التمهيد تعريف عام بسورة آل عمران 5 والسورة تدور حول ثلاث قضايا طويمة (1)،الأولى الحوار مع أىل الكتاب الذين يخاصمون الإسلام داخل المدينة، والثانية في صدد مواقف الييود ومكائدىم، والثالثة تعميق عمى غزوة أُ حد التي أصابت المسممين بجرح غائر. (2) ويتحدد من خلال ىذه القضايا عدد من ركائز العقيدة الإسلامية وتشريعاتيا، فقد اشتممت ىذه السّورة الكلام عمى ركنين ىامين من أركان الدين: الأول: ركن العقيدة وا قامة الأدلة والبراىين عمى وحدانية ا﵀ . الثاني التشريع وبخاصة فيما يتعمق بالمغازي والجياد في سبيل ا﵀. أولاً: جانب العقيدة تناولت الآيات الكريمة أدلة الوحدان ية، والنبوة، وا ثبات صدق القرآن ."ويتضمن ىذا الجانب إيضاحات قوية لأسس التصور الإسلامي من ناحية العقيدة، وا لى جانبيا إيضاحات قوية كذلك في طبيعة ىذه العقيدة وآثارىا في الحياة الواقعية، ىذه الآثار الملازمة للإيمان بيا يمكن بيانيا من خلال النقاط التالية".(3) 1- الإيمان با﵀ تعالى أثبتت الآيات وحدانية المّو تعالى، وأنو وحده الحي الذي لا يدركو الفناء(4)".وتضمنت الآيات ثلاثة أصول: شيادة أن لا إلو إلا ا﵀، وأنو قائمٌ بالقسط، وأنو العزيز الحكيم، فتضمنت وحدانيتو المنافية لمشرك، وتضمنت عدلو المنافي لمظمم، وتضمنت عزتو وحكمتو المنافية لمذل والسفو، وتضمنت تنزييو عن الشرك والظمم والسفو، ففييا إثبات التوحيد، وا ثبات العدل، وا ثبات الحكمة، وا ثبات القدرة"(5).قال تعمى شَيِدَ المَّ وُ أَنَّوُ لاَ إِلَوَ إِلاَّ ىُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُولُو الْعِمْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَوَ إِلاَّ ىُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [18.] 2- الإيمان بوحي السماء والإيمان برسل ا﵀ (1) القسم الأوَّل من الس ورة ( الحرب العقدية الفكرية أو حرب الشبيات)، ويتمثل في الحوار مع أىل الكتاب وىو الأطول ( 120 آية) ويكاد يصل إلى ثمثي الس ورة و جزء من خاتمتيا، والَّذي يناقش وفد نصارى نجران (من بداية السورة إلى الآية: 80)، وشبيات أىل الكتاب (من الآية 81- الآية120)، والقسم الثَّاني (الحرب الماديَّة المباشرة أوِ القتال ) ، ويُمقي الضَّوء عمى غزوة أُ حد ( من الآية 121- نياية السورة . (2) انظر: نحو تفسير موضوعي، محمد الغزالي (1/23)، والتفسير الحديث، محمد عزت دروزة (7/105). (3) في ظلال القران، سيد قطب (1/332.) (4) انظرنظم الدرر، لمبقاعي(1/473)، في ظلال القران ، سيد قطب (1/332)، التفسير المنير، الزحيمي (3/141.) (5) مجموع الفتاوى ، ابن تيمية( 14/181 وما بعدىا).
عدد الصفحات ١٩التمهيد تعريف عام بسورة آل عمران 6 تنتقل السورة الكريمة إلى تأكيد إيمان المسمم بجميع الرسالات السماوية، وبجميع أنبياء ا﵀ ورسمو دون أدنى تفريق، مؤكدة أن رسالتيم جميعاً واحدةً ، ألا وىي الإسلام العظيم، الذي بُ عث بو كل نبيٍ وكل رسولٍ . قُلْ آمَنَّا بِالمَّوِ وَمَا أُنْزِلَ عَمَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَمَى إِبْرَاىِيمَ وَا ِسْمَاعِيلَ وَا ِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَْسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّيِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْيُمْ وَنَحْنُ لَوُ مُسْمِمُونَ [84] 3- الإيمان بأن القرآن يضم آياتٍ محكماتٍ وأُخر متشابيات : المحكم يجب الإِيمان بو والعمل بمقتضاه، والمتشابو يجب الإِيمان بو ويُ فوض أمر تأويمو إلى ا﵀ منزلو .(1)﴿ىُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَمَيْكَ الْكِتَابَ مِنْوُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ ىُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِيَاتٌ﴾ [عمران 7]. 4- الإيمان بأن كل نفس ذائقة الموت وفي السورة أيضاً ذكر حقيقة الموت، وأنو مصير كل نفس، والثواب يوم القيامة، والابتلاء في الدنيا(2) ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَا ِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾[185]. 5- الإيمان بأن الدين المقبول عند ا﵀ ىو الإسلام وأنو لا يعدلو دين، وأنو لا يُ قبل دين عند ا﵀ بعد ظيور الإسلام غير الإسلام، ومناقشة النصارى في شأن المسيح وألوىيتو والتكذيب برسالة الإسلام، واستغرقت المناقشة قرابة نصف السورة. (3)﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ المَّوِ الإِْسْلاَمُ وَمَا اخْتَمَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَىُمُ الْعِمْمُ بَغْيًا بَيْنَيُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ المَّوِ فَإِنَّ المَّوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [19]. 6- طاعة ا﵀ واتباع رسولو ومنيجو(4) : قال تعالى ﴿وَأَطِيعُوا المَّوَ وَالرَّسُولَ لَعَمَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران ١٣٢] "فطريق الرحمة والمغفرة سموك طاعة ا﵀ ورسولو" (5) . (1) انظر: أيسر التفاسير، أبو بكر الجزائري (1/151)، أغراض السور في التحرير والتنوير، محمد الحم د، (ص 16.) (2 )انظر: التفسير الموضوعي، نخبة من العمماء1/412)،أنوار التنزيل، البيضاوي (1/421.) (3) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور (3/144)، التفسير المنير، الزحيمي (3/141.) (4 )انظرفي ظلال القرآن، سيد قطب (1/332.) (5) القواعد الحسان في تفسير القرآن، ال ثعالبي(1/49.)
