْمَمُونَ﴾ حال من (يصروا) أي ولم يصروا عمى قبيح فعميم عالمين بو(3) "وفي ىذهالآيات بيان قاطع أن الذين آمنوا عمى ثلاث طبقات: متقون، وتائبون، ومصرّون، وأن الجنة لممتقين والتائبين منيم دون المصر ين، ومن خالف في ذلك فقد كابر عقمو وعاند ربو" .(4) فالميم أن لا يكون ىناك إصرار واستمرار عمى ارتكاب الفاحشة ، أو الوقوع في المعصية ، أو استيانة بعقابيا، وأن يكون لدييم العمم بأنو لا يغفر الذنب إلا ا﵀ ، ليذا قال تعالى: ﴿أُولَـٰٓئِكَ جَزَاؤُىُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّيِمْ وَجَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِيَا ٱلأَْنْيَـٰرُ خَـٰمِدِينَ فِييَا وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْ عَـٰمِمِين﴾[آل عمران : 136]. والمعنى أن المطموب أمران، الأول: الأمن من العقاب واليو الإ شارة بقولو: ﴿مَّغْفِرَةٌ مّن رَّبّيِمْ ﴾ والثاني: إيصال الثواب اليو وىو المراد بقولو: ﴿ وَجَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِيَا ٱلأَْنْيَـٰرُ خَـٰمِدِينَ فِييَا﴾ ثم بين  أن الذي يحصل ليم من ذلك وىو الغفران والجنات يكون أجراً لعمميم وجزاءً عميو بقولو: ﴿ وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِمِين ﴾(5) وأولئك المتقون المتصفون بتمك الصفات، ليم مغفرة من ا﵀ تعالى، وليم ثواب عظيم عند ربيم، وليم جنات تجري من تحتيا الأنيار، وا ن ىذا الجزاء إنما ىو عمى تمك الأعمال التي منيا ما ىو نافع للأمة كإنفاق المال، ومنيا ما ىو إصلاح لنفس الإنسان، وذكرت ىذه الصفات في سياق غزوة أُ حد التي كانت فييا دروس كثيرة لممسممين، فذكر سبحانو الإنفاق في السراء وال ضراء، وذلك لحاجة المجاىدين إليو.(6) إنىذه التوجييات والإرشادات الشاممة ليست بمعزل عن المعركة ، فالنفس لا تنتصر في (1) الكشاف، الزمخشري (1/324.) (2 )انظرإرشاد العقل السميم، أبو السعود (1/457.) (3 )انظرأنوار التنزيل، البيضاوي (1/390.) (4) البحر المحيط، أبو حيان(3/392.) (5 )انظرمفاتيح الغيب، الرازي (4/391.) (6 )انظرالتفسير المنيجي، فضل عباس(2/140.)

