المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الدراسة التحليلية لمقاصد وأهداف الحزب السابع من القرآن الكريم من سورة آل عمران من الآية 93

إبراهيم داود سلام درغام

صفحة ٤ من ١٢

الفصل الأول المبحث الثالث: المقاصد والأهداف لسورة آل عمران مه الآيت (101- 112) 11 الأمة قَصَبَ الس بْؽ إلى الخيرات إلا بنبييا محمد"(1) وىيأىا لأداء ىذه الرسالة العظيمة. لأف ا﵀ ضمف بقاء الخير في ىذه الأمة، لذلؾ "يُ عرّؼ ا﵀ المسمميف حقيقة مكانيـ في ىذه الأرض ، وحقيقة دورىـ في حياة البشر، فيدليـ بيذا عمى أصالة دورىـ في القيادة، قيادة التصور الصحيح، والاعتقاد الصحيح، والشعور الصحيح، والخُ مؽ الصحيح، والنظاـ الصحيح، والتنظيـ الصحيح."(2) مخاطر ترك الأمر بالمعروف والنيي عن المنكر مف عواقب ترؾ الأمر بالمعروؼ والنيي عف المنكر، زواؿ وصؼ الخيرية عف الأمة، لأنيـ لـ يستحقوا الثناء والمدح إلا لتحققيـ بيذا الفعؿ، فإذا انتفى عنيـ القياـ بيذه الفريضة ينتفي عنيـ الوصؼ بالخيرية، قال الإمام القرطبي -رحمو ا﵀-: قولو تعالى: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْيَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ "مدحٌ ليذه الأمة ما أقاموا ذلؾ واتصفوا بو، فإذا تركوا التغيير وتواطؤا عمى المنكر زاؿ عنيـ اسـ المدح ولحقيـ اسـ الذـ، وكاف ذلؾ سبباً ليلاكيـ"(3) وقدنص عدد مف الفقياء -رحميم ا﵀- عمى أف ترؾ الأمر بالمعروؼ والنيي عف المنكر ، يُ عد مف كبائ ر الذنوب(4) وا ذا تركت ىذه الوظيفة فإف العاقبة سيئة؛ لأف تركيا يكوف سبباً لحموؿ البدع، وانتشار المنكرات، وحصوؿ الفواحش والمحرمات، وكثرة المعاصي؛ فيكوف ذلؾ سبباً لمعقوبات التي تعـ جميعيـ. ومن ىذه المخاطر ما يمي: أولًَّ : النفاق قاؿ تعالى : ﴿المُنَافِقُونَ وَالمُنَافِقَاتُ بَعْضُيُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ وَيَنْيَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَيُمْ نَسُوا ا﵀َ فَنَسِيَيُمْ إِنَّ المُنَافِقِينَ ىُمُ الفَاسِقُونَ ﴾[ التوبة67]. (1) تفسير القرآف العظيـ، ابف كثير (2/94.) (2) في ظلاؿ القرآف، سيد قطب (1/399) (3) الجامع لأحكاـ القرآف، القرطبي (4/173.) (4) مف أولئؾ الإماـ بدر الديف الزركشي في كتابو البحر المحيط(3/335)، والإماـ ابف حجر الييتمي في كتابو الزواجر عف اقتراؼ الكبائ ر(1/227) حيث يقوؿ: الكبيرة الثالثة والرابعة والخامسة والتسعوف بعد الثلاثمائة ترؾ الأمر بالمعروؼ والنيي عف المنكر.

عدد الصفحات ٥١

الفصل الأول المبحث الثالث : المقاصد والأهداف لسورة آل عمران مه الآيت (102- 112) 11 قال الثوري (1): "إذا أمرت بالمعروؼ شددت ظير المؤمف ، وا ذا نييت عف المنكر أرغمت أنؼ المنافقيف"(2) ولذلؾ جعمو ا﵀ تبارؾ وتعال ى فرقاً بيف المؤمنيف والمنافقيف.(3) ثانياً: اليزيمة و نزول البلًّء يقوؿ ا﵀ : ﴿ فَمَوْلََّ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْمِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْيَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَْرْضِ إِلََّّ قَمِيلًًّ مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْيُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَمَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيوِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ*وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُيْمِكَ الْقُرَى بِظُمْمٍ وَأَىْمُيَا مُصْمِحُونَ ﴾[116 -117] عف أبى بكر أفالنبي  قاؿ(إن الناس إذا رأوا المنكر ولَّ يغيرونو أوشك ا﵀ أن يعميم بعقابو)(4) ومف سنف ا﵀ تعالى أنو ينصر مف ينصر دينو، وعمى العكس مف ذلؾ فإف ترؾ الأمر بالمعروؼ والنيي عف المنكر مف أعظـ أسباب اليزيمة أماـ الأعداء. ثالثاً : المعن والإبعاد من رحمة ا﵀ جاء الذـ البميغ والوعيد الشديد عمى ذلؾ، قاؿ ا﵀ تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَمَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَ ا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَّ يَتَنَاىَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَمُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَمُونَ﴾ [78- 79]5)) أي:"كاف لا ينيى أحدٌ منيـ أحداً عف ارتكاب المآثـ والمحارـ ثـ ذميـ عمى ذلؾ ليحذر أف يرتكب مثؿ الذي ارتكبوه "(6) وفي الصحيحيف عف أسامة بف زيد عف النبيأنو قاؿ(يؤتى بالرجل يوم القيامة فيمقى في النار، فتندلق أقتاب بطنو، أي: أمعاؤ ه فيدور في النار كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع عميو أىل النار، (1 )الثوري 97 - 161 ىـ ىو سفياف بف سعيد بف مسروؽ الثوري. مف بني ثور بف عبد مناة. أمير المؤمنيف في الحديث. كاف رأسا في التقوى، ومات بالبصرة. انظر: تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي (1/242.) (2) انظر الأمر بالمعروؼ والنيي عف المنكر، أبو بكر الخلاؿ (1/78.) (3 )انظرالجامع لأحكاـ القرآف، القرطبي (4/47.) (4 )سنف أبي داود، كتاب الملاحـ، باب الأمر والنيي، ح4338(2/525)، وسنف ابف ماجو، كتاب الفتف، باب الأمر بالمعروؼ والنيي عف المنكر، ح 4005(2/1327). قاؿ الشيخ الألباني: صحيح في صحيح الجامع،(1/398 .) (5 )انظرالإيضاح والتبييف لما وقع فيو الأكثروف مف مشابية المشرك يف، حمود بف عبد ا﵀ بف حمود التويجري (1/215.) (6) تفسير القرآف العظيـ، ابف كثير (2/307.)

