المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الدراسة التحليلية لمقاصد وأهداف الحزب السابع من القرآن الكريم من سورة آل عمران من الآية 93

إبراهيم داود سلام درغام

صفحة ٥ من ١٢

الفصل الثاوي المبحث الثاوي: المقاصد والأهداف لسورة آل عمران مه الآيت (115-154) 44 المبحث الثاني المقاصد والأىداف لسورة آل عمران من الآية ( 115- 154) قال7يَا أَيُّيَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْخَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاىِيِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُىُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِمُو نَ *ىَا أَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَيُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُمِّوِ وَا ِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَا ِذَا خَمَوْاْ عَضُّواْ عَمَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ المَّوَ عَمِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ*إِن تَمْسَسْكُمْ حَ سَنَةٌ تَسُؤْىُمْ وَا ِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِيَا وَا ِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُىُمْ شَيْئًا إِنَّ المَّوَ بِمَا يَعْمَمُونَ مُحِيطٌ ﴾ [118-120] إنالتودد لأعداء ا﵀ والسعي في التقرب إلييم لّ يجمب محبتيم، و من ينتظر منيم الرضى أو ينشده؛ كمن يؤمل من السراب الخادع ماءً ا، والثقة بودىم وَ ىْ مٌ كبير، وغفمة عن وقائع التاريخ المتكررة في كل زمان ومكان. ولذلك جاءت النصوص الكثيرة تأمر بمقاطعتيم وعداوتيم ميما تظاىروا بالمحبة الكاذبة، التي طالما اصطادوا الناس بشباكي ا، وفي الوقت نفسو دعت إلى توثيق الصلات بين المسممين، وا شاعة المحبة والمودة في مجتمعيم، ونبذ أشكال الّختلاف والفرقة، بل اعتبرت المحبة جزء اً أساسياً من الإيمان. إن الآيات السابقة كانت في الحجاج مع أىل الكتاب، وا ن ىذه الآيات وما بعدىا في بيان أحوال المؤمنين، ومعاممة بعضيم لبعض وا رشادىم في أمرىم (1)، كما سنرى من خلال المطمب الآتي. المطمب الأولمة من موالاة الأعداء قال تعالى:﴿ يَا أَيُّيَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاىِيِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُىُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِمُونَ *ىَا أَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَيُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُمِّوِ وَا ِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَا ِ ذَا خَمَوْاْ عَضُّواْ عَمَيْكُمُ الأَنَامِ لَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ المَّوَ عَمِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾آل عمران: 118-119] (1) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا (4/66)، تيسير الكريم الرحمن ، السعدي(1/144.)

عدد الصفحات ٦٧

الفصل الثاوي المبحث الثاوي: المقاصد والأهداف لسورة آل عمران مه الآيت (115-154) 42 نيى ا﵀ المؤمنين أن يتخذوا من الكفار أخلاء وأصفياء بطانة(1) يظيرونيم عمى سرائرىم، لأن ىؤلّء لّ يألون جيدً ا، ولّ يتأخرون عن عمل فيو إيذاء وا ضرار بالمؤمنين، في دينيم ودنياىم، وىم يتمنون وقوع المؤمنين في الضيق والمشقة . ولقد بدت البغضاء والعداوة في أفواىيم بما يظير عمى ألسنتيم من كممات الحقد ، وصدورىم ت خفي حقداً أكبر، وبغضً ا أعظم للإسلام وأىمو، وىو أمرٌ لّ يخفى عمى عاقل، وقد بين ا﵀ تعالى الدلّلّت الواضح ة التي يعرف بيا الولي من العدوِ .(2) فيذه الآيات الكريمة تشرح دخائل الكفار، وما يكنونو نحو المسممين من بغض، وما يحبونو من مضرة المسممين . وقد احتوت الآيات صورة قوية لشدة ما كان يضمره الييود من العداء والحقد والغيظ لمنبي  والمسممين والدعوة الإسلامية ، ونيياً قوياً متناسباً مع ذلك ومستنداً إلى الواقع الم شاىد الممموس عن الّستمرار في مو دتيم، وموالّتيم من قبل المسممين واختلاطيم بيم، وىذه الصورة مؤيدة بقولو تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِمَّذِينَ آمَنُوا الْيَيُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [82.] يقول الشعراوي 7 "ويتساءل الإنسان كيف ينادي ا﵀ مؤمناً بو، ثم يأمره بالإيمان؟ وىنا نرى أن المطموب من كل مؤمنٍ أن يؤدي أفعال الإيمان دائماً ، ويضيف ليا ليستمر ركب الإيمان قوياً ، فالحقُ حين يطمب من المؤمن أمراً موجوداً فيو؛ فمنعمم أن ا﵀ يريد من المؤمن الّستدامة عمى ىذا المون من السموك الذي يحبو ا﵀، وكأن الحق حين يقول: ﴿يَا أَيُّيَا الَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ إنما يحمل ىذا القول الكريم أمراً بالّستدامة عمى الإيمان".(3) لقدجاء ىذا التنوير، وىذا التحذير؛ يُ بَ صر الجماعة المسممة بحقيقة الأمر، ويوعييا لكيد أعدائيا، الذين لّ يخمصون ليا أبداً ، ولم يجيء ىذا التنوير وىذا التحذير ليكون مقصوراً عمى فترةٍ تاريخيةٍ معينةٍ ، فيو حقيقةٌ دائمةٌ ، تواجو واقعاً دائماً كما نرى مصداق ىذا فيما بين أيدينا من حاضر مكشوف مشيود.(4) وقولو  7﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُىُمْ ﴾ أكثر مما ظير منيا، أي: أظيروا لممؤمنين البغض.(5) (1) بِطانةُ الرجل وَليجتُو وأَبْطَنَو اتَّخَذَه بِطانةً، وفلان بِطانتي دون إخواني، أي الذي أبطنتُو أمري. انظر: لسان العرب، ابن منظور( 13/52)، جميرة المغة، ابن دريد 1/167.) (2) انظر: جامع البيان، الطبري (7/138)، أيسر التفاسير، أسعد حومد(1/411.) (3) تفسير الشعراوي، الشعراوي (1/1148.) (4) انظرفي ظلال القرآن، سيد قطب (1/423) . (5 )انظرالبحر المحيط، أبو حيان(3/366.)