عدد الصفحات ٩٣

الفصل الثالث المبحث الأول: المقااد والأهد ا لسورة آل عمران مه الآيت (133-138) 80 المعركة الحربية إلا حين تنتصر في المعارك الشعورية والأخلاقية والنظامية، والذين تولوا يوم التقى الجمعان في غزوة أُ حد إنما استزليم الشيطان ببعض ما كسبوا من الذنوب ، والذين انتصروا في معارك العقيدة وراء أنبيائيم ىم الذين بدأوا المعركة بالاستغفار من الذنوب، والالتجاء إلى ا﵀، والالتصاق برك نو الركين ، والتطير من الذنوب، والالتصاق با﵀، والرجوع إلى كنفو من عدة النصر، وليست بمعزل عن الميدان! وكظم الغيظ والعفو عن الناس من عدة النصر . (1) المطمب الثالث: الَّعتبار بمصائر الأمم السابقة قال تعالى: ﴿قَدْ خَمَتْ مِنْ قَبْمِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَْرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ* ىَذَا بَيَانٌ لِمنَّاسِ وَىُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِمْمُتَّقِينَ﴾ [137-138]. الآيات الكريمة كانت تحدثنا عن غزوة أُ حد، وغزوة بدر، ثم انعطف الحديث في ثنايا الحديث عن الجياد، إلى موضوعات أخرى، مثل النيي عن أكل الربا ، والتخويف من النار، والترغيب في الجنة والتحمي بصفات أىميا، ثم يعود الكلام إلى موضوع الجياد مرة أخرى ، وذلك حتى لا ييأس المؤمنون من روح ا﵀، وجاءت الآيات الكريمة أيضاً تسمييم وتواسييم وتداوي جراحيم بذلك البمسم الشافي، بمسم الصبر والإيمان.(2) ينبغي أن نعمم أن ا﵀ تعالى لما وعد عمى الطاعة والتوبة من المعصية، الغفران والجنات، أتبعو بذكر ما يحمميم عمى فعل الطاعة وعمى التوبة من المعصية، وىو تأمل أحوال القرون الخالية من المطيعين والعاصين (3) فقال﴿ قَدْ خَمَتْ مِن قَبْمِكُمْ سُنَنٌ﴾ (4) [آل عمران 137]. وىذا رجوع إلى وصف باقي القصة، وفي ىذه الآيات الكريمات، وما بعدىا في قصة أُ حد يخبر تعالى عباده المؤمنين أنو مضى قبميم أجيال وأمم كثيرة، امتحنوا، وابتمي المؤمنون منيم بقتال الكافرين، فمم يزالوا في مداولة ومجاولة ، ثم جعل ا﵀ العاقبة لممتقين، والنصر لعباده المؤمنين، وآخر الأمر حصمت الدُّ ولة عمى المكذبين، وخذليم ا﵀ بنصر رسمو وأتباعيم. (5) (1 )انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، 1/459. (2 )انظرقبس من نور القرآن، الصابوني (1/157.) (3 )انظرمفاتيح الغيب، الرازي (4/392.) (4 )السنن: جمع سنة، وىي الطريق المستقيم، وقال مجاىد: : ﴿قَدْ خَمَتْ مِن قَبْمِكُمْ سُنَنٌ﴾ يعنى باليلاك فيمن كذب قبمكم. والعاقبة: آخر الأمر، وىذا في يوم أُ حد. انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي (4/216.) (5 )استئناف ابتدائي تمييداً لإعادة الكلام عمى ما كان يوم أُ حد، وما بينيما استطراد، وىذ ا مقدمة التسمية والبشارة ، ابتدأت ىذه المقدمة بحقيقة تاريخية: وىي الاعتبار بأحوال الأُ مم الماضية. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور(4/95.)