عدد الصفحات ٥٢

الفصل الأول المبحث الثالث: المقاصد والأهداف لسورة آل عمران مه الآيت (101- 112) 11 فيقولون: ما لك يا فلًّن ؟! ألم تكن تأمر بالمعروف وتنيى عن المنكر؟! قال: فيقول ليم: بمى ولكني كنت آمركم بالمعروف ولَّ آتيو ، وأنياكم عن المنكر وآتيو).(1) رابع اً: عدم استجابة الدعاء(2) مف موانع الإجابة ترؾ الأمر بالمعروؼ والنيي عف المنكر، عف حذيفة بف اليماف أف النبي  قاؿ(والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنيون عن المنكر، أو ليوشكن ا﵀ أن يبعث عميكم عقابا من عنده ثم لتدعنو فلًّ يستجيب لكم)(3) قال المباركفوري "وا﵀ إف أحد الأمريف واقع ، إما الأمر والنيي منكـ، وا ما إنزاؿ العذاب مف ربكـ ، ثـ عدـ استجابة الدعاء لو في دفعو عنكـ؛ بحيث لا يجتمعاف ولا يرتفعاف فإف كاف الأمر والنيي لـ يكف عذاب، وا ف لـ يكونا كاف عذاب عظيـ".(4) المطمب الخامس تثبيت المؤمنين وبيان أن ما حل بالييود من الذل والصغار بسبب بغييم قاؿ تعالى: ﴿ لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلََّّ أَذًى وَا ِنْ يُقَاتِمُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَْدْبَارَ ثُمَّ لََّ يُنْصَرُونَ *ضُرِبَتْ عَمَيْيِمُ الذّْلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلََّّ بِحَبْلٍ مِنَ المَّوِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ المَّوِ وَضُرِبَتْ عَمَيْيِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَٰلِكَ بِأَنَّيُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ المَّوِ وَيَقْتُمُونَ الأَْنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴾[111-112] لما مدح ا﵀ تعالى أُ مة محمد ، ذـ أىؿ الكتاب؛ لأنيـ لـ يؤمنوا، فيـ بالتالي لا يأمروف بمعروؼ، ولا ينيوف عف منكر، بؿ يحاربوف المعروؼ، ويشيعوف المنكر ؛ ولذا لا خيرية فييـ، ولا خير منيـ "و ىذه الآيات تثبيت لممؤمنيف عمى ما ىـ عميو مف الاعتصاـ بالمّو والاتفاؽ عمى الحؽ والدعوة إلى الخير، وىي أيضاً ترغيب ليـ في المحاف ظة عمى اتباع الأوامر وترؾ النواىي، والأمر بالمعروؼ والنيي عف المنكر والإيماف بالمّو، وأعقب ذلؾ بمقارنتيـ بحاؿ أىؿ الكتاب، (1) صحيح البخاري ، كتاب بدء الخمؽ ، باب صفة النار،ح 3094(2/1191)، و صحيح مسمـ ، كتاب الزىد والرقائؽ ، باب عقوبة مف يأمر بالمعروؼ ولا يعرفو، ح 2989(4/2290.) (2) الشرح الميسر لكتاب التوحيد، عبد الممؾ القاسـ(1/280.) (3 )سنف الترمذي، كتاب الفتف، باب الأمر بالمعروؼ،ح 2169(4/468)، ومسند الإماـ أحمد بف حنبؿ، ح 23301 (5/389)، قاؿ الشيخ الألباني: حسف لغيره في صحيح الترغيب والترىيب 2/286.) . (4) تحفة احوذي، المباركفوري (6/326.)