عدد الصفحات ٦٨

الفصل الثاوي المبحث الثاوي: المقاصد والأهداف لسورة آل عمران مه الآيت (115-154) 44 وقولو تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيات﴾ أي أظيرنا لكم الآيات الدالة عمى النيي عن موالّة أعداء ا﵀  وعن مصافات المنافقين، أو قد أظيرنا لكم الدلّلّت الواضحات التي يتميز بيا الولي من العدو ﴿إِنْ كُنتُمْ تَعْقِمُونَ ﴾ أي إن كنتم من أىل العقل، أو إن كنتم تعممون الفضل بين الولي والعدو، أو إن كنتم تعممون مواعظ ا﵀ تعالى ومنافعي ا.(1) ثم أكد القرآن تحذيره السابق من ات خاذ الأعداء بطانة وموضع سر وثقة، لأسباب أخرى، كل منيا يستدعي الّمتناع عن المودة والمخالطة حال انعدام الثقة، وىي في قولو : ﴿تُحِبُّونَيُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ ﴾ وذكر المفسرون عند تفسير ىذه الآية عدة وجوه7 أحدىا: قال المفضل (2): ﴿تُحِبُّونَيُم﴾ "تريد ون ليم الإسلام وىو خير الأشياء ﴿ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ ﴾؛ لأنيم يريدون بقاءكم عمى الكفر ، ولّ شك أنو يوجب اليلاك".(3) إنكم تحبون أولئك الكفار، وىم لّ يحبونكم وا نما يعادونكم، والواجب محبة أولياء ا﵀ ومعاداة أعدائو، فمن أصول العقيدة الإسلامية أنو يجب عمى كل مسمم يدين بيذه العقيدة أن يوالي أىميا، ويُ عادي أعداءىا، فيحب أىل التوحيد والإخلاص، ويوالييم، ويبغض أىل الشرك ويعادييم، وذلك من ممة إبراىيم  والذين معو، الذين أمرنا بالّقتداء بيم حي ث يقول  :﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاىِيمَ وَالَّذِينَ مَعَوُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِيِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ المَّوِ كَفَرْ نَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَ تَّى تُؤْمِ نُوا بِالمَّوِ وَحْدَهُ﴾ [4] وقال تعالى﴿لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِالمَّوِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ المَّوَ وَرَسُولَوُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَىُ مْ أَوْ أَبْنَاءَىُمْ أَوْ إِخْوَانَيُمْ أَوْ عَشِيرَتَيُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُمُوبِيِمُ الإِْيمَانَ وَأَيَّدَىُمْ بِرُوحٍ مِنْوُ ﴾.[12] قالابن تيميَّة: "ونظائر ىذا في غير موضعٍ من القرآن، يأمُر ا﵀  بِمُوالّة المؤمنين حقاً ، الذين ىم حِزْب ا﵀ وجُنده، ويُخبر أنَّ ىؤلّء لّ يُوالون الكفُّار، ولّ يوادونيم".(4) (1) انظر: روح المعاني، الألوسي (3/187)، مدارك التنزيل ، النسفي (1/178). (2 )أبو الحسن(211 - 311 ىـ) عمي بن المفضل بن عمي بن مفرج بن حاتم، أبو الحسن، شرف الدين المقدسي الإسكندراني، محدث فقيو مالكي، من الحفاظ. انظر: تذكرة الحفاظ، الذىبي (4/123)، الأعلام، الزركمي (5/23.) (3 )مفاتيح الغيب، الرازي (4/362.) (4) اقتضاء الصراط المستقيم ، ابن تيمية(ص:48.)

عدد الصفحات ٦٩

الفصل الثاوي المبحث الثاوي: المقاصد والأهداف لسورة آل عمران مه الآيت (115-154) 44 يقولابن رجب (1): "فأولياءُ ا﵀ تجب مُوالّتيم، وتحرم معاداتيم، كما أنَّ أعداءه تجب مُعاداتيم، وتحرم موالّتيم"(2)، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّيَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُمْقُونَ إِلَيْيِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُ مْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَا ِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِالمَّوِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِيَادًا فِي سَبِيمِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْيِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْمَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْمَنْتُمْ وَمَ نْ يَفْعَمْوُ مِنْكُمْ فَقَ دْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾[1]، وقال  :﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ المَّوُ وَرَسُولُوُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَىُمْ رَاكِعُونَ ﴾[55] الوجوالثاني: ﴿تُحِبُّونَيُمْ ﴾ "بسبب ما بينكم وبينيم من الرضاعة والمصاىرة ﴿ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ ﴾ بسبب كونكم مسممين. و ا نكم تؤمنون بالكتب السماوية كميا ومنيا كتابيم، وتصدقون بكل الرسل والأنبياء، ومنيم رسوليم ونبييم، وىم يجحدون بكتابكم ونبيكم . الوجوالثالث﴿تُحِبُّونَيُمْ ﴾ بسبب أنيم أظيروا لكم الإيمان ﴿وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ ﴾ بسبب أن الكفر مستقر في باطنيم"(3) فإذا لقوا المؤمنين لّطفوىم حذراً عمى أنفسيم، وقالوا آمنا وصدقنا بما جاء بو محمد  وا ذا خموا مع أنفسيم وشياطينيم، أظيروا شدة الغيظ والحقد والعداوة لكم،وتألموا وندموا وعضوا الأنامل عمى أ نيم لّ يستطيعون إلحاق الأذى بكم ، فأنتم مخطئون في موالّة المنافقين والكفار، وفيو توبيخ شديد بأنيم في باطميم أصمب منكم في حقكم.(4) (1 )ابن رجب 413 - 562 ىـ ىو عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبمي، أبو الفرج، زين الدين، ولد ببغداد، وتوفي بدمشق من عمماء الحنابمة؛ كان محدثاً حافظاً فقيياً أصولياً ومؤرخاً ، أتقن فن الحديث وصار أعرف أىل عصره بالعمل ، من تصانيفو (تقرير القواعد وتحرير الفوائد ) المشيور بقواعد ابن رجب في الفقو ، انظر: الدرر الكامنة، شياب الدين العسقلاني(2/221)، شذرات الذىب، الحنبمي (6/202.) (2) جامع العموم والحكم، البغدادي(1/360.) (3) مفاتيح الغيب، الرازي (4/362.) (4 )انظرالتفسير المنير، الزحيمي (4/57.)