عدد الصفحات ٢٠التمهيد تعريف عام بسورة آل عمران 7 والطاعة المذكورة في ىذه الآية ونحوىا من نصوص الوحي، محصورة في العمل بكتاب ا﵀ وسنة رسولو .(1) 7- الإيمان بخيرية أُ مة الإسلام: دليل عمى أن ىذه الأُ مة الإسلامية خير الأُ مم عمى الإطلاق، وأن ىذه الخيرية مشتركة ما بين أول ىذه الأُ مة، وآخرىا بالنسبة إلى غيرىا من الأُ مم، وا ن كانت متفاضمة في ذات بينيا.(2) لقولو تعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِمنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْيَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِالمَّوِ ﴾ [110.] 8- الإيمان بقضاء ا﵀وقدره، وأن الابتلاء سُ نة: قد يُ صيب المؤمنين با﵀ ورسولو مصائب ؛ بسبب ذنوبيم وتقصيرىم في طاعة ا﵀ ورسولو ، كما لحقيم يوم أُ حد، وكذلك ما امتحنوا بو من الضراء ، وأذى الكفار ليم ليس ىو بسبب نفس إيمانيم ولا ىو موجبو ، وا نما امتحنوا بو ليخمص ما فييم من الشر، فامتحنوا بذلك كما يمتحن الذىب بالنار ؛ ليخمص من غشو. (3) كما قال تعالى ﴿وَلِيُمَحِّصَ المَّوُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾[141]. ثانياً: الجانب التشريعي أبانت الآيات بعض أحكام الشرع مثل: 1- تحريم اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين تضمنت السورة النيي من ا﵀ تعالى لممؤمنين ، عن موالاة الكافرين بالمحبة والنصرة ، كما تضمنت إشارات إلى الييود وتعداد قبائحيم وجرائميم، والتحذير من مكائد أىل الكتاب.(4) قال تعالى: ﴿يَا أَيُّيَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاىِيِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُىُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِمُونَ ﴾[ 118]. (1 )انظرأضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، محمد الشنقيطي (7/304.) (2) فتح القدير، الشوكاني(2/11.) (3 )انظرشفاء العميل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعميل، ابن القيم (1/165.) (4) انظر: تيسير الكريم الرحمن ، السعدي(1/127)، بصائر ذوي التمييز ، الفيروز آبادي (1/108)،والتفسير المنير، الزحيمي (3/141.)
عدد الصفحات ٢١التمهيد تعريف عام بسورة آل عمران 8 2- تحريم افتراء الكذب عمى ا﵀ بين القرآن الكريم من خلال سورة آل عمران ، بأن العلاقة بين الناس وربيم لا تقوم عمى الدعوى الكذوب، بل عمى الخُ مق العالي، و عمى الوفاء والتقى (1) لقولو:﴿بَمَى مَنْ أَوْفَى بِعَيْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ المَّوَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾ [76] ولقولو ﴿فَمَنِ افْتَرَىٰ عَمَى المَّوِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ ىُمُ الظَّالِمُونَ ﴾[118]. 3- تحريم الردة في الإسلام الردة تُ حبط العمل، لذلك جاءت الآيات الكريمة في سورة آل عمران تتوعد من ارتد عن دين الاسلام بأشد أنواع العذاب . وفي ذلك يقول القرآن الكريم: ﴿كَيْفَ يَيْدِي المَّوُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِيِمْ وَشَيِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَق وَجَاءَىُمُ الْبَيِّنَاتُ وَالمَّوُ لاَ يَيْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾"(2)[ 86 ]ولماانيزم المسممون يوم أُ حد، وشج وجو النبي ، وكسرت رباعيتو ، ارتد طائفة نافقوا ، قال : ﴿ وَلاَ تَيِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَْعْمَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾[139] (3). 4- وجوب الإنفاق في سبيل ا﵀ تناولت السورة المال ودوره اليام من حيث الإنفاق والحث عميو، و من ىداية الآيات أن العبد لن يبمغ برّ ا﵀ حتى ينفق من أحب أموالو اليو، و(البر) الجنة؛ لأن بر الربّ بعبده في الآخرة، إكرامو إياه بإدخالو الجنة .(4) قال تعالى﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾[ عمران 92]. 5- فريضة حج البيت من استطاع إليو سبي جعل ا﵀ الكعبة أول بيت وضع لمناس، وأوجب حجو عمى المؤمنين (5)، قال تعالى:﴿وَلِمَّوِ عَمَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْوِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ا﵀ غَنِي عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾[ عمران 97.] (1 )انظرنحو تفسير موضوعي، الغزالي (1/28.) (2) قبس من نور القرآن، الصابوني (1/142.) (3 )انظرمجموع الفتاوى، ابن تيمية (7/279) (4 )انظرجامع البيان، الطبري (6/587)، أيسر التفاسير، أبو بكر الجزائري (1/184)،التفسير الموضوعي، نخبة من العمماء(1/413). (5) انظرجامع البيان، الطبري (6/9)، التفسير المنير، الزحيمي (4/16)، أغراض السور في التحرير والتنوير، محمد الحمد (ص: 17).