عدد الصفحات ٥٣

الفصل الأول المبحث الثالث: المقاصد والأهداف لسورة آل عمران مه الآيت (101- 112) 12 وبياف سبب إلحاؽ صفة الذؿ بيـ والغضب عمييـ "(1). فمزمتيـ وفُ رضت عمييـ الذلة، أينما وُ جدوا، في كؿ دولة يعيشوف في ظميا، وقد عاش الييود زما ناً طويلاً تحت ظؿ الذؿ في أكثر مف بمد، و ىـ الآف يتحركوف بالعقمية ذاتيا ، عقمية الييودي المضطيد، فيي عقمية تبالغ في التخوؼ مف كؿ شيء، مما قد يبدو لمناس أنو مكرٌ ودىاء. والواقعُ أف عقمية الشعور بالاضطياد تجعؿ الييود دائماً خائفيف، حتى وىـ متمكنوف الآف، فشعور التوتر والقمؽ وعدـ الاستقرار الأمني والسياسي والاجتماعي والاقتصادي يطاردىـ وخوفيـ الدائـ فييا؛ مما يضطرىـ إلى فعؿ الذليؿ مف الأعماؿ، والأحواؿ؛ نفاقاً واتقاء شر يمحؽ بيـ "وقد كاف ىذا، كما أخبر بو القرآف ، فإنيـ ما زالوا تحت الذلة والمسكنة في جميع أقطار الأرض ، لـ يجتمع ليـ جيش ولا انتصروا في موطف مف المواطف ولا ثبتت ليـ دولة قط "(2) فيـ أذلاء أينما وجدوا، ليس ليـ ذاتية، ولا ترفع عنيـ ىذه المذلة التي ضربت (3)عمييـ، إلا بواحد مف أمريف: حبؿ مف ا﵀، كما حدث عندما عاىدىـ رسوؿ ا﵀  في المدينة، وعاشوا في حمى العيد، أو عيد مف أناس أقوياء يقدموا ليـ الحماية . وىذا ىو واقع الييود اليوـ، فإف كثيراً مف أمـ الكفر تمدىـ وتعينيـ، وتقؼ إلى جانبيـ، وىذا ما يرفع عنيـ قدراً كبيراً مف الذؿ، أو يرفع عنيـ الذؿ الظاىر. وأما ذؿ القموب والأفئدة، فيو مصاحب ليـ لا يفارقيـ ، ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلََّّ أَذىً وَا ِنْ يُقَاتِمُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَْدْبَارَ ثُمَّ لَّ يُنْصَرُونَ ﴾[111] وقاؿ تعالى﴿ تَحْسَبُيُمْ جَمِيعاً وَقُمُوبُيُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّيُمْ قَوْمٌ لَّ يَعْقِمُونَ ﴾ [14.] وىذا الذؿ الذي في القمب، يظير أثره عمى الوجوه، كما قاؿ الحسن البصري -رحمو ا﵀-(4) :في أىؿ المعصية "إنيـ وا ف ىممجت بيـ البراذيف، وطقطقت بيـ البغاؿ، فإف ذؿ المعصية في وجوىـ، أبى إلا أف يذؿ مف عصاه".(5) (1 )التفسير المنير، الزحيمي (4/40) (2) إرشاد الثقات، الشوكاني (1/50.) (3 )ضرب بمعنى ألزـ ودمغ ، وضرب الشيء أي التصؽ بو التصاقاً شديداً. أي: التحفتيـ الذلة التحاؼ الخيمة بمف ضربت عميو في عامة الأحواؿ إلا في حاؿ اعتصاميـ بحبؿٍ مف ا﵀ وحبؿٍ مف الناس. انظر: مفردا ت ألفاظ القرآف، الاصفياني (2/8.) (4 )الحسن البصري 21 - 110 ىـ ىو الحسف بف يسار البصري، تابعي، كاف أبوه يسار مف سبي ميساف، ولد بالمدينة و رأى بعض الصحابة ، وسمع مف قميؿ منيـ، كاف، ناسكا، فصيحا، عالما. انظر: الأعلاـ، الزركمي (2/226.) (5 )انظرتذكرة المؤتسي شرح عقػيدة الحافػظ عبػد الغني المقدسي، عبد الرزاؽ بف عبد المحسف البدر(1/172)،حجاب المرأة ولباسيا في الصلاة، تقي الديف الحنبمي (1/48.)

عدد الصفحات ٥٤

الفصل الأول المبحث الثالث : المقاصد والأهداف لسورة آل عمران مه الآيت (102- 112) 12 فلا يكوف الييود إلا تحت أحكاـ المسمميف وعيدىـ، تؤخذ منيـ الجزي ة ويستذلوف، وقد ﴿بَاءُوا﴾ مع ذلؾ ﴿بِغَضَبٍ مِنَ المَّوِ ﴾ وىذا أعظـ العقوبات، والسبب الذي أوصميـ إلى ىذه الحاؿ ذكره ا﵀ بقولو:﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّيُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ المَّوِ ﴾ التي أنزليا ا﵀ ع مى رسولو محمد  الموجبة لميقيف والإيماف، فكفروا بيا بغياً وعناداً ﴿وَيَقْتُمُونَ الأَْنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ أي: يقابموف أنبياء ا﵀ الذيف يحسنوف إلييـ أعظـ إحساف بأشر مقابمة، وىو القتؿ" والييود فييـ الكبر، والحسد ورد الحؽ والمستكبر معاقب بالذؿ(1) وذلؾ كمو بسبب عصيانيـ واعتدائيـ، وسوء أفعاليـ، فيو الذي جرأىـ عمى الكفر با﵀ وقتؿ أنبياء ا﵀. (2) (1) انظر: الإمامة في ضوء الكتاب والسنة، ابف تيمية(1/141)،المنتقى مف منياج الاعتداؿ، الذىبي(1/451.) (2) انظر التسييؿ لعموـ التنزيؿ، لابف جزي (1/31)،وأيسر التفاسير، أسعد حومد(1/405)، وجامع لطائؼ التفسير، القماش(1/321.)

