تعا{ :إ نمََّا وَل يُّك م اللَّّ وَرَس ول ه وَالَّذ ينَ آمَن وا الَّذ ينَ ي ق يم ونَ الصَّلَةَ وَيـ ؤ ت ونَ الزَّكَاةَ وَه م رَاك ع ونَ *وَمَن يـَتـَوَلَّ اللََّّ وَرَس ولَه وَالَّذ ينَ آمَن وا فَإ نَّ ح ز بَ اللَّّ ه م ال غَال ب ونَ }*[55 ـ 56. ] وولاء المسلم لأمته الكبرى يفرض عليه أن يذود عن حْاها ، ولا يسمح لأحد أن يعتدي عليها ، أو يستولي على شيء من أرضها ، أو ينتهك حرمة من حرماتها ، أو يهين كرامة بعض أبنائها أو بناتها ، وهو ما جعل الخليفة المعتصم يجي ش الجيوش لغزو الروم ، نصرا لامرأة مسلمة لطمت على وجهها ، فاستغاثت به عن ب عد قائلة: وامعتصماه ، فقال: لبيك أختاه[186.]) 1 ـ الانتماء بين الحاضر والماضي: كان وطن المسلم يعني «دار الإسلم» على اتساعها ، فكلُّ أرض تجري فيها أحكام الإسلم ، وتقام شعائره ، ويعلو سلطانه ، وي رفع فيها الأذان ، هي وطن المسلم: يغار عليه ، ويدافع عنه ، كما يدافع عن مسقط رأسه ، وكان العالم ، وكان قوم المسلم هم المسلمين أو الأمة الإسلمية ؛ الذين جمعته بهم أخوة الإيمان وعقيدة الإسلم { إ نمََّا ال م ؤ م ن ونَ إ خ وَة } [10 ]، وكان أعداء المسلم هم أعداء الإسلم ، ولو كانوا ألصق الناس به ، وأقربهم إليه[187.]) قال تعالى: َ لاَ تجَ د قـَو م ا يـ ؤ م ن ونَ با للَّّ وَال يـَو م الآخ ر يـ وَآدُّونَ مَن حَآدَّ اللَّّ وَرَس ولَه وَلَو كَان وا آباَءَه م أَو أَبـ نَاءَه م أَو إ خ وَانـَه م أَو عَش يرَتـَه م أ ولَئ كَ كَتَبَ في قـ ل وبه م الإ يمَانَ وَأَيَّدَه م ب ر وح م ن ه } [22. ] فالمسلم حين يقف في صلته مناجيا ربه بهذا الدعاء {اه د ناَ الص رَاطَ ال م س تَق يمَ }* [ 6 ]بصيغة الجمع هذه يستحضر في حس ه وذهنه أمة الإسلم جمعاء ، وحين يقرأ قول الله تبارك وتعالى في كتابه:
عدد الصفحات ١١٥{يَ أيها الذينآمَن وا} [ 104 ]يفهم أن هذا الخطاب موجَّه للمسلمين جميعا ، أينما كانوا ، وحين يقف الخطيب على منبر يوم الجمعة ، يدعو المسلمين كافة ، دون تفرقة بين إقليم وإقليم ، ولا بين عنصر وعنصر ، ولا بين لسان ولسان ، بل يقول دائما : اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات ، والمؤمنين والمؤمنات ، اللهم أعزَّ المسلمين في كل مكان. فإن خصَّ بلده يوما بالدعاء له بالنصر ، والرخاء ، والسعادة ، والعزة ؛ نجده يقول: لبلدنا هذه خاصة ، ولسائر بلد المسلمين. فالتفكير الإسلمي ، والحس الإسلمي ، لا يعرفان العصبية الإقليمية ، ولا العنصرية بحال من الأحوال[188.]) 2 ـ صور رائعة : وفي الفقه الإسلمي نجد هذه الصورة المعبر ة عن وحدة الأمة المسلمة ، ووحدة الوطن الإسلمي ، وذلك فيما ينقله العلَّمة ابن عابدين عن أئمة الفقه الحنفي حيث يقر رون: أن الجهاد فرض عين إن هجم العدو على بلد مسلم ، وذلك على من يقرب من العدو أولا ، فإن عجزوا أو تكاسلوا فعلى من يليهم ، ثم من يليهم ، حتى يفترض ـ على هذا التدرج ـ على المسلمين شرقا وغربا [189 .])وهذا متفق عليه بين الأئمة جميعا . والعجيب أن يقر ر فقهاء الإسلم وجوب الدفاع عن البلد المسلم المعتدى عليه ، وإن تقاعس أهله أنفسهم في الدفاع عنه ؛ لأن هذا البلد ليس ملك أهله وحدهم ، ولكنه ـ باعتباره جزءا من دار الإسلم ـ ملك للمسلمين جميعا ، وسقوطه في يد الكفار خسارة وهزيمة للمسلمين قاطبة.
