الشيء أو الشخص المطلقة ، المشتملة على صفاته الجوهرية ، والتي تَيز عن غيره ، وتسمى أيضا : وحدة الذات. ولذلك فإذا اعتمدنا المفهوم اللغوي بكلمة هوية ، أو استندنا إلى المفهوم الفلسفي الحديث ، فإن المعنى العام للكلمة لا يتغير ، وهو يشمل الامتياز عن الغير ، والمطابقة للنفس ، أي: خصوصية الذات ، وما يتميز به الفرد أو المجتمع من الأخيار من خصائص ومُيزات ، ومن قيم ومقومات[70.]) وللهوية أشكال ، الهوية الثقافية والحضارية لأمة من الأمم ، والهوية الشخصية ، و الهوية الجمعية ، والهويَت القومية أو الوطنية[71.]) 1 ـ مكونات الهوية: أمور متعددة ، منها: أ ـ اللغة: هي العنصر الأساسي للهوية ، فكما قالت المستشارة الألمانية ميركل : إن اللغة هي الشيء الأهم ، وليس هناك مجال للأعذار في هذا الشأن ، واللغة هي مكون أساسي من مكونات الثقافية ، واللغة العربية مقو م أساسي من مقومات الثقافة العربية الإسلمية ، ذلك أن العربية ليست لغة أداة فحسب ، ولكنها لغة فكر أساسا ، وحتى الشعوب والأمم التي انضوت تحت لواء الإسلم ، وإن كانت احتفظت بلغتها الوطنية ، فإنها اتخذت من اللغة العربية وسيلة للرتقاء الثقافي والفكري ، وأدخلت الحروف العربية إلى لغاتها ، فصارت تكتب بها ، وعلى هذا الأساس فإن الثقافة العربية هي ثقافة الأمة العربية ؛ التي هي أمة الإسلم الذي منه اكتسبت صبغتها ، وحْلت صفتها ، واستمدت طبيعتها ، فلم يكن لهذه الأمة كيان قائم الذات قبل الإسلم ، وإنما كانت قبائل وعشائر لا تجمعها عقيدة ، ولا يوحدها إيمان بالرسالة الخالدة للعرب ، ولكن كانت الثقافة العربية إسلمية الروح
عدد الصفحات ٥٠والأصول ، ومع ذلك ثقافة استوعبت كل الأمم والشعوب ؛ التي انضوت تحت لواء الأمة العربية الإسلمية ، ووسعت كل الثقافات التي تعايشت معها ، فصارت بذلك ثقافة العرب المسلمين ، وثقافة النصارى واليهود ، وثقافة كل الأديَن ، وطوائف الملل والنحل التي اندمجت في الكيان الإسلمي ، وعاشت في ظل الدولة الإسلمية عبر الأزمنة والعصور[72.]) ومن أهم الخصائص التي تَيزت بها الثقافة العربية أنها امتزجت بالثقافات الأخرى التي كانت سائدة في عهود الإسلم الأولى ، وتفتحت لعطاء الأجناس والأقوام ، وأهل الديَنات والعقائد التي تعايشت مع المجتمع الإسلمي ، فصارت بذلك الثقافة غنية المحتوى ، متعددة الروافد ، متنوعة المصادر ، ولكنها ذات روح واحدة ، وهوية متميزة متفردة [73.]) كذلك فإن من أهم خصائص الثقافة العربية الإسلمية الانفتاح على الثقافات الشرقية والغربية ، مع المحافظة على الأصول الثابتة من دون تجاوزها . وقد واجهت الثقافة العربية الإسلمية عددا من التحديَت في تاريخها الطويل ، وهي تحديَت المذاهب الفلسفية ، والأديَن ، والدعوات