المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

المواطنة والوطن في الدولة الحديثة المسلمة

علي محمد الصلابي

صفحة ٣ من ١٨

يضاف لهذا مسألة مهمة في التفرقة بين الدول ، ففي الدولة الحضارية يقوم المجتمع على قيم ، وكل من ينتمي لتلك القيم يصبح عضوا في المجتمع ، وبالتالي يصبح عضوا في الدولة ، وهو بهذا مثله مثل غيره لا فارق بينهما ؛ لأن كل أعضاء المجتمع تقوم عضويتهم على إيمانهم بقيم المجتمع ، وهذا الأمر لا يتحقق في المجتمعات التي تقوم فيها الدولة مستندة على القومية ، ففي فرنسا ، مثل ، تقوم الدولة مستندة على القومية الفرنسية ، ومن يحصل على جنسية الدولة الفرنسية من غير المنتمين للقومية الفرنسية يصبح مواطنا في الدولة ، ولكنه لا يصبح منتميا للقومية الفرنسية ؛ لأن الفرد لا يمكن تحويل قوميته ، لأنها عرق ، ولها أساس بيولوجي ، ففي فرنسا تحدد المواطنة علقة المساواة بين كل حاملي جنسية الدولة ، ولا يمكن أن ينتمي لقوميتهم أحد من خارجها ، لكن الدولة الحضارية تقوم أساسا على القيم ، وهي دولة عابرة للقومية ؛ مُا يجعل تعدد القوميات والأعراق فيها جزءا من تعدد مكوناتها داخل الهوية الواحدة ، ولأن الهوية تقوم على القيم ، فإن كل من ينتمي لتلك القيم يصبح جزءا من هوية المجتمع والدولة ، ويصبح مواطنا كامل في الدولة ، وعضوا كامل في المجتمع ، حتى وإن اختلفت أصوله العرقية . فالمواطنة تتحقق في الدولة الحضارية نتيجة أن الفرد ينتمي انتماء كامل غير منقوص للمجتمع ، وبالتالي تصبح مواطنته مفروضة على الدولة ؛ لأن الدولة وكيل عن المجتمع ، وتتبع هوية المجتمع ، وعليه نقول: إن الدولة الحضارية تتميز بأن الانتماء لها مفتوح، فجنسيتها تعطى لمن يؤمن بالقيم المؤسسة لها[50.]) ويمكننا أن نتصور أن مع بداية تأسيس الدولة الإسلمية الكبرى ، وتوسعها في العديد من المناطق، وانضمام العديد من القوميات لها، كان هناك اختلفات حضارية ما ، أو كان هناك قدر من عدم التجانس ، وهو ما ت تحويله إلى حالة تجانس عام ، من خلل تجمع كل الأمة على القيم العليا إطارا جامعا سمح بمساحة للفروق الثقافية داخلها ، فحافظت المجتمعات

عدد الصفحات ٣٤

على تَيزها ، وفي الوقت نفسه اشتركت في الإطار الحضاري العام ، فصارت بهذا أمة واحدة[51.]) وهنا تبرز خاصة مهمة في الحضارة الإسلمية ، أنها حضارة التنوع في إطار الوحدة ، فهي أكثر الحضارات التي تشمل تنوعا داخليا ، ومع هذا فهي أكثر الحضارات التي تتميز بإطار عام حاكم ومحكوم ، وتلك هي خاصة الدين ، فمنظومة القيم المستمدة من الدين تقوم على قيم محددة ومطلقة، أي: تقوم على عدد محدد من المبادأئ العامة ، وداخل هذه المبادأئ يمكن أن يختلف الناس ، ولكن إيمانهم بهذه المبادأئ يوحدهم مهما اختلفوا داخلها ؛ ولهذا يتمدد التنوع داخل إطار القيم الحاكمة التي تحول هذا التنوع إلى وحدة ، وهنا تأسست المواطنة في صورتها الأعمق[52 ])، وسيأتي تفعيل ذلك لاحقا بإذن الله تعالى. 9 ـ المواطنة والدولة القطرية : في الاتفاقية الدولية بشأن الحقوق المدنية والسياسية تجد ما يلي: المادة (1:) لكل الشعوب الحق في تقرير المصير ، وبمقتضى هذا الحق فإنها تقرر بحري ة وضعها السياسي ، وتتابع بحرية تنميتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية[53 ])، أما في وطننا الإسلمي فقد ابتدأت قضية المواطنة قبل قرن وربع في العالم العربي والإسلمي ، وذلك منذ صدور أول دستور عثماني عام (1876م) مقررا مبدأ المساواة في جميع الحقوق والواجبات بين مواطني الدولة على اختلف أديَنهم[54.]) إن غير المسلمين صاروا شركاء أصليين في أوطان المسلمين ، ولم تعد علقاتهم بالمسلمين قائمة على إعارة قبيلة لقبيلة أخرى ، أو خضوع من قبيلة إلى قبيلة أخرى ، الأمر الذي