عدد الصفحات ٧٠

الفصل الثاوي المبحث الثاوي: المقاصد والأهداف لسورة آل عمران مه الآيت (115-154) 44 الوجوالرابع : قال أبو بكر الأصم (1) :﴿تُحِبُّونَيُمْ ) "بمعنى أنكم لّ ت ريدون إلقاءىم في الآفات والمحن ﴿ وَلاَ يُحِبُّونَكُم) بمعنى أنيم يريدون إلقاءكم في الآفات والمحن ويتربصون بكم الدوائر".(2) وقولو تعالى: ﴿عَضُّواْ عَمَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ ﴾ ُ دعاءٌ عمييم بأن يزداد غيظيم؛ حتى ييمكوا بو، والمراد بزيادة الغيظ، زيادة ما يغيظيم من قوّة الإسلام، وعز أىمو، وما ليم في ذلك من الذل والخز ي والتبار. قولو : ﴿إِنَّ ا﵀ عَمِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ أي: ىو عميم بما تنطوي عميو ضمائركم، وتُكنُّو سَرَائرُكُم من البغضاء والحسد والغل لممؤمنين، وىو مجازيكم عميو في الدنيا بأن يريكم خلاف ما تؤمّمون، وفي الآخرة بالعذاب الشديد في النار التي أنتم خالدون فييا، فلا خروج لكم منيا.(3) وعموم التشبو بالكفار محرم ، سواء كان التشبو في عباداتيم أو في عاداتيم وسموكياتيم، دل عمى ذلك الكتاب والسنة والإجماع . 1- من القرآن قول ا﵀ : ﴿ وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَمَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَىُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَيُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [عمران 105]. 5- من السنة قول النبي :(مَنْ تَشَبَّوَ بِقَوْمٍ فَيُوَ مِنْيُمْ )(4) قالابن تيمية7 "ىذا الحديث أقل أحوالو أن يقتضي تحريم التشبو بيم وا ن كان ظاىره يقتضي كفر المتشبو بيم"(5) كما في قولوتعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّيُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّوُ مِنْيُمْ ﴾ [المائدة51]. 1- وأما الإجماع فقد نقل ابن تيمية أنو منعقد عمى حرمة التشبو بالكفار .(6) (1 )أبو بكر الأصمت541ىـ ىو عبد الرحمن بن كيسان، الأصم، من شيوخ المعتزلة، إلَّّ أنيم أخرجوه من جممة المخمصين من أصحابيم، بسبب ميمو عن عمي  قال في طبقات المعتزلة: كان من أفصح الناس وأفقييم وأورعيم ، من تصانيفو: تفسير القرآن، وخمق القرآن، والحجة والرسل. انظر: الفيرست ، ابن النديم(1/214)، سير أعلام النبلاء، الذىبي(9/402.) (2) مفاتيح الغيب، الرازي (4/362.) (3)انظرالكشاف، الزمخشري (1/315)، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير (2/108.) (4 )سنن أبي داود،كتاب المباس، باب في لبس الشيرة، ح 5401،4/314)، قال الشيخ الألباني: صحيح انظر: إرواء الغميل(5/109.) (5) اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، ابن تيمية (1/270.) (6) المرجع السابق (1/270).

عدد الصفحات ٧١

الفصل الثاوي المبحث الثاوي: المقاصد والأهداف لسورة آل عمران مه الآيت (115-154) 44 مظاىر موالاة الكفار(1)7 ومن تمك المظاىر المذمومة التي يجب تجنبيا ما يمي 1. التشبو بيم في الممبس والكلم وغيرىما؛ لأن التشبو بيم في الممبس والكلام وغيرىما ، يدل عمى محبة المتشبو بو، عن عبد ا﵀ بن عمر و بن العاص  أن رسول ا﵀  :(رأى عم ي ثوبين معصفرين فقال لي7 إن ىذه من ثياب الكفار فل تمبسيا قمت أغسميما قال؟لا بل أحرقيا). 5. الاستعانة بيم، والثقة بيم، وتوليتيم المناصب التي فييا أسرار المسممين ، واتخاذىم بطانة ومستشارين ، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّيَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاىِيِمْ وَمَا تُ خْفِي صُدُورُىُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِمُونَ ﴾ [آل عمرآن 118] 1. إعانتيم ومناصرتيم عمى المسممين، ومدحيم والذب عنيم، وىذا من نواقض الإسلام وأسباب الردة .(3) 4. مشاركتيم في أعيادىم، أو مساعدتيم في إقامتيا ، أو تينئتيم بمناسبتيا، أو حضور إقامتيا، وأن مشابيتيم في بعض أعيادىم يوجب سرور قموبيم، بما ىم عميو من الباطل، وقد ذكر ابن كثير في تفسير قولو  :﴿وَالَّذِينَ لاَ يَشْيَدُونَ الزُّورَ ﴾[72] أي: و من صفات عباد الر حمن أنيم لّ يحضرون أعياد الكفار.(4) 2. مدحيم والإشادة، بما ىم عميو من المدنية والحضارة ، والإعجاب بأخلاقيم ومياراتيم ، دون نظر إلى عقائدىم الباطمة ودينيم الفاسد، قال تعالى : ﴿وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِوِ أَزْوَاجًا مِنْيُمْ زَىْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَيُمْ فِيوِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾ [131]. 3. التسمي بأسمائيم بحيث يسمون أبناءىم وبناتيم بأسماء أجنبية، ويتركون أسماء آبائيم وأمياتيم وأجدادىم وجداتيم و الأسماء المعروفة في مجتمعيم. و من حديث ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ المَّوِ  7(إِنأَحَبَّ أَسْمَائِكُمْ إِلَى المَّوِ عَبْدُ المَّوِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ )(5) (1) انظر: الولّء البراء، القحطاني 1/12)، الإرشاد إلى صحيح الّعتقاد، صالح الفوزان 1/308)، المولّة والمعاداة، الجعمود(2/589)، تسييل العقيدة الإسلامية، الجبرين 1/564.) (2) صحيح مسمم، كتاب المباس والزينة، باب النيي عن لبس الرجل الثوب المعصفر، ح3873(10/430 .) (3) الإرشاد إلى صحيح الّعتقاد والرد عمى أىل الشرك والإلحاد، صالح الفوزان (1/289.) (4 )انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير(6/130.) (5)صحيحمسمم، كتاب الأدب، باب النيي عن التكني بأبي القاسم وبيان ما يستحب من الأسماء ، ح2132(2/1682.)