المختلفة ؛ التي كان يزخر بها العالم إباَّن بعث الإسلم ، من بوذية ، ومجوسية ، ووثنية ، وهلينية ، وهندية إلى قوى غازية ، وحاو لت جميعها إثارة الشبهات ، وتحريف القيم الأساسية ، والإضرار بالأمة والدولة الإسلمية ، لكن الثقافة الإسلمية بلغتها العربية انتصرت على هذه التحديَت في الماضي ، والحاضر ، وستنتصر بإذن الله في المستقبل ؛ بفضل مقوماتها الصلبة ، وخصائصها المتفردة ، ولقد أكسب هذا الامتزاج والتلقح الثقافة الإسلمية العربية ثراء وغنى. ويأتي مصدر هذا التنوع الذي يطبع الثقافية العربية الإسلمية ؛ التي من خصائصها الترغيب في طلب العلم ، والحث على النظر والتفكير ، والحضُّ على التماس الحكمة من أي وعاء أو مصدر كانت ، والدعوة إلى التعارف بين الأمم والشعوب بما يقتضيه ذلك من تقارب بكل
عدد الصفحات ٥١معانيه ، إلى جانب النهي عن الإكراه في الدين ، وذلك المبدأ القراني الذي يمثله قاعدة للتعايش الثقافي والفكري ؛ في إطار وحدة الأصل الإنساني ، وهو المبدأ الأصيل الذي يختزل كل معاني حرية الفكر ؛ التي هي نقيض فوضى الفكر[74.]) ب ـ اقتصاد مشترك: فالهوية ترتبط بنمط التنمية ، فإذا كان نمط التنمية مستقرا ، فكان سببا للتنمية والنمو ، فالهوية تكون مستقرة وقوية ، أما إذا كان مذبذبا ، فكذلك تكون الهوية ، ويؤث ر اضطراب نمط التنمية في خلق مناخ سياسي داخلي متوتر ، الأمر الذي يماثل حال الدول النامية ، وكذلك المتحولة عن النظام الاشتراكي كشرق أوربة مثل [75.]) ونلحظ من خلل تجارب الشعوب أن الفقر الزائد قد يقضي على هوية المجتمع ، ويحوله إلى وحوش جياع لا قيم لها ولا مبادأئ ولا انتماء. وما ثورات الجياع ، وانتفاضات الحر امية بغريبة عن دراستنا ، وهي بذلك لا تعبر عن فكر أو رأي، وإنما عن حاجة اقتصادية، وهي سد غريزة الجوع [76.]) ج ـ العامل السياسي: تبحث الهوية السياسية عن عناصر ارتكاز لها في الهوية الثقافية ، ليس لأن الهوية الثقافية هي المعبر عن مصالح الجماعة ، ولكن لأن الهوية الثقافية أصبح لها دور أساسي في الصراع غير المتكافأئ على السيطرة والهيمنة في العالم ، ويمكن القول أن الهوية السياسية تعد الدافع والغرض لهوية متحركة المقاصد ، قادرة على التجدد بشكل أسرع من الهوية الثقافية ، وهي ابنة أوضاع داخلية وعالمية أكثر منها ابنة ذاكرة جماعية وفردية ، ضرورية الاستحضار. د ـ الانتماء والتحضر وحقوق وواجبات مشتركة :