عدد الصفحات ٥٥

24   الفصل الثاني الدراسة التحليلية لمقاصد وأهداف سورة آل عمران من الآوة(113-132) وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول المقاصد والأهداف لسورة آل عمران من الآوة (113- 117) المبحث الثاني المقاصد والأهداف لسورة آل عمران من الآوة (118-120) المبحث الثالث المقاصد والأهداف لسورة آل عمران من الآوة (121- 132)  

عدد الصفحات ٥٦

24   المبحث الأول المقاصد والأهداف لسورة آل عمران من الآوة (113- 117) وفيه ثلاثة مطالب: اطلب الأول: عدالة الإسلام مع أهل الكتاب اطلب الثاني: مصير أعمال الكاػرون ووم القيامة اطلب الثالث: ضرب الأمثال لبيان حال الكاػرون  

عدد الصفحات ٥٧

الفصل الثاوي المبحث الأول: المقاصد والأهداف لسورة آل عمران مه الآيت (111-114) 22 المبحث الأول المقاصد والأىداف لسورة آل عمران من الآية ( 111- 114) قال 7﴿لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَىْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْمُونَ آيَاتِ المَّوِ آنَاء المَّيْلِ وَىُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِالمَّوِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْيَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُ ونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ*وَمَا يَفْعَمُواْ مِنْ خَيْرٍ فَمَن يُكْفَرُوْهُ وَالمَّوُ عَمِيمٌ بِالْمُتَّقِي نَ*إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْيُمْ أَمْوَالُيُمْ وَلاَ أَوْلاَدُىُم مِّنَ المَّوِ شَيْئًا وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ىُمْ فِييَا خَالِدُونَ*مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي ىِذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِييَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَمَمُواْ أَنفُسَيُمْ فَأَىْمَكَتْوُ وَمَا ظَمَمَيُمُ المَّوُ وَلَكِنْ أَنفُسَيُمْ يَظْمِمُونَ ﴾ [113- 117]. ىذه الآيات استمرار في بيان أوصاف أىل الكتاب، ففي الآيات السابقة صنفيم القرآن صنفين: منيم الفاسقون وىم الأكثرون، الخارجون عن طاعة ا﵀ ، المعادون لأولياء ا﵀، بأنواع العداوة ثم بين حاليم، ومصيرىم، ومنيم المؤمنون وىم الأقمون ، و بيّن حاليم وا ن كانوا قمة دخموا في الإسلام.(1) ويتجمّى في ىذهالآيات الإنصاف القرآني في تسجيل حسنات المحسنين، والتنويو بيم، عمى أن من الواجب أن نُ سجل أن ىذه التقريرات القرآنية لم تتناول إلّّ قمّة منيم ، في حين كانت أكثريتيم العظمى وعمى رأسيم أكثر أحبارىم ، وربانيييم منحرفين عن الحق، موغمين في الكيد والتآمر، حتى لقد وصل الأمر ببعضيم إلى إظيار إيمانيم بالجبت والطاغوت، نفاقاً لزعماء مشركي مكة وقوليم ليم إنيم أىدى من النبي  وأصحابو عمى ما حكتو آيات سورة النساء(2) ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِمَّذِينَ كَفَرُوا ىؤُلاءِ أَىْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلً *أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَيُمُ المَّوُ وَمَنْ يَمْعَنِ المَّوُ فَمَنْ تَجِدَ لَوُ نَصِيراً ﴾ [51-52.] فالييود كفروا عناداً ؛ لأنيم يعممون الحق، ولّ يتبعونو عملا ، والنصارى كفرىم من جية عمميم بلا عمم، بل أحدثوا في دين ا﵀ ما ليس منو فغمب عمييم أنيم عبدوا ا﵀ بغير عمم مبتدعين، ويقولون عمى ا﵀ ما لّ يعممون. (1) انظر: التفسير المنير، الزحيمي (4/48)، تفسير المنار، محمد رضا ( 4/58.) (2 )انظرالتفسير الحديث، دروزة (2/525.)