عدد الصفحات ١١٦وصورة أخرى يذكرها ابن عابدين: امرأة مسلمة س بيت بالمشرق ، وجب على أهل المغرب تخليصها من الأسر[190 ])، وإن استغرق ذلك أموالهم. وهكذا قرَّر القران والسنة: أن المسلمين أمة واحدة «يسعى بذمتهم أدناهم ، وهم يد على من سواهم» ([191.]) 3 ـ الغلو في الوطنية: وتحدث المشكلة أيضا حين يغلو بعض الوطنيين في فكرة الوطنية، أو عاطفة الوطنية ، حيث نرى بعضهم يجعلون الوطن مقابل «الدين» أو بديل عن «الله» ، فكما تبدأ الأمور باسم الله ، تبدأ باسم الوطن ، وكما يقسم الناس بالله يقسمون بالوطن ، وكما يعمل الناس لوجه الله ، يعملون لوجه الوطن ، وكأن الوطن أصبح إلها ، أو وثنا يشركونه مع الله عز وجل ، مع أن المسلم قد جعل محياه ومُاته ، كما جعل صلته ونسكه لله ، كما قال تعالى{ :قل إ نَّ صَلَتي وَن س ك ي وَمحَ يَايَ وَمََُاتي للّ َّ رَب ال عَالَم ينَ *لاَ شَر يكَ لَ ه وَب ذَل كَ أ م ر ت وَأَناَ أَوَّل ال م س ل م ينَ }*[162 ـ 163. ] والحس الديني عند المسلم يرفض أن يقرن باسم الله اسما اخر ، أو يقسم بأحد أو بشيء مع الله ، أو يعمل عمل لوجه غير وجه الله ، ناهيك أن يفرده [192.]) «والوطنية» مشروعة ومطلوبة إذا لم تتجه هذا الاتجاه الغالي ، فإن الغلو في كل شيء يفسده ،وقد رأينا الإسلم يحذر أشد التحذير من الغلو في الدين ، وكذلك الغلو في الوطن والوطنية. ومُا يذكر هنا أن أمير الشعراء أحْد شوقي برغم نزعته الإسلمية الواضحة يبالغ في الوطنية ، مثل قوله: وطني لو ش غ ل ت بالخلد عنه نازعتني إليه بالخ ل د نفسي
عدد الصفحات ١١٧وأشد منه يخاطب أبناء مصر: وجه الك نانَة ليس ي غض ب ربكم أن تجعلوه كوجهه معبودا ولُّوا إليه في النهار وجهكم وإذا فزعتم فاعبدوه هجودا بل رأينا بعض الغلة من العرب يقد م الوطن على الدين بصراحة ، ويجعل كلمة الوطن هي العليا ، وليست كلمة الله ، ولا يبالي بما يؤمن به الناس من العقائد الدينية ، ولا ما يحسُّون به من المشاعر يقول: بلدك قد مها على كل ملَّة ومن أجلها أفطر ومن أجلهم صم هبوني دينا يمنح العرب وحدة وسيروا بجثماني على دين برهم سلم على كفر يوح د بيننا وأهل وسهل بعده بجهنم[193]) وتحدث المشكلة كذلك عندما تتحول النزعة الوطنية إلى عصبية جاهلية يتجمع فيها أهل الوطن ضدَّ غيرهم ، وينحازون فيها بعضهم لبعض ، بنصر أخاه في الوطن ظالما أو مظلوما ، ويستجيب له إذا دعاه في الحق أو الباطل على نحو ما قيل في وصف أحد زعماء قبيلة تَيم الأحنف بن قيس: إذا غضب ؛ غضب له مئة ألف سيف ، لا يسألونه فيم غضب؟ وكما وصف أحد الشعراء أبناء قبيلته بقوله: لا يسألون أخاهم حين يندبه م في النائبات على ما قال برهانا العصبية: أن تعين أهلك وقومك على ظلم الاخرين ، وأن تشهد لهم على الاخرين محق ين كانوا أو مبطلين ، وأن تقول ما قال أتباع المتنبئين الكذبة من قبائل العرب أيَم حروب الردة : كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق م ضر.