عدد الصفحات ٥٢الانتماء غريزة فطرية لا تقتصر على البشر فقط ، ولكنها ترتبط كذلك بمليين الأنواع من الكائنات الحية ، وعلى المدى الواسع لفصائلها ، وطبيعة حياتها ، فكل هذه الكائنات تنتمي لنوعها ، والأرض التي تعيش عليها ، والبيئة التي خرجت منها ، أو تعيش فيها ، وكلها تستمد قوتها ومعيشتها من هذا الانتماء ، وافتقاد الانتماء يكون أحد أسباب تعاستها ، وفقد هويتها يمثل خلل في أسباب تواجدها ودورتها في الحياة ، وقد يصل لفنائها ، من ذلك نستطيع أن نقول: إن الانتماء لا تعود منافعه على المكان أو البيئة ، بل تعود على الكائن ذاته ، وبالتالي فإن الانتماء سر من أسرار الحياة ، وأساس لاستمرارها ، وفقد الكائن الحي لهذا الانتماء يصبح بسبب ذلك عالة على مجتمعه ، منبوذا من أقرانه ، معتقدا لجودة حياته. وانتماء المواطن غالبا ما يوحي بأنه يقتصر على الانتماء للوطن فقط ، والواقع فإن الانتماء أعم وأشمل من ذلك ، فالانتماء للأسرة وللعمل والبيئة المحيطة ، وكل ما هو في دائرته الصغرى ، كلها أساس لانتمائه الأكبر نحو الوطن ، والانتماء يستحيل أن يكون بقرار أو بتوجيه ، سواء من المواطن ذاته أو من المجتمع ؛ لأنه غريزة حْيدة يجب أن ننميها بتحسين العلقة بين الفرد وبيئته وعمله ، وبالتالي يأتي كامل نحو الوطن ، حيث لن تجد مواطنا يفتقد الانتماء لأسرته ، أو عمله ، أو بيئته الصغرى ، ويكون منتميا حقيقيا لبيئته الكبرى وهي الوطن. والتحضر سمة محصلة لكثير من السمات ، كما أن التحضر مقياس ومعيار يعكس مستوى التقدم والارتقاء لأي مجتمع من المجتمعات ، والتحضر لا مكان له ، فهو سلوك في العمل ، وفي الشارع ، وفي البيت ، كما أنه سلوك في العلقات الاجتماعية ، والاقتصادية على المستوى العام ، وأيضا سلوك في التصرفات في اللغة ، وفي الحوار. والسلوك الحضاري لا يقتصر على الأفراد ، بل يتصل بالسلوك الجماعي لمجتمع من الأفراد ، أو وطن من الأوطان ، والسلوك الحضاري للأفراد والسلوك الحضاري للمجتمع كله سلوك
عدد الصفحات ٥٣متبادل ، فالوطن المتحضر نتاج لشعب متحضر ، كما أن الفرد المتحضر هو نتاج جهود لوطن متحضر ، والانتماء والتحضر في علقة ترابط قوية ، ففقد الانتماء يقو د إلى تصرفات فاقدة للسلوكيات الحضارية ، والعكس صحيح. والانتماء والتحضر أساسيان للتنمية الاقتصادية ، فل يمكن القفز بمعدلات تنمية قياسية بعناصر إنتاج من أفراد انتماؤهم أو تحضرهم ضعيف ، أو من عناصر لا تَلك منظو مة مشتركة من الحقوق والواجبات تحكم العلقات بينهم[77.]) هـ جغرافيا وتاريخ ووطن مشترك: فهي أساسية في وضع الهوية ، يقول أفلطون: إن الهوية للكائنات هي ما يبقى كما هو رغم كل المتغيرات... هذه القدرة على البقاء فوق حواجز الزمن ، وترهلت المكان ، وعواقب الأيَم هي التي تَنح التشابه قوة وجودية ، فالأرض هي وسيلة للتصال بين الأفراد وبين الجماعات لتكوين مجتمع ، ولتحقيق التعاون والاتصال[78.]) ويعود بنا الحديث عن المكان والمجال الجغرافي إلى تعريف الدولة ومكوناتها: الشعب ، الإقليم ، السلطة ، الحد الأدنى من الثقافة