، إلا أن حقوق المواطنة هي للشخص صاحب الجنسية الأصلية ، أو التي اكتسبها ، أما حقوق الإنسان فهي الحقوق الأساسية أو الطبيعية كونه إنسانا ، سواء كان مواطنا أو غير مواطن ، أي: بمعنى أنها حق كل إنسان في الحياة ، وهي حقوق موجودة في المواثيق الدولية ، والمعاهدات الأمُية ، وتعترف بها كل الدول والمنظمات العالمية ، كما وتعتبر حقوق الإنسان جزءا لا يتجزأ من حقوق المواطنة[92.]) وكلمة المواطنة ـ رغم قدمها ـ إلا أنها برزت بقوة في العصر الحالي ، وأصبحت تـ تَ داول في محافل الفكر والعلم ، وفي مجالس السياسة والقانون والتشريع ، وفي مراكز البحوث وندوات الحوار بين الثقافات والحضارات والأديَن، وربما كان السبب الرئيس في ذلك: مضمونها الحقوقي الإنساني، أو دلائلها الواضحة والمحددة على رابطة قانونية وإنسانية تتفرع عنها جملة الحقوق والواجبات المنوطة بذمم الناس الذين قبلوا هذه الرابطة ، والتعاقد ، والاتفاق على مضمونها والياتها. وهي بهذا تكون قد تجاوزت معنى رابطة الجنسية ، أو رابطة الإقامة الدائمة ، أو أي رابطة أخرى قد لا ترقى إلى درجة المواطنة من حيث قوتها الدستورية والقانونية ، ووضوحها وانضباطها واط رادها ، ودلالتها الحقوقية القطعية ، وطباعها الإلزامية ، والفعلية ، وضماناتها ، واستحقاقاتها. ويثير هذان الإطلقان «حق المواطنة وحق الإنسانية» جد معروفا عن الفروق بين المواطنة والإنسانية ، وأثر ذلك في الاستحقاق والاستئثار. والحق أنه لا مشاحة في الاصطلح ، وأن المعنى المراد في العبارتين يتحدد في ضوء معطياته ، ويكون التحديد بالإنسانية هو الأصل ، والقاعدة والتحديد بالمواطنة هو التابع و الخاص ببعض الأوضاع القانونية والسياسية ، بشرط أن لا يعود على الأصل والإنسانية بالإبطال والإفساد ، فالإنسانية هي الأصل ، والمواطنة هي الفرع ، فبينهما علقة المكم ل بالمكم ل ، وربما يكون التنصيص على المواطنة دالا على الضبط والتحديد في مجال حقوقي ، أو في حالة
عدد الصفحات ٦٦إنسانية معينة ، فيكون له عندئذ من الوجاهة الاصطلحية والدلالية ما ي رجح فيه التعبير بالمواطنة تغليبا لملحظ خاص ، وتبيينا لمجمل عام ، والعلقة بينها تكون حينئذ علقة المطلق بالمبين ، وصلة العام بالخاص ، وتحديد المطلوب يكون وفق هذه العلقة ، وطبيعتها ، ومتطلباتها[93.]) 