عدد الصفحات ١١٨هكذا تكون العصبية القومية ، وكذلك تكون العصبية الوطنية ، كما رأينا ذلك في النزعات النازية والفاشية في أوربة في أواسط القرن العشرين ، من رفع شعارات : ألمانيا فوق الجميع، وإيطاليا فوق الجميع، والإسلم يعل م المسلم: أن يدور مع الحق حيث دار ، وأن يقول الحق وإن كان مرَّا ، وأن يكون قوَّاما بالقسط شهيدا لله ، ولو على نفسه أو الوالدين و الأقربين ، وكذلك لا يحرمه شنان قوم على ألا يعدل، بل يجب أن يقوم بالقسط مع من يحبُّ و مع من يكره، فعدل الله لجميع عباد الله، وقد أنكر الإسلم العصبية بكل أنواعها، سواء أكانت عصبية قبلية ، أم عصبية قومية ، أم عصبية إقليمية ، أم أي عصبية كانت[194.]) روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي (ص) أنه قال« :من قاتل تحت ر اية عمية يغضب لعصبية ، أو يدعو إلى عَصَبة ، أو ينصر عصَبة فقتل ، فقتلته جاهليته» ([195.]) 4 ـ الدين لله والوطن للجميع: ومن الكلمات التي تروج في المحيط العلماني والمحيط الليبرالي: كلمة: الدين لله والوطن للجميع. وهي تقال في مقابل الذين يتمسَّكون بالدين ، ويرجعون إليه في حياتهم من مسلمين ومسيحيين وغيرهم ، فيقولون لهم: الدين لله ، وكأن هؤلاء المتدينين يجحدون هذه الحقيقة: أن الدين لله ، والواقع أن كل المؤمنين ، أو كل المتدينين يؤمنون بأن الدين لله. بل رأينا الإسلم يأمر بالقتال حتى يقرَّ هذه الحقيقة في الواقع: أن يكون الدين لله. قال تعالى: َ وَقَات ل وه م حَتىَّ لاَ تَك ونَ ف تـ نَة وَيَك ونَ الد ين للّ َّ } [193. ] وقال في مقام اخر: َ وَقَات ل وه م حَتىَّ لاَ تَك ونَ ف تـ نَة وَيَك ونَ الد ين ك لُّه للّ َّ }[39. ]
عدد الصفحات ١١٩فهو يريد أن يستخلص الدين من أيدي الذين يتلعبون به ، ويريدون أن يكون في خدمة فئة أو شعب أو فرد من الناس ، بل يجب أن يخلص الدين من كل تبعية لغير الله ، و يكون لله وحده ، كما قال تعالى: َ أَلاَ للّ َّ الد ين الخ َال ص } [ 3. ] فما يريده هؤلاء من عبارتهم: (الدين لله) ليس من الدين في شيء ؛ إذ ي راد بها عزل الدين عن الحياة ، وعن توعية الناس ، ورد هم إلى الله ، وإلى الصراط المستقيم. والحقيقة: أن العبارة المذكورة «الدين لله والوطن للجميع» نستطيع أن نقلبها على كل الوجوه التي تقتضيها القسمة العقلية هنا. فيمكنك أن تقول: الدين لله والوطن لله ، على معنى أن الأرض كلها لله ، والكون كله لله ، كما قال تعالى{ :إ ن الأَر ضَ للّ َّ ي ور ثـ هَا مَن يَشَاء م ن ع بَاد ه }[ :128. ] قال تعالى: َ وَللّ َّ ال مَش ر ق وَال مَغ ر ب فَأَيـ نَمَا تـ وَلُّوا فـَثَمَّ وَج ه اللَّّ }[115. ] ويمكن أن نقول: الدين للجميع والوطن للجميع ، فكما لا يح رم أحد من الوطن ، لا يح رم أحد من الدين ، ويمكنك أن تقول: الدين للجميع والوطن لله ، كما يمكنك أن تقول ما قالوا: الدين لله والوطن للجميع[196 ])، وفي الحقيقة الأوطان السعيدة تلك التي تحكم شرع الله فيما بين مواطنيها. 5 ـ الخروج من الأوطان: إن ارتباط الإنسان بوطنه قوي عميق ، ولذا كان انتزاعه منه وإخراجه قسرا : أشبه بنزع الظفر من اللحم ، وهو أمر محرَّم في كل الشرائع والقوانين ، كما تجلى ذلك في القران الكريم.