المشتركة الملئمة لإقامة حياة مشتركة . ونجد التشابك الكبير والتفاعل المطلق بين كل من الدولة والهوية والتاريخ و الجغرافيا بالروابط الوثيقة بينهم ، فوجود هذه العوامل مرتبط بالاخر في الأوضاع المستقرة ، فإذا تقطعت هنا تحدث المشاكل ، وتكمن أزمة الهوية[79 ])، وينعكس ذلك على مفهوم المواطنة. و ـ العامل الثقافي في الهوية: الثقافة كلمة عريقة في اللغة العربية أصل ، فهي تعني صقل النفس والمنطق
عدد الصفحات ٥٤والفطانة ، وفي القاموس المحيط: ثقف ثقفا وثقافة: صار حاذقا خفيفا فطنا ، وثقفه تثقيفا : سوَّاه، وهي تعنى بتثقيف الإنسان وتسويته فكرا ووجدانا ، وتقويمه سلوك ا ومعاملة ، واستعملت الثقافة في العصر الحديث للدلالة على الرقي الفكري والأدبي و الاجتماعي للأفراد والجماعات ، والثقافة ليست مجموعة من الأفكار فحسب ، ولكنها نظرية في السلوك بما يرسم طريق الحياة إجمالا ، وبما يتمثل فيه الطابع العام الذي يتطبع عليه شعب من الشعوب ، وهي الوجوه المميزة لمقومات الأمة التي تتميز بها عن غيرها من الجماعات ، بما تقوم به من العقائد ، والقيم ، واللغة ، والمبادأئ ، والسلوك ، والعادات ، والقوانين ، والتجارب . ويرتبط مفهوم الثقافة بمجتمع معينَّ ومحدد الهوية ، في حين أن مصطلح «حضارة » ي ستخدم ليشير إلى مجموعات أكثر اتساعا ، وأكثر شمولا في الزمان والمكان ، كما ي ستخدم مصطلح «حضارة » للدلالة على المجتمعات التي بلغت درجة عالية من التطور ، وتتصف بالتقدم العلمي والتقني والتنظيم المدني والاجتماعي. وفي الجملة فإن الثقافة هي الكل المركب الذي يتضمن: المعارف ، والعقائد ، والفنون ، والأخلق ، والقوانين ، والعادات. وتتميز الثقافة عموما بعدة خواص ، منها: _خ أنها ظاهرة إنسانية ، أي: أنها فاصل نوعي بين الإنسان وسائر المخلوقات ؛ لأنها تعبير عن إنسانيته ، كما أنها وسيلته المثلى لللتقاء مع الاخرين . _خ أنها تحديد لذات الإنسان ، وعلقته مع نظرائه ، ومع الطبيعة ومع ما وراء الطبيعة ، من خلل تفاعله معها ، وعلقته بها ، وفي مختلف مجالات الحياة.
عدد الصفحات ٥٥_خ أنها قوام الحياة الاجتماعية وظيفة وحركة ، فليس من عمل اجتماعي أو فني جمالي أو فكري يتم إنسانيا خارج دائرتها ، وهي التي تيس ر للإنسان سبل التفاعل مع محيطه مادة ، وبشرا ، ومؤسسات. _خ أنها عملية إبداعية متجددة ت بدع الجديد والمستقبلي المعبر عنها ، فالتفاعل مع الواقع تكييفا أو تجاوزا نحو المستقبل ، من الوظائف الحيوية لها. _خ أنها إنجاز كم ي م ستمر تاريخيا ، فهي بقدر ما تضيف من الجديد تحافظ على التراث السابق ، وتجد د قيمه الروحية والفكرية والمعنوية ، وتوح د معه هوية الجديد ر وحا ومسارا ومثل ، وهذا هو أحد محركات الثقافة الأساس ، كما أنه