عدد الصفحات ٧٢

الفصل الثاوي المبحث الثاوي: المقاصد والأهداف لسورة آل عمران مه الآيت (115-154) 44 4. الاستغفار ليم والترحم عمييم، اتفق الفقياء عمى أَ نَّ الّستغفار لمكافر مَحْظُور(1)،وقد حرم ا﵀ ذلك بقولو تعالى: ﴿مَا كَانَ لِمنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِمْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَيُمْ أَنَّيُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴾ [113.] المطمب الثاني قال تعالى7﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْىُمْ وَا ِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِيَا وَا ِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُىُمْ شَيْئًا إِنَّ المَّوَ بِمَا يَعْمَمُونَ مُحِيطٌ﴾ [120]. تضمنت الآية بيان صفة نفسيّة لمكافرين المنيى عن اتخاذىم بطانة، وىو استياؤىم وتألميم لما يرونو من حسن حال المسممين، كإتلافيم واجتماع كممتيم ونصرىم وعزتيم وقوتيم وسعة رزقيم، كما ىو أيضاً فرحيم وسرورىم بما قد يشاىدونو من خلاف بين المسممين أو وقوع ىزيمة لجيش من جيوشيم. ولما وصف  ىؤلّء الكفرة بصفاتيم، قال لعباد ه المؤمنين مبعداً الخوف عنيم ، وا ن تصبروا عمى ما يصيبكم وتتقوا ا﵀ تعالى في أمره ونييو لّ يضركم كيدىم شيئاً، لأن ا﵀ تعالى وليّكم مطمع عمى تحركاتيم وسائر تصرفاتيم وَسَيُحْبِطُيا كميا.(2) أرشد ا﵀ المؤمنين إلى كيفية تمقّي أذى العدوّ، بأن يتمقّوه بالصّبر والحذر، وعبّر عن الحذر بالّتّقاء، أي اتّقاء كيدىم وخداعيم، وتأمَّل قول المّو تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ ﴾ فمعنى ذلك: إن حصل لكم مجرد (مَسّ )، أي قميل من الخير والنّفع، {أي تحزنيم وتغيظيم ، قال تعالى: ﴿وَا ِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ﴾ مِحنة ﴿ يَفْرَحُوا﴾ أي يبتيجوا بِيَا، وفي ذلك إشارة إلى تناىي عداوتيم إلى حد الحسد والشّماتة. والمقصود بالحسنة ىنا منفعة الدُّنيا، عمى اختلاف أحواليا، فمنيا صحّة البدن، وحصول الخصب والفوز بالغنيمة والّستيلاء عمى الأعداء، وحصول المحبَّة والأُلفة بين الأحباب، والمراد بالسيِّئة أضدادىا، وىي المرض والفقر واليزيمة والّنيزام من العدو وحصول التفرّق بين الأقارب، والقتل والنّيب والغارة ، فبيّن تعالى أنّيم يحزنون ويَغْتَمُّون بحص ول نوع من أنواع الحسنة لممسممين، ويفرحون بحصول نوع من أنواع السيّئة ليم.(3) (1 )انظر: رد المحتار، ابن عابدين 1/351)،الأصول، السرخسي 2/135)، الفروق، القرافي 4/260.) (2 )انظرأيسر التفاسير، الجزائري (1/197.) (3 )انظرمفاتيح الغيب، الرازي (4/364.)

عدد الصفحات ٧٣

الفصل الثاوي المبحث الثاوي: المقاصد والأهداف لسورة آل عمران مه الآيت (115-154) 45 وقولو: ﴿ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُىُمْ شَيْئًا ﴾(1) أيلّ يضركم كيد ىؤلّء الذين وصف صفتيم، بذلك ينتفي الضرّ كمّو لأنّو أثبت في أوّل الآيات أنّيم لّ يضرّون المؤمنين إلّّ أذى، فالأذى ضرّ خفيف، فممَّا انتفى الضرّ الأعظم الَّذي يحتاج في دفعو إلى شديدِ مقاومة من القتال وحراسة وا نفاق، كان انتفاء ما بَقي من الضرّ ىيّناً، وذلك بالصّبر عمى الأذى، وقمّة الّكتراث بو .(2) فأعداؤنا من الييود والنّصارى لّ يريدون لنا خير اً ولّ رُقَيّ اً ولّ نيضةً ، ويسعون جاىدين لكي لّ نممك قوّة دينية ولّ عسكرية ولّ عممية، ومما وقع في الأُ مة وقد أخبر بو  متابعة الييود والنصارى ، والتشبو بيم، والأخذ عنيم، عن أبي سعيد الخدري  أن النبي قال(لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْمَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَمُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوىُمْ قُمْنَا يَا رَسُولَ المَّوِ الْيَيُودُ وَالنَّصَارَى قَالَ فَمَنْ ).(3) والأُمة اليوم تتسابق وتتسارع في التبعية لمييود والنصارى ، والتشبو بيم ، حتى أصبح تقميدىم ومضاىاتيم في سموكيم وأفكار ىم وأخلاقيم وسياساتيم معيار التحضر والتقدم والتمدن. وىذا تحذير لممسممين من كيد الأعداء، فإنّ المّو  حَذّر نبيَّوُ فقال﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَيُمْ بِمَا أَنْزَلَ ا﵀ُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَىْوَاءَىُمْ وَاحْذَ رْىُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ ا﵀ُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْمَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ا﵀ُ أَنْ يُصِيبَيُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِيِمْ وَا ِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ﴾ [المائدة94] قولو تعالى﴿إِنَّ المَّوَ بِمَا يَعْمَمُونَ مُحِيطٌ ﴾ وىكذا تختم الآيات بتصوير حال المنافقين، بتمك الصورة الماكرة الخادعة، وتبين خفاياىم ونواياىم، فيم يظيرون لممؤمنين المودة والإيمان، وىم في الباطن أعداءٌ ، يُ خفون في أنفسيم ما لّ يُ بدون، فعمى المسممين أن يحذروا أعداءىم في كل زمان ومكان ، فا﵀  محيط بكل افعاليم ومكرىم (4) (1 )قرأ ابن عامر والكوفيون وأبو جعفر ﴿لاَ يَضُرُّكُمْ ﴾ بضم الضاد ورفع الراء وتشديدىا، وقرأ الباقون ﴿لاَ يَضُرُّكُمْ ﴾ بكسر الضاد وجزم الراء مخففة. انظر: النشر في القراءات العشر، ابن الجزري (2/242.) (2 )انظرالتحرير والتنوير، ابن عاشور(3/200 .) (3) صحيح البخاري ، كتاب الّعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي  لتتبعن سنن من كان قبمكم، ح 6775 (22/298.) ((4 انظرقبس من نور القرآن، الصابوني (1/55.)