عدد الصفحات ٥٨

الفصل الثاوي المبحث الأول: المقاصد والأهداف لسورة آل عمران مه الآيت (111-114) 24 وليذا قال سفيان بن عيينة(1) وغيره "من فسد من عممائنا ففيو شبو من الييود، ومن فسد من عبادنا، ففيو شبو من النصارى" .(2) المطمب الأول قال : ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَىْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْمُونَ آيَاتِ المَّوِ آنَاءَ المَّيْلِ وَىُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِالمَّوِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْيَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِ عُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَمَا يَفْعَمُواْ مِنْ خَيْرٍ فَمَن يُكْفَرُوْهُ وَالمَّوُ عَمِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ﴾ [113-115] الإسلام دين يحث عمى العدل، والإنصاف، وعدم غَ مْ ط الناس، كذلك صنع المنياج القرآني مع الييود، فمع حديثو عن عداوتيم الأشد لممؤمنين، نجد القرآن يبمغ قمة العدل في التعامل معيم، "فعندما ذم ا﵀ تعالى أىل الكتاب الذين خالفوا أمره ، فضربت عمييم الذلة ، والمسكنة، وبَآؤُوا بغضب من ا﵀، بسبب ما اقترفوه من الآثام والمعاصي ، وقتل الأنبياء بغير حق، وصدِّىم عن سبيل ا﵀"(3)،بأساليبيم الماكرة ، وصفاتيم الخبيثة، بين سبحانو أنيم ليسوا جميعاً سواء(4)، بل استثنى منيم طائفة جنحت لمحق، فآمنت، واتخذت منيج المسممين منيجاً في الأمر بالمعروف، والنيي عن المنكر، والسعي في الخيرات، ووصفيم بأنيم من الصالحين بل أنصفيم غاية الإنصاف(5)، ومن ذلك قولو تعالى: ﴿وَمِنْ أَىْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْوُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْيُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْوُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَمَ يْوِ قَائِماً ﴾ [75] ويأمر ا﵀ بمحاورة أىل الكتاب بمغة الإنصاف والعدل: ﴿قُلْ يَا أَىْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَمِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ المَّوَ وَلا نُشْرِكَ بِوِ شَيْئاً ﴾ [64.] (1 )ابن عيينةت 165ىـ ىو سفيان بن عيينة بن أبي عمران، أبو محمد، اليلالي، الكوفي . سكن مكة، أحد الثقات الأعلام، أجمعت الأُ مة عمى الّحتجاج بو، وكان قوي الحفظ، وقال الشافعي : ما رأيت أح داً من الناس فيو جزالة العمم ما في ابن عيينة. انظر: شذرات الذىب، الحنبمي (1/354.) (2 )انظرالبداية والنياية، ابن كثير(11/133)، صفوة التفاسير، الصابوني(1/357.) (3 )إرشاد العقل السميم، أبو السعود(1/538) . (4) قولو تعالى﴿لَيْسُوا سَوَاءً ﴾ تفرقة بين ىاتين الفرقتين من أىل الكتاب الييود والنصارى ، وأنيم ليسوا سواء عمى وضع واحد في موقفيم من الإسلام والمسممين. انظر: التفسير القرآني لمقرآن، عبد الكريم الخطيب، (1/561) . (5) في ظلال القرآن، سيد قطب ( 1/400).

عدد الصفحات ٥٩

الفصل الثاوي المبحث الأول: المقاصد والأهداف لسورة آل عمران مه الآيت (111-114) 24 والإسلام ينطمق في الحوار من التكافؤ بين البشر لّ تفاضل لعرق أو لَ وْ ن، كما حكى ا﵀ عن الييود قوليم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ المَّوِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾[18] "وىم يرون أنيم شعب ا﵀ المختار، يترفعون عن بقية الأجناس، وينظرون إلييم عمى أنيم دونيم، وأقل منيم" (1)، و كما يدعى العنصريون البيض في أُ وروبا، أو طبقية كما ىي عند اليندوس، وا نما بصلاحيم، ﴿يَا أَيُّيَا النَّاسُ إِنَّا خَمَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَمْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَ كُمْ عِنْدَ المَّوِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ المَّوَ عَمِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [13.] إن حفاوة القرآن بأىل الكتاب عمى ىذا النحو، شيادة بصدق نسبة القرآن إلى ا﵀ تعالى، وبأن الإسلام ىو دين ا﵀ المييمن، وكممتو التي لّ يُعْبد ا﵀ بحقّ بغيرىا.(2) وتذكر الآيات أن أىل الكتاب ليسوا بدرجة واحدة، فمنيم المجرم الذي يحسد المؤمنين ويتمني ليم الضلال، وا ن منيم الخونة، وا ن منيم من يشتري بعيد ا﵀ وأيمانيم ثمناً قميلاً، وا ن منيم فريقاً يحرفون الكَ مِ مَ عن مواضعو ويُ بدلون كلام ا﵀ ويزيمونو عن المراد منو، ليوىموا الجيمة أنو من كتاب ا﵀، ثم في الوقت نفسو يذكر ويبين أن بعضيم لو صفات جيدة(3) مثل التزام العيد وأداء الأمانة، وترك الخيانة وحب ال صدق، والأمر بالمعروف والنيي عن المنكر.(4) وىذه الآيات الكريمة نزلت كما يقول المفسرون فيمن آمن من أحبار أىل الكتاب، كما ذكر الواحدي: قال ابن عباس ومقاتل: لما أسمم عبد ا﵀ بن سلام وثعمبة بن سَعْيَة وأسيد بن سَعْيَة وأسعد بن عبيد ومن أسمم من الييود قالت أحبار الييود: ما آمن لمحمد إلّ شرارنا ، ولو كانوا من خيارنا ، لما تركوا دين آبائيم ، وقالوا ليم: لقد خُ نتم واستبدلتم بدينكم ديناً غيره (5)، فأنزل ا﵀ ىذه الآية ﴿يُؤْمِنُونَ بِالمَّوِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْيَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ِ [114.] غير أنالألوسي يمفتنا إلى سر التعبير بـ﴿ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ﴾ِ ىنا مع أنو لم يذكره في آية الخيرية بقولو: "وخص ا﵀ تعالى اليوم الآخر بالذكر، إظياراً لمخالفتيم لسائر الييود، فيما عسى (1) دروس وعبر في تربية الأمة وبناء الدولة، عمي الصلابي (5/76.) (2 )انظرمجمة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، معوض إبراىيم معوض (14/4) http://www.iu.edu.sa/Magazine (3 )قدم ا﵀ إيمانيم بالقرآن عمى إيمانيم بما أنزل عمييم، لأن القرآن ىو المييمن عمى الكتب السماوية، والأمين عمييا، فما وافقو منيا فيو حق، وما خالفو فيو باطل. انظر: التفسير الوسيط، محمد سيد طنطاوي (1/834.) (4) انظر: القواعد العممية، محمد الحيالي(1/25)، وقبس من نور القرآن، الصابوني (1/152.) (5 )انظرأسباب النزول، الواحدي(ص:87). زاد المسير، ابن الجوزي (1/442.)