بعد أساسي من أبعادها. وثمة علقة وثيقة بين الهوية والثقافة بحيث يتعذر الفصل بينهما ، إذ ما من هوية إلا وتختزل ثقافة ، فل هوية بدون منظور ، وخلفية ثقافية ، فالثقافة في عمقها وجوهر ها هوية قائمة الذات ، وقد تتحد الثقافات في الهوية الواحدة ، كما أنه قد تتنوع الهويَت في الثقافة الواحدة ، وذلك ما يعبر عنه بالتنوع في إطار الوحدة ، فقد تنتمي هوية شعب من الشعوب إلى ثقافات متعددة ، تَتزج عناصرها ، وتتلقح مكوناتها ، فتتبلور في هوية و احدة ، وعلى سبيل المثال: فإن الهوية الإسلمية تتشكل من ثقافات الشعوب والأمم التي دخلها الإسلم ، سواء اعتنقته ، أو بقيت على عقائدها التي كانت تؤمن بها ، فهذه الثقافات التي امتزجت بالثقافة العربية الإسلمية ، وتلحقت معها ، هي جماع هويَت الأمم والشعوب التي انضوت تحت لواء الحضارة الإسلمية ، وهي بذلك هوية إنسانية متفتحة وغير مغلقة[80.]) ز ـ العامل الديني في الهوية:
عدد الصفحات ٥٦فالدين هو أحد مكونات الثقافة ، والدين الإسلمي ساهم في الهوية الإسـلمية التي تقـوم على أربعـة أسـس وعنـاصر« :العقيـدة ، التـاريـخ ، اللغة ، الأرض» .وتجمعت هذه العناصر الأربعة في الأمَّة بمجموعها عن الهويـة الإسـلمية ، وقد تضيـع هـذه الهويـة إن ضـاع الفرد عن دينه ؛ لذلك قال تعالى: َ فـَلَو لاَ نـَفَرَ م ن ك ل ف ر قَة م نـ ه م طَائ فَة ل يـَتـَفَقَّه وا في الد ين وَل يـ ن ذ ر وا قـَو مَه م إ ذَا رَجَع وا إ لَي ه م لَعَلَّه م يحَ ذَر ونَ }*[122. ] وقال جل عل{ :ك نـ ت م خَيـ رَ أ مَة أ خ ر جَت ل لنَّاس تأَ م ر ونَ با ل مَع ر وف وَ تـَنـ هَو نَ عَن ال م ن كَر } [عمران : 110. ] وخيرية هذه الأمَّة نابعة من استقلليتها التشريعية، والعقائدية ، والسلوكية، عن غيرها من الأمم الأخرى ، وهنالك متربصون بهويتنا الإسلمية وأمتنا ، كما قال تعالى: َ وَ دَّ كَث ير م ن أَه ل ال ك تَاب لَو يـَر دُّونَك م م ن بـَع د إ يمَان ك م ك فَّار ا حَسَد ا م ن ع ن د أَ نـ ف س ه م م ن بـَع د مَا تـَبـَينََّ لهَ م الح َقُّ فَاع ف وا وَاص فَح وا حَتىَّ يأَ تي َ اللَّّ بأ َم ر ه إ نَّ اللََّّ عَلَى ك ل شَي ء قَد ير *وَأَق يم وا الصَّلَةَ وَآت وا الزَّكَاةَ وَمَا تـ قَد م وا لأ ََنـ ف س ك م م ن خَير تجَ د وه ع ن دَ اللَّّ إ نَّ اللََّّ بم َ ا تـَع مَل ونَ بَص ير }*[ 109 ـ 110. ] وهنالك تقارير معاصرة يتضح منها أنَّ أعداء الإسلم يريدون محق الهوية الإسلمية الصحيحة ، وإزالتها [81.]) ََ {وَيأَ بَ اللَّّ إ لاَّ أَن ي ت مَّ ن ورَه }[32. ] إن مفهوم الهوية يشير إلى ما يكون به الشيء هو هو ، أي: من حيث تشخصه وتحققه في ذاته وتَييزه عن غيره ، فهو وعاء الضمير الجمعي لأي تكتل بشري [82.])