1 ـ المضمون الحقوقي للمواطنة: المواطنة حق من حقوق الإنسان ، أو هو حق كامل له ، تترتب عليه حقوق فرعية أخرى بمقتضى حقيقة المواطنة وأثرها ، فلكل إنسان وطن وحق فيه ، وواجب عليه تجاهه ، وبمجرد حصوله على المواطنة ، أو اتصافه بها يكون له مجموع الحقوق التي يستحقها ، ومجموع الواجبات التي تكون عليه. ومضمون حقوق هذه المواطنة يتحدد بناء على الأنظمة الدستورية والقانونية التي تحكم هذه المواطنة ، وبناء على ما تضمنه من حقوق مدنية وسياسية وحقوق شخصية وعامة، و ما يرد تفصيل لذلك، وتفعيل له، ويمكن أن نسجل في هذا السياق تنوع هذه الحقوق ، وتفاوت أحجامها ، واثارها ؛ بتفاوت طبيعة الأنظمة الحاكمة للمواطنة ، وبتفاوق الإمكانات والوقائع والأحوال المؤثرة في مسيرة الحقوق الإنسانية المترتبة على حقيقة المواطنة ، و واقعها. 2 ـ البعد المقاصدي للمواطنة: المواطنة بمضمونها الحقوقي المشار إليه انفا : وعاء هام لمقاصد الشريعة ، تقرير ا وتفعيل ، فالحقوق الإنسانية المترتبة على المواطنة تكون مقاصدَ الشرع ، وأهدافا للدين ، إذا كانت هذه الحقوق منضبطة بضوابط الدين ، وجارية على وفق القواعد الشرعية الحاكمة على الحقوق الإنسانية ، كقاعدة الفطرة ، والمساواة ، والأخوة ، ومنع التمييز والتحيز والتحامل و التفرقة ،
عدد الصفحات ٦٧وغ ذلك مُا هو وارد في ضبط الحقوق بميزان الشرع ، والمقاصد ، والأخلق ، والحقوق ، والكرامة الإنسانية. ومن تفاصيل ذلك ، وأمثلته: حق التملك في الديَر الأجنبية ، وحق التعلم والعلج ، وحق الترشح والترشيح والانتخاب ، فكل هذه الحقوق تقتضيها المواطنة ، وتتحقق بها كرامة أصحابها ومصالحتهم في حفظ النفس ، والعقل ، والنسل ، بما يكسبونه من حيازة للمسكن ، وتحصيل المعرفة ، وكذلك مصالحهم في حفظ الدين بما يحصلون عليه من حرية التدين ، وأداء الشعائر الإسلمية. إن هذه الحقوق من اثار المواطنة ، وهي من مقاصد الشرع ، لما كان لها من أثر في حفظ الكليات المقاصدية المذكورة . وفي مقابل هذه الأمثلة: نجد أمثلة أخرى تقتضيها المواطنة في بعض الدوائر و المواضع ، لكنها تأباها المقاصد ، وتنكرها الأخلق ، وتحرمها النصوص ، كالإباحية الجنسية بصو رها المتعددة والمفزعة المتصلة بنكاح الرجل لنظيره ، والمرأة لمثيلتها ، وبالتشجيع على الدعارة ، والتدريب على الخيانة ، فهذه الأفعال الممقوتة ، ولئن أجازتها أو سكتت عنها المواطنة في بعض مواضعها وبعض تفسيراتها وتطبيقاتها ، إلا أنها فاسدة التوجه ، وملغاة النفع ، ومصادمة للحق ، ومعارضة للمقاصد ، فل عبرة بالعرف الفاسد ، والمنافع الملغاة تطرح و تفضح ، والضرر يدفع ويرفع [94.]) 3 ـ حق المواطنة للأقليات: الأقليات مصطلح ي راد به العدد القليل أو الأقل بالنسبة إلى العدد الكثير ، أو الأكثر من المواطنين الذين يعيشون في دولة واحدة ، وإقليم واحد ، وهو مصطلح جديد إلى حد ما ، بالنظر إلى ظهور الفئات الدينية والمذهبية والطائفية القليلة ، في بلد يكون أكثر سكانها مخالفين لهذه الفئات في الدين ، أو المذهب ، أو اللغة ، أو العادات والتقاليد.
عدد الصفحات ٦٨وكثيرا ما ي نظر إلى هذه الأقليات على أنها فئة لا تضاهي الأكثرية من حيث مزاولة حق المواطنة ، واستحقاق اثارها وامتيازاتها ، وذلك لأسباب ضعف الأقلية ، ومحدودية تأثيرها في المحيط الاجتماعي ، والسياسي ، وفقدانها للسلطة والقرار، أو لأسباب رغبة الأكثرية في مناصرة بعضهم بعضا ، والانحياز إلى ذويهم وأنصارهم ، ومسايرة منطق الغلبة العددية المفضية إلى الغلبة المعنوية والمادية ، والايلة إلى امتلك القوة ، وحيازة أسبابها ومفاتيحها. ولذلك ت طرح مسألة المواطنة كأحد الصيغ الضرورية؛ لمعالجة ثنائية الأكثرية و الأقلية في إطار المواطنة التي لا تكون فيها الأكثرية متغلبة على الأقلية، وإنما تكون متكاملة بها، ومتعاونة معها بالمساواة، والعدالة، وتكافؤ الفرص، والأسباب في استحقاق الغنائم الوطنية، والمنافع الطبيعية، والحقوق الإنسانية ، كما تناط مسألة الوطنية بعبارة الحق الذي يقيد هذه المواطنة ، ويحدها بمدلوله ومجاله ، فهي مواطنة تجلب حق المتصف بها ، ومواطنة تجعل الأقلية مرادفة للأكثرية في قانون الاستحقاق القائم على الجهد، والعمل، والحاجة، والضرورة، و ليس على تَييز الأكثرية ، واستضعاف الأقلية ، وتقليل استحقاقها أو منعه أو إبطاله ، وهذا كفيل بتحقيق كرامة الأقلية ، وإحساسهم بقابلية الأكثرية لهم ، سواء بالقانون والقضاء والسلطة ، أو بالموافقة الاجتماعية والمقبولية الطوعية والإرادية ، وهو ما يكسبهم الثقة بأنفسهم ، وذوق طعم الانتماء الوطني ، والانخراط المدني ، ولهذا كله اثاره الهائلة في تحقيق الأمن ، والإنتاج ، والإسهام في المجموع الوطني والإنساني ، ثم إن تقرير كرامة الأقلية إنما هو تقري ر لكرامة الأكثرية للشتراك في أصل الإنسانية أولا ، ولمراعاة سنة التداول والتدافع ، ولاعتبار قاعدة المساواة بين الأكثريَت والأقليات الموزعة على الأرض ، والمتعايشة بعضها مع بعض في تقلبات كثيرة ، ومتداخلة يتحول فيها الأكثر إلى الأقل ، وينتقل الأقل المحكوم والخائف إلى الأكثر الحاكم والسائد، وتلك سنة الله تعالى في خلقه وعباده{ :وَت ل كَ الأَيََّم ن دَاو له َا بـَين َ النَّاس }[ عمران : 140. ]
عدد الصفحات ٦٩وربما تكون للأقلية في بلد ما أكثريتها في بلد اخر ، فتعامل هذه الأكثرية أقلية أخرى بما عوملت به أقليتها في غير بلدها ، فيكون لذلك أثره في تقرير المساواة، و في حْل الناس على المعاملة بالمثل من الناحية الإيجابية بتقدير حق الأقليات، واحترام كرامتها، و تَكينها من منافعها، ودرء العقد والهزائم النفسية عليها ، وينبغي أن تقوم ثنائية الأكثر ية والأقلية على رابطة الإنسانية والمواطنة ، والتي تكون معيارها المحدد لها ، والضابط لمسيرتها الحياتية ، ولمجموع حقوقها الفطرية والمكتسبة، المدنية والسياسية المادية والمعنوية، وهذا الاتحاد في الحقيقة الإنسانية والمواطنية لا يلغي الخصوصية والتميز والتفرد بما هو ذاتي وخاص في الدين والحضارة، وفي الفهم والسلوك ، وإنما يؤطر هذه الخصوصية ضمن الحقيقة الواحدة ، وفي إطار من التعايش والتكامل لا التصادم والتقاتل ، وتنزيل هذا يتوقف على مقار بته الاجتهادية الدقيقة ، وموازنته العملية الممكنة والمتاحة ، والتي تختلف صيغها باختلف الزمان والمكان والحال[95.]) 