عدد الصفحات ١٢٠فالقران يعبر عن «وطن» الإنسان أو القوم لكلمة «الديَر» ، ويرى خروج الإنسان أو إخراجه من ديَره : جريمة كبرى ، ومحنة عظمى ، قرنها القران بقتل النفس ، فخرو ج الإنسان من ديَره كخروج الرُّوح من البدن ، يقول تعالى: َ وَلَو أَناَّ كَتـَبـ نَا عَلَي ه م أَ ن اقـ تـ ل وا أَنـ ف سَك م أَو اخ ر ج وا م ن د يََر ك م مَا فـَعَل وه إ لاَّ قَل يل }[66. ] ويرى القران ـ في ضوء ما يعرضه من قصص الأمم الماضية للعبرة ـ أن من حق الإنسان ، وحق الشعوب ، بل من واجبها: أن تقاتل وتحمل السلح لتسترد أرضها وديَرها ، وبعبارة أخرى وطنها إذا أخرجت منها. يقول تعالى: َ أَلمَ تـَرَ إ لىَ ال مَلإََ م ن بَني إ س رَائ يلَ م ن بـَع د م وسَى إ ذ قَال وا ل نَبي لهَ م ابـ عَث لَنَا مَل ك ا نـ قَات ل في سَب يل اللَّّ قَالَ هَل عَسَيـ ت م إ ن ك ت بَ عَلَي ك م ال ق تَال أَلاَّ تـ قَات ل وا قَال وا وَمَا لَنَا أَلاَّ نـ قَات لَ في سَب يل اللَّّ وَقَد أ خ ر ج نَا م ن د يََر ناَ وَأَبـ نَائ نَا}[ 246. ] فليس هناك أوجب للقتال ، وأدعى إلى الحرب من الإخراج من الديَر ، وليس هناك أو جب من الذين اغتصبوا الأرض ، وأخرجوا منها أهلها وحلُّوا محلَّهم ، ظالمين مستكبرين في الأرض بغير الحق ، وهذا شرُّ ألوان الاستعمار والاستكبار في الأرض: أن يستولي أجنبي على الأرض ، ويطرد أهلها منها ، ليحل محلَّهم[197.]) 6 ـ هل يمكن تغيير الوطن؟ الأصل: أن الإنسان لا يختار وطنه ، فهناك أشياء مفروضة على الإنسان ، لا دور له في اختيارها ، بل اختارها له قدر الله عز وجل الذي يخط مصاير الناس ، وذلك مثل أبوي الإنسان (أبيه وأمه) ، وفصيلته ، والجنس الذي ينتمي إليه ، ومثل الوطن الذي نشأ فيه مع والديه ، وأسرته .