عدد الصفحات ٧٤

45   المبحث الثالث المقاصد والأهداف لسورة آل عمران من الآوة (121- 132) وفيه ثلاثة مطالب: اطلب الأول: وصف غزوة أُ حد اطلب الثاني: التعامل بالربا سبب الهلاك واجتنابه سبب الفلاح. اطلب الثالث: طاعة الله ورسوله سبب الرحمة الإلهية

عدد الصفحات ٧٥

الفصل الثاوي المبحث الثالث: المقاصد والأهداف لسورة آل عمران مه الآيت (151-115) 44 المبحث الثالث المقاصد والأىداف لسورة آل عمران من الآية ( 151- 115) قال :﴿وَا ِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَىْمِكَ تُبَوِّىءُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِمْقِ تَالِ وَالمَّوُ سَمِيعٌ عَمِيمٌ *إِذْ ىَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَ وَالمَّوُ وَلِيُّيُمَا وَعَمَى المَّوِ فَمْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ* وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ المَّوُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ المَّوَ لَعَمَّكُمْ تَشْكُرُونَ* إِذْ تَقُولُ لِمْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ* بَمَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِىِمْ ىَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّ كُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّ نَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ* وَمَا جَعَمَوُ المَّوُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُمُوبُكُم بِوِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ المَّوِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ *لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَ يُمْ فَيَنقَمِبُواْ خَآئِبِينَ*لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَمَيْيِمْ أَوْ يُعَذَّ بَيُمْ فَإِنَّيُمْ ظَالِمُونَ* وَ لِمّوِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَ شَاء وَالمَّوُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ* يَا أَيُّيَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُمُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ المَّوَ لَعَمَّكُمْ تُفْمِحُونَ *وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّ تِي أُعِدَّتْ لِمْكَافِرِينَ*وَأَطِيعُواْ المَّوَ وَالرَّ سُولَ لَعَمَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [121-132] تناولت ىذه الآيات عدة مواضيع، منيا غزوة أُ حد، المعركة الثانية التي خاضيا المسممون مع المشركين، وفييا فضح ا﵀ تعالى موقف المنافقين، الذين انسحبوا من القتال، و حاولوا إغراء المسممين، لولّ عصمة ا﵀ ليم، بعد ذلك عرض ا﵀  بعض أحداث غزوة بدر الكبرى ، ليذكّر المسممين بنعمو عمييم، ويؤكد ليم أن النصر من عنده وحده، إذا توكموا عميو و أخذوا بأسباب النصر والتمكين، كما تناولت الآيات موضوع تحريم الربا ، والدعوة إلى تقوى ا﵀  بامتثال أوامره ، وترك نواىيو، والمسارعة إلى الصالحات ، والتوبة من المعاصي؛ من أجل نيل مرضاة ا﵀ تعالى وجنتو. المطمب الأولحد قال : ﴿وَا ِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَىْمِكَ تُبَوِّىءُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِمْقِتَالِ وَالمَّوُ سَمِيعٌ عَمِيمٌ *إِذْ ىَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَ وَالمَّوُ وَلِيُّيُمَا وَعَمَى المَّوِ فَمْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ*وَلَقَدْ نَصَ رَكُمُ المَّوُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ المَّ وَ لَعَمَّكُمْ تَشْكُرُونَ*إِذْ تَقُولُ لِمْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ* بَمَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِىِمْ ىَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِ خَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ*وَمَا جَعَمَوُ المَّوُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُمُوبُكُم بِوِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ المَّوِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَيُمْ فَيَنقَمِبُواْ خَآئِبِينَ*

عدد الصفحات ٧٦

الفصل الثاوي المبحث الثالث: المقاصد والأهداف لسورة آل عمران مه الآيت (151-115) 44 لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَمَيْيِمْ أَوْ يُعَذَّبَيُمْ فَإِنَّيُمْ ظَالِمُونَ*وَلِمّوِ مَا فِي السَّمَاوَ اتِ وَمَا فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَالمَّوُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [121-129]. لقد بدأت سورة آل عمران حديثيا عن غزوة أُ حد، بتذكير المؤمنين بما فعمو الرسول  قبل بدء المعركة من إعداد وتنظيم لمصفوف، وبما ىَمّ بو بعضيم من فشل، وبما تم ليم من نصر عمى أعدائيم في غزوة بدر الكبرى. وفي الربط بين غزوة أُحد وبدر، تذكير لممؤمنين بأسباب انتصارىم في غزوة بدر، وبأسباب ىزيمتيم في غزوة أُ حد؛ حتى يسمكوا في مستقبل حياتيم السبيل التي توصميم إلى الظفر، وييجروا الطريق التي تقودىم إلى الفشل. ولعل الحكمة في ذكرىا في ىذا الموضع أيضاً، أن ا﵀  قد وعد المؤمنين أنيم إذا صبروا واتقوا نصرىم، ورد كيد الأعداء عنيم، وكان ىذا حكماً عاماً، ووعداً صادقاً، فذكر نموذجاً من ىذا في ىاتين القصتين، وأن ا﵀ نصر المؤمنين في بدر لما صبروا واتقوا، ومن حكمة الجمع بين القصتين كذلك، أن ا﵀ يُحب من عباده، إذا أصابيم ما يكرىون أن يتذكروا ما يحبون، فيخف عنيم البلاء، ويشكروا ا﵀ عمى نعمو العظيمة. وقد أشار تعالى إلى ىذه الحكمة في قولو: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْمَيْيَا قُمْتُمْ أَنَّى ىَذَا قُلْ ىُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ ا﵀َ عَمَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [ عمران 165] لقد " كان يوم أُ حد يوم بلاء وتمحيص، اختبر ا﵀ بو المؤمنين، ومحق بو المنافقين، ممن كان يظير الإسلام بمسانو وىو مستخف بالكفر، ويوم أكرم ا﵀ فيو من أراد كرامتو بالشيادة من أىل ولّيتو، وكان مما نزل من القرآن في يوم أُ حد ستون آية من آل عمران" .(1) قال تعالى: ﴿وَ ا ِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَىْمِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِمْقِتَالِ وَالمّوُ سَمِيعٌ عَمِيمٌ﴾ ىذه الآية ىي افتتاح القصة، والمرادُ بيذه الوقعة يوم أُحد عند الجميور.(2) (1 ) وقد تحدثت الآيات عن غزوة أُ حد، التي أنزل فييا ستون آية ، من (121- 180)، وجاء في أثنائيا الحديث عن غزوة بدر، ليذكّرىم بنعمتو تعالى عمييم، حينما نصرىم ببدر وىم قمة. انظر: التفسير المنير، الزحيمي (4/65.) (2) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير (2/109)، النكت والعيون، الماوردي (1/255)، التفسير الوسيط، طنطاوي( 1/729.)