عدد الصفحات ٦٠

الفصل الثاوي المبحث الأول: المقاصد والأهداف لسورة آل عمران مه الآيت (111-114) 24 أن يتوىم متوىم مشاركتيم ليم فيو، لأنيم يدّعون أيضاً الإيمان با﵀ تعالى واليوم الآخر، لكن لما كان ذلك مع قوليم: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ المّوِ ﴾ِ [التوبة30] وكفرىم ببعض الكتب والرسل ووصفيم اليوم الآخر بخلاف ما نطقت بو الشري عة المصطفوية جعل ىو والعدم سواء".(1) قولو 7﴿وَمَا يَفْعَمُواْ (2) مِنْ خَيْرٍ فَمَن يُكْفَرُوْهُ وَالمَّوُ عَمِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ﴾[115] إنو سبحانو يعطييم الجزاء العادل ، وا ن شيئاً لّ يضيع عنده وىو الحق؛ فالخير الذي يفعمونو لن يكفروه (3) أويجحد ليم أو يستر عن الناس؛ لأنو سبحانو عميم بالمتقين، فمن الجائز أن يصنع إنسان الأعمال ولّ يراىا أحد، أما الحق فيو يرى كل عمل ، وىو الذي يممك حسن الجزاء .(4) المطمب الثاني قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْيُمْ أَمْوَالُيُمْ وَلاَ أَوْلاَدُىُم مِّنَ المَّوِ شَيْئًا وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ىُمْ فِييَا خَالِدُونَ ﴾ [116] بعد أن حذر ا﵀ تعالى المسممينمن أخطاء أىل الكتاب، انتقل إلى التحذير من أعدائيم من الداخل وىم المنافقون، وبين  أن الذين كفروا لن تُغني عنيم أمواليم ولّ أولّدىم من عذاب ا﵀ شيئاً ، أي: لّ تدفع عنيم شيئاً من عذاب ا﵀، ولّ تجدي عمييم شيئاً من ثواب ا﵀، وىذا وعيدٌ من ا﵀  للُمة الأُ خرى الفاسقة من أىل الكتاب ، الذين أخبر عنيم بأنيم فاسقون وأنيم قد باءوا بغضب منو ولمن كان من نظرائيم ، من أىل الكفر با﵀ ورسولو ، وما جاء بو محمد  من عند ا﵀، فيم أصحاب النار المقضي عمييم بالخمود فييا.(5) (1 )روح المعاني، الألوسي (2/250.) (2) قرأ حفص وحمزة والكسائي ﴿وَمَا يَفْعَمُواْ مِنْ خَيْرٍ فَمَنْ يُكْفَروهُ﴾ القائمة وقرأ الباقون بالتاء(تفعموا – تكفروه) بالخطاب فييما لقولو:﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِمنَّاسِ﴾ . انظر: النشر في القراءات العشر، ابن الجزري( 2/421). (3 )سمي ذلك كفراناً، كما سمي توفية الثواب شكراً، وتعديتو إلى مفعولين لتضمنو معنى الحرمان. انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي (1/381)، معالم التنزيل، البغوي (2/94.) (4 )انظرتفسير الشعراوي، الشعراوي (/1140). (5 )انظرجامع البيان، الطبري (4/57)، التفسير الموضوعي، نخبة من العمماء(1/500)،التفسير الحديث، دروزة (7/217.)

