المبحث الثالث الأدلة القرانية والنبوية المتعلقة بالوطن ، وتأصيل مفهوم المواطنة أولا : الأدلة القرانية . ثانيا : السنة النبوية. ثالثا : الدولة الوطنية والعالم الإسلمي. * * *
عدد الصفحات ٩٩أو: الأدلة القرانية أكد القران الكريم على مكانة الوطن ، وأن للديَر حرمة ، والاعتداء عليها بإخراج أهلها منها ، أو إذلالهم فيها تعتبر فعلة شنعاء وجريمة في حق أهله ، وبين القران الكريم الضابط لعاطفة حب الوطن والمواطنة وحسن توجهها ، وتحديد مسارها ، بحيث يكون مسلكا وسطا للأمة ، ومن الايَت في هذا الشأن: 1 ـ قال تعالى{ :ق ل إ ن كَانَ آباَؤ ك م وَأَبـ نَاؤ ك م وَإ خ وَان ك م وَأَز وَاج ك م وَعَ ش يرَت ك م وَأَم وَال اقـ تـَرَفـ ت م وهَا وَتج َارَة تخَ شَو نَ كَسَادَهَا وَمَسَاك ن تـَر ضَو نـَهَا أَحَبَّ إ لَي ك م م نَ اللَّّ وَرَس ول ه وَج هَاد في سَب يل ه فـَتـَرَبَّص وا حَتىَّ يأَ تي َ اللَّّ بأ َم ر ه وَاللَّّ لاَ يـَه د ي ال قَو مَ }{ال فَاس ق ينَ [}*التوبة: 24. ] وهذه الاية تحدثت عن ألوان الوشائج ، والمطامع ، واللذائذ ليضعها كلها في كفة ، ويضع العقيدة في الكفة الأخرى . * الاباء ، والأبناء ، والإخوان ، والأزواج ، والعشيرة ، وشيجة الدم ، والنسب ، والقراب ة ، والزواج. * والأموال والتجارة ، مطمع الفطرة ورغباتها . * والمساكن المريحة ، متاع الحياة ولذاتها. وفي الكفة الأخرى ، حب الله ورسوله ، وحب الجهاد في سبيله...
عدد الصفحات ١٠٠الجهاد بكل مقتضياته وبكل مشاقه... الجهاد وما يتبعه من تعب ونصب ، وما يتبعه من تضييق وحرمان، وما يتبعه من ألم وتضحية ، وما يتبعه من جراح واستشهاد ، و هو بعد هذا كله... الجهاد في سبيل الله مجردا من الصيت ، والذكر ، والظهور ، مجردا من المباهاة ، والفخر ، والخيلء ، مجردا من إحساس أهل الأرض به ، وإشارتهم إليه ، وإشادتهم بصاحبه ، وإلا فل أجر عليه ، ولا ثواب[150.]) فالاباء، والأبناء، والإخوان، والأزواج، والعشيرة، فهؤلاء هم المواطنون في أي وطن ، والوطن فيه الأموال والمساكن ، ولقد أفادت كلمة «أَحَب» هذا المعنى ، إذ التعبير بـ «أَحَبَّ » لأن التفضيل في المحبة يقتضي إرضاء الأقوى من المحبوبين ، ففي هذا التعبير تحذير من التهاون بواجبات الدين مع الكتابة عن جعل ذلك التهاون مسببا على تقديم محبة تلك العلئق على محبة الله ، ففيه إيقاظ إلى ما يؤول إليه ذلك من مهواة في الدين ، وهذا من أبلغ التعبير[151.]) وجاء في الاية كلمة {وَمَسَاك ن}، وهي عادة الأماكن التي يعيش فيها المواطنون في الأوطان ، والمنهي عنه أن تكون أحب إلى المسلم من الله ورسوله ، وهذا يعني وجود الحب ، والانتماء إلى الوطن ، ولكن الممنوع تقديمه على محبة الله ورسوله [152.]) 2 ـ قال تعالى: َ فـَلَمَّا اع تـَزَلهَ م وَمَا يـَع ب د ونَ م ن د ون اللَّّ وَهَبـ نَا لَ ه إ س حَاقَ وَيـَع ق وبَ وَك لًّ جَعَل نَا نَب يًّا }*[49. ] ولما كانت مفارقة الإنسان لوطنه ومألوفه وأهله وقومه من أشق شيء على النفس لأمور كثيرة معروفة ، ومنها انفراده عمَّن يتعزز بهم ويتكثر ، وكان من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه. واعتزل إبراهيم قومه ، قال تعالى في حقه{ :فـَلَمَّا اع تـَزَلهَ م وَمَا يـَع ب د ونَ م ن د ون اللَّّ وَهَبـ نَا لَه إ س حَاقَ وَيـَع ق وبَ وَك لًّ }من إسحاق ويعقوب {جَعَل نَا نَب يًّا }*،
عدد الصفحات ١٠١فجعل له ولهؤلاء الصالحين المرسلين إلى الناس ؛ الذين خصَّهم الله بوحيه ، واختارهم لرسالته ، واصطفاهم من العالمين[153.]) 3 ـ قال تعالى{ :وَلَو أَناَّ كَتـَبـ نَا عَلَي ه م أَن اقـ تـ ل وا أَنـ ف سَك م أَو اخ ر ج وا م ن د يََر ك م مَا فـَعَل وه إ لاَّ قَل يل م نـ ه م وَلَو أَنـَّه م فـَعَل وا مَا ي وعَظ ونَ ب ه لَكَانَ خَيـ ر ا لهَ م وَأَشَ دَّ تـَث ب يت ا [ }*النساء: 66. ] إن منهج الله ـ سبحانه وتعالى ـ ميسر لينهض به كل ذي فطرة سوية... إنه لا يحتاج للعزائم الخارقة الفائقة ؛ التي لا توجد إلا في القلة من البشر ، وهذا الدين لم يجأئ لهذه القلة القليلة ، إنه جاء للناس جميعا ، والناس معادن وألوان وطبقات ، من ناحية القدرة على النهوض بالتكاليف ، وهذا الدين ييسر لهم جميعا أن يؤدوا الطاعة المطلوبة فيه ، وأن يكفوا عن المعاصي التي نهى عنها. وقتل النفس ، والخروج من الديَر ، مثلن للتكاليف الشاقة ، التي لو كتبت عليهم ما فعلها إلا قليل منهم ، وهي لم تكتب ؛ لأنه ليس مرادا من التكاليف أن يعجز عنها عامة الناس ، وأن ينكل عنها عامة الناس ، بل المراد أن يؤديها الجميع، و أن يقدر عليها الجميع، وأن يشمل موكب الإيمان كل النفوس السوية العادية، وأن ينتظم المجتمع المسلم طبقات النفوس، وطبقات الاستعدادات ، وأن ينميها جميعا ويرقبها ، و في أثناء سير المواكب الشامل العريض [154.]) إن الاية الكريمة تبين أن حب الوطن في نفس كل إنسان لا تنفك عنه ما دام الإنسان في هذه الحياة ، وبين سبحانه وتعالى في هذه السورة َ { وَلَو أَناَّ كَ تـَبـ نَا عَلَي ه م }يشق احتماله كقتل الأنفس والخروج من الوطن لعصى الكثير منهم ولم يطع إلا القليل ، فالقران الكريم تحدث عن حب الإنسان لوطنه كمعادل وقرين لحب هذا الإنسان للحياة ؛ ولذلك فالإخراج من الديَر معادل ومساو للقتل الذي يخرج الإنسان من عداد الأحياء. 4 ـ قال تعالى{ :وَإ ذ أَخَذ ناَ م يثَاقَك م لاَ تَس ف ك ونَ د مَاءَك م وَلاَ تخ ر ج ونَ أَنـ ف سَك م م ن د يََر ك م ثم َّ أَقـ رَر ت وَأَنـ ت م تَش هَد ونَ *ثم َّ أَنـ ت م هَؤ لاَء تـَق تـ ل ونَ أَنـ ف سَك م وَتخ ر ج ونَ فَر يق ا م ن ك م م ن د يََر ه م
عدد الصفحات ١٠٢تَظَاهَر ونَ عَلَي ه م با لإ ثم وَال ع د وَان وَإ ن يأَ ت وك م أ سَارَى تـ فَاد وه م وَ ه وَ مح َرَّم عَلَي ك م إ خ رَاج ه م أَفـَتـ ؤ م ن ونَ ب بـَع ض ال ك تَاب وَتَك ف ر ونَ ب بـَع ض فَمَا جَزَاء مَن يـَف عَل ذَل كَ م ن ك م إ لاَّ خ ز ي في الح َيَاة الدُّنـ يَا وَيـَو مَ ال ق يَامَة يـ رَدُّونَ إ لىَ أَشَد ال عَذَاب وَمَا اللَّّ ب غَاف ل عَ مَّا تـَع مَل ونَ * جَزَاء مَن يـَف عَل ذَل كَ م ن ك م إ لاَّ خ ز ي في الح َيَاة الدُّنـ يَا وَيـَو مَ ال ق يَامَة يـ رَدُّونَ إ لىَ أَ شَد ال عَذَاب وَمَا اللَّّ ب غَاف ل عَمَّا تـَع مَل ونَ [}*البقرة : 84 ـ 85. ] ومن بنود المواثيق التي أخذها الله على بعض الأمم نتعلم أن الإخراج من الديَر، و الحرمان من الوطن هو معادل لسفك الدماء، والإخراج من الحياة[155.]) 5 ـ قال تعالى: َ لاَ يـَنـ هَاك م اللَّّ عَن الَّذ ينَ لمَ يـ قَات ل وك م في الد ين وَلمَ يخ ر ج وك م م ن د يََر ك م أَن تـَبـَرُّوه م وَتـ ق س ط وا إ لَي ه م إ نَّ اللََّّ يح بُّ ال م ق س ط ينَ }*[ 8. ] إن الله سبحانه وتعالى قرن حب الدين مع حب المواطن لوطنه ؛ لذا من حق المواطن العدل والبر الذي هو مأمور به من الله لمن لم يقاتل المسلم في دينه ، ولم يخرجه من و طنه ، كما أن الجمع بينهما دليل على مكانة كل منهما في الإسلم ، وفي النفوس. ويبين لنا القران الكريم أن للأوطان مكانة ، وأن للديَر حرمة ، وأن الاعتداء على هذه الأوطان بإخراج أهلها منها ، أو إذلالهم فيها ، يعتبر جريمة يحتاج إصلحها إلى إعلن العداوة ، والقتال ، والنزال [156.]) 6 ـ وعندما أذن الله سبحانه وتعالى للمؤمنين في القتال كان إخراجهم من ديَرهم سببا ؛ علَّل به القران الكريم هذا التطور الجديد المتمثل في الإذن بالقتال ، قال تعالى{ :أ ذ نَ ل لَّذ ينَ يـ قَاتـَل ونَ بأ َنـَّه م ظ ل م وا وَإ نَّ اللََّّ عَلَى نَص ر ه م لَقَد ير *الَّذ ينَ أ خ ر ج وا م ن د يََر ه م ب غَير حَق إ لاَّ أَن يـَق ول وا رَبـُّنَا اللَّّ وَلَو لاَ دَف ع اللَّّ النَّاسَ بـَع ضَه م ب بـَع ض لهَ د مَت صَوَام ع وَب يَع وَصَلَوَات وَمَسَاج د ي ذ كَر ف يهَا اس م اللَّّ كَث ير ا وَلَيـَن ص رَنَّ اللَّّ مَن يـَن ص ر ه إ نَّ اللََّّ لَقَو ي عَز يز [ }*الحج: 39 ـ 40. ]
عدد الصفحات ١٠٣7 ـ وعندما تطور الحال في الإذن في القتال إلى الأمر به ؛ جاء حديث القران الكريم أيضا ، فجعل الإخراج من الديَر سببا لقتال أولئك الذين أخرجوا المسلمين من ديَرهم ، قال تعالى: {وَقَات ل وا في سَب يل اللَّّ الَّذ ينَ يـ قَات ل ونَك م وَلاَ { }تـَع تَد وا إ نَّ اللََّّ لاَ يح بُّ ال م ع تَد ينَ * وَاقـ تـ ل وه م حَي ث ثَق ف ت م وه م وَأَخ ر ج وه م م ن حَي ث أَخ رَج وك م وَال ف تـ نَة أَشَدُّ م نَ ال قَت ل وَلاَ تـ قَات ل وه م ع ن دَ ال مَس ج د الح َرَام حَتىَّ يـ قَات ل وك م ف يه فَإ ن قَاتـَل وك م فَاقـ تـ ل وه م كَ ذَل كَ جَزَاء ال كَاف ر ينَ [}*البقرة : 190 ـ 191. ] 8 ـ وعندما انتقل القران الكريم في تشريعه للجهاد القتالي من «أمر» المؤمن به ، إلى حيث جعله «فريضة مكتوبة» عليهم ، استمر حديثه عن إخراجهم من ديَرهم ، كسبب يوجب عليهم ، ويفرض عليهم قتال الأعداء ، قال تعالى: {فَأ ولَئ كَ حَب طَت أَع مَاله م في الدُّنـ يَا وَالآخ رَة وَأ ولَئ كَ أَص حَاب النَّار ه م ف يهَا خَال د ونَ }* [216 ـ 217. ] 9 ـ لقد جعل الإسلم في قرانه الكريم ، الموقف من القضية الوطنية معيارا يحدد للمسلمين من تجوز لهم مودته ، ومصادقته ، والبر به ، ومن لا يجوز لهم إنزاله منازل الأصدقاء من غير المسلمين ، فنهانا نهيا قاطعا على أن نصادق أو ننصر أولئك الذين يغدرون بديَرنا ، أو يخرجون منها أبناءها المسلمين[157 .])قال تعالى{ :يََأَيـُّهَا الَّذ ينَ آمَن وا لاَ تـَتَّخ ذ وا عَد و ي وَعَد وَّك م أَو ل يَاءَ تـ ل ق ونَ إ لَي ه م با ل مَوَدَّة وَقَد كَفَر وا بم َا جَاءَك م م نَ الح َق يخ ر ج ونَ الرَّس ولَ وَإ يََّك م أَن تـ ؤ م ن وا با للَّّ رَب ك م إ ن ك نـ ت م خَرَج ت م ج هَاد ا في سَب يل ي وَاب ت غَ اءَ مَر ضَاتي ت س رُّونَ إ لَي ه م با ل مَوَدَّة وَ أَناَ أَع لَم بم َا أَخ فَيـ ت م وَمَا أَع لَنـ ت م وَمَن يـَف عَل ه م ن ك م فـَقَد ضَلَّ سَ وَاءَ السَّب يل [}*الممتحنة: 1. ] 10 ـ قال تعالى{ :إ ن الَّذ ي فـَرَضَ عَلَي كَ ال ق ر آنَ لَرَآدُّكَ إ لىَ مَعَاد ق ل رَبي أَع لَم مَن جَاءَ با له دَى وَمَ ن ه وَ في ضَلَل م ب ين }*[85. ]
عدد الصفحات ١٠٤عن عكرمة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إلى {لَرَآدُّكَ إ لىَ مَعَاد }، وقال مقاتل: خرج النبي (ص) من الغار ليل مهاجرا إلى المدينة في غير طريق مخافة الطلب ، فلما رجع إلى الطريق ، وتنزل جبريل ؛ قال الله تعالى: أي: إلى مكة ظاهرا عليها وقال سفيان« :فسمعناه من مقاتل منذ سبعين سنة ، عن الضحاك قال: لما خرج النبي (ص) من مكة فبلغ الج حفة ، اشتاق إلى مكة ؛ فأنزل الله عليه{ :إ ن الَّذ ي فـَرَضَ عَلَي كَ ال ق ر آنَ لَرَآدُّكَ إ لىَ مَعَاد }مكة[158.]) هذه الاية نزلت بالج حفة لا بمكة ولا بالمدينة ؛ حين اشتاق إلى مولده ، ومولد ابائه[159.]) ومع الاية العام هو أن الله الذي كلفك بتبليغ شريعة القران الكريم ، والعمل بها ، وكلفك بالدعوة إلى الإسلم ، وتحمل المتاعب في سبيله ، وأمرك بأن تخرج مهاجرا من مكة إلى المدينة ، يعلم مدى حبك لوطنك الأول ، وهو يضمن لك إرضاء هذه العاطفة في نفسك ، ويضمن إشباع هذه النزعة الثائرة في روحك [160.]) 11 ـ ومن الأدلة على قوة الحب للوطن عند رسول الله (ص) ، فقد كان الرسول قبل الهجرة يتجه في صلته نحو الكعبة ـ وهو في مكة ـ فلما هاجر أمره الله تعالى بأن يتجه إلى «البيت المقدس» في فلسط ، وكان ذلك اختبارا من الله تعالى لاتباع الرسول ؛ لينظر الطائعين منهم ويعلم العاصين ، وليكشف عن جانب من تطاول السفهاء الضالين على الإسلم ، فأطاع الرسول أمر ربه ، ولكنه كان في نفسه يذكر مكة ، ويذكر الكعبة ، ويتمنى أن يتجه إليها في صلته ، وكان يقل ب وجهه في السماء ، كأنه يدعو ربه ويرجوه أن يحول قبلته كما كانت إلى موطنه الأول «مكة» ، وإلى أول بيت و ضع للناس ، وهو الكعبة البيت الحرام ، و بعد أن
عدد الصفحات ١٠٥استجاب الله لدعاء حبيبه وصفيه محمد (ص) ، فحوله في وجهة الصلة وقبلتها من بيت المقدس إلى الكعبة ، ونزل في ذلك قران . قال تعالى{ :سَيـَق ول السُّفَهَاء م نَ النَّاس مَا ولاَّه م عَن ق بـ لَت ه م الَّتي كَان وا عَلَيـ هَا ق ل للّ َّ ال مَش ر ق وَال مَغ ر ب يـَه د ي مَن يَشَاء إ لىَ ص رَاط م س تَق يم *وَكَذَل كَ جَعَل نَاك م أ مَّة وَسَط ا ل تَك ون وا ش هَدَاءَ عَلَى النَّاس وَيَك ونَ الرَّس ول عَلَي ك م شَه يد ا وَمَا جَعَل نَا ال ق بـ لَةَ الَّتي ك ن تَ عَلَيـ هَا إ لاَّ ل نـَع لَمَ مَن يـَتَّ ب ع الرَّس ولَ مُ َن يـَنـ قَل ب عَلَى عَق بـَي ه وَإ ن كَانَت لَكَب يرَة إ لاَّ عَلَى الَّذ ينَ هَدَى اللَّّ وَمَا كَانَ اللَّّ ل ي ض يعَ إ يمَانَك م إ ن اللََّّ با لنَّاس لَرَؤ وف رَح يم * قَد نـَرَى تـَقَلُّبَ وَ ج ه كَ في السَّمَاء فـَلَنـ وَل يـَنَّكَ ق بـ لَة تـَر ضَاهَا فـَوَل وَج هَكَ شَط رَ ال مَس ج د الح َرَام وَحَي ث مَا ك نـ ت م فـَ وَلُّوا و ج وهَك م شَط رَه وَإ نَّ الَّذ ينَ أ وت وا ال ك تَابَ لَيـَع لَم ونَ أَنَّه الح َقُّ م ن رَبه م وَمَا اللَّّ ب غَ اف ل عَمَّا يـَع مَل ونَ }*[142 ـ 144. ] وهذه الايَت التي جاءت بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى مكة نزلت ـ كما ير وي بعض الرواة ـ على رسول الله (ص) وهو يصلي صلة الظهر في أحد المساجد الموجودة على طرف من أطراف المدينة ، فتحول النبي (ص) وهو في وسط الصلة من جهة بيت المقدس إلى جهة الكعبة ، وصلى الركعتين الباقيتين من صلة الظهر وهو مت جه إلى الكعبة، واقتدى به مَن كانوا خلفه ، ولذلك صار هذا المسجد معروفا باسم «المسجد ذي القبلتين» ، وما زالت بقعته موجودة وفوقها مسجد يؤمه الحجاج ليصلوا فيها ، ويستحضروا تلك الصورة الرائعة التي كانت تترجم عن مبلغ التوق والحنين في صدر النبي (ص) إلى موطنه الأول. 12 ـ ومن أوضح بناء وتأسيس الأدلة الشرعية لمفهوم المواطنة هو ما جاء بوضوح في القران والسنة من نسبة الدور والأوطان لأهلها ، قال الإمام الشافعي رحْه الله مناظرا إسحاق بن راهويه : قال تعالى{ :ل ل ف قَرَاء ال م هَاج ر ينَ الَّذ ينَ أ خ ر ج وا م ن د يََر ه م } [8 ]، فنسب الديَر إلى مالكها.
عدد الصفحات ١٠٦وقال النبي (ص) يوم فتح مكة« :من أغلق بابه فهو امن ، ومن دخل دار أبي سفيان فهو امن» ، فنسب الديَر إلى أربابها. وقال النبي (ص) يوم فتح مكة« :وهل ترك لنا عقيل من دار؟» ([161.]) 13 ـ {الَّذ ينَ أ خ ر ج وا م ن د يََر ه م ب غَير حَق إ لاَّ أَن يـَق ول وا رَبـُّنَا اللَّّ }[40. ] قال علمة تونس محمد الطاهر بن عاشور رحْه الله: أي: أخرجوا متلبسين بعدم الحق عليهم الموجب إخراجهم ، فإن للمرء حقا في وطنه ومعاشرة قومه ، وهذا الحق ثابت بالفطرة ؛ لأن من الفطرة أن الناشأئ في أرض ، والمتولد بين قوم هو مساو لجميع أهل ذلك الموطن في حق القرار في وطنهم وبين قومهم بالوجه الذي ثبت لجمهورهم في ذلك المكان من نشأة متقدمة ، أو قهر وغلبة لساكنه ، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنها لبلدهم ، قاتلوا عليها في الجاهلية ، وأسلموا عليها في الإسلم[162.]) 14 ـ المهاجرون والأنصار جميعهم اشتركوا في نصرة الدين ، لكن الله سبحانه فضل المهاجرين ، وجعلهم أعلى مرتبة من الأنصار ؛ لأنه حصل لهم ما لم يحصل للأنصار ، وهو التغريب عن الأوطان ، قال تعالى{ :ل ل ف قَرَاء ال م هَاج ر ينَ الَّذ ينَ أ خ ر ج وا م ن د يََر ه م وَ أَم وَاله م يـَبـ تـَغ ونَ فَض ل م نَ اللَّّ وَر ض وَانا وَيـَن ص ر ونَ اللََّّ وَرَس ولَه أ ولَئ كَ ه م الصَّاد ق ونَ *}[8. ] قال ابن تيمية: وذلك لأن المهاجرين جمعوا بين الهجرة والنصرة [163.]) 15 ـ تقوى الله كلمة جامعة لكل خير ، وحقيقتها تحقيق العبودية لله: َ وَمَ ا خَلَق ت الج نَّ وَالإ ن سَ إ لاَّ ل يـَع ب د ون }*[56. ] وحقيقتها أيضا : عمارة الأرض على الوجه الذي تنتفع به الخلئق ؛ كما قال تعالى{ :ه وَ أَن شَأَك م م نَ الأَر ض وَاس تـَع مَرَك م ف يهَا}[61. ]
عدد الصفحات ١٠٧ومن التقوى: حفظ أرض الوطن ، وصيانته ، وعمارته عمارة صحيحة ، وغرس كل خير فيه ، ودرء كل شر عنه ، قال محمود شاكر: إيَك أن تظن أن تقوى الله هي الصلة والصيام ونحوهما من العبادات فقط ، إن تقوى الله تدخل في كل شيء ، فاتق الله في عبادة مولاك لا تفرط فيها ، واتق الله في إخوانك ، لا تؤذ أحدا منهم ، واتق الله في بلدك لا تخنه ، ولا تسلط عليه عدوا ، واتق الله في نفسك لا تهمل في صحتك ، ولا تتخلق بسوى الأخلق الفاضلة[164.]) ومن خلل الايَت الكريمة يتبين أن الانتماء الوطني مغروس في فطرة الإنسان السوي ، وأن الأوطان جعلها الله سبحانه وتعالى من ضرورات الحياة ، وأماكن العيش للشعوب التي خلقها ؛ لكي يحقق أفرادها العبودية الشاملة لله عليها ، كما أن تحقيق مفهوم المواطنة ، بأبعاده القانونية ، والمدنية ، والسياسية ، والاجتماعية ، والثقافية ، واللغوية ، والمادية ، والمعنوية ، والتطوعية مقصد من مقاصد الشعوب ، وقيمة إنسانية تحرص عليها ؛ بسبب ما تحتويه من عدالة ، ومساواة ، وحرص على حقوق الإنسان وكرامته . * * *
عدد الصفحات ١٠٨ثانيا: السنة النبوية 1 ـ دعاء النبي (ص) باللعنة على من أخرجه من أرضه ووطنه: الدعاء باللعنة شديد ؛ لأنه دعاء بالطرد والإبعاد من رحْة الله ، ونبينا (ص) نبي الرحْة ، وقد دعا باللعنة على من أخرجه من أرضه ووطنه ، وهذا دال على مكانة الوطن في نفوس الأنبياء ، فضل عن غيرهم من البشر الأسويَء ، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: إن النبي (ص) قال« :اللهم العن شيبة بن ربيعة ، وعتبة بن ربيعة ، وأمية بن خلف ، كما أخرجونا من أرضنا » ([165.]) 2 ـ شفقة النبي (ص) من خروجه من أرضه ووطنه:
عدد الصفحات ١٠٩فالن (ص) لما أخبر ورقة بن نوفل بشأنه مع الوحي ، قال له ورقة بن نوفل:يَ ليتني أكون حيا حين يخ رجك قومك ، فقال رسول الله (ص« :)أومخرجي هم؟» ، قال ورقة : نعم[166.]) قال السهيلي: ففي هذا دليل على حب الوطن ، وشدة مفارقته على النفس[167.]) وعن عبد الله بن عدي بن الحمراء رضي الله عنه أنه سمع النبي (ص) ، وهو واقف على راحلته ، يقول« :و إنك لخير أرض الله ، وأحب أرض الله ، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت » ([168.]) 3 ـ شفقة النبي (ص) على الغرباء على أوطانهم: نبينا (ص) كان من أشد الناس تقديرا للضرورات ، والفطر الجبلية الكامنة في نفوس الناس من حب الأوطان ، فقد رحل إليه لطلب العلم مالك بن الحويرث رضي الله عنه و معه عشرون نفرا ، كلهم شببة متقاربون قال: وقد أقمنا عنده عشرين يوما ، قال: وكان النبي (ص) رؤوفا رحيما ، فلما رانا قد اشتقنا إلى أهلنا قال« :ارجعوا إلى أهليكم فعل موهم» ([169.]) فانظر إلى تقدير النبي (ص) لمشاعر وأحاسيس الشباب من الصحابة لديَرهم وأو طانهم ، مع أنهم مشغولون بشيء عظيم ، ألا وهو تلقي العلم والإيمان من رسول الله (ص) ، وانظر إلى عبارة مالك بن الحويرث رضي الله عنه وهو ينقل للأمَّة الإسلمية كلها أحاسيس النبي (ص) حيث قال: فلما رانا اشتقنا إلى أهلنا[170.]) 4 ـ عن أبي حْيد رضي الله عنه ، قال: أقبلنا مع النبي (ص) من غزوة تبوك ، حتى إذا أشرفنا على مدينة ، قال« :هذه طابة ، وهذا أ ح د جبل يح بُّنا ونحبه»([171.])
عدد الصفحات ١١٠إن من المواطنة حب الأرض بما فيها ، كما فعل الرسول (ص) ، فقد أحب جبالها ووديَنها ، وأحب الجبل الصامد ، وأشار إلينا أن نحبه ، فقال (ص): «هذا جبل يح بُّنا ونحبه» ، كما أن حب جبل أحد من حبه (ص) للمدينة. إن قول النبي (ص« :)هذا جبل يح بُّنا ونحبه» ، قيل: هو على الحقيقة ، ولا مانع من وقوع مثل ذلك ؛ بأن يخلق الله المحبة في بعض الجمادات. قال الشاعر: وما ح بُّ الد يَر شَغَف نَ قلبي ولكن ح بُّ مَن سَكَنَ الد يَرا[172]) ويمكن القول: أنه لا مانع أن تكون المحبة من الجبل على حقيقتها ، وضع الحب فيه ، كما وضع التسبيح في الجبال المسبحة مع داود عليه السلم ، وكما وضعت الخشية في الحجارة التي قال الله فيها{ :م نـ هَا لَمَا يـَه ب ط م ن خَش يَة اللَّّ }[74([ ]173.]) 5 ـ وعن عائشة رضي الله عنها قال: لما قدم رسول الله (ص) المدينة ، قدمها وهي أوبأ أرض الله من الحمى ، وكان واديها يجري نجل ـ يعني ماء اجنا ـ فأصاب أصحابه منها بلء وسقم ، وصرف الله ذلك عن نبيه ، قال: فكان أبو بكر ، وعامر بن فهيرة ، وبلل في بيت واحد ، فأصابتهم الحمَّى ، فاستأذنت رسول الله (ص) في عيادتهم ، فأذن ، فدخلت إليهم أعودهم ، وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب ، وبهم مالا يعلمه إلا الله من شدة الوعك[174 ])، فدنوت من أبي بكر ، فقلت: يَ أبت كيف تجد ك؟ فقال: كلُّ امرأئ م صبَّح في أهله والموت أدنى من شراك نعله قالت: فقلت: والله ما يدري أبي ما يقول ، ثم دنوت من عامر بن فهيرة ، فقلت: كيف تجدك يَ عامر؟ فقال:
عدد الصفحات ١١١لقد وجدت الموتَ قبل ذوقه إنَّ الجبانَ حتف ه من فوقه كل امرأئ مجاهد بطوقه[175]) كالثَّور يحمي جلده بروقه[176]) قالت: فقلت: والله ، ما يدري عامر ما يقول قالت: وكان بلل إذا أقلع عنه الحمَّى اضطجع بفناء البيت ، ثم يرفع عقيرته[177 ])، ويقول: ألا ليت شعري هل أبيتنَّ ليلة بواد وحولي إذخر[178 ])وجليل وهل أَر دَن يوما مياهَ مجنَّة وهل يـَب د وَن لي شامة وطفيل قالت: فأخبرت رسول الله (ص) بذلك ، فقال« :اللهم حب ب إلينا المدينة ، كما حببت إلينا مكة أو أشدَّ ، وانقل حَّْاها إلى الج حفة ، اللهم بارك لنا في م دنا وصاعنا» ([179.]) وقد استجاب الله دعاء نبيه (ص) ، وع وفي المسلمون بعدها من هذه الحمَّى ، وغدت المدينة موطنا مُتازا لكل الوافدين ، والمهاجرين إليها على تنوع بيئاتهم ، ومواطنهم[(180.]) إن الحنين إلى الوطن فطرة بشرية ، يشترك فيها الناس عامة ، مؤمنهم وكافرهم ، عربهم وعجمهم ، أبيضهم وأسودهم. وقد قال ابن الرومي: وحبَّب أوطانَ الرجال إليهمو مارب قض اها الشباب هنالكا إذا ذكروا أوطانهَم ذكَّرتهمو عهود الصبا فيها فحن وا لذلكا
عدد الصفحات ١١٢وقد كان الصحابة يحنُّون إلى مكة ، ويشعرون بالشوق إليها ، وإلى ربوعها ، وجب الها ، ووديَنها ، وكل ما فيها ، فقد مرض بلل رضي الله عنه ، وفي إحدى الروايَت دخل عليه الرسول (ص) وهو ينشد ويقول: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد حوالي إذخر وجليل ؟ وهل أردن يوما مياهَ مجنة وهل يبدون لي شامة وطفيل ؟ يتمنىَّ بلل أن يسعده القدر يوما بليلة يبيت فيها بهذا الوادي الذي قال عنه القران { ب وَاد غَير ذ ي زَر ع }[37 . ]وحوله حشيش الإذخر ، وأن يجود عليه الدهر ، فيرَ د مجَ نَّة بمكة ، ويظهر له شامة وطفيل ، وهما من جبال مكة. وهنا دعا النبي (ص) ربه : وقال« :اللهم حب ب إلينا المدينة ، كما حبَّبت مكة أو أشدَّ » ([181.]) 6 ـ والتغريب عن الأوطان جعله الشارع تعزيرا لكبائر الذنوب كالزنى ، وهذا وحده كاف في الدلالة على قيمة الوطن في الشريعة ، وعلى أن التغريب عن الأوطان غاية ما يكو ن من العذاب النفسي ، فقد قضى النبي (ص) في الزاني غير المحصن بجلد مئة وتغريب عام[182.]) وقال ابن تيمية: فإن انتقاله عن وطنه مُا ي ضعف همَّته وبدنه ، ويعلم أنه معاقب[183.]) * * *
عدد الصفحات ١١٣ثالثا: الدولة الوطنية والعالم الإسلمي كان المعنى الفطري للوطن هو السائد لدى المسلمين في تاريخهم ، وهي: الأرض التي و لد فيها الإنسان أو نشأ ، وله بها علقة مادية وعاطفية ، تَثل نوعا من الانتماء أكبر وأعمق من الانتماء إلى الوطن قدري وجبري ، لا اختيار للإنسان فيه ، ولكن الانتماء الاخر ، وهو باختيار الإنسان وحرية الإنسان ، إنه هو الذي يختار دينه ، ويصرُّ عليه ، ولا يرضى به بديل ، ولو كان ملك المشرق والمغرب هذا الانتماء ، وهذا الولاء الاخر هو لله ولرسول ه وللأمة التي تشاركه هذه العقيدة ، فبعد أن رضي بالله ربا ، وبالإسلم دينا ، وبمحمد رسولا ؛ أصبح الإسلم مصدر اعتزازه ، ومحور ولائه ، وأساس انتمائه ، وعزة أمة الإسلم أهله وإخوانه{ :إ نمََّا ال م ؤ م ن ونَ إ خ وَة }[10. ] «المسلم أخو المسلم» ([184 ])، «والمسلمون يسعى بذمتهم أدناهم ، وهم يد على من سواهم» ([185.]) وأمست دار الإسلم هي وطن كل مسلم ، وإن تباعدت داره ، وقد عبرَّ فقهاء الإسلم عنها بهذا اللفظ «دار الإسلم» ، وإن كانت هي في الحقيقة ديَرا وأوطانا ، يشعر المسلم بوحدة الدار ، وأصبح ولاء المسلم لهذه الأمة الكبرى: أمرا م سلما به ، وهو يعتبر من مقتضيات الإيمان ، وهو داخل في قوله
عدد الصفحات ١١٤