عدد الصفحات ٢٢التمهيد تعريف عام بسورة آل عمران 9 6- تحريم أكل الربا تحريماً قاطعاً من شأن ىذا النظام أن يُ فسد الحياة النفسية والخمقية، كما أن من شأنو أن يُ فسد الحياة الاقتصادية والسياسية، ومن ثم تتبين علاقتو بحياة الأُ مة كميا، وتأثيره في مصائرىا جميعاً.(1) قال تعالى:﴿يَا أَيُّيَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُمُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ المَّوَ لَعَمَّكُمْ تُفْمِحُونَ ﴾[ عمران 130.] 7- تحريم التولي يوم الزحف "أخبر سبحانو وتعالى عن تولي من تولى من المؤمنين الصادقين في ذلك اليوم، وأنو بسبب كسبيم وذنوبيم استزليم الشيطان بتمك الأعمال ، حتى تولوا فكانت أعماليم جنداً عمييم، ازداد بيا عدوىم قوة". (2) قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّيُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا المَّوُ عَنْيُمْ إِنَّ المَّوَ غَفُورٌ حَمِيمٌ [155]. 8- تحريم الغمول وىو الأخذ من الغنيمة خفية(3). والآية مقررة لصيانة الأموال العامة، كما دل عميو قولو تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْمُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَىُمْ لاَ يُظْمَمُونَ﴾ [161]. 9- تحريم النفاق تحدثت الآيات الكريمة بالتفصيل عن النفاق والمنافقين وموقفيم من تثبيط ىمم المؤمنين، فيما أصابيم ذلك اليوم، وىو تمحيص الذين آمنوا وتنقيتيم وتخميصيم من الذنوب ومن آفات النفوس، وأيضاً فإنو خمصيم ومحصيم من المنافقين، فتميزوا منيم فحصل ليم تمحيصان: تمحيص من نفوسيم، وتمحيص ممن كان يظير انو منيم، وىو عدوىم .(4)قال تعالى وَلْيَعْمَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَيُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِمُواْ فِي سَبِيلِ المّوِ أَوِ ادْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْمَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ ىُمْ لِمْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْيُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاىِيِم مَّا لَيْسَ فِي قُمُوبِيِمْ وَالمّوُ أَعْمَمُ بِ مَا يَكْتُ مُونَ [167.] (1 )انظرفي ظلال القرآن، سيد قطب (1/445.) (2) زاد المعاد، ابن القيم (3/196.) (3 )قال ابن فارس: (غل) الغين واللام أصلٌ صحيحٌ يدل عمى تخمل شيءٍ، وثباتِ شيء، فمَنْ قال "لا يُغِلّ" فيو من الإغلال، وىو الخيانة. ومن قال "لا يَغِلّ" فيو من الغِلّ والضِّغن، الغمول في المغة ىو الخيانة، انظر: معجم مقاييس المغة، لابن فارس (4/375)، الصحاح في المغة، الجوىري (2/24.) (4) انظر: زاد المعاد، ابن القيم (3/196.)
عدد الصفحات ٢٣التمهيد تعريف عام بسورة آل عمران 11 11- الحث عمى الاستشياد في سبيل ا﵀ نوه بشأن الشيداء من المسممين، وبيان فضل الشيادة، ومنزلة الشيداء عند ربيم، وأن الشيادة عنده من أعمى مراتب أوليائو ، والشيداء ىم خواصو والمقربون من عباده ، وليس بعد درجة الصديقية إلا الشيادة .(1) قالتعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِمُوا فِي سَبِيلِ المَّوِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّيِمْ يُرْزَقُونَ *فَرِحِينَ بِمَا آتَاىُمُ المَّوُ مِنْ فَضْمِوِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَمْ حَقُوا بِيِمْ مِنْ خَمْفِيِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَمَيْيِمْ وَلاَ ىُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [169-170]. 11- فرض الشورى كقاعدة إسلامية في الحكم ليثبت ىذا المبدأ في حياة الأُ مة المسممة، وليسقط الحجة الواىية التي تثار لإبطال ىذا المبدأ في حياة الأُ مة المسممة، كمما نشأ عن استعمالو بعض العواقب التي تبدو سيئة، ولو كان ىو انقسام الصف كما وقع في (أُ حد) والعدو عمى الأبواب، لأن وجود الأُ مة الراشدة مرىون بيذا المبدأ، ووجود الأُ مة الراشدة أكبر من كل خسارة أخرى في الطريق. (2) قال تعالى مخاطباً نبيو : وَشَاوِرْىُمْ فِي الأَْمْرِ [159] ىدف السورة: الثبات عمى منيج الحق فكرياً وداخمياً آيات كثيرة في سورة آل عمران تدعو المسممين لمثبات وعدم الضعف والتخاذل تحت أي ظرف ؛ ولأن الثبات أمر خطير ومصيري، فالسورة تحذر من عوامل تزلزل إيمان المؤمن ، وتقمّل من مقدرتو عمى الثبات. كيف نثبت عمى الحق؟ للإجابة عمى ىذا السؤال يجب أن نعرف كيف يزيغ الناس، فالناس يضممون إما بالأفكار التي تشوش عقائدىم، أو يتييون وسط مشاغل الحياة فتضعف عزائميم. وبالتالي فأسباب اليلاك فكرية (داخمية) أو عممية (خارجية)، وسورة آل عمران تحث المؤمن عمى الثبات في المجالين وتحذره مما قد يكون سبباً في زلتو. لذلك تقسم السورة كما أشرت إلى قسمين: 1. القسم الأول: الآيات1 - 121) ىذه الآيات تَ دلنا عمى كيفية الثبات عمى الحق فكرياً أمام المؤثرات والأفكار الخارجية، ويتمثل في مناقشة راقية لمرسول مع أىل الكتاب والحوار معيم، وىو أول حوار بين العقائد (1) انظرزاد المعاد، ابن القيم(3/196)،أغراض السور في التحرير والتنوير، محمد الحمد (ص: 16) أىداف كل سورة ومقاصدىا، عبد ا﵀ شحاتو (ص:20). (2 )انظرموسوعة المذاىب الفكرية المعاصرة، عمي بن نايف الشحود (54/348.)