عدد الصفحات ٦١

الفصل الثاوي المبحث الأول: المقاصد والأهداف لسورة آل عمران مه الآيت (111-114) 24 وليذا قال:﴿ وَأُوْلَئِكَ (1)أَصْحَابُ النَّار (2)ىُمْ فِييَا خَالِدُونَ﴾ "أي وأولئِكَ المنحطونَ السّافمون البعداء جدّاً عن رحمة ا﵀ِ أصحاب النار ىم فييا خالدون. ولما كان المال في باب المدافعة والتقرب والفتنة أبمغ من الأولّد، قدم في ىذه الآية ؛ لأن الإنسان يدفع عن نفسو تارة بفداء المال وتارة بالّستعانة بالأولّد ، وخص الأولّد لأنيم أقرب أنسابيم إلييم، ولأن المغرور إنما يصده عن اتباع الحق أو النظر في دليمو الّستغناء بما ىو فيو من النعم وأعظميا الأموال والأولّد ، فالذي يرى نفسو مستغنياً بمثل ذلك قمما يوجو نظره إلى طمب الحق أو يصغي إلى الداعي إليو، أي ومن لم يوجو نظره إلى الحق لّ يُ بصره ، ومن لم يُ بصره ؛ تخبط في دياجير الضلال عمر ه حتى يتردى فييمك اليلاك الأبدي ، ولّ ينفعو في الآخرة مالو فيفتد ي بو أو ينتفع بما كان أنفقو منو (3) كما في قولو : ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾[15.] وفي قولو:﴿ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَْمْوَالِ وَالأَْوْلاَدِ ﴾[20] وفي قولو تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ﴾[37.] بل تكون أمواليم(4) وأولّدىم زاداً ليم إلى النار، وحجةً عمييم. إن الفتنة بالمال أخذت صوراً شتى في كل العصور، وبرزت في عصرنا ىذا، فوجب التنبيو ولفت الأ نظار ليا، فرُبَّ غافلٍ يظن أنو عمى طريق صحيح ، وىو في طريق ىمكة الّشتغال بالمال - ولو كان حلالًّ - عن طاعة ا﵀ ، وعن ذكره ، لأنو يشغل البال عن القيام بالطاعة ويُنسي الآخرة.(5) (1 )من دواعي اختيار اسم الاشارة : إرادة إىانة المتَحَدَّث عنو، والتعبير عن انحطاط منزلتو، وبعدىا كثيراً إلى جية الأسفل، باستعمال اسم الإِشارة الذي يشار بو إلى البعيد. انظر: البلاغة العربية أسسيا وعموميا وفنونيا، عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني (1/424.) (2) وجممة ﴿وأولئك أصحاب النار ﴾ عطف عمى جممة لن تُ غني عنيم أمواليم ولّ أولّدىم ، وجيء بالجممة معطوفة، عمى خلاف الغالب في أمثاليا أن يكون بدون عطف، لقصد أن تكون الجممة منصبا عمييا التأكيد بحرف (إن) فيكمل ليا من أدلة تحقيق مضمونيا خمسة أدلة ىي: الت أكيد بإن، وموقع اسم الإشارة، والإخبار عنيم بأنيم أصحاب النار، وضمير الفصل، ووصف خالدون. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور(4/60.) (3) انظرالبحر المحيط، أبو حيان(2/152)، معالم التنزيل، البغوي 2/94)، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي (4/177)، تفسير المنار، محمد رضا (4/62.) (4) قال مقاتل بن سميمان وىي نفقة سمفة الييود عمى عممائيم ورؤسائيم كعب بن الأشرف وأصحابو. انظر: العجاب في بيان الأسباب، شياب الدين بن عمي(2/730.) (5 )فيض القدير، المناوي 2/643.)

عدد الصفحات ٦٢

الفصل الثاوي المبحث الأول: المقاصد والأهداف لسورة آل عمران مه الآيت (111-114) 24 كما قال تعالى﴿يأَيُّيَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُمْيِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ المَّوِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ ىُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [9]سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَمَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَمَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَىْمُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا ﴾ [11] ومن ىذه الصور7  كراىية ا نفاق في سبيل ا﵀ : وعمى رأسيا الزكاة الواجبة، فبعض الناس ينفق الأموال الطائمة في أمور الميو والترف، وحينما يُدعى للإنفاق في سبيل ا﵀، يعرض و ينسى قول ا﵀  في حق المنافقين:﴿ فَرِحَ الْمُخَمَّفُو نَ بِمَقْعَدِىِمْ خِلَفَ رَسُولِ المَّوِ وَكَرِىُواْ أَن يُجَاىِدُواْ بِأَمْوَالِيِمْ وَأَنْفُسِيِمْ فِي سَبِيلِ المَّو ﴾[81]  عدم التحري في المعاملت المالية : وعدم السؤال عن ما يدخل إليو، أمن حرام أمن حلال ، والتساىل في ذلك. قال  (لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن ىذا المال من أين اكتسبو وفيم أنفقو).(1)  أكل أموال الناس بالباطل: عن طريق المكاسب المحرمة ، كالربا والسرقة ، والغصب، و الغش والتدليس والرشوة وغيرىا والتحايل عمى أكميا بشتى الوسائل والحيل الممتوية، كما قال جل وعلا: ﴿وَلاَ تَأْكُمُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِيَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُمُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْمَمُونَ ﴾[188]، ويقول سبحانو : ﴿يَا أَيُّيَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُمُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ وَلاَ تَقْتُمُواْ أَنْفُسَكُمْ إِنَّ المَّوَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ﴾ [29.]  أكلمال اليتيم : يقول :﴿وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَيُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُمُواْ أَمْوَالَيُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّوُ كَانَ حُوباً كَبِيراً ﴾ [2] ويقول سبحانو ميدداً ومتوعداً﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُمُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُمْماً إِ نَّمَا يَأْكُمُونَ فِي بُطُونِيِمْ نَاراً وَسَيَصْمَوْنَ سَعِيراً ﴾[10]. المطمب الثالث قال تعالى7 ﴿مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي ىِذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِييَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَمَمُواْ أَنفُسَيُمْ فَأَىْمَكَتْوُ وَمَا ظَمَمَيُمُ المَّوُ وَلَكِنْ أَنفُسَيُمْ يَظْمِمُونَ ﴾[117] لما بيّن تعالى أن أموال الكفار لّ تغني عنيم شيئاً ، ثم إنيم ربما أنفقوا أمواليم في وجوه الخيرات ، فيخطر ببال الإنسان أنيم ينتفعون بذلك، فأزال ا﵀ تعالى بيذه الآية تمك الشبية، (1 )سنن الترمذي، كتاب صفة القيامة، باب في القيامة، ح 2417(4/612)، وسنن الدارمي، كتاب المقدمة، باب من كره الشيرة، ح 537(1/144)، قال الشيخ الألباني: حسن في صحيح الجامع2/1221.)

عدد الصفحات ٦٣

الفصل الثاوي المبحث الأول: المقاصد والأهداف لسورة آل عمران مه الآيت (111-114) 45 وبيّن أنيم لّ ينتفعون بتمك الإنفاقات، وا ن كانوا قد قصدوا بيا وجو ا﵀.(1) فقد ضرب ا﵀  مثلاً لما ينفقو الكفار من أمواليم، في المكارم والمفاخر وكسب الثناء وحسن الذكر(2)،و التي يصدون بيا عن سبيل ا﵀، ويستعينون بيا عمى إطفاء نور ا﵀، بأنيا تبطل وتضمحل، كمن زرع زرعاً يرجو نتيجتو ويؤمل إدراك ريعو، فبين ما ىو كذلك إذ أصابتو ريحٌ فييا صرٌ ، أي: بردٌ شديدٌ محرقٌ ، فأىمكت زرعو، ولم يحصل لو إلّ التعب والعناء وزيادة الأسف. قال ابن عطية (3): "معناه المثال القائم في النفس من إنفاقيم الذي يعدونو قربة وحسبة وتحنثاً، ومن حبطو يوم القيامة وكونو ىباءً منثوراً، وذىابو كالمثال القائم في النفس، مَنْ زرع قوم نبت واخصرَّ وقوي الأمل فيو فيبت عميو ريح صرّ (4) محرق فأىمكتو (5)، فكذلك ىؤلّء الكفار الذين قال ا﵀ فييم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَيُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ ا﵀ِ فَسَيُنْفِقُونَيَا ثُمَّ تَكُونُ عَمَيْيِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْمَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَيَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال36]. (1) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي (4/356.) (2) انظرأعلام الموقعين، ابن القيم(1/186)، الأمثال في القرآن الكريم، أبو بكر الزرعي (1/53.) (3 )ابن عطية151 وقيل154- 215ىـ وقيل غير ذلك ىو عبد الحق بن غالب بن عطية، أبو محمد المحاربي، من أىل غرناطة. كان فقييًا جميلاً، عارفًا بالأحكام والحديث والتفسير، نحويًا لغويًا أديبًا، من تصانيفو: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز . انظر: بغية الوعاة، السيوطي(2/73)،طبقات المفسرين، الأ دنروي (1/751)، تاريخ قضاة الّندلس، أبو الحسن النباىي(1/61.) (4 )الإصرار التعقد في الذنب والتشدد فيو، وأصمو من الصر أي: الشد. والصرة: ما تعقد فيو الدراىم ، قال ا﵀ تعالى: ﴿ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا﴾ [8] وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ﴾ [7] ﴿وكانوا يصرون عمى الحنث العظيم }46]، (قال في الصحاح: وأصري وصرى وأصرى وصري وصرى أي: جد وعزيمة، وقولو: ﴿ رِيحًا صَرْصَرًا ﴾:16] صروا، أي: جمعوا في وعاء، قال تعالى: ﴿ فَأَقْبَمَتِ امْرَأَتُوُ فِي صَ رَّةٍ ﴾29] القرآن، الأصفياني (1/577)،مختار الصحاح، الرازي (1/375.) (5) البحر المحيط، أبو حيان(3/363.)

عدد الصفحات ٦٤

الفصل الثاوي المبحث الأول: المقاصد والأهداف لسورة آل عمران مه الآيت (111-114) 45 ثم ختم الآية بقولو:﴿ وَمَا ظَمَمَيُمُ ا﵀ ولكن أَنْفُسَيُمْ يَظْمِمُونَ ﴾ أي أن ا﵀  ما ظمميم حين لم يَ قبل نفقاتيم وأبطل أعماليم، ولكنيم ىم الذين ظمموا أنفسيم بإيثارىم الكفر عمى الإيمان، و اختاروا لأنفسيم الشرود والضلال والّنفلات من عصمة الحبل الممدود ، فإذا ذىب عمميم كمو ىباء - حتى ما ينفقونو فيما ظاىره الخ ير - وا ذا أصاب حرثيم كمو الدمار، فمم يُ غن عنيم مالٌ ولّ ولدٌ ، فما في ىذا ظُ مم من ا﵀  ليم، ومن كان كذلك فمن يقبل ا﵀ منو شيئاً؛ لأن ا﵀ تعالى، إنما يتقبل من المتقين.(1) (1) انظرفي ظلال القرآن، سيد قطب (1/421)، التفسير الوسيط، طنطاوي (1/715.)

عدد الصفحات ٦٥

44   المبحث الثاني المقاصد والأهداف لسورة آل عمران من الآوة (118- 120) وفيه مطلبان: اطلب الأول: تحذور الأُ مة من موالاة الأعداء اطلب الثاني: تثبيت المؤمنين  

عدد الصفحات ٦٦