عدد الصفحات ٩٤

الفصل الثالث المبحث الأول: المقااد والأهد ا لسورة آل عمران مه الآيت (133-138) 81 ولما حدث ما حدث من انكسار المؤمنين بسبب عدم الصبر، والطاعة اللازمة لمقيادة، ذكر تعالى تمك الأحداث مقرونة بفقييا ؛ لتبقى ىدى وموعظة لممتقين من المؤمنين ، وأخبر تعالى المؤمنين بأن قد مضت فيمن قبميم من الأمم كقوم نوح وعاد وث مود وغيرىم ، فقد أرسل ا﵀ تعالى إلييم رسمو فكذبوىم فأمضى ت عالى سننو فييم فأىمك المكذبين و أنجى المؤمنين، بعد ما ناليم من أذى أقواميم المكذبين، وستمضي سنتو اليوم كذلك، فينجيكم وينصركم وييمك المكذبين أعداءكم ، وا ن ارتبتم فسيروا في الأرض وقفوا عمى آثار اليالكين، وانظروا كيف كانت عاقبتيم.(1) لعل ىذه المعرفة تفيدكم في طاعتكم ﵀ تعالى وتعينكم عمى متابعة نبي ا﵀ محمد، ومَ ن سار في الأرض، وتعقب أحوال الأمم، وتدبّر التاريخ وعرف الأخبار، يجد مصداق تمك السّنة الإليية الثابتة وىي الفوز لمن أحسن، والخيبة لمن أساء. "وفي الآية دلالة عمى أىمية عمم التاريخ لأن فيو فائدة السير في الأرض، وىي معرفة أخبار الأوائل، وأسباب صلاح الأمم وفسادىا، وا نما أمر ا﵀ بالسير في الأرض دون مطالعة الكتب لأن في المخاطبين من كانوا أميين، ولأن المشاىدة تفيد من لم يقرأ عمماً، وتُ قوي عمم من قرأ ".(2) وفي ىذا تنبيو لمن أساء وخالف أمر النّبي في أُ حد، وأخذ يشجعيم عمى الجياد لذوي الفساد، فبدأ بالسبب الأقوى، وىو الأمر بمشاىدة مصارع من مضى من المكذبين برؤية ديارىم وتتبع آثارىم مع أنيم كانوا أشد خمقاً وأقوى ىمماً وأكثر عدداً وأحكم عدداً، وتذكير بأنّ النّصر يوم بدر كان بسبب الثبات وصدق المقاء و طاعة المّو والرّسول وحسن التّوكل عمى المّو والثقة بقدرتو ورحمتو وفضمو (3)،ويبين ا﵀ لممسممين أن مشيئتو اقتضت أن تكون العاقبة لممؤمنين الصادقين وأن يميل الكافرين ثم يأخذىم أخذ عزيز مقتدر (4) بسبب طغيانيم، وأنتم أييا المؤمنون إذا سرتم في طريق الضالين ممن قبمكم، وَ حِ دْ تم عن سنتو، فإن عاقبتكم ستكون وخيمة مثل عاقبة من قبمكم فقد حذرىم ا﵀ بقولو مضت مني وقائع نقمة في أىل التكذيب لرسمي والشرك بي، فإني أمميت ليم أي لئلا يظنوا أن نقمتي انقطعت عن عدوكم وعدوي لمدولة التي أدلتيم بيا عميكم ؛ ليبتميكم بذلك ليعممكم ما عندكم.(5) (1 )انظرأيسر التفاسير، أبو بكر الجزائري (1/206.) (2 )انظرالتحرير والتنوير، ابن عاشور (4/97). (3) انظرنظم الدرر في تناسب الآيات والسور، البقاعي(2/118)، التفسير المنير، وىبة الزحيمي (4/98.) (4 )انظرالسيرة النبوية ، لابن ىشام(4/61.) (5) انظر جامع البيان، الطبري، (7/229)،روح المعاني، الألوسي (3/228)، التفسير المنيجي، فضل عباس(1/143.)