عدد الصفحات ٧٧

الفصل الثاوي المبحث الثالث: المقاصد والأهداف لسورة آل عمران مه الآيت (151-115) 42 سبب النزول "وفييا نزلت ىذه الآية كميا" (1)عن المِسْوَر بن مَخْرَمَةَ، قال: قمت لعبد الرحمن بن عوف أي خالي، أخبرني عن قصتكم يوم أُ حد، فقال: اقرأ العشرين ومائة من آل عمران تجدْ ﴿وَا ِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَىْمِكَ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ إلى قولو: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَمَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً﴾ .(2) المناسبة ومناسبة ذكر ىذه الوقعة عقب ما تقدّم، أنَّيا من أوضح مظاىر كيد المخالفين في الدّين، ولمَّا كان شأن المنافقين من الييود وأىل يثرب واحداً، جمع ا﵀ مكائد الفريقين بذكر غزوة أُ حد. فيذه الآيات تشير إلى وقعة أُ حد الكائنة في شوّال سنة ثلاث من اليجرة(3) حين نزل مشركو مكَّة ،ومن معيم من أحلافيم سَفْحَ جبل أُ حد، حول المدينة، لأخذ الثَّأر بما ناليم يوم بدر من اليزيمة ".(4) ويتبين لنا مدى الدقةالأدائية في قولو  :﴿وَا ِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَىْمِكَ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِمْقِتَالِ﴾ أي تجعل ليم مباءة ووطناً ،﴿مَقَاعِدَ لِمْقِتَالِ﴾ أي: أماكن لمثبات، والحرب كرّ وفرّ وقيام، والذي يحارب يثبتو ا﵀ في المعركة، فكأنو مُوَطَّنٌ في الميدان، فكأن أمر الرسول  إلى المقاتمين يتضمن ألّ يمتفت أي منيم إلى موطن آخر غير موطنو الذي ثبتو وبوَّأتو فيو، أي إن ىذا ىو وطنك الآن؛ لأن مصيرك الإيماني سيكون رىن اً بو.(5) واذكر كذلك يا محمد ﴿إِذْ ىَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَ وَالمّوُ وَلِيُّيُمَا﴾ (6) لماأثار رأس النفاق بالمدينة ، عبد ا﵀ بن أبي بن سمول الفتنة بيدف زرع اليزيمة في قموب المسممين من البداية، كادت طائفتان من المؤمنين، أن تنصرفا من ساحة المعركة، وىما بنو سممة و بنو (1 )الجامع لأحكام القرآن، القرطبي (4/184.) (2 )أسباب النزول، الواحدي(1/65). (3 )انظرالسيرة النبوية، ابن ىشام (3/328.) (4 )انظرالتحرير والتنوير، ابن عاشور (3/210). (5 )انظر تفسير الشعراوي، الشعراوي (1/1163.) (6) ظاىر الآية يدل عمى أنالطائفتين عزمتا عمى الفشل والترك، وذلك معصية ، فكيف بيما أن يقال وا﵀ ولييما؟ والجواب: اليم قد يراد بو العزم، وقد يراد بو الفكر ، وقد يراد بو حديث النفس، وقد يراد بو ما يظير من القول الدال عمى قوة العدو، وكثرة عدده، لأن أي شيء ظير من ىذا الجنس، صح أن يوصف م ن ظير ذلك منو بأنو ىم، بأن يفشل من حيث ظير منو ما يوجب ضعف القمب، فكان قولو:﴿إِذْ ىَمَّتْ طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَ ﴾ لّ يدل عمى أن معصية وقعت منيما بدليل قولو تعالى: ﴿ وا﵀ وَلِيُّيُمَا } باب الكبائر لما بقيت ولّية ا﵀ لي ما. انظر: مفاتيح الغيب، الرازي (4/369).