عدد الصفحات ١٢١ولكن من الثابت أيضا أن الإنسان يمكن أن يغير وطنه ، وهذا ما وقع لكثيرين مختارين أو مضطرين ؛ فانتقلوا من وطن إلى وطن ، واستبدلوا بالأهل أهل ، وبالإخوان إخوانا . ولعلَّ أقرب مثل لنا في ذلك ، هو الرسول (ص) وأصحابه من أهل مكة {الَّذ ينَ أ خ ر ج وا م ن د يََر ه م ب غَير حَق إ لاَّ أَن يـَق ول وا رَبـُّنَا اللَّّ }[40 ]، كما قال القران ، والذين هاجروا من مكة ، وهي أحبُّ البلد إليهم ، وتنقلوا إلى يثرب «المدينة» دار الهجرة ، ودار الإسلم ، واتخذوها مقرا وموطنا ، وعاشوا فيها ، وماتوا بها ، ورفضوا أن يعودوا إلى مكة ، حتى بعد أن نصرهم الله على عدوهم ، وفتحوا مكة ، حتى تظل لهم صفة : حتى أن سعد بن أبي وقاص حين مرض بعد فتح مكة مرضا {وَال م هَاج ر ينَ في سَب يل اللَّّ }، وعاده النبي (ص) ، شكا إلى الرسول الكريم: أنه يخاف أن يموت في مكة ويدفن بها ، وتضيع عليه هجرته ، فطمأنه النبي (ص): أن الله سيم دُّ في عمره ؛ لينتفع به أقوام ، ويتضرَّر به اخرون[198.]) 7 ـ هل يمكن تعدد الوطن؟: وهنا سؤال اخر مكم ل للسؤال السابق ، وهو: هل يمكن أن يتعدَّد وطن الإنسان بمعنى أن يكون له وطنان مثل ؟. أعتقد أن هذا مُكن بحيث يكون للمرء وطن أصلي هو مسقط رأسه ، ومرتع صباه ، ومسرح شبابه ، ثم يهاجر إلى بلد اخر ، وربما يستقرُّ فيه ، إلى اخر حياته ، ويموت فيه ، ويدفن في ترابه . وهذا الأمر يختلف من بلد إلى اخر وفق قانون الجنسية والتجنُّس في هذا البلد ، فهناك بلد تجيز ازدواج الجنسية ، ولا تَنع مواطنيها من أن يحمل جنسية أخرى ، وهناك بلد تَنع ذلك ، وتشدد فيه مثل دولة قطر ، وهناك بلد تَنع التجنس ببعض جنسيات معيَّ نة مع جنسيتها الأصلية مثل الجزائر ؛ التي تَنع حْل الجنسية الفرنسية خاصة[199.])
عدد الصفحات ١٢٢8 ـ حنين العلماء للأوطان: حبُّ الوطن مركوز في النفوس ، وهو فطرة وجبل ة ، ويزداد هذا الحب مع ترعرع الإنسان فيه طوال السنين ، ففيه بيته ، وأهله ، وذووه... فيه أمنه واستقراره ... فيه مسجده واثار عبادته وطاعاته ؛ ولهذا كان النبي (ص) يعزز هذا الانتماء للبيت الذي هو الوطن الصغير ؛ ليتعزز الانتماء أكثر للوطن الأكبر ؛ لذلك لمَّا أراد بنو سلمة الانتقال من بيوتهم ؛ لأنها بعيدة عن المسجد ، وأرادوا مجاورة المسجد ، قال لهم النبي (ص« :)ديَركم تكتب اثاركم » ([200.]) والعلماء الرباَّنيون كلهم يفصح عما يجده في مكنونه وداخله من حب الوطن والشوق والحنين له إذا فارقه ، وهذا شيء لا ي نكره ولا يجحده إلا متبلد الإحساس ، والعياذ بالله. قال ابن تيمية: النفس تحن إلى الوطن إذا لم تعتقد أن المقام به محرم ، أو به مضرة وضياع دنيا[201.]) وقال أسلم بن عبد العزيز : سمعت ابن عبد الحكم يقول: لم يقدم علينا في الان ليس أحد أعلم من قاسم بن محمد ، ولقد عاتبته حين رجوعه من الأندلس ، قلت: قم عندنا ، فإنك تعتقد هنا رئسة ، ويحتاج الناس إليك ، فقال: لابد من الوطن[202.]) * * *
عدد الصفحات ١٢٣المبحث الرابع حقوق المواطنين وواجباتهم مدخل. أولا : حقوق غير المسلمين. ثانيا : واجبات المواطنين. * * *
عدد الصفحات ١٢٥مدخل إن مفهوم المواطنة يشمل حقوقا مختلفة تتمثل في الجانب المدني ، والقانوني ، والسياسي ، والاقتصادي ، والاجتماعي ، والثقافي ، والفكري ، والمعرفي ، والتكنولوجي ، و هي حقوق يتمتع بها جميع المواطنين ، وهي واجبات على الدولة الحديثة المسلمة ، ومن أهمها: _خ يحفظ له حقوقه الدينية والمدنية. _خ توفير الأمن والاستقرار . _خ توفير التعليم للجميع. _خ تقديم الرعاية الصحية الأولية والاجتماعية. _خ توفير الخدمات الأساسية. _خ توفير حياة معيشية كريمة.