4 ـ العهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان: إن العلقة بين حقوق الإنسان والمواطنة علقة متداخلة تقريبا ، هذا ومع الإعلن العالمي لحقوق الإنسان الصادر في عام (1948م) ، وكذلك العهد بين الحقوقيين «الاقتصادية ـ الاجتماعية ـ الثقافية ـ السياسية ـ المدنية» اللذين صدرا عن الأمم المتحدة عام (1966م) ، أصبحت هنالك قيم ومفاهيم ومعان جديدة تستند إلى منطق المواطنة ، وعدم التمييز والمساواة في كل التعاملت المجتمعية في نفس الدولة ، أو على الصعيد العالمي[96.]) بالإضافة لتلك العهود والمواثيق هناك مواثيق مقررة من الأمم المتحدة ؛ التي تضم في عضويتها كل دول العالم متضمنة قوانين الوطنية ؛ بحيث تصبح هذه العهود والمواثيق حقوقا لمواطني تلك الدول ، وهي كالتالي:
عدد الصفحات ٧٠_خ الإعلن العالمي لحقوق الإنسان لعام (1948م). _خ الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري لعام (1965م). _خ العهد الدولي للحقوق الاقتصادية ، والاجتماعية ، والثقافية ، لعام (1966م). _خ العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية لعام (1966م). _خ الاتفاقية الدولية لمناهضة كافة أشكال التمييز ضد المرأة لعام (1965م). _خ الإعلن العالمي لحقوق الطفل لعام (1989م). _خ الاتفاق الدولي لمناهضة التعذيب ، وغيره من ضروب المعاملة القاسية واللإنسانية لعام (1984م). وهذه العهود والاتفاقيات مقررة من الأمم المتحدة ، والتي تضم في عضويتها كل دول العالم الحر ، وعليه فإن الواقع يتطلب من هذه الدول جميعا إقرارَ وتضمينَ هذه الحقو ق ضمن دساتيرها ، وتشريعاتها ، وقوانينها الوطنية ؛ بحيث تصبح حقوقا لمواطني تلك الدول أيضا ، وعلى ذلك: فإن معظم دساتير الدول ترجع في تحديدها لحقوق المواطن إلى مواثيق حقوق الإنسان ، وأهمها الإعلن العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص ، ولقد حددت هاتان الوثيقتان حقوق الأفراد على النحو التالي: * حق الحياة وضوابط عقوبة الموت ، وما يتناقض مع الحياة الكريمة كالتعذيب ، والاسترقاق ، والإكراه . * حق الحرية والسلمة الشخصية ، وما يتناى معها من القبض والإيقاف التعسفي ، وكذلك أحكام المحرومين من حريتهم الشخصية بسبب الإيقاف أو السجن. * حقوق الأجانب والمقيمين من غير المواطنين.
عدد الصفحات ٧١*حق التقاضي ، وحقوق المتهم في إبلغه فورا بالتهمة ، وإجراء محاكمته من غير تأخير حقه في الدفاع عن نفسه، أو بواسطة مساعدة قانونية يختارها هو. * حق حْاية الفرد من التدخل التعسفي في خصوصياته. * حق الفكر ، والضمير ، والديَنة ، وما يتناقض مع ذلك من الإكراه . * حق حرية التعبير ، والبحث عن المعلومات والأفكار والقيود التي يمكن أن تضعها الدولة على ذلك حْاية لسمعة الأشخاص ، أو الأمن الوطني ، أو الصحة العامة ، أو الأخلق. * حق التجمع السلمي ، وحق تكوين النقابات ، والمشاركة فيها. * حقوق العائلة ، وضرورة حْايتها ، وحق الزواج ، وتكوين أسرة ، وحقوق الأسرة والأمومة. * الحقوق السياسية ، وتشمل حق الانتخاب ، والمشاركة في الحياة العامة. * حقوق الأقليات من التمتع بثقافتهم، ومُارسة دينهم، واستعمال لغتهم. * حق العمل. * الحق في مستوى معيشة كريمة ، والحقوق الصحية والبدنية والعقلية. * الحقوق الثقافية وحق التعليم. هذا ؛ وقد ارتبط مفهوم المواطنة بمفاهيم أخرى كالحرية والمساواة والملكية ، وهو ما أكده إعلن حقوق الإنسان الصادر عام (1798م) كوثيقة لميلد المواطن الجديد ، وهو الإعلن الذي صدر عن الجمعية الوطنية الفرنسية ، و ركزت الوثيقة على الحقوق الطبيعية للإنسان بوصفه إنسانا [97.])