عدد الصفحات ٧٨

الفصل الثاوي المبحث الثالث: المقاصد والأهداف لسورة آل عمران مه الآيت (151-115) 44 حارثة، (1) لكن ا﵀ ثبتيم ومضوا مع رسول ا﵀  ولم ينصرفوا ولم يتبعوا المنافقين الذين انسحبوا من الغزوة وكان عددىم ثلاثمائة رجل (2)، عَنْ جَابِرٍ  قَالَ نَزَلَتْ ىَذِهِ الآْيَةُ فِينَا ﴿إِذْ ىَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَ﴾ بنو سَممَةَ وَ بنو حَارِثَةَ وَمَا أُحِبُّ أَنَّيَا لَمْ تَنْزِلْ (3) وَالمَّوُ يَقُولُ ﴿وَالمَّوُ وَلِيُّيُمَا﴾.(4) وقد ختم الآية بدعوة المؤمنين إلى التوكل عميو وحده، والتوكل الحقيقي إنما يكون بعد الأخذ بالأسباب التي شرعيا ا﵀ ، ثم بعد ذلك يترك الإنسان النتائج لمخالق  يسيرىا كيف يشاء. قولو تعالى: ﴿وَعَمَى المّوِ فَمْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أفادت قصر التوكل عمى ا﵀ وحده، كما يؤذن بو تقديم الجار والمجرور، وا ظيار الّسم الجميل لمتبرك والتعميل، فإن الألوىية من موجبات التوكل عميو تعالى، واللام في المؤمنين لمجنس، فيدخل فيو الطائفتان دخولًّ أولياً ، وفيو إشعار بأن وصف الإيمان من دواعي التوكل وموجباتو(5)، فالنصر لّ يكون إلّ بشرطين: بالتوحيد والّفتقار إلى ا﵀ ، وبالتوكل عميو، كما انتصروا في بدر. قال تعالى7﴾ وىذا "بيان لما يترتب عمى الصبر والتقوى إثر بيان ما ترتب عمى عدميما" .(6) فمما كانت الآيات تتحدث عن غزوة ىُزم فييا المسممون عسكرياً ؛ بسبب مخالفتيم لأوامر قيادتيم، يُ ذّكر ا﵀  المسممين بانتصارىم الكبير في غزوة بدر ، "مع ما ىم عميو من قمة العدد والعُ دد، وما كان عميو أعداؤىم من الكثرة في السلاح والرجال، ومع عدم تكافؤ القوتين، كان النصر حميف الفئة المؤمنة القميمة؛ لينبينا القرآن أن الكثرة والقم ة لّ أثر ليا في النصر، إنما الأثر في العقيدة والإيمان".(7) (1 )انظر: البحر المحيط، ابن حيان(3/374)، التفسير الحديث، دروزة (7/225.) (2 )السيرة النبوية، ابن ىشام (2/59.) (3) قولو(وما أحب أنيا لم تنزل، وا﵀ يقول ﴿وَالمَّوُ وَلِيُّيُمَا﴾)، أي والآية وا ن كان في ظاىرىا غض منيم لكن في آخرىا غاية الشرف ليم. فيي وا ن كانت تشعر بوجود تقصير منيم لكنيا تدل عمى ولّية ا﵀ ليما. انظر: فتح الباري، ابن حجر (7/357)، الحجج الدامغات، أبو مريم الأعظمي(2/747.) (4) صحيح البخاري ، كتاب المغازي، بَاب قولو:﴿إِذْ ىَمَّتْ طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَ﴾ ، ح3825(4/1488.) (5) انظر: إرشاد العقل السميم، أبو السعود (2/79)، التفسير الوسيط، طنطاوي (1/728.) (6 )روح المعاني، الألوسي (3/195.) (7) قبس من نور القرآن، الصابوني (1/155).

عدد الصفحات ٧٩

الفصل الثاوي المبحث الثالث: المقاصد والأهداف لسورة آل عمران مه الآيت (151-115) 44 فا﵀ ىو الذي نصرىم ، ونصرىم لحكمة نص عمييا في مجموعة ىذه الآيات ، وىم لّ ناصر ليم من أنفسيم ولّ من سواىم ، فإذا اتقوا وخافوا فميتقوا وليخافوا ا﵀، الذي يممك النصر واليزيمة ، والذي يممك القوة وحده والسمطان، فمعل التقوى أن تقودىم إلى الشكر .(1) قولو 7﴿وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾ حال من الضمير، وا نما قال أذلة(2) ولم يقل ذلّئل؛ تنبيياً عمى قمتيم مع ذلتيم، و لضعف الحال وقمة المراكب والسلاح ، ﴿فاتقوا ا﵀﴾ في الثبات. يقول تعالى﴿لَعَمَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ "بتقواكم ما أنعم بو عميكم من نصره، أو لعمكم بنعم ا﵀ عميكم تشكرون، فوضع الشكر موضع الإنعام لأنو سببو".(3) قالتعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِمْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ (4)﴾[124]، يواصل القرآن الكريم في و صف فصول غزوة بدر الكبرى، فأنزل ا﵀ تعالى آياتو ليثبت قموبيم، ويدعوىم لمتوكل عميو ؛ فينصرىم بجند من جنوده ، وىم ثلاثة آلّف من ملائكتو؛ ليحاربوا معيم ، فقال ليم، ألّ يكفيكم ىذا المدد الرباني. قولو  7﴿بَمَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِىِمْ ىَـذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ (5)﴾[125] ىذه الآيةتأكيد من ا﵀ تعالى، أنيم إذا صبروا واتقوا ربيم سيمدىم بنصره ويخرجيم من الضيق، تقويةً ليم، وربطاً عمى قموبيم، وتثبيتاً لأقداميم في ساحة المعركة. "فالإمداد بالملئكة لو غايتان 1- ادخال السرور في القموب 5- حصول الطمأنينة، فإذا عمموا أن ا﵀ معينيم وناصرىم فمن يج بنوا عن القتال حينئذ".(6) (1 )انظرفي ظلال القرآن، سيد قطب (1/441.) (2) جمع ذليل، و فرس ذَلُولٌ من الذُّل ورجل ذلُول بيِّنُ الذِّلَّة والذُّل ، و يعني بأذلة أنيم كانوا قميمي العدد. انظر: شرح السنة، البغوي (13/377)، معاني القرآن، النحاس (1/469)، تيذيب المغة، الأزىري 5/53.) (3) أنوار التنزيل، البيضاوي (1/368). (4 )قرأ ابن عامر ﴿مُنزَلِينَ﴾ بتشديد الزاي، وقرأ الباقون ﴿مُنزَلِينَ﴾ بتخفيف الزاي. انظر: النشر في القراءات العشر، ابن الجزري (2/242.) (5) قرأ ابن كثير والبصريان وعاصم ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ بكسر الواو، وقرأ الباقون ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ بفتحيا. انظر: النشر، ابن الجزري (2/242.) (6 )التفسير المنيجي، فضل عباس(1/132.)