عدد الصفحات ١٢٦_خ المساواة والإنصاف بين المواطنين أمام القضاء والقانون. _خ العدل وتكافؤ الفرص في الوظيفة العمومية ، والمناصب في الدولة. _خ الحرية الشخصية ، وحرية الرأي والتعبير ، وحرية الانتقال. _خ العدالة الاجتماعية. _خ حق المشاركة السياسية. _خ تساوي المسؤوليات أمام الجميع. وهذه الحقوق يجب أن يتمتع بها جميع المواطنين على حد سواء ، وهي مكفولة لكل فرد حسب التشريعات «الدستور والقانون» ؛ بغض النظر عن التركيبة الثقافية و الاجتماعية والسياسية ؛ على أن يلتزم كل فرد بحدود حريته ، ولا يتعدى على حريَت الاخرين [203.]) * * *
عدد الصفحات ١٢٧أو: حقوق غير المسلمين
عدد الصفحات ١٢٨يتساوى جميع المواطنين في الدولة الحديثة المسلمة في أنهم يتمتعون بحقو ق مشتركة ، والأصل في ذلك: (فإن قبلوا عقد الذمة فأعلمهم أن لهم ما للمسلمين ، وعليهم ما على المسلمين[)204 .])و يستثنى من هذه القاعدة الذهبية إلا ما يخص الأمور الدينية ضرورة وجود الاختلف في الدين الذي ينسحب أثره على جانبي الحقوق ، والالتزامات الخاصة بالدين ، فالمواطنون غير المسلمين ، كما أنهم مستثنون من الخضوع للشريعة في الأمور المتصلة بصميم دينهم ، فكذلك من الحقوق الوثيقة الصلة بصميم الدين الإسلمي. وحقوق المواطنين في الإسلم ليست منحة من السلطة التشريعية ، أو التنفيذية ، أو القضائية في الدولة ، فتتعرض لتعطيل أو إلغاء ، كما أنها ليست نتيجة نضال شعب مضطهد حتى يمكن التنازل عنها ، أو المساومة فيها... إنها حقوق شرعها الخالق سبحانه ، فليس من حق بشر ـ كائنا من كان ـ أن يعطلها ، أو يعتدي عليها ، ولا تسقط حصانتها الذاتية لا بإرادة الفرد تنازلا عنها ، ولا بإرادة المجتمع المتمثلة فيما يقيمه من مؤسسات أيَ كانت طبيعتها ، وكيفما كانت السلطات التي تخولها[205.]) 1 ـ حق الحماية: لكل مواطن الحماية اللزمة على نفسه ، وماله ، وعرضه ، وشرفه ، وأهله ، سواء من الاعتداء الخارجي ، أو من الظلم الداخلي بين المواطنين بعضهم البعض بالنسبة للمواطن المسلم ، فلأن «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه» ([206 ])، «وهم يد على من سواهم ، ويسعى بذمتهم أدناهم» ([207.]) وبالنسبة للمواطن غير المسلم ؛ فإنَّ عهد الذمة يوجب تلك الحماية ، يقول الماو ردي : ويلزم لهم ببذلها «أي: الجزية » حقان:
عدد الصفحات ١٢٩أحدهما: الكف عنهم. والثاني: الحماية لهم ، ليكونوا بالكف امنين ، وبالحماية محروسين[208.]) ويقول القرافي : إن عقد الجزية موجب لعصمة الدماء ، وصيانة الأموال والأعراض ، إلى غير ذلك مُا يترتب عليه ، وحقيقة عقد الذمة هو التزامنا لهم بذلك[209 ])، والحماية من الاعتداء الخارجي ؛ مُا توجبه مسؤولية الحاكم عن رعيته ، وهذا الواجب معلق على