عدد الصفحات ٢٤التمهيد تعريف عام بسورة آل عمران 11 في القرآن ؛ ليعرض معيم أين الحق " فبعد أن عرضَ ا﵀ لنا المنيج الذي يجب أن نتبعو في سورة البقرة جاءت سورة آل عمران داعية إلى الاجتماع عمى ىذا المنيج واثبات الدعوة "(1) وكأن جياد الدعوة يقضى بالثبات، ويوجب عمى المسممين مواجية مشتركة لكيد الييود داخل المدينة وىجوم الوثنيين عمييا(2) ورغم أن غزوة أُ حد وقعت قبل حادثة وفد نجران إلا أن ورودىا بعدىا ، إنما ىو لتحقيق فكرة الثبات الخارجي أولاً ثم الداخمي، لذلك كان التَّركيز الأكبر في الس ورة عمى الحرب العقديَّة والرَّدّ عمى شبيات أىل الكتاب، وأنَّو يكاد يصل إلى ضعف ما بيَّنتو الس ورة منَ النَّوع الآخر من الحرب ، وىو حرب السَّيف والقتال، وليذا سببٌ ميمٌّ وىو أنَّ حرب العقيدة والش بيات بلا شكٍّ أشد خطورة بمراحل من حرب السَّيف.(3) 2. القسم الثاني: الآيات121 - 211) بعدماثبت البناء الخارجي ضد الأفكار والشبيات ، ينتقل القرآن إلى تثبيت البناء الداخمي، ويعالج القرآن ىذا الموضوع بالتعقيب عمى غزوة أُح د، فيتحدث ىذا القسم الثاني من الآية (121 – إلى نياية السورة) عن كيفية الثبات داخمياً. وقد بدأت سورة آل عمران بالثبات فكرياً من الخارج لتجييز البيئة المحيطة، ثم انتقمت لمثبات الداخمي لمفرد ، من خلال غزوة أُ حد كنموذج للأخطاء التي قد تقع وكيفية تفادييا؛ لتدلنا عمى كيفية الثبات العممي، لأنيا تركت في نفوس المسممين أثراً شديداً من جرّاء عصيانيم لأوامر الرسول ،ونلاحظ تسمسل قصة غزوة أُ حد، وتثبيت المسممين ، تأتي عمى سياق غاية في الحكمة. والواقع أن السورة تناولت ىذين ال يدفين من خلال التعميق عمى حادثتين حصمتا عمى عيد النبي : - الحادثة الأولى لقاء وفد نصارى نجران مع النبي ، حين استضافيم في المسجد النبوي وحاورىم لمدة ثلاثة أيام. - الحادثة الثانية: غزوة أُ حد واليزيمة أمام المشركين، فتأتي ثمانون آية لمتعقيب عمييا، لأن أكثر المؤمنين لم يثبتوا في الغزوة، ولم يطيعوا أوامر نبييم (وخاصة الرماة (1) نظم الدرر، البقاعي(1/473). (2) انظر نحو تفسير موضوعي، الغزالي ( 1/23.) (3) انظرتيسير الكريم ا الرحمن ، السعدي (1/121.)
عدد الصفحات ٢٥21 الػصلذالأول الدرادةذالتحؾقؾقةذلدؼاصدذوأهدافذدورةذآلذعؿرانذ ذمنذالآوة(93-112) ويشتمل على ثلاثة مباحث:ذ الدبحثذالأول ذذذذذالدؼاصدذوالأهدافذلدورةذآلذعؿرانذمنذالآوةذ(93ذ-ذ97)ذ الدبحثذالثاني:ذ ذذذذذذالدؼاصدذوالأهدافذلدورةذآلذعؿرانذمنذالآوةذ(98ذ- 101)ذ الدبحثذالثالث:ذ ذذذذذذالدؼاصدذوالأهدافذلدورةذآلذعؿرانذمنذالآوةذ(102- 112)
عدد الصفحات ٢٦21 الدبحثذالأول الدؼاصدذوالأهدافذلدورةذآلذعؿرانذمنذالآوةذ(ذ93-97) وفيه ثلاثة مطالب:ذ اطؾبذالأول: ذذذذتؽذوبذالقفودذفيذدعاوىذحولذدقدناذوعؼوب اطؾبذالثاني:ذ ذذذذذالردذعؾىذاعتراضذالقفودذعؾىذتحوولذالؼبؾة اطؾبذالثالث:ذ ذذذذذذمؼامذدقدناذإبراهقمذذومـزلةذالبقتذالحرام
عدد الصفحات ٢٧الفصل الأول المبحث الأول المقاصد والأهداف لسورة آل عمران مه الآيت (93 - 97) 21 المبحث الأول المقاصد والأىداف لسورة آل عمران من الآية ( 93-97) قاؿ تعالى:﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًِّّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلََّّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَمَىٰ نَفْسِوِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْ مُوىَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ* فَمَنِ افْتَرَىٰ عَمَى المَّوِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ ىُمُ الظَّالِمُونَ*قُلْ صَدَقَ المَّوُ فَاتَّبِعُوا مِمَّةَ إِبْرَاىِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ *إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِمنَّاسِ لَمَّذِي بِ بَكَّةَ مُبَارَكًا وَىُدًى لِمْعَالَمِينَ *فِيوِ آيَاتٌ بَيّْنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاىِيمَ وَمَنْ دَخَمَوُ كَانَ آمِنًا وَلِمَّوِ عَمَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْوِ سَبِيلًًّ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ المَّ وَ ََنِيّّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾[عمراف 93-97]. الكلاـ مف أوؿ سورة آؿ عمراف حتى نياية ىذا المقطع، يدور حوؿ إقامة الدلائؿ عمى إثبات وحدانية المّو ،مع إثبات نبوّة محمد ، و السياؽ يُ حاجج أىؿ الكتاب و يبطؿ مزاعميـ وبدعيـ وما استحدثوا في دينيـ وتقاليدىـ، وجاءت ىذه الآيات الكريمة حوؿ البيت الحراـ . المطمب الأول: تكذيب الييود في دعاوى سيدنا يعقوب. قال تعالى:﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًِّّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلََّّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَمَىٰ نَفْسِوِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْمُوىَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ*فَمَنِ افْتَرَىٰ عَمَى المَّوِ الْكَ ذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ ىُمُ الظَّالِمُونَ ﴾[93-94]. سورة آؿ عمراف ليا علاقة قوية بذكر الي يود، فأغمبيا رد عمى مزاعميـ ، فكؿ ما زعمو الييود يفنده ا﵀ ويبينو لنبيو . وبعد أف بيف ربنا ما لا ينفع الكفار، ولا يُ قْ بؿ منيـ بعد أف اغتروا بو، وبيف ما ينفع المؤمنيف ويقبؿ منيـ، بعد أف اكتسبوه مف حلاؿ، وأنفقوا منو في سبيؿ ا﵀ عمى حبيـ لو. قاؿ تعالى:﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًِّّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلََّّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَمَىٰ نَفْسِوِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْمُوىَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [93.] وا ذا كاف النصؼ الأوؿ مف سورة آؿ عمراف يقوـ عمى الحوار مع أىؿ الكتاب، وقصص أحواليـ، جاء الحديث ىنا عف الأطعمة المحرمة والمحممة، كأف الييود- والإسلاـ يعرض عمييـ - يتساءلوف: كيؼ نتبع ديناً يستبيح الأطعمة المحرمة عمينا ، ونحف نبتعد عنيا فلا ترى قط عمى موائدنا؟.
عدد الصفحات ٢٨الفصل الأول المبحث الأول المقاصد والأهداف لسورة آل عمران مه الآيت (93 - 97) 21 وأُ جيبوا بأف الحظر الذى يحترمونو كاف موقوتاً وطارئاً ، لقد كانت الأطعمة كميا حلاً عمييـ، فمما فسقوا حُ رم ت عمييـ عقاباً مف ا﵀ . (1) سبب نزول الآية: أخرج الواحدي أنيا "نزلت حيف قاؿ النبي : إنا عمى ممة إبراىيـ ، فقالت الييود: كيؼ وأنت تأكؿ لحوـ الإبؿ وألبانيا! فقاؿ النبي : كاف ذلؾحلالاً لإبر اىيـ، فنحف نحمو، فقالت الييود: كؿ شيء أصبحنا اليوـ نحرمو ، فإنو كاف محرماً عمى نوح وا براىيـ عمييـ السلاـ، حتى انتيى إلينا. فأنزؿ ا﵀ تكذيباً ليـ:﴿ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًِّّ لِبَنِي إِسْرَائِيل ﴾". (2) مناسبةالآية لما سبق: ليذا السياؽ مناسبتاف. المناسبة الأولى: إف يعقوب ، حرّـ أحب الأشياء إليو وتركيا ﵀، وكاف ىذا سائغًا في شري عتيـ، فمو مناسبة بعد قولو: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾[92] فيذا ىومشروع عندنا، وىو الإنفاؽ في طاعة ا﵀ مما يحبُّو العبد ويشتييو، كما قاؿ: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَمَ ى حُبّْوِ ﴾[177 ]وقاؿ﴿وَيُطْعِ مُونَ الطَّعَامَ عَمَى حُبّْوِ ﴾ [8.](3) المناسبة الثانية لما تقدـ السياؽ في الرد عمى النصارى ، و محاجتيـ في ممة إبراىيـ ، وكاف مما أنكروا عمى نبينا أكؿ لحوـ الإبؿ وادعوا أنو خلاؼ ممة إبراىيـ ، شرع في الرد عمى الييود قبحيـ ا﵀، ناسب أف يذكر رد دعواىـ ذلؾ عق ب تمؾ المحاجة(4). وقد جاءت ىذه الآيات وما بعدىا حو ؿ البيت الحراـ لمرّد عمى شبيةٍ لمييود: الشبية : قاؿ ييود لمنبي كيؼ تدعى أنؾ عمى ديف إبراىيـ ، وتأكؿ ما ىو محرـ في دينو مف لحوـ الإِبؿ وألبانيا؟.(5) (1 )انظرنحو تفسير موضوعي، الغزالي )1/28.) (2) أسباب النزوؿ، لمواحدي(1/76). (3 )انظرتفسير القرآف العظيـ، ابف كثير ( 2/76.) (4 )انظرروح المعاني، الألوسي ( 3/131.) (5) انظر: مدارؾ التنزيؿ، النسفي (1/170)،وتفسير المنار، محمد رشيد رضا ( 4/3) والتفسير المنير، الزحيمي( 4/4).