عدد الصفحات ٧٢إن حقوق المواطن قد انتقلت من الحقوق الفردية إلى حقوق طبقة ، أو إلى حقوق الشعب العامل ، وهي حقوق اقتصادية بالدرجة الأولى. وعلى ذلك فإن حقوق المواطنة الرئ يسية هي المساواة بين جميع المواطنين في المشاركة السياسية ، وفي الوظائف العامة ، كما يرى البعض أن عنصري المواطنة هما المساواة والمشاركة ، وتنص أغلب الدساتير على أنه يترتب على المواطنة حقوق وواجبات ، وأن الالتزام بالواجبات هي تكلفة الحصول على الحقوق. ومن ناحية أخرى فإن وجود الواجبات دون اكتساب الحقوق يعد نوعا من العبودية ، وليس المواطنة[98.]) كما توجد حقوق أخرى للمواطن كالحقوق الإجرائية ، وتتمثل في أن للمواطن الحق في عدم اعتقاله ، أو استجوابه من قبل أي سلطة بدون أمر قانوني ساري المفعول صادر عن حاكم مختص ، وحق المتهم أو الموقوف في توكيل مَن يدافع عنه ، والحق في بيئة نظيفة ، والسفر بحرية ، والحق في التنمية والملكية في الحد الذي لا يضر بالسياق الاجتماعي و الاقتصادي الذي يعيش فيه ، والحق في السلم ، وفي التضامن الإنساني[99.]) * * *
عدد الصفحات ٧٣خـامسـا: الجـنـسيـة الجنسية: هي ذلك الرباط بين الشخص والدولة ، بمقتضاه تلتزم الدولة بحماية الشخص في مجال العلقات الدولية ، بينما يخضع الفرد لسلطات الدولة باعتباره أحد رعايَ ها. وبناء على هذا الدور الذي تؤديه الجنسية نجد أن أبرز صفاتها وسماتها قانونية وسياسية ، فهي تخضع لقانون محدد واضح المعالم ، بين طرق اكتسابها وفقدها ، واثارها من حقوق وواجبات متبادلة ، ثم نجد أن لها أبعادا سياسية ، سواء في المجتمع الدولي ، إذ لا يستطيع الفرد التعامل مع الوسط الدولي إلا عن طريق تبعيته لدولة معترف بها سياسيا ودوليا ، وهذا الاعتراف ينعكس بدوره السياسي على الشخص ، أو في داخل الدولة نفسها ، فالفرد لا يستطيع القيام بدوره السياسي إلا إذا كان يتمتع بجنسيتها ، كما أنه لا يحتل مركزا قانونيا إلا عن طريق حْله للجنسية[100.]) وتعت الجنسية حقا للمواطن يكتسبه منذ لحظة ولادته ، وذلك من خلل النظم والقوانين المنظمة في وطنه. والجنسية عنصر من عناصر هوية الأفراد ، وبالتالي لا يجوز حرمان أي شخص من جنسيته ، ويرتبط الحق في التمتع بالجنسية بحق المأوى بإقليم الدولة ، حيث لا تلتزم الدولة بإيواء أو استقرار أي شخص بإقليمها طالما لا يحمل جنسيتها إلا في حدود القانون ، والاتفاقيات ، والعهود الدولية التي تلتزم بها الدولة[101.]) 1 ـ نشأة الجنسية وتطورها :
عدد الصفحات ٧٤على الرغم من أن مصطلح الجنسية حديث العهد في الاستعمال ، إذ أن هذا المصطلح قد ظهر في أواسط القرن الثامن عشر ، فإن فكرة الجنسية ولدت مع وجود الدولة ؛ لأن الجنسية هي السمة المهمة التي تَيز الركن الأساسي في الدولة ، وهو الشعب. ولا بد للدولة من ضابط معين كمعيار في تحديد صفة المواطنة التي ترى أنها صالحة لأن تكون ركنا مهما من أركانها ، سواء كان هذا الضابط عرقيا ، أو إقليميا ، أو مذهبيا . وقد كانت صفة المواطن ت كتسب في روما بطريق الأصل العائلي ، وهو أسبق الأسس لكسب الجنسية في المدن القديمة ، كما عرفت روما التجنس ، وكسب الجنسية بفضل القانون كطريق يكسب الجنسية اللحق للميلد[102.]) وكانت الجنسية ضربا من التبعية الإقطاعية ، كرابطة بين قطاع العاملين في الإقليم مع الإقطاعي الكبير ؛ الذي يعتبر حاكم الإقليم في عصر الإقطاع الذي كان يسود أوربة ، وقسما كبيرا من العالم في العصور الوسطى وما قبلها[103.]) ولكن مع نشوء الدولة الإسلمية نشأت رابطة جديدة بين الفرد والدولة الإسلمية ، قامت على أسس جديدة راقية ، لم تكتشف البشرية أرقى منها ، فقد أصبح أساس هذه التبعية يقوم على الإيمان بالإسلم عقيدة وفكرا وسلوكا ، وتذوب فيه كل أشكال التبعية الأخرى ، عرقية كانت أم قبلية أم قومية ، فكل من امن بالإسلم ، وهاجر إلى مجتمع المدينة ، وجاهد مع المسلمين أصبح فردا من أفراد شعب الدولة. وليس هذا فحسب ، بل إن الدولة الناشئة تلك استوعبت أيضا فئات أخرى من أتباع ديَنات مخالفة مثل اليهود والنصارى ، فج علوا في عدد المواطنين ، ضمن روابط ، وعهود ، ومواثيق[104.])
عدد الصفحات ٧٥2 ـ من معالم الجنسية في الدولة الإسلمية الأولى: بدأت ملمح الدولة الإسلمية الناشئة تكتمل وتأخذ أبعادها التنظيمية بعد أن ا كتملت أركانها باجتماع القيادة والشعب على الإقليم المختار ، وهو المدينة ، وهذه هي الأركان الأساسية لأي دولة ، قديمة كانت أو حديثة: السلطة الحاكمة ، الشعب ، والإقليم. ومن ثم باشر الرسول الكريم (ص) باعتباره السلطة السياسية الحاكمة الخطوات التأسيسية للدولة الوليدة ، فكانت الخطوة الأولى بناء المسجد ؛ الذي ي عد إلى جانب كونه مكانا للعبادة ؛ الذي يجتمع فيه المسلمون مع قيادتهم للتباحث في كل أمور الدولة السياسية ، والإدارية ، والعسكرية ، والروحية ، والتربوية. ثم كانت الخطوة الثانية هي: وضع الحدود للإقليم الجديد ؛ الذي أصبح حرما ، كما ورد في كتب الحديث ، فقد ورد عن كعب بن مالك ، رضي الله عنه ، أنه قال: بعثني ر سول الله (ص) أ عل م على أشراف مخيض ، وعلى الح فيا ، وعلى ذي العشيرة ، وعلى تيم[(105 ])، وهي جبال المدينة ، وهذا يمثل تخطيطا لحدود الدولة بعد نشأتها. ثم توجَّهت أنظار النبي القائد (ص) نحو عملية تنظيم يتم من خللها إيجاد صيغة دستورية تحدد أسس المواطنة في الدولة ، إذ لابدَّ من قانون مبدئي يتم بموجبه قبول الفرد ضمن سكان الدولة ، ووضع الشروط لمن يرغب في التبعية للدولة ، ويمكن أن نرى ذلك في بنود الوثيقة الدستورية الأولى ؛ فقد أصدر الرسول (ص) لائحة دستورية مبدئية لشعب المدينة ؛ الذي أصبح خاضعا للسلطة السياسية المتمثلة بقيادة النبي (ص). ويمكننا أن نلحظ أن هذه الوثيقة لم تكن عقد صلح بين طرفين ، ولا هي عقد هدنة بين طرفين متحاربين نتجت من مداولات وتنازلات ، بل هي لائحة دستورية صادرة عن القيادة