عدد الصفحات ٥٧فالهوية ملزمة للمواطنة ؛ لأن المواطنين يحتاجون إلى نظام سياسي واقتصادي و اجتماعي ، وقوانين تحكم هذه العلقة ، وتبني هذه العلقة على اتجاهات وقيم ومعتقدات و عادت وتقاليد وموروث ديني واجتماعي يطلق عليه الهوية ، وعلى ذلك يمكن القول: إن الهوية هي مجموع من الخصائص والسمات المعينة تتميز بها أمة عن أخرى ، ومجتمع عن مجتمع اخر ، وفرد عن اخر ، والهوية يمكن أن تكون ثابتة حسب محافظة الأمة عليها ، وتتحول حسب تحول الواقع[83.]) * * *
عدد الصفحات ٥٨ثالثا: المواطنة والديمقراطية المواطنة هي القلب النابض للديمقراطية ، فعندما ت سلب حقوق المواطنة تأخذ الديمقراطية في الاختفاء ، فممارسة حقوق المواطنة لا تتم إلا من خلل تطبيق النهج الديمقراطي ، وبالنتيجة نفسها فإن مُارسة الحقوق والحريَت السياسية والعامة ، يكون من شأنها ترسيخ قيم المواطنة ، ودعم مشاعر الولاء والانتماء للوطن ، وعلى ذلك فإن المواطنة والديمقراطية هما عمود البناء الذي يؤسس عليه قواعد المجتمع ، وهو أساس الثقة المتبادلة بين الوطن والمواطن ، وقوامها المشاركة السياسية والاجتماعية لمشروع وطني، فإذا علم الفرد المواطن بأن صوته ، ورأيه ، وتعبيره ، وفعله ، وعمله سوف يسهم في رسم السياسات العامة للوطن ، وتحديد الأولويَت السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، فإن ذلك يؤدي بالتالي إلى زيَدة ارتباطه بأرضه ووطنه وحكومته ونظامه السياسي. وهكذا فإن المواطنة هي الفضاء الواسع الذي يضم أبناء الشعب الواحد على اختلف أطيافهم ، ومكوناتهم العرقية أو الجنسية «ذكر / أنثى» أو الدينية ، أو القبلية ، أو الطائفية التي يتكون منها هذا المجتمع ، وهي بمثابة القاعدة المشتركة التي ترتبط بين هذه المكونات ، ويتحقق هذا الارتباط ، وهذا الائتلف من خلل إطار الدولة الوطنية الواحدة ، فالمواطنة هي التشريع الدستوري والقانوني لكافة الحقوق ، والواجبات ، والحريَت العامة.
عدد الصفحات ٥٩ومن هذا المنطلق تصبح حقوق المواطنة هي أساس جميع الحقوق السياسية ، والقانونية ، والمدنية ، والاقتصادية ، والاجتماعية التي ينص عليها الدستور والقانون[84.]) فالمواطنة لا تستقيم إلا في ظل مجتمع مؤسساتي ، فالمواطنة في الواقع نضجت وتبلورت جنبا إلى جنب مع مفهوم الدولة الدستورية ، أي: في ظل مجتمع قد نضجت واكتملت مؤسساته الدستورية؛ التي تعمل على تحرير العقل، وتوسيع دائرة النقاش والحوار والمشاركة الفعلية ، والفعالة للمواطنين في تسيير شؤونهم ، بدل التماهي مع شعارات جوفاء مجردة ، وبعيدة عن أرض الواقع ، وأن متطلبات المدنية تفترض المواطنة ، إذ بدون المواطنة لا يمكن التأسيس لمعالم الدولة المدنية التي تحترم إنسانها وقانونها ، وتقيم توازنا بين الحقوق والواجبات في نفوس مواطنيها ، وحب القوانين واحترامها[85.]) وعندما نتحدث عن الديمقراطية في الدولة الحديثة المسلمة ، يمكن الاستفادة من الخبرات المتعلقة بالنظم الديمقراطية ، كمنهج إجرائي ، وليس كعقيدة ، بمعنى أنها تنتهج القرارات العامة المتعلقة بمصالح أفراد المجتمع ، وهذا منهج يشير إلى ضرورة التعايش ما بين الأفراد ولو اختلفوا في الدين والعرق واللون ، وأن يركزوا على فوائد الديمقراطية كمنهج و الية لغرس الصالح ، وطرح الفاسد ، والمتسلط ، والأناني ، لا أن ننظر ما طرحه مكيافيلي ، حيث أشار إلى أن الحكومات يجب ألا تكون القيود الأخلقية مثل الأفراد ؛ لأنها لا تستطيع ذلك ، أو دعوى أن الغاية تبرر الوسيلة ، وجعل الذرائعية المتلخصة في قيمة الفكرة مدخل لقبول كل شيء[86.]) و شك أن الدولة الحديثة المسلمة ملتزمة دينيا أن تنصَّ على أنَّ كل ما يتناقض مع الإسلم فهو باطل ، وغير دستوري ، وغير قابل للتنفيذ ، ففي أي مجتمع إسلمي يتكون من أفراد
عدد الصفحات ٦٠مسلم: لا يتصور أن ينعقد بالأغلبية أو الأكثرية تحريمهم ما أحلَّ الله ، أو تحليلهم ما حرَّم الله ، ولو حدث هذا فلن ينعقد كدليل أو إثبات شرعي ، وذلك لا يعتد به لسببين هما: السبب الأول: أن الأصل في التحريم والتحليل أنه حق خالص لله عز وجل ، وبالتالي لا يملك أحد من المسلمين جماعة أو فردا أن يتولى هذا الحق ، ولو حدث هذا فرضا في مجتمع مسلم ، فالقول الشرعي أن هذا الإجماع أو الحصول على أغلبية الأصوات في حكم يخالف الشريعة لا يعتد به لأمرين : الأمر الأول: أن الأحكام الشرعية لا ت عقد في مثل هذه المجالس ، إذ أن الأصل في مناقشات الأحكام الشرعية أن تؤخذ من أصحابها ، وليس من النواب ، أو البرلمانيين ، أو أعضاء المجالس النيابية ، فهم رشحوا أو اختبروا من أجل إصلح أوضاع الناس السياسية والاقتصادية ، لا العمل على تغيير الأحكام الشرعية . الأمر الثاني: لو حدثت هذه الأغلبية فرضا في مجتمع مسلم باسم الديمقراطية ، فهذا لا يتعد ى أن يكون إجماعا سياسيا ، أو استفتاء للرأي العام الشعبي ، لا إجماعا شرعيا ، والفرق بينهما كبير ، ولو كانت الأغلبية تريد أن تغير من أحكام الشريعة ، فإنها لا تستطيع ؛ لأن الأغلبية لا تستطيع في ظل الحكومة الإسلمية أن تتعد ى حكما شرعيا ، على حين أنه لا توجد حدود شرعية في الحكومة غير الإسلمية لدرجة إباحة الشذوذ ، وهو ما لا يطرح أساسا للبحث في إطار الدولة الحديثة المسلمة ما دام هناك نص [87.])
عدد الصفحات ٦١وبالتا فالخوف من تغير الأحكام القطعية في الشرائع أو المعتقدات لا يكو ن ؛ لأن ذلك سيخالف الدستور المجمع عليه عند كافة الفئات والأحزاب في الدولة ، ولاعتبار أن الشعب هو مصدر السلطات ، وبما أنَّ الشعب اتفق على هذا الدستور وأقره ، فالأصل أن لا يخرج عنه قيد أنملة ، وإلا لم تكن هذه الديمقراطية ما يبحث عنها الفرد في مجتمعه ، إذا كانت تخالف دينه ، ومعتقداته ، وتراثه ، وأعرافه . السبب الثاني: أن الشورى بذاتها وأصولها عند علماء المسلمين ، لم تكن مطلقة العنان ، بل كانت مقيدة بضوابط وأصول ، من أهمها قول الله تعالى: َ فَإ ن تـَنَازَع ت م في شَي ء فـَ ر دُّوه إ لىَ اللَّّ وَالرَّس ول } [59 ]، فإذا كان هذا هو حال الشورى ، فمن باب أولى أن تكون الديمقراطية التي يريد المسلمون تطبيقها مقيَّدة بدستور وأصول تعاملية ، وهذا لن يتحقق إلا بشرطين : الشرط