عدد الصفحات ٢٩الفصل الأول المبحث الأول : المقاصد والأهداف لسورة آل عمران مه الآيت (93 - 97) 21 الرد عمى ىذه الشبية: 1. قال ابن جرير الطبري -رحمو ا﵀ - عند تفسيره ليذه الآية: "يعني بذلؾ جؿ ثناؤه: أنو لـ يكف حرـَ عمى بني إسرائيؿ، وىـ ولد يعقوب بف إسحاؽ بف إبراىيـ خميؿ الرحمف شيئاً مف الأطعمة مف قبؿ أف تنزؿ التوراة. بؿ كاف ذلؾ كمو حلالاً ، إلا ما كاف يعقوب حرمو عمى نفسو، فإف ولده حرموه استناناً بأبييـ يعقوب، مف غير تحريـ ا﵀ ذلؾ عمييـ في وحي ولا تنزيؿ ، ولا عمى لساف رسوؿٍ لو إلييـ مف قبؿ نزوؿ التور اة".(1) 2. كاف يجب عمى ييود أف يفيموا أف الإبؿ وألبانيا حتى وا ف كانت محرمة مف قبؿ، إلا أف محمد قد جاء مف عند ا﵀ بتشريع لو ناسخ لما قبمو، مع أفّ الإبؿ وألبانيا لـ تكف محرمة ، لذلؾ أمر رسوؿ ا﵀ بأف يحتكـ إلى التوراة . وىذه ىي العظمة النورا نية المحمدية، فلا يمكف أف يقوؿ نحتكـ إلى التوراة، إلا وىو واثؽ أف التوراة إنم ا تأتي بالحكـ الذي يؤيد ما يقوؿ، مع أنو لا يقرأ ولا يكتب ، ويحضروف التوراة ، فيجدوف الكلاـ مطابقاً لما قاؿ رسوؿ ا﵀ ، لذلؾ قاؿ ا﵀ : ﴿كُلُّ الطعام كَانَ حِلًِّّ لبني إِسْرَائِيلَ إِلََّّ مَا حَرَّ مَ إِسْرَائِيلُ عمى نَفْسِوِ ﴾.(2) قال الزجاج: "في ىذه الآية أعظـ دلالة لنبوة محمد نبينا ". (3) 3. غرضيـ مف إثارة ىذه الشبية ؛ تكذيب شيادة ا﵀ عمييـ بالبغي والظمـ، والصدّ عف سبيؿ ا﵀، فمما حاجّيـ بكتابيـ وبك تيـ بُ يتوا وانقمبوا صاغريف ، ولـ يجسر أحدٌ منيـ عمى إخراج التوراة. (4) 4. قَوْلُوُ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ ﴾ تصريح بمحؿ الحجة مف الر د ، إِذِ المقصود تَنْبِييُيُـْ عَمَى مَا تَنَاسَوْهُ فَنُز لُوا منزلة الجاىؿ بكوف يعقوب كاف قبؿ مُوسَى إذ التوراة نزلت عمى موسى بعد إبراىيـ ويعقوب بقروف عدة ، وىذه المحرمات إنما حرمت ع مييـ في صورة عقوبة عمى بعض مخالفاتيـ، وظُ مميـ واعتدائيـ؛ فحرـ عمييـ أنواعاً مف الأطعمة.(5) كما قاؿ تعالى﴿فَبِظُمْمٍ مِنَ الَّذِينَ ىَادُوا حَرَّمْنَا عَمَيْيِمْ طَيّْبَاتٍ أُحِمَّتْ لَيُمْ وَبِصَدّْىِمْ عَنْ سَبِيلِ المَّوِ كَثِيراً ﴾ [160.] (1 ) جامع البياف، الطبري (6/7.) (2 )انظرتفسير الشعراوي، الشعراوي (1/1082.) (3) انظرالجامع لأحكاـ القرآف، القرطبي (4/135)،وأحكاـ القرآف، الجصاص (2/301) (4 )انظرالكشاؼ، الزمخشري (1/297.) (5 )انظرالتحرير والتنوير، ابف عاشور (4/9.)
عدد الصفحات ٣٠الفصل الأول المبحث الأول : المقاصد والأهداف لسورة آل عمران مه الآيت (93 - 97) 21 وقد بيف في سورة الأنعاـ ما الذي حرمو عمييـ فقاؿ ﴿وَعَمَى الَّذِينَ ىَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَمَيْيِمْ شُحُومَيُمَا إِلََّّ مَا حَمَمَتْ ظُيُورُىُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَمَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاىُمْ بِبَغْيِيِمْ وَا ِنَّا لَصَادِقُونَ ﴾ [نعاـ146.] 5. الفاصمة فيقَوْلُوُ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ جاءت زيادة في التحدي والتكذيب ليـ ؛ لأف معنى الفاصمة أنيـ كاذبوف، حيث لـ يستطيعوا أف يأتوا بالتوراة، وبذلؾ فقد كذبوا(1) وانتقمت ييود مف حالة مخالفة حكـ ا﵀، إلى حالة القوؿ عمى ا﵀ بغير عمـ، ولذلؾ قاؿ تعالى:﴿ فَمَنِ افْتَرَىٰ عَمَى المَّوِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ ىُمُ الظَّالِمُونَ ﴾[آؿ عمراف 94](2). ولما ذكرت الآية كذبيـ ، بعد الافتراء عمى ا﵀ جاءت الفاصمة الثانية في قولو تعالى: ﴿ فَأُولَٰئِكَ ىُمُ الظَّالِمُونَ ﴾؛ لتدلؿ عمى أف الافتراء والكذب ظمـ ، ثـ ييدد مف يفتري الكذب منيـ عمى ا﵀ بأنو ظالـ، لا ينصؼ الحقيقة، ولا ينصؼ نفسو، ولا ينصؼ الناس .(3) وجاء اسـ الإشارة " أولئك" تحقيراً ليـ و لبياف بُ عد مكانتيـ، أما الضمير "ىم" فجاء لتأكيد تسجيؿ الظمـ المستحؽ عمييـ مرة بعد مرة. المطمب الثاني: الرد عمى اعتراض الييود عمى تحويل القبمة قال :﴿ قُلْ صَدَقَ المَّوُ فَاتَّبِعُوا مِمَّةَ إِبْرَاىِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ*إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِمنَّاسِ لَمَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَىُدًى لِمْعَالَمِينَ ﴾[95-96] ووجو ربطيا بم ا قبميا أف ا﵀ تعالى أمر ىـ باتباع ممة إبراىيـ ، ومف مم تو تعظيـ بيت ا﵀ تعالى الحراـ ، فناسب ذكر البيت وفضمو وحرمتو ، وىذه شبية ثانية ادعوىا فأكذبيـ ا﵀ ت عالى فييا كما أكذبيـ في سابقتيا.(4) (1) الفرق بين الكذب والَّفتراء الكذب: ىو عدـ مطابقة الخبر لمواقع. والافتراء: أخص منو؛ لأن و الكذب في حؽ الغير بما لا يرتضيو، بخلاؼ الكذب فإنو قد يكوف في حؽ المتكمـ نفسو، ولذا يقاؿ لمف قاؿ: فعمت كذا ولـ أفعؿ كذا، مع عدـ صدقو في ذلؾ ىو كاذب، ولا يقاؿ ىو مفتر، وكذا مف مدح أحد اً بما ليس فيو، يقاؿ إنو كاذب في وصفو، ولا يقاؿ ىو مفتر؛ لأف في ذلؾ مما يرتضيو المقوؿ فيو غالب اً . وقاؿ سبحانو حكاية عف الكفار: ﴿افْتَرَى عَمَى المّوِ كَذِبًا﴾ [93] العسكري (ص:449) . (2 )انظرتفسير المنار، محمد رشيد رضا (4/6.) (3 )انظرفي ظلاؿ القرآف، سيد قطب(1/40.) (4 )انظرروح المعاني، الألوسي(3/134.)