عدد الصفحات ٧٦السياسية والعسكرية الحاكمة للمدينة ، وتتمثل بسبع وأربعين مادة تشمل جو انب الحياة المتعددة ، من اجتماعية ، وسياسية ، وعسكرية للدولة الناشئة. ونودُّ هنا أن نعرض بعض البنود المتعلقة بمبحث الجنسية ، التي تنظم علقة التابعية بين الفرد والدولة ، ومن تلك البنود: أ ـ تحديد صفة المواطنة الرئيسية ، والتي تَثل الشرط الرئيس لاكتساب الجنسية التأسيسية ، وذلك في المادة الأولى من الوثيقة: هذا كتاب محمد النبي «رسول الله» ب المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ، ومن تبعهم فلح ق بهم ، وجاهد معهم[106 .])فكل من أسلم وهاجر إلى المدينة ، والتحق بشعب المدينة ليجاهد معهم يصبح مواطنا ، ويمنح الجنسية. ب ـ شعب المدينة شعب متميز مستقل بتبعيته ، وأنظمته ، وحقوقه ، وواجباته: إنهم أمة واحدة من دون الناس[107.]) ج ـ منحت الجنسية لفئات أخرى غير المسلمين المهاجرين من قريش والمسلمين من أهل يثرب ، وهم اليهود الذين كانوا يقيمون في المدينة قبل مجيء الرسول الكريم (ص) ، وقد أتى ذلك في عدة مواد: _خ وأنه من تبعنا من يهود ؛ فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ، ولا متناصر عليهم[108.]) _خ وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين ، لليهود دينهم ، وللمسلمين دينهم ، مواليهم وأنفسهم[109.]) وذلك شريطة الالتزام بشروط المواطنة ، فإن يتبعوا القيادة الحاكمة المتمثلة بالنبي (ص).
عدد الصفحات ٧٧د ـ ضبط أسماء العشائر المختلفة من المسلمين وغيرهم الذين يمثلون شعب المدينة ، وذ ك ر ه م قبيلة قبيلة: الأوس ، الخزرج ، بنو عوف ، بنو النجار ، بنو ساعدة ، بنو الحارث ، بنو جشم. هـ لابد لكل من أراد السفر والخروج من المدينة أن يأخذ إذنا من الرسول (ص) ، وهذا يمثل تأشيرة الخروج الصادرة عن السلطات المختصة المعروفة في أيَمنا هذه ، ويدل على ذلك ضبط عملية المرور للخارجين والداخلين إلى حدود الدولة ، والمادة تقول: وأنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد[110.]) و ـ تنظيم عملية دخول الأجانب إلى إقليم المدينة ، فلم تكن هذه الأمور متروكة للتسيب ، وعدم الاهتمام ، وخصوصا الأفراد غير المرغوب فيهم من الأجانب ، ونأخذ ذلك من المواد. _خ «وأنه لا تجار قريش ولا من نصرها ». _خ «وأنه لا يجيز مشرك مالا لقريش ولا نفسا » ([111.]) _خ وأنه لا يحل لمؤمن أقرَّ بما في هذه الصحيفة ، وامن بالله واليوم الاخر أن ينصر مح د ثا ، ولا يأويه»([112.]) _خ «وأنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها» ([113.]) ز ـ نصَّت الوثيقة على اثار الجنسية والمواطنة ، من تكاليف وحقوق ، فهناك واجب الدفاع المشترك عن أرض المدينة على كل من شعب المدينة ، وأن بينهم النصر على من دهم يثرب [114.]) _خ «وعلى كل إناس حقهم من جانبهم الذي قبلهم» ([115.]) _خ وجاء أيضا : وأن اليهود يتفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين [116.])