الأول: قبول مجتمعي لمبدأ المساواة السياسية بين المواطنين ، فل سيادة لفرد أو عائلة أو حزب على الناس ، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه« :م استعبدت الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا » ([88.]) وهذا يتحقق لكافة المواطنين ، داخل الدولة الإسلمية أو خارجها ، للمسلمين أو لغير المسلمين ، وهذا ما ي عبـَّر عنه بالمواطنة ، أي: لكل مواطن حقوق وواجبات ، وهي حقوق وواجبات متساوية أمام القانون. وتعتبر المساواة في الحقوق والواجبات حصانة من الانفلت الشعبي ضدَّ السلطة ، أو قيام حرب أهلية ، أو تناحر فئوي داخل المجتمع الواحد في حال ضياع حقوق فئة دون أخرى ،
عدد الصفحات ٦٢أو جماعة دون أختها ، وبهذا الشرط يمكننا حصر الاختلف الطائفي والعرقي داخل المجتمع الواحد[89.]) الشرط الثاني: التوصل إلى صيغة دستور ديمقراطي ي راعي اعتبارات مختلف الجماعات ، وشروط انخراطها في الممارسة الديمقراطية ، وبهذا الدستور يمكن التحكم برغبات وتحكمات الأفراد و الأحزاب داخل الدولة بناء على هذا الدستور المتفق عليه ، بل ستكون كل القرارات والقو انين الصادرة عن السلطات في الدولة خاضعة له ، وهو الذي يضمن حقوق وحريَت المواطنين كافة ، مع وضع قيود دستورية لكل مُارسات السلطة ، لابد أن يحوي الدستور الديمقراطي مبادأئ منها: _خ سيطرة أحكام الشريعة . _خ لا سيادة لفرد ولا لقلة على الشعب. _خ عدم الجمع بين السلطات. _خ ضمان الحقوق والحريَت العامة. _خ تداول السلطة. وبهذا نضمن الحقوق والحريَت للمواطنين كلهم بكافة أنواعها ، ومجالاتها الحياتية ، ضمن إطار الشريعة الإسلمية العظيمة[90.]) إن الدولة الحديثة المسلمة تهتم بالقيم الإسلمية ، وتعمل على ترسيخها بين الناس كالعدالة والمساواة ، وتطبق القانون العادل بين جميع المواطنين دون تفرقة ، وتفتح المجال للحرية ، والانفتاح ، والتعددية ، وتكافؤ الفرص ، والمشاركة السياسية ، وتعمل على تقوية روابط
عدد الصفحات ٦٣المجتمع ، وتقوية مكونات الدولة ، وربط المواطن بشعبه ودولته ، وعلى العمل على تحقيق مفهوم المواطنة من خلل الشورى التي ترتبط برباط متلزم مع المواطنة ، في حضورها وغيابها. * * *
عدد الصفحات ٦٤رابـعـا: المـواطنـة وحقـوق الإنسـان إن العلقة بين حقوق المواطنة وحقوق الإنسان علقة متشابكة مترابطة أبدية لا تنفصل ، رغم وجود فرق بينهما ، حيث إن حقوق الإنسان تتعلق بالإنسان بصفته الإنسانية ، وهي تشتمل على حقوق المواطنة ، ولكن حقوق المواطنة لا تشتمل على حقوق الإنسان ، حيث إنها تترتب عليها واجبات بخلف حقوق الإنسان التي هي حقوق بدون واجبات ، إن الحرية تستوجب حقوقا للشعوب ، وحقوقا للأفراد تجاه الدولة، وحقوقا تجاه بعضهم ، ولعل الشورى هي نوع من هذه الحقوق، وبهذا يقال: إن الحق أسس على الحرية؛ لأنها هي التي أوجدته [91.]) وكث من الأفراد يعتقدون أنه لا يوجد فرق بين حقوق الإنسان وحقوق المواطنة ، وذلك من كون الإنسان مواطن ، وبالتالي هي الحقوق نفسها ، وفي الحقيقة يوجد تداخل بين المفهومين
عدد الصفحات ٦٥