عدد الصفحات ٣١الفصل الأول المبحث الأول المقاصد والأهداف لسورة آل عمران مه الآيت (93 - 97) 21 وذلؾ لأنو لما حوؿ القبمة إلى الكعبة طعف الييود في نبوتو وقالوا إف بيت المقدس أفضؿ مف الكعبة، واتخذوا مف ىذا التحويؿ( تحويؿ القبمة) ذريعة لإنكار رسالة النبي (1) سبب النزول قال مجاىد: "تفاخر المسمموف والييود، فقالت الييود: بيت المقدس أفضؿ وأعظـ مف الكعبة؛ لأنو مياجر الأنبياء وفي الأرض المقدسة، وقاؿ المسمموف: بؿ الكعبة أفضؿ، فأنزؿ ا﵀ تعالى ىذه الآية". (2) فالشبية التي أثارىا أىل الكتاب : ما يتعمق بالكعبة ووجوب استقباليا في الصلًّة ووجوب حجيا. الرد عمى ىذه الشبية: 1) إف الكعبة ىي بيت إبراىيـ ؛ وىي أوؿ بيت وُ ضع لمناس في الأرض لمعبادة ، فالاعتراض عميو مستنكر ممف يدعوف وراثة إبراىيـ. 2) أجاب عف الشبية بقولو:﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِمنَّاسِ﴾ ، فعند ىذا تمت وظيفة الاستدلاؿ، وكمؿ الجواب عف شبيات أرباب الضلاؿ، فخاطبيـ بالكلاـ الميف، وقاؿ: ﴿ لِمَ تَكْفُرُونَ بآيات ا﵀﴾ بعد ظيور البينات وزواؿ الشبيات ، وىذا ىو الغاية القصوى في ترتيب الكلاـ وحسف نظمو، و كذلؾ لما بيف فضائؿ الكعبة ووجوب الحج(3) والقوـ كانوا عالميف بأف ىذا ىو الديف الحؽ والممة الصحيحة، قاؿ ليـ: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ ا﵀﴾ بعد أف عممتـ كونيا حقة صحيحة.(4) 3) لما قاؿ ا﵀:﴿فَمَنِ افْتَرَىَ عَمَى المّوِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ مف قاؿ و ت زعـ كذباً بعد أف بينو ا﵀ ﴿فَأُ وْلَـئِكَ ىُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ فمما كاف ما يفترونو مف الكذب بعد قياـ الحجة عمييـ بكتابيـ باطلاً (1 )الحكمة من تحويل القبمة، من بيت المقدس الى الكعبة المشرفة، أف النبي كاف يتشوؽ لتحويميا؛ لأنيا قبمة أبيو ابراىيـ الخميؿ وكاف يكثر مف ترديد بصره الى السماء يترقب نزوؿ الوحي عميو في أمر تحويؿ القبمة، وىناؾ سبب آخر لشوؽ النبي ىو أف الييود الخبثاء كانوا يقولوف: ما أغرب أمر محمد، يخالؼ ديننا ويتوجو في صلاتو الى قبمتنا، ولولا ديننا لـ يدر أيف يتوجو في صلاتو. انظر: قبس مف نور القرآف، الصابوني (1/40.) (2 ) أسباب النزوؿ، لمواحدي(1/76.) (3) دلت الآيات عمى أف مَف جحد وجوب الحج كفر؛ وا ف كاف يشيد أف لا إلو إلا ا﵀ وأف محمدًا رسوؿ ا﵀ ويصمي ويصوـ لقو لو تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِمنَّاسِ لَمَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَىُدًى لّْمْعَالَمِينَ﴾ إلى قولو: وَلِمَّوِ عَمَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْوِ سَبِيلًًّ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ا﵀ ََنِيّّ عَنِ الْعَالَمِي نَ ﴾[ عمراف 96-97] انظر شرح كتاب كشؼ الشبيات، صالح الفوزاف (1/90) . (4 )انظرمفاتيح الغيب، الرازي (4/320.)