أكتاف المسلمين فقط ، ومع ذلك من المقبول ما إذا تطوع مواطن غير مسلم لذلك ، وإذا كان من واجب المسلمين متضامنين تحت قيادة الإمام الذود عن كل شبر من الوطن الإسلمي ، فإنه من باب أولى الدفاع عن سلمة مواطن مواطنيه ؛ لأن النفس أعظم ثمنا من الأرض. وعن التزام المسلمين حْاية إخوانهم من المواطنين غير المسلمين نقل عن ابن حزم قوله في (مراتب الإجماع ): إن من كان في الذمة وجاء أهل الحرب إلى بلدنا يقصدونه وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلح ، ونموت دون ذلك ، صونا لمن هو في ذمة رسول الله (ص) ، فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة ، وحكي في ذلك إجماع الأمة[210.]) أما الحماية من الظلم الداخلي: فيجب على الدولة أن تَنع أي مواطن من أن ينال من مواطن اخر ، وبالتالي يجب على المسلمين ـ بحق الأخوة الدينية ـ منع أي مسلم من أخيه المسلم ، وبحق الوفاء بالعهد منع أي مسلم وأي مواطن غير مسلم ، وعلى المواطنين غير المسلمين المشاركة في منع الظلم منهم على أي مسلم ، أو على بعضهم بموجب و لائهم للدولة ، ووفائهم بما تتطلبه الحياة المشتركة [211.])
عدد الصفحات ١٣٠والايَت القرانية متوافرة في النهي عن الظلم الذي يوجب سخط الله في الدنيا و الاخرة ، فيؤدي إلى الخسران في الدنيا ، وعذاب بئيس في دار القرار [212 ])، كما تتوارد الأحاديث النبوية على تشنيع الظلم والظالمين ، منها: * قوله (ص« :)أ من ظلم معاهدا ، أو انتقصه حقا ، أو كل فه فوق طاقته ، أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس ، فأنا حجيجه يوم القيامة»([213.]) *وقوله (ص« :)من اذى ذميا فأنا خصمه ، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة»([214.]) *وقوله (ص« :)انصر أخاك ظالما أو مظلوما » ، فقال رجل : يَ رسول الله أنصره إذا كان مظلوما ، أرأيت إن كان ظالما كيف أنصره؟ قال« :تحجزه ـ أو تَنعه ـ من الظلم ، فإن ذلك نصره »([215.]) وحرص العلماء على ذكر هذا الحق في كتبهم ، ولا يقتصر هذا الالتزام بطبيعة الحال على الإمام فحسب ، بل يقع كذلك على جميع المسلمين ، وأكد القرافي هذه النقطة قائل : إن عقد الذمة يوجب حقوقا علينا لهم ؛ لأنهم في جوارنا ، وفي خفارتنا ، وذمة الله تعالى ، وذمة رسوله (ص) ، ودين الإسلم ، فمن اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء ، أو غيبة في عر ض أحدهم ، أو نوع من أنواع الأذية ، أو أعان على ذلك ؛ فقد ضيع ذمة الله تعالى ، وذمة رسوله (ص) ، وذمة دين الإسلم[216.]) ويجب توفير الحماية لجميع المواطنين على السواء ، وعلى نحو يكفل لكل مواطن في الدولة الحديثة المسلمة حياة كريمة ، وتشمل الحماية جميع مقومات الحياة[217.]) أ ـ حْاية النفس:
عدد الصفحات ١٣١