عدد الصفحات ٩٥

الفصل الثالث المبحث الأول: المقااد والأهد ا لسورة آل عمران مه الآيت (133-138) 82 ثم يقول ربنا  :﴿ىَـذَا بَيَانٌ لِّمنَّاسِ وَىُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّمْمُتَّقِينَ﴾ [138] "لما تكفمت ىذه الجمل باليداية إلى سعادة الدارين نبو عمى ذلك سبحانو وتعالى بقولو عمى طريق الاستفتاح" (1) فالمقصود بقولو :﴿ىـذَا بَيَانٌ لِّمنَّاسِ ﴾(2) أي: دلالة ظاىرة، تبين لمناس الحق من الباطل، وأىل السعادة من أىل الشقاوة، عن قتادة قولو: ﴿ىـذَا بَيَانٌ لِّمنَّاسِ﴾ وىو ىذا القرآن، جعمو ا﵀ بياناً لمناس عامة، وىدىً وموعظةً لممتقين خصوصاً (3) فالقرآن بيان وتوضيح بما يحتاجو الناس كميم، لصلاح دينيم، ودنياىم، وآخرتيم وفيو بيان للأمور عمى جميتيا، وكيف كان الأممُ الأقدمون مع أعدائيم (4)،قال القاضي(5): "كونو بياناً لمناس ظاىر، وىو في ذاتو أيضاً ىدىً وموعظةً، لكن من عمي بالكفر وضل وقسا قمبو؛ لا يحسن أن يضاف إليو القرآن، وتحسن إضافتو إلى المتقين ، الذين فييم نفع وا ياىم ىدى"(6 ) قولو تعالى:﴿وَىُدًى﴾ اليدى بيان طريق الرشد ليسمك دون طريق الغي" (7) وتذكير تخشع لو قموب المتقين، وىم الذين يخشون ا﵀، وخُصُّوا بذلك؛ لأنيم ىم المنتفعون بو دون غيرىم. والإرشاد عام لجميع الناس، وحجة عمى المؤمن والكافر، وذلك يدحض ما قالو المشركون لو كان محمدٌ رسولاً حقاً لما غُ مب في وقعة أُ حد. فيذا البيان واليدى يرشدان إلى أن سنن ا﵀ حاكمة عمى الأنبياء والرسل، كما ىي حاكمة عمى سائر خمقو، فما من قائد يخالفو جنده، ويتركون حماية الثغر الذي عيد إلييم بحمايتو، إلا كان جيشو عرضة لميزيمة. (8) (1 )نظم الدرر، البقاعي(2/118.) (2) ىذا إشارة إلى قولو ﴿قد خمت من قبمكم سنن﴾ انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي (4/213.) (3) انظر: جامع البيان، الطبري (7/232)، المحرر الوجيز ، ابن عطيو(1/103.) (4 )انظرتفسير القرآن العظيم، ابن كثير ( 2/126.) (5 )القاضي عياض476 وعند البعض496- 544 ىـ ىو عياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي، أبو الفضل. أصمو من الأندلس، ثم انتقل آخر أجداده إلى مدينة فاس، ثم من فاس إلى سبتة. كان إماما حافظا محدثا فقييا متبحرا. من تصانيفو: (التنبييات المستنبطة في شرح مشكلات المدونة). والنجوم الزاىرة ، جمال الدين الأتابكي (5/285)،ومعجم المؤلفين، عمر رضا كحالة( 8/16). (6) المحرر الوجيز ، ابن عطية(2/9.) (7) انظر: روح المعاني، الألوسي (3/229) تفسير الشعراوي، الشعراوي (1/1200). (8 )انظرأيسر التفاسير، أسعد حومد(1/431.)

عدد الصفحات ٩٦

الفصل الثالث المبحث الأول: المقااد والأهد ا لسورة آل عمران مه الآيت (133-138) 83 قال ابن عاشور: "فإن جعمت الإشارة إلى مضمون قولو: ﴿ قَدْ خَمَتْ مِن قَبْمِكُمْ سُنَنٌ ﴾ فإنيا بيان لما غفموا عنو من عدم التلازم بين النصر وحسن العاقبة، ولا بين اليزيمة وسوء العاقبة، وىي ىدى ليم لينتزعوا المسببات من أسبابيا، فإن سبب النجاح حقاً ىو الصلاح والاستقامة، وىي موعظة ليم ليحذروا الفساد ولا يغتروا كما اغتر عاد إذ قالوا من أشد منا قوة." (1) قال تعالى :﴿وَمَوْعِظَةٌ لِّمْمُتَّقِينَ﴾ لأنيم ىم المنتفعون بالآيات فتيدييم إل ى سبيل الرشاد، وتعظيم وتزجرىم، ولأنيم ىم الذين تكمل ليم الفائدة، لأنيم يتجنبون ويتقون نتائج الإىمال التي يظير ليم أن عاقبتيا ضارة، فميزن مسممو ىذا الزمان إيمانيم وا سلاميم بيذه الآيات، ولينظروا أين مكانيم من ىدايتيا، وما ىو حظيم من موعظتيا؟ . والموعظة ىي ما يمين القمب ويدعو إلى التمسك بما فيو طاعة، و حمل النفس ترغيبا وترىيبا، لعمل الخير بالترغيب، والبعد عن الشر بالترىيب. (2) (1) التحرير والتنوير، ابن عاشور (4/98.) (2) انظرتفسير المنار، محمد رضا (4/118.)

عدد الصفحات ٩٧

84   الدبحث الثاني الدقاصد والأهداف لسورة آل عمران من الآوة (139- 145) وفيه ثلاثة مطالب: اطلب الأول: مواساة الدؤمنين بعد أُحد اطلب الثاني: سُنة الابتلاء لتمحيص ومحق الكافرون اطلب الثالث: التحذور من الانقلاب على الأعقاب  

عدد الصفحات ٩٨