عدد الصفحات ٣٢الفصل الأول المبحث الأول : المقاصد والأهداف لسورة آل عمران مه الآيت (93 - 97) 21 مدفوعاً، وكاف ما قصّو ا﵀ سبحانو في القرآف، وصدقتو التوراة صحيحاً صادقاً ، وكاف ثبوت ىذا الصدؽ بالبرىاف الذي لا يستطيع الخصـ دفعو ، أمر ا﵀ سبحانو نبيو بأف ينادي بصدؽ ا﵀ بعد أف سجؿ عمييـ الكذب، فقاؿ:﴿قُلْ صَدَقَ ا﵀ فاتبعوا مِمَّ ةَ إبراىيم﴾. [آؿ عمراف 95] 4) عندما يقوؿ ا﵀: (قؿ) صدؽ ا﵀ فيما أنبأني بو مف عدـ تحريـ شيء عمى إسرائيؿ قبؿ التوراة، وقامت الحجة عميكـ بذلؾ، فثبت أنني مبمغ عنو ، إذ ما كاف لي لولا وحيو أف أعرؼ صدقكـ مف كذبكـ فيما تحدثوف بو عف أنبيائكـ، وا ذ كاف الأمر كذلؾ فاتبعوا ممة إبراىيـ التي أدعوكـ إلييا حاؿ كونو حنيفاً لا غمو فيما كاف عميو ولا تقصير، ولا إفراط ولا تفريط ، بؿ ىو الفطرة القويمة ، والحنيفية السمحة.(1) المطمب الثالث: مقام إبراىيم ومنزلة البيت الحرام قولو تعالى: ﴿فِيوِ آيَاتٌ بَ يّْنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاىِيمَ وَمَنْ دَخَمَوُ كَانَ آمِنًا وَلِمَّوِ عَمَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْوِ سَبِيلًًّ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ المَّوَ ََنِيّّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [97] اتجيت الآيات إلى وصؼ المسجد الحراـ بأنو ﴿فِيوِ آيَاتٌ بَيّْنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاىِيمَ ﴾ وىو دليؿ قاطع عمى أف ىذه الأُ مة أولى بإبراىيـ عميو السلاـ مف غيرىا، فيي التي حفظت آثاره واتبعت آثاره، ووصؼْ البيت بأنو أماف لمف دخمو. (2) والنصوص الشرعية والشواىد الحسية العد يدة تؤكد خصوصية الحرـ المكي ، وكرامتو ، وشرفو . عف ابف عمر أف رس وؿ ا﵀ قاؿ: (صلًّة في مسجدي ىذا أفضل من ألف صلًّة فيما سواه إلَّ المسجد الحرام ).(3) (1 )انظرتفسير المنار، محمد رشيد رضا (4/6.) (2) انظر: التفسير الموضوعي، نخبة مف العمماء،1/488.) (3) صحيح مسمـ، كتاب الحج، باب فضؿ الصلاة بمسجدي مكة والمدينة، ح 1395(2/1013.)
عدد الصفحات ٣٣الفصل الأول المبحث الأول المقاصد والأهداف لسورة آل عمران مه الآيت (93 - 97) 12 ومف موافقات عمرات خاذ المقاـ مصم ى مِم ا أشار بو عمى رسوؿِ ا﵀ فنزلت الآيةُ في ذلؾ.(1) ووصؼ ىذا البيت بأنواع الفضائؿ ، فأوليا: أنو أوؿ بيت وضع لمناس ، فيو أوؿ المساجد عمى سطح المعمورة . عف أبي ذر قاؿ: قمت: يا رسوؿ ا﵀ (أي مسجد وضع في الأرض أوؿ؟ قاؿ: المسجد الحراـ، قاؿ: قمت: ثـ أي؟ قاؿ: المسجد الأقصى، قمت: كـ بينيما؟ قاؿ: أربعوف سنة، ثـ أينما أدركتؾ الصلاة بعد فصمو فإف الفضؿ فيو) . (2) وثانييا أنو تعالى خصو بالآيات الباىرات، والدلائؿ الساطعات، و وصفو بكونو مباركاً، والبركة ليا معنياف أحدىما: النمو والتزايد والثاني: البقاء والدواـ والصفة الثالثة: مف صفات ىذا البيت كونو ﴿ىُدًى لمعالمين﴾ (3) وما خصو ا﵀ بو مف الأمف والاستقرار. وا ليو يشير قولو تعالى: ﴿ وَمَنْ دَخَمَوُ كَانَ آمِنًا ﴾. (1 )صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب، قوؿ ا﵀ تعالى ﴿وَاتَّخَذَ ا﵀ُ إِبْرَاىِيمَ خَمِيلًًّ﴾ [النساء125 ] ح3115،11/152.) (2) وىذه القضية إحدى القضايا التي جاء فييا القرآف مؤيّداً لرأي عمر بف الخطاب ، روى البخاري عف عُمَرُ بْفُ الْخَط ابِ وَافَقْتُ رَب ي فِي ثَلاَثٍ ، فَقُمْتُ يَا رَسُوؿَ الم وِ لَوْ ات خَذْنَا مِفْ مَقَاـِ إِبْرَاىِيـَ مُصَمًّى فَنَزَلَتْ ﴿ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاىِيمَ مُصَمِّى ﴾ [البقرة ]125وَآيَةُ الْحِجَابِ قُمْتُ يَا رَسُوؿَ الم وِ لَوْ أَمَرْتَ نِسَاءَؾَ أَفْ يَحْتَجِبْفَ فَإِن وُ يُكَ م مُيُف الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ فَنَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ(الأحزاب: 53) وَاجْتَمَعَ نِسَاءُ الن بِي فِي الْغَيْرَةِ عَمَيْوِ فَقُمْتُ لَيُف ﴿عَسَى رَبُّوُ إِنْ طَمَّقَكُنَّ أَنْ يُبَدّْلَوُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ ﴾ [التحريـ 5] فَنَزَلَتْ ىَذِهِ الآْيَةُ " وزاد في رواية مسمـ " وفي أسارى بدر ). انظر: التحرير والتنوير، ابف عاشور(6/201.) (3 )انظرمفاتيح الغيب، لمرازي (4/314.)
عدد الصفحات ٣٤