عدد الصفحات ٣٥

ينبغي أن يسقط معه على الفور ـ ومهما كانت المبررات ـ أي تصنيف لهم في مربع الأجانب الأخرى [55.]) ولابد من إيضاح هذا المفهوم ؛ فلقد كانت المواطنة في الدولة الإسلمية منذ عهد الفتوح الإسلمية قائمة على تقسيم المواطنين لفريقين : مسلمين وذميين ، والمسلمون لهم حقوق تختلف قليل أو كثيرا عن حقوق أهل الكتاب أو أهل الذمة ، وفي الوقت الذي يدفع المسلمون فيه الزكاة يدفع أهل الذمة الجزية ، ويكون حق الدفاع عن البلد واجب المسلمين ، والجزية مقابل حْايتهم ، والحفاظ على حرماتهم وأغراضهم ، وعندما تعجز الدولة عن الحماية تعيد الجزية ، وتدعو أهل الذمة إلى المشاركة في الدفاع عن الوطن المعرض للخطر من العدو الخارجي . أما منذ صدور القانون العثماني عام (1876م) فقد أنهى هذا التقسيم لمسلمين وذميين ، واع ت بر المواطنون متساوين في الحقوق والواجبات ، وصار أهل الذمة والمسلمون شركاء في الدفاع عن الوطن ، وهذا أقرب إلى وضع الدولة الإسلمية الأولى في المدينة ، فقد كان يهود المدينة شركاء في المواطنة ، لليهود نفقتهم وللمسلمين نفقتهم ، وعليهم النصر على من داهم يثرب ، وجوف يثرب حرام على أهل هذه الصحيفة[56.]) * * *

عدد الصفحات ٣٦

ثانيا: التطور التاريخي لمفهوم المواطنة إن الناظر إلى تاريخ الفكر الفلسفي السياسي يدرك مدى التطور الذي لحق مفهوم المواطنة ، فالمفهوم الذي بدأ خلل الحقبة اليونانية قبل الميلد ليس هو نفسه الذي كان موجودا في فترة العصور الوسطى ، وكذلك يختلف عن ذلك الذي عرفته أوربة بعد الثورة الفرنس ية ، والذي يختلف بدوره عن المفهوم المعاصر للمواطنة. فالمواطنة ـ في كل حقبة تاريخية ـ إنما كانت تعبر عن التركيبة الثقافية و الأخلقية لتلك الحقبة ، ومن ثم كانت المواطنة هي المؤشر على مدى تحقق المثل الأخلقية والسياسية في زمانها، فالمواطن عند اليونان هو «اليو الحر»، بينما المواطن في زمن الدولة القومية هو أحد أبناء الأمة المكونة للدولة... إلخ فالمواطنة قديما لم تكن تشير طوال الوقت إلى مبادأئ وقيم أخلقية وسياسية عامة ، وإنما كانت تعبر عن وضعية خاصة يحوزها البعض ، ويح رم منها الاخرون، أي: أن المواطنة كانت حالة من عدم المساواة ، يقابلها رغبة وكفاح من أجل المساواة من جانب أولئك الذين ح رموا منها ، ومن هنا فإن تاريخ مبدأ المواطنة هو تاريخ سعي الإنسان من أجل الإنصاف ، والعدل ، والمساواة[57.]) ويرى الأستاذ حْدي مهران أن المواطنة قد مرت بست مراحل تاريخية ، كونت ستة مفاهيم مختلفة كما يلي:

عدد الصفحات ٣٧

1 ـ مواطنة دولة المدينة: وهو المفهوم الذي ساد في الحقبة اليونانية الرومانية ، وقد تَيز هذا المفهوم بتركيزه على قيم المشاركة السياسية والمساواة بين المواطنين على قاعدة المواطنة ، غير أن هذا المفهوم من ناحية أخرى لم يكن يشمل بصفة المواطنة إلا الرجال الأحرار ، بينما ت استبعاد العبيد والنساء والأطفال وكذلك الأجانب عن المدينة ؛ مُا جعله لا يشمل إلا فئة قليلة مُن يستحقون صفة المواطنة. إلا أن قيم المواطنة عند العديد من الفلسفة بعد ذلك قد تأثرت بمفهوم المواطنة اليوناني القديم ؛ نظرا لتشديده على أفكار المشاركة والمسؤولية على المواطنين ، واهتمامه بالمساهمة في الحكم بصورة مباشرة ، عبر مؤسسات تقوم على نشاط المواطنين. 2 ـ مواطنة الإيمان: وهو المفهوم الذي ساد في الحقبة الإسلمية والمسيحية في أوائل فترة العصور الوسطى ، حيث المواطن هو الفرد المنتمي للعقيدة السائدة في الدولة. وتَيز هذا المفهوم بعدم التزامه بحدود الدولة ، وإنما كان ذا صفة عالمية بحيث يشمل كل من ينتمي إلى العقيدة السائدة في أي مكان. وقد أعطى هذا المفهوم في صورته الإسلمية حقوقا هامة للمرأة ، إلا أن التطبيق العملي لتلك الحقوق على الأرض لم يكن بالمستوى نفسه ، فظلت المرأة فعليا في أغلب فترات التاريخ الإسلمي بعيدة عن العملية السياسية ، أما صورة المفهوم المسيحي فلم تعط المرأة أي حقوق تذكر لا داخل الكنيسة ولا خارجها ، واكتفى المفهوم بمنح الدعم المعنوي و الروحي للعبيد دون الدعم المادي ، فبقي العبيد في أسوأ حال في تلك الفترة ، مع ما كان ي طلب منهم من قبول للعبودية بوصفها إرادة إلهية.

عدد الصفحات ٣٨

3 ـ مواطنة المدن المستقلة: وهي التي سادت في المدن التجارية في جنوب أوربة وتحديدا في إيطاليا ـ في فترة العصور الوسطى ـ حيث كانت تعني الحصول على امتيازات مدفوعة الأجر ