تنقسم طرق اكتساب الجنسية الطارئة وفق ما عليه فقهاء القانون الدولي الخاص إلى أربع طرق في: * التجنيس (العادي ـ الخاص). * الزواج المختلط. * استعمال خيار الاسترداد: وهو رخصة خولها القانون للشخص الذي فقد جنسية الدولة يجوز له بمقتضاها أن يسترد جنسيته المفقودة ، وهو: عودة لاحقة لجنسية سابقة[124.]) *الضم الإقليمي: والمقصود به أن تضم دولة إلى إقليمها جزءا من إقليم دولة أخرى ، وبذلك ينضم الإقليم لسكان الدولة الضامة ؛ لأن سيادة الدولة إقليمية وشخصية في ان واحد[125.]) 4 ـ دار الإسلم: يقسم غالب فقهاء المسلمين العالم إلى دارين هما دار الإسلم، ودار الحرب، ويذكر بعض الفقهاء إلى جانب هاتين الدارين دار العهد، وفي الدار التي دخلت في سلطات المسلمين ، وانضمَّت إلى دار الإسلم بصلح لا بفتح وعنوة. _خ دار الإسلم هي الدار التي تجري عليها أحكام الإسلم ، ويأمن من فيها بأمان المسلمين ، سواء كانوا مسلمين أو ذم يين. _خ أما دار الحرب فهي الدار التي لا تجري فيها أحكام الإسلم ، ولا يأمن من فيها بأمان المسلمين.
عدد الصفحات ٨٢تجعل التعريفات السابقة سيادة وقوة تطبيق ونفاذ أحكام الإسلم على الإقليم وعلى قاطنيه ، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين هي المعيار في تحديد ما إذا كان تابعة للدولة الإسلمية أم لا. فالشرط الجوهري لاعتبار الدار دار إسلم هو: كونها محكومة من قبل المسلمين ، وتحت سيادتهم وسلطاتهم ؛ فتظهر عند ذلك أحكام الإسلم[126.]) أ ـ قانون الجنسية العثماني: لم تعرف الدول العربية القواعد الوضعية بشأن الجنسية إلا عام (1869م) ، حيث أصدر الباب العالي قانون الجنسية العثماني على غرار التشريعات الأوربية وفي (19 )يناير (1869م) خطت الدولة العثمانية خطوتها النهائية ، فأصدرت قانون الجنسية العثماني على نسق القوانين الغربية ، وأصبح من الجائز بمقتضاه أن يكون الشخص عثمانيا من حيث الجنسية ، ومسلما أو نصرانيا أو يهوديَ من حيث الديَنة ، وقد استمر تطبيق هذا التشريع في الدول العربية حتى انفصالها عن تركيا بعد الحرب العالمية الأولى ، وذلك في معاهدة «لوزان » في (24/7/1923م) التي نظمت موادها من (30 ـ 36 )كيفية انفصال جنسية البلد المنسلخة من الإمبراطورية العلمانية في الجنسية العثمانية القديمة. ب ـ التفاعل بين المواطنة والدين في ثقافات أخرى : لم تنفرد الشريعة الإسلمية وحدها بجعل الدين سببا مباشرا لكسب المواطنة ، واستيفاء حقوقها ، بل اتبعت نظم قانونية أخرى هذا المنهج ، حيث «يؤكد علماء الاجتماع ، وكذلك علماء التاريخ القديم أن الدين كان الأساس الأول للجماعة الإنسانية ، وفي ضوئه تتحدد الصفة الوطنية للفرد ؛ بحيث يصبح الأجنبي هو هو من لا يتمتع بحق الدخول في الدين ، وكان هذا الأمر ظاهرا في اليونان القديمة ، وفي غيرها من الدولة القديمة»([127.])
عدد الصفحات ٨٣فالإغريق ربطوا بين المواطنة والعقيدة الدينية للدولة ، حيث لم يكن الفرد حرا في اعتناق الدين الذي يرى اعتناقه ، وكان : يتحتم على المواطنين في دولة اليونان القديمة أن يدينوا بدين الدولة. كذلك نجد أن القوانين التي كانت سائدة في فرنسا في عهد الملكيات القديمة لم تعتبر البروتستانت واليهود والفرنسيين من المواطنين ما داموا لم يعتنقوا الديَنة الكاثوليكية ، واستمر هذا الوضع حتى قيام الثورة الفرنسية [128.]) كما أن هنالك نظما قانونية في العصر الراهن سوى النظام الإسلمي بينت حق الفرد في اكتساب جنسيتها على العقيدة ، فأعملت الانتماء الديني كأساس يخول الشخص ا كتساب جنسيتها الأصلية ، مثل دولة الفاتيكان ؛ التي لا تعرف الأسس القانونية التقليدية لاكتساب الجنسية: حق الإقليم وحق الدم ، بل تبني جنسيتها على أسس أخرى كشغل إحدى الوظائف الدينية. ولعل ذلك يعود للطبيعة الدينية التي تتميز بها هذه الدولة ؛ مُا يبرر خروجها عن الأسس المتبعة ، والمتعارف عليها في الدول الأخرى ، كذلك ما عليه الحال في دولة الكيان الصهيوني ، حيث فرض التشريع الإسرائيلي على اليهود بمقتضى قانون العودة[129.]) وقد حاول اليهود تبرير ذلك بفكرة الجنس بمقولة: أن اليهود ليست مجرد ديَنة ، وإنما هي تعبير عن شعب معين يتميز فيه اليهود بوصفهم سللة عناصر سامية[130.]) إذا فعلقة المواطنة بالدين هي علقة قديمة متجددة تظهر وتختفي بحسب الظروف المحيطة التي تتفاعل معها الدولة ، والعوامل ذات التأثير الجذري على قيمها السياسية والقانونية ، تبدو هذه العلقة حينا علقة تفاعل إيجابي ، وتبدو حينا اخر علقة تناقض قد تصل إلى حد التناسخ[131.]) ج ـ مقاربة معاصرة لمفهوم دار الإسلم:
عدد الصفحات ٨٤بالنظر إلى تعريف دار الإسلم ـ السابق ـ عند فقهاء الإسلم وما عليه واقع المسلمين اليوم نلحظ أن تنزيل مفهوم دار الإسلم بكل اشتراطاته على واقعهم يواجه مجموعة من المصاعب النظرية والعملية ، أهمها: _خ أن الدول الحديثة تقوم على أساس التقسيم القطري ، والذي يقصر سلطة الدولة في حدود إقليمها دون أن يكون لها الحق في تجاوز هذه الحدود ؛ وإلا اعتبرت متعدية على غيرها من الدول ، بينما دار الإسلم عند قدامى الفقهاء مُتدة بامتداد أحكام الإسلم دون حواجز جغرافية ، أو وطنية. _خ إن حق المواطنين في حْل الجنسية ، والانتماء إلى وطن بعينه أصبح مرتبط ا بإرادة الدولة التي تنظم هذا الحق ، دون أن يكون للفرد أية إرادة في إنشاء هذه الرابطة ، وانتهى الفقه المعاصر إلى أن هذا الحق يتحدد بناء على عدة شروط ليس من بينها الدين. فالمؤمنون خارج أرض مسلم أهلها لا تنعقد الموالاة بينهم وبين دار الإسلم تلك ، ولا يقوم بينهم عقد المواطنة بكل شروطه وحقوقه وتكاليفه ؛ لأن الحكومة المسلمة في و اقع اليوم إنما تقوم لبعض المسلمين[132.]) وأضحت دار الإسلم دولا متمايزة في بعضها ، لا يجمع بينها سوى رابطة المشاعر ، والتاريخ المشترك التي لا تجد لها تجسيدا يحمل معنى دار الإسلم الواحدة التي يترتب على الانتماء إليها حقوق وواجبات قانونية ، فكل دولة من الدول الإسلمية القائمة اليوم تتمتع بسيادتها المستقلة ، والدستور الخاص بها ، ولا تحكمها جميعا حكومة إسلمية واحدة ، ولكل منها حدودها الجغرافية التي لا تقبل أي نوع من التدخل فيها ، حتى لو كان ذلك من قبل دولة إسلمية أخرى .
عدد الصفحات ٨٥الدول الإسلمية المعاصرة محكومة بمجموعة من القواعد القانونية الدولية ، وعدد من المعاهدات الثنائية أو الجماعية ؛ التي لا تَك نها من اعتبار المسلمين في مختلف دول العالم منتمين إليها برابطة وصلة تجعلها في موقف الحامي ، والمدافع عنهم ، فيجب ـ حينئذ على الدولة المسلمة ـ أن تناصر المسلمين ؛ مُن لا ينتمون إليها برابطة الجنسية وفقا على الوفاء بعهودها مع من يليهم: َ وَالَّذ ينَ آمَن وا وَلمَ يـ هَاج ر وا مَا لَك م م ن وَلاَيَت ه م م ن شَي ء حَتىَّ يـ هَاج ر وا وَإ ن اس تـَن صَر وك م في الد ين فـَعَلَي ك م النَّص ر إ لاَّ عَلَى قـَ و م بـَيـ نَك م وَبـَيـ نـَه م م يثَاق وَاللَّّ بم َ ا تـَع مَل ونَ بَص ير }* [ 72. ] خلصة القول ـ هنا ـ أن دار الإسلم التاريخية لم تعد إقليما واحدا ، ذا سيادة موحدة مشتركة ، ومنهج واحد في التشريع ، ولم تعد تقوم عليها حكومة واحدة إنما اتخذت شكل مجموعة الدول المتشابهة في بعض أسس التشريع الإسلمي ، والمختلفة في البعض الاخر ، فهنالك دول يمكن اعتبارها دولا إسلمية ، من حيث عدد السكان المسلمين ، ومن حيث التار يخ القريب الذي يؤكد تبعيتها لدار الإسلم ، ولكنها لا تطبق النهج الإسلمي مثل تركيا ، وعدد من دول غرب إفريقية . كما أن هناك دولا إسلمية تتبنى نهجا إسلميا يخالف ما عليه الحال في بقية الدول الإسلمية ، مثل إيران التي تعتنق المذهب الشيعي ، بينما غالب الدول الإسلمية سنية المذهب ، بل إن بعض الدول الإسلمية المعاصرة ، تطبق الإسلم بصورة جزئية في بعض الجوانب ، وتعطله في الجوانب الأخرى ، ففي الأحوال الشخصية، وبعض المعاملت المدنية تطبق التشريع الإسلمي، أما في قواعد تنظيم السلطة والحكم والمعاملت المدنية تطبق التشريع الإسلمي ، أما في قواعد تنظيم السلطة والحكم والمعاملت فيتعطل العمل بالشريعة الإسلمية ، ويصبح القانون المطبق هو ما تتعامل به بقية دول العالم دون اعتداد بأحكام الإسلم ، كتبني التعاملت الربوية في النظم المصرفية ، وإسقاط تطبيق الحدود
عدد الصفحات ٨٦الجنائية الشرعية ، بل نجد بعض الدول الإسلمية تشارك في الحرب ضد دول إسلمية أخرى تطبيقا لقرارات دولية ، كل هذه الاعتبارات تجعل من الصعوبة بمكان أن يزعم البعض أن دار الإسلم ـ بوصفها الذي حدده غالب الفقه الإسلمي التاريخي ـ قائمة كحقيقة واقعية في عصرنا الراهن [133.]) د ـ اراء حديثة لمقاربة مفهوم دار الإسلم: على الرغم من اندثار تطبيقات المفهوم الاصطلحي لدار الإسلم ، إلا أن عددا من العلماء المسلمين المعاصرين ، طوَّعوا مفهوم دار الإسلم ليتماشى مع واقع العالم اليوم ، مرتكزين في ذلك على قاعدة مفادها أن النظريَت الإسلمية لم توضع لتكون البلد الإسلمية محكومة بحكومة واحدة ، وإنما وضعت على أساس ما يقتضيه الإسلم من تحقيق الهدف من إقامة الدولة ، وحْاية مبادأئ الشريعة والحق والعدل ، وأن هذه الأهداف يمكن أن تتحقق مع قيام دول متعددة في دار الإسلم ، ما دامت هذه الدول تتجه اتجاها واحدا ، وتسير على سياسة واحدة ، ومُا ذكروه لدعم رأيهم : * لا مانع من تعدد الحكومات في بلد الإسلم ما دام دستور كل حكومة لا يخالف نصوص القران الكريم ، والسنة النبوية ، ولا يتعارض مع القواعد العامة للتشريع الإسلمي ، بحسبان أن المقصد من وحدة الحكومة الإسلمية في الحقيقة هو وحدة الأهداف ، والغايَت[134.]) *لأهل دار الإسلم جنسية واحدة ، سواء كانوا مسلمين أو ذميين محكومين بحكومة واحدة ، أو بحكومات متعددة ، ومهما تَيَّز المصري عن السوري أو العراقي أو المغربي ، فذلك تَييز محلي لا ينبني عليه حكم شرعي ، ولا يؤدي إلى تَييز في الخارج [135.])
عدد الصفحات ٨٧*لا تقضي عالمية الدولة الإسلمية وإنسانيتها بوجوب قيام حكومة موحدة في العالم ، ولكنها تقضي فقط بأن يكون المجتمع الإسلمي في أي مكان وفي أي وقت مفتوحا للناس جميعا [136 .])وأنه رغم تعدُّد الدول الإسلمية ؛ إلا أنها تظل على اختلف حكوماتها دارا واحدة ؛ لأنها محكومة بقانون واحد هو الشريعة الإسلمية ، فالأمة والشريعة متلزمتان في الدولة الإسلمية[137.]) * * * سادسا: ركائز دولة المواطنة
عدد الصفحات ٨٨من أهم ركائز دولة المواطنة: 1 ـ السيادة: إذ يعتبر مبدأ السيادة من أهم خصائص الدولة ، ويعني أن سلطة الدولة سلطة عليا لا يسمو عليها شيء ، ولا تخضع لأحد ؛ لأنها تسير فوق الجميع ، وتقتضي سيادة الدو لة أن تكون السلطة في تلك الدولة سلطة أصيلة غير مستمدة من أية جهة ، وهي سيادة داخلية وخارجية . والسيادة الداخلية تقضي أن تتمتع الدولة بسلطة عليا تسمو على جميع السلطات الأخرى ، فل تخضع الدولة لأية سلطة أخرى ؛ لأن خضوعها لأية سلطة ينافي مبدأ السيادة الداخلية ، وبالتالي تكون أوامر الدولة نافذة على جميع المواطنين داخل الدولة. أما السيادة الخارجية فتعني أن الدولة لا تخضع لأية سلطة خارجية ، وتطبق في علقاتها مع الدول الأخرى قواعد القانون الدولي العام. وقد نشأت فكرة سيادة الدولة في تاريخ أوربة لتأكيد حق الملوك والأباطرة ضد القوى الخارجية ؛ التي كانت تطمع في التدخل بشؤون بلدهم ، بسبب الصراع الذي احتدم لفترة طويلة بين السلطة الدينية والسلطة الزمنية ، ثم تطور الأمر ، وأصبح الملوك يعتمدون على فكرة السيادة لمواجهة المطالب الشعبية ، ولحماية السلطة السياسية من التدخل الشعبي فيها. وكان الملوك والحكام يعتمدون في تلك الفترة التاريخية على فكرة السيادة ، و بمقتضى هذه السيادة المستمدة من الله لا يكون الحاكم مسؤولا أمام أحد من الناس.
عدد الصفحات ٨٩غ أن الثورة الفرنسية تبنت الأفكار الجديدة عن السيادة التي قال بها جان جاك روسو ، والتي تقول: إن السيادة للشعب ، وإن الأفراد الذين يحكمون إنما يعبرون عن الإر ادة الشعبية ؛ التي تنازل عنها الأفراد نتيجة العقد الاجتماعي الذي يتم بين السلطة والأفراد . وانطلقا من مبدأ سيادة الأمة أصبحت سلطة الملوك مقيدة ، وتخضع للرقابة الشعبية من قبل الهيئات التشريعية والقضائية التي تدافع عن مبدأ سيادة الأمة أو الشعب ، و هذه نظرية فرنسية ، اصطنعها الفقهاء الفرنسيون القدماء لظروف خاصة بهم ، ولأهداف معينة لهم ، ثم جاءت الثورة الفرنسية ، فأدخلت على النظرية ما أدخلت من تغيير اقتضته ظروف تلك الثورة وأهدافها ، إذ نقلت ملكية السيادة من الملوك إلى الشعوب ، ثم هي ـ ثانيا ـ نظرية تقوم على أساس فلسفي معين ، وهي ذات خصائص معينة لاصقة بها ، ونتائج ، أو اثار معينة مترتبة عليها ، وانتقادات كثيرة موجهة إليها[138.]) والحاكم في الإسلم ليس مُثل للسلطة الإلهية ، ولا يستمد سلطاته من السيادة الإلهية ، وإنما هو يمثل الأمة التي اختارته ، ويستمد منها سلطاته المحدودة في المسائل التنفيذية أو القضائية دون الناحية التشريعية ، وقد أكد السنهوري هذا المبدأ في مقال له ـ نشرته مجلة المحاماة الشرعية في عددها الأول عام (1929م) ـ حيث كتب يقول: أراد الشارع الحكيم ألا يترك الأمة دون هاد ، بعد أن مضى عنها هاديها ، فلم يجعل لفرد مهما عظمت سلطته أن يجعل من الأمة محل المشر ع ، أو السيد المطلق ، فالخليفة وهو على رأس الحكومة ، لا يملك من سلطة التشريع شيئا ، ولا يشترك فيها باعتبار أنه خليفة ، بل يوصف أنه مجتهد إذا كان مجتهدا ، شأنه في ذلك شأن سائر المجتهدين ، بل جعل سبحانه وتعالى الأمة الإسلمية صاحبة السلطان في شؤونها ، ما دامت تستعمل ذلك السلطان في حدود الكتاب والسنة[139.])
عدد الصفحات ٩٠والرأي الذي نرجحه هو القول بأن السيادة في الدولة الإسلمية إنما لله وشريعته سبحانه وتعالى. والشريعة هي التي توجب العدل والاستقامة في الرئيس والمنظومة الحاكمة التي توجب عليهم أن يساووا بين الناس: مسلمين وغير مسلمين ، وأن يأتي عن طريق الشورى ، ثم إن البيعة وحدها لا تطلق يد الرئيس بمجرد تَامها ، ولا تنزع حق الأمة من مباشرة حقوقها بعد تنصيبه ، كما أن الشريعة ـ رغم ولايته ـ تفرض قيام أوامر ونواه يجب على الرئيس إطاعتها ، وتفرض قيام أوامر ونواه يجب على الأمة أن تستمر في مُارستها ، فعلى الرئيس أن يشاور الأمة في الأمر ، وأن تطيعه ما أطاع الله ، فإن لم يفعل ولم يتفق حكمه مع قواعد الشريع ة وجب عدم طاعته ، وجاز لها عزله ، وهذه القواعد نفسها هي التي تعطي الأمة ـ عن طريق الإجماع ـ حق التشريع فيما لا نص فيه من قران وسنة ، بحيث لا يخالف تشريع المجتهدين في الأمة القران والسنة[140 ])، فالسيادة لله وشريعته في الدولة الحديثة المسلمة. 2 ـ الشورى : لن يشعر الإنسان بأنه «مواطن» أي: جزء لا يتجزأ من الوطن الذي ينتمي إليه ؛ إلا إذا شعر أن أمر هذا الوطن ، وأمر مواطنيه لا ينفرد بتقريره فرد واحد يستبد به ، أو حتى فئة بعينها ، وإنما يتحقق الشعور بالانتماء وبالمواطنة بقدر ما يشعر المواطن أن الأمر شورى بين أهل الاختصاص ، فإن كان الشأن أمرا سياسيا ، فيكون شورى بين القوى والتنظيمات السياسية ، التي لابد أن تقوم ، وإن كان الأمر عسكريَ ، فلهذا الأمر أهله واختصاصيوه ؛ الذين يتشاورون فيما بينهم فيما يجب أن يكون عليه الأمر ، وهكذا في مختلف ما يتصل بمجموع أهل الوطن. وقد أوجب الله عز وجل الشورى على الأمة في ايتين ورد فيهما النص صريحا على وجوب اتباع هذا المبدأ.
عدد الصفحات ٩١فالنص الأول: في صورة أمر للرسول (ص) ، ومن ثم تكون أمته من باب أولى مأمورة به. والثاني: يبين أن من صفات المؤمنين الأساسية أنهم يتصرفون في الأمور ، ويقررون الاراء بالتفاهم ، والمشاركة ، وتبادل الرأي ، أي: بالشورى . أما الاية الأولى ، فهي قوله سبحانه: َ فَب مَا رَحْ َة م نَ اللَّّ ل ن تَ لهَ م وَ لَو ك ن تَ فَظًّا غَل يظَ ال قَل ب لاَنـ فَضُّوا م ن حَو ل كَ فَاع ف عَنـ ه م وَاس تـَغ ف ر لهَ م وَشَاو ر ه م في الأَم ر فَإ ذَا عَزَم تَ فـَتـَوَكَّل عَلَى اللَّّ إ نَّ اللََّّ يح بُّ ال م تـَوَك ل ينَ }*[عمران : 159. ] والمقصود بالأمر هذا هو أمر الحرب ، ونحوه ، مُا لم ينزل عليه فيه وحي ، لتستظهر برأيهم ، ولما فيه من تطييب نفوسهم ، والرفع من أقدارهم ، وعن الحسن البصري : قد علم الله أنه ما به إليهم حاجة ، ولكنه أراد أن يستن به من بعده ، وعن النبي (ص« :)ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمرهم » ، وعن أبي هريرة « :ما رأيت أحدا أكثر مشاورة من أصحاب رسول الله (ص[»)141.]) وأما الاية الثانية: فقد جاءت في سياق وصف الله لعباده المؤمنين ، في قوله سبحانه وتعالى: َ {فَمَا أ وت يت م م ن شَي ء فَمَتَاع الح َيَاة الدُّنـ يَا وَمَا ع ن دَ اللَّّ خَيـ ر وَ أَبـ قَى ل لَّذ ينَ آمَن وا وَعَلَى رَبه م يـَتـَوَكَّل ونَ *وَالَّذ ينَ يجَ تَن ب ونَ كَبَائ رَ الإ ثم وَال فَوَاح شَ وَإ ذَا مَا غَ ض ب وا ه م يـَغ ف ر ونَ *وَالَّذ ينَ اس تَجَاب وا ل رَبه م وَأَقَام وا الصَّلَةَ وَأَم ر ه م ش ورَى بـَيـ نـَه م وَمُ َّا رَزَقـ نَاه م يـ ن ف ق ونَ *وَالَّذ ينَ إ ذَا أَصَابـَه م ال بـَغ ي ه م يـَنـ تَص ر ونَ }*[36 ـ 39. ] ومن هنا يصبح بي نا أن الحاكم ـ وقد وجبت عليه الشورى ـ يجب عليه أن يلتز م بنتيجتها التي ينتهي إليها رأي أكثر المشيرين ، وأنه لا دليل يصح الاستناد إليه في تأييد من ذهب إلى أن الشورى معلمة ، وليست ملزمة ، وإنما الذي تدل عليه الأدلة جميعا ـ من فعل رسول الله
عدد الصفحات ٩٢(ص) وصاحبيه ـ أن الشورى متى انتهت إلى رأي وجب على الإمام ، أو الحاكم تنفيذه[142.]) ومن الجدير بالذكر أن فعل رسول الله (ص) في الخروج في غزوة أحد لقتال المشر كين خارج المدينة أصبح واضح الدلالة على هذه القاعدة ، وعلى قاعدة التزام رأي الأكثرية ، ولو خالف رأي الحاكم أو رأي غيره من أولي الرأي . والواقع أن الشورى لن يكون لها معنى إذا لم يؤخذ برأي الأكثرية ، ووجوب الشورى على الأمة الإسلمية يقتضي التزام رأي الأكثرية ، وأن تنفيذه بإخلص باعتباره الرأي الذي يجب اتباعه ، ولا يصح اتباع غيره ، وليس للأقلية أن تناقش في رأي و ض عَ موضعَ التنفيذ ، وتلك سنة رسول الله (ص) التي سنها للناس ، والتي يجب على كل مسلم اتباعها. وإذا كان بعض السلف قد عرَّفوا الشورى بأنها مذاكرة أهل الرأي في الأمر ، ثم اتباعهـم ، فإن التعريـف العصـري لهـا هـو: اتخـاذ القـرارات فـي ضوء المتخصصين في موضوع القرار في كل شأن من شؤون الأمة[143.]) ويجب النظر إلى الشورى من وجهة نظر شمولية يتفرع عنها ثلثة مبادأئ مهمة: _خ أنها الأساس الشرعي لحق الأمة في تقرير مصيرها ، واختيار ح كامها ، ووضع دستور الحكم المتضمن لحدود ولاية السلطات ، وقواعد عملها وسيرها ، وهو ما يقابل «السلطة التأسيسية» في الفقه الحديث ، أي: سلطة وضع الدستور ، فهو مبدأ تأسيسي. _خ أنها الأساس الشرعي الذي يقوم عليه نظام المجتمع حتى قبل وجود الدولة والحكومة ، أي: أنها أساس ما يسمى بـ «العقد الاجتماعي» في الفقه الأوربي ، فهي مبدأ اجتماعي عام وشامل لكل شؤون المجتمع.
عدد الصفحات ٩٣_خ أنها تلزم الحكام باحترام قرارات الأمة الصادرة منها ، أو مُثليها بالشورى الحر ة في رقابتهم على الحكام أثناء مُارستهم لسلطاتهم ـ سواء حصلوا عليها بالشورى أم بالقوة ـ و هذه هي شورى الرقابة على الحكام ، وهي هنا مبدأ دستوري . وإذا كانت هناك أمم وشعوب قد توصلت إلى مجموعة اليات ، من شأنها تطبيق مبدأ الشورى ، فليس هناك ما يمنع من الأخذ بها[144.]) ومن هنا نأخذ من الديمقراطية أساليبها ، والياتها ، وضماناتها التي تلئمنا ، ولنا حق التحوير والتعديل فيها ، ولا نأخذ فلسفتها ؛ التي يمكن أن تح لل الحرام ، أو تح رم الحلل ، أو ت سقط الفرائض [145.]) _خ الاستناد إلى مشروعية الانفتاح الحضاري على الثقافات الأخرى ، والتفاعل معها على قاعدة مرجعية القران الكريم ، والسنة النبوية في رفض أو قبول المفاهيم والاليات المستجدة. _خ التعامل مع الاليات الديمقراطية بوصفها اليات محايدة لا تستبطن أي خلفية مذهبية ، أو عقائدية. _خ ربط الاليات الديمقراطية بمفاهيم إسلمية مركزية ذات دلالات سياسية ، مثل الإمامة ، «بمع رئسة الدولة ـ «أ كان نظام الحكم» ـ الإسلمية التي تعطي الجماعة البشرية حق حكم نفسها بنفسها ، ومفهوم حرية الإنسان في تقرير مصيره ، واختيار أحد النجدين ، ونفي إمكانية الإكراه في الدين ، وتوفر هذه المفاهيم وما يجري مجراها ، جسور ر بط واقعية بين الاليات الديمقراطية والمجتمع الإسلمي ؛ الذي يؤمن بهذه المقولات . _خ إيجاد رابطة إجرائية بين الشورى الإسلمية بوصفها إحدى القيم العليا للمجتمع الإسلمي ؛ التي لم يحدد الإسلم شكلها ، وطريقتها ، وأسلوب تنفيذها وتطبيقها والاليات
عدد الصفحات ٩٤الديمقراطية باعتبارها أدوات ووسائل مُكنة ، وجائزة لتطبيق الشورى في حياة الناس عامة ، والمسلمين خاصة[146.]) ومن أهم الفوارق بين الديمقراطية وبين الشورى التي تقوم عليها النظرية السياسية الإسلمية قولنا: إن سلطة الأمة في الديمقراطية الغربية سلطة مطلقة ، بينما هي في التصور الإسلمي مطلقة في نطاق ، ومقيدة في نطاق اخر ، فحيثما وجد النص التشريعي القطعي ؛ فل موضع لاجتهاد فردي أو جماعي ، إلا أن يكون اجتهادا في التطبيق والتفسير ، وفي كيفية إنزال حكم القاعدة الملزمة على الوقائع المتجددة ، والظروف المتغيرة ، وهو مجال لا يستهان به[147.]) 3 ـ محاسبة الحاكم ومساءلته: لابد للحاكم أن يكون مقابل التزامه بالشريعة ، وتقيده بالشورى ، وتحمله للمسؤولية ، من حقوق تجاه الشعب ، ومن واجب الشعب تجاهه ؛ ليتمكن من إحقاق الحق ، وتأمين الأمن ، وإقامة العدل ، والدفاع عن الأمة ، وأرضها ودينها ، هذا الحق الذي له الواجب الذي على الناس هو الطاعة لأوامر السلطة في حدود الشريعة والمصلحة العامة ، كما قال أبو بكر الصديق: أطيعوني ما أطعت الله فيكم ، فإذا عصيته فل طاعة لي عليكم ، وفي الحديث النبوي« :لا طاعة في المعصية ، إنما الطاعة في المعروف» ([148.]) وعلى هذا يمكن القول: إن التزام المواطن بأوامر السلطة السياسية ، واحترامه لقرارا تها وطاعته إنما يتوقف على توافر شروط أساسية ، منها: * أن يكون الإسلم هو مرجعية الدولة ، وأساس نظامها الشرعي .