عدد الصفحات ٧٨_خ وورد كذلك: وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة[117.]) _خ كما جاء في نصوص الوثيقة أن لكل مواطن من مواطني الدولة ، سواء كان مقيما ، أم مسافرا ، حق الأمن والحماية: وأنه من خرج امن ، ومن قعد امن بالمدينة إلا من ظلم وأثم[118.]) كما نصت الوثيقة على حق التكافل الاجتماعي: وكل طائفة تفدي كاتبها بالمعروف والقسط بين المؤمنين[119 .])بالإضافة إلى كل ذلك ، جاء في «الصحيفة» التشديد على وجوب الخضوع لأنظمة السلطة الحاكمة المتمثلة بالرسول (ص) وقوانينها ، وأنكم مهما اختلفتم فيه من شيء ؛ فإن مرد ه إلى الله عز وجل ، وإلى محمد[120.]) * * *
عدد الصفحات ٧٩مـلحـظـات مهمـة علـى مـوضـوع الـوطـن والمـواطنـة من الـوثـيـقـة * ورد مفهوم الأمة في الوثيقة بمعان متعددة ، اعتقادي وسياسي وجغرافي واجتماعي ، ولكل مدلول أهميته ، وتأتيه على مفهوم المواطنة وحقوقها ، وقد أرست الوثيقة القبول للرابطة الاعتقادية الأوسع من الدولة ، والرابطة القبلية الأضيق من الدولة. * قبلت الوثيقة تعدد الانتماء أو الهوية لدى مواطنيها ، فقد يكون المواطن مهاجرا أو أنصاريَ مسلما ، أو يهوديَ أوسيا أو خزرجيا ... إلخ ، وهو ليس مطالبا بنفي هذا الانتماء من أجل قبوله مواطنا في الدولة الإسلمية. * الدولة الإسلمية التي وضعت وثيقة المدينة أساسها ليست مرادفة لدولة المسلمين ، وإنما تسمى «دولة إسلمية» تغليبا ومرجعية ، وإلا فهي دولة المسلمين وغيرهم ، محكومة بقانون الإسلم. * إذا كانت الجغرافيا هي الأساس الوحيد للمواطنة في العصر الحديث؛ فإن التحيز الجغرافي كان جزءا مهما من عناصر المواطنة في دولة المدينة ، لكن المواطنة في تلك الدولة النبوية كانت تركيبا من الجغرافيا والدين والمشاركة الفعلية في خدمة الدولة ، والدفاع عنها «الهجرة أو الجهاد» ، وهو حق للجميع حتى لمن لا ينتمون لدولة إسلمية أصل ، كما هو حال المسلمين الذين لم يهاجروا
عدد الصفحات ٨٠إ المدينة قبل فتح مكة، فهؤلاء ليسوا مواطنين لكنهم إخوة في العقيدة[121.]) طرق اكتساب صفة المواطنة: تكتسب المواطنة عبر طريقتين ، هما: _خ الجنسية الأصلية. _خ الجنسية المكتسبة. ونورد فيما يلي تفصيل لكل الطريقتين : أ ـ اكتساب صفة المواطنة عبر الجنسية الأصلية: وتسمى أيضا جنسية الأصل ، ويفضل البعض تسميتها بالجنسية المفروضة أو جنسية الميلد ، وهي: الجنسية التي يكتسبها الإنسان فور ميلده[122 .])وصفة الأصالة في هذا النوع من الجنسية يرجع إلى: أنها الجنسية التي تلحق الشخص عند اتصاله بالحياة[(123.]) ولاكتساب هذا النوع من الجنسية طريقان تعارف عليهما فقهاء القانون ، وهما: _خ رابطة الولادة في إقليم الدولة. _خ رابطة الدم «جنسية الدم أو البنوة» وشرطها الولادة من أصل وطني. ب ـ اكتساب صفة المواطنة عبر الجنسية المكتسبة: هي الجنسية التي يكتسبها الشخص في تاريخ لاحق على الميلد ، ويفضل جانب من الفقه تسميتها بالجنسية المكتسبة ، بينما يطلق عليها جانب من الشراح تعبير الجنسية اللحقة ، أو الجنسية الثانوية ، وأخيرا يميل فريق ثالث من فقهاء القانون الدولي الخاص إلى تسميتها بالجنسية المشتقة.
عدد الصفحات ٨١