عدد الصفحات ٨٠

الفصل الثاوي المبحث الثالث: المقاصد والأهداف لسورة آل عمران مه الآيت (151-115) 44 حيث أمدىم أولًّ بألف من الملائكة، كما في قولو تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَئِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴾ [9 ]وىنا: صارت الملائكة ثلاثة آلّف أمدىم سبحانو بيا ثانياً ، ثم أمدىم ثالثاً بخمسة آلّف من الملائكة مسومين(1) من التسويم، وىو إظيار علامة الشيء، والمراد معممين أنفسيم أو خيميم. (2) قولو:﴿وَمَا جَعَمَوُ المّوُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْوَلِتَطْمَئِنَّ قُمُوبُكُم بِوِ ﴾[126] أي وما جعل ا﵀ وعده إياكم من إمداده إياكم بالملائكة الذين ذكر عددىم إلّ بشرى لكم، ولتطمئن قموبكم بوعده؛ فتسكن إليو، ولّ تجزع من كثرة عدد عدوكم، وقمة عددكم .(3) قال تعالى﴿و مَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ المَّوِ﴾ [126] يعني: وما ظفركم إن ظفرتم بعدوكم إلّ بعون ا﵀، لّ من قبل المدد الذي يأتيكم من الملائكة، فاتقوا ا﵀ واصبروا عمى جياد عدوكم، فإن ا﵀ ناصركم عمييم، كما قال تعالى بعد أمره المؤمنين بالقتال: ﴿ ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ المَّوُ لاَنْتَ صَرَ مِنْيُمْ وَلَكِنْ لِيَبْمُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِمُوا فِي سَبِيلِ المَّوِ فَمَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَيُمْ سَيَيْدِييِمْ وَيُصْمِحُ بَالَيُمْ وَيُدْخِمُيُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَيَا لَيُمْ ﴾ [4-6 ]. وليذا قال ىاىنا: ﴿وَمَا جَعَمَوُ المَّوُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُمُوبُكُم بِوِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ المَّوِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾(4) فمم فمم تنتصروا بقوتكم ولّ بالملائكة، ولّ التخطيط، بل ىي أسباب سخرىا ا﵀ تعالى، فيو القوي الغالب الذي لّ يُقير، وىو الحكيم الذي يضع كل الأمور في نصابيا. قولو 7﴿لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَيُمْ فَيَنقَمِبُواْ خَآئِبِينَ﴾ [آل عمران 127 ] لييمك ا﵀ُ طائفة كبيرة من الذين كفروا أو ييزميم، فقد قُتل منيم سبعون رجلاً وأُسر سبعون (5)، ويخزي ويخزي الفئة الثانية ويغيظيا باليزيمة. (1 )عن قتادة: في قولو تعالى ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ قال ذكر لنا أن سيماىم يومئذ الصوف بنواصي خيميم وأذنابيا وأنيم عمى خيل بُ مق. انظر: الحبائك في أخبار الملائك، السيوطي(1/44.) (2 )انظرروح المعاني، الألوسي (4/46.) (3) انظر: جامع البيان، الطبري( 7/191.) (4 )تفسير القرآن العظيم، ابن كثير (2/114.) (5 )انظر: غزوات الرسول وسراياه، ابن سعد (1/20)، الرحيق المختوم، المباركفوري (1/188.)

عدد الصفحات ٨١

الفصل الثاوي المبحث الثالث: المقاصد والأهداف لسورة آل عمران مه الآيت (151-115) 44 عن قتادة قولو﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَيُمْ فَيَنْقَمِبُوا خَائِبِينَ﴾ (1)، فقطع ا﵀ يوم بدر طرفاً من الكفار، وقتل صناديدىم ورؤساءىم، وقادتيم في الشر، ثم يوضح ا﵀  أن عمينا الطاعة لأوامره؛ حيث إن لو الحكم في الدنيا والآخر . ومن لطائف القشيري في تفسير ىذه الآية قولو "إنَّ ا﵀ لّ يُشْمِتُ بأوليائو عدو اً ؛ فالمؤمن وا ن أصابتو نكبة، فعدوُّه لّ محالة يكبو ا﵀ في الفتنة والعقوبة"(2) ورجعوا مكبوتين خائبين، لم ينالوا مبتغاىم في إيذاء المسممين. قولو :﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَمَيْيِمْ أَوْ يُعَذَّبَيُمْ فَإِنَّيُمْ ظَالِمُونَ﴾ [ عمران 128]، أي ليس لك من الحكم شيء في عبادي إلّ ما أمرتك بو فييم. (3) ينبو ا﵀ في ىذه الآية أن الأمر بيده وحده إن شاء ىداىم إلى الإسلام، وينالون بذلك رحمتو، وذلك ما حدث فعلاً حيث دخل أكثرىم الإسلام، وا ن شاء عذبيم؛ لأنيم ظالمون، ولم يتوبوا؛ فاستحقوا بذلك عذابو. عن سالم عن أبيو أنو سمع رسول ا﵀  إذا رفع رأسو من الركوع من الركعة الآخرة من الفجر يقول الميم العن فلاناً وفلاناً وفلاناً بعد ما يقول سمع ا﵀ لمن حمده ربنا ولك الحمد، فأنزل ا﵀ ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ إلى قولو ﴿فَإِنَّيُمْ ظَالِمُونَ ﴾.(4) قولو تعالى﴿وَلِمّوِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَالمّوُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾[129]، يخبر ا﵀ تعالى أنو ىو مالك كل شيء، والمتصرف فيو، ييدي من يشاء من عباده؛ فيغفر ليم، ويعذب من يشاء، وىو الغفور الرحيم بعباده التائبين، فالرحمة والمغفرة من صفاتو اللازمة . قال البقاعي "ولما كان التقدير: بل الأمر لو سبحانو وحده، عطف عميو قولو مبينًا لقدرتو عمى ما قدم من فعمو بيم عمى وجو أعم،﴿و﵀﴾ أي الممك الأعظم وحده ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ ﴾ أي كميا عمى عظميا من عاقل وغيره، وعبر بـ ﴿ما﴾ لأن غير العاقل أكثر وىي بو أجدر. (1) اللام في﴿لِيَقْطَعَ طَرَفاً ﴾ متعمق بقولو: ﴿وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ ا﵀ العزيز الحكيم ﴾ والمعنى أن المقصود من نصركم بواسطة إمداد الملائكة ىو أن يقطعوا طرفًا من الذين كفروا، أي ييمكوا طائفة منيم ويقتموا قطعة منيم، قيل: أنو راجع إلى قولو: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُمُوبُكُمْ بِوِ ﴾}لِيَقْطَعَ طَرَفاً ﴾ ولكنو ذكر بغير حرف العطف لأنو إذا كان البعض قريبً ا من البعض جاز حذف العاطف. انظر: مفاتيح الغيب، الرازي (4/377) (2) لطائف الإشارات، القشيري (1/275.) (3 )انظرتفسير القرآن العظيم، ابن كثير (2/114.) (4) صحيح البخاري ، كتاب المغازي باب ليس لك من الأمر شيء، ح 3842(4/1493.)

عدد الصفحات ٨٢