عدد الصفحات ٩٥*أن يكون الحاكم قد تسلم سلطته وفقا لشروط إسناد السلطة ، وطريقتها المقر رة إسلميا ، وباشرها طبقا لمبادأئ وقواعد التعامل السياسي الإسلمي ، وهذا يعني أنه لابد من: _خ توافر صفات الاجتهاد ، والتقوى ، والكفاءة السياسية كمؤهلت لإسناد السلطة. _خ إجراء البيعة ، وتحقق الرضا الشعبي في إسناد السلطة. _خ استمرارية الصفات الشخصية التي ر شح الحاكم بموجبها للسلطة ، والتزامه بالشرعية العليا. _خ التزام الحاكم بمبادأئ قواعد التعامل السياسي من عدل ، ومساواة ، وحْاية للحقوق والحريَت العامة ، وخضوع للمساءلة ، ونحو ذلك في كل مُارساته الداخلية والخارجية [149 ])، هذه من أهم ركائز دولة المواطنة. _خ وأما ركائز مفهوم المواطنة في الفكر والأيديولوجيا الليبرالية ، فإنه يرتك ز على مفاهيم ثلثة ، وهي: أ ـ الفردية : حيث المواطنة هي فكرة حقوقية تَنح الأفراد ـ بوصفهم القيمة الأعلى في المجتمع ـ حقوقا أساسية كالحق في الحياة والحرية والملكية ، وتضعهم قبل المجتمع وقبل الدو لة. ب ـ المساواة: أما ثاني تلك المفاهيم فهو المساواة ، حيث المواطنة تعبير في حالة التساوي بين كافة أفراد الدولة في الحقوق والالتزامات ، وأمام القانون ، بالإضافة إلى التساوي في الحصو ل على الفرص ، وفي السعي نحو تحقيق السعادة ، فالكل سواء في إنسانيتهم ، وفي عضويتهم داخل الجماعة السياسية.
عدد الصفحات ٩٦ج ـ المشاركة : وأما ثالث تلك المفاهيم في المشاركة ، حيث المواطنة تعبر عن المساهمة في إدارة الدولة التي هي من صنع الأفراد ، فالمواطنة هنا جزء من النظرية الديمقراطية ؛ التي تجعل من كل مواطن حاكما ومحكوما في الوقت نفسه ، ولا تتحقق المواطنة ، كعضوية للجماعة السياسية ، إلا عن طريق مشاركة المواطن في حكم دولته. ومن هنا يمكننا أن نقول: إن مفهوم المواطنة ـ من خلل تلك الركائز الثلث ـ إنما هو وسيلة لصنع الية ديمقراطية فعَّالة تكون قادرة على منح كل فرد في الدولة حقوقه الأساسية ، وفي الوقت نفسه تكون قادرة على دفع هذا الفرد إلى أداء التزاماته السياسية داخل الجماعة بكفاءة واستمرارية ؛ مُا يضمن نجاح تطبيق المنظومة الديمقراطية القائمة على حكم الشعب لنفسه. * * *
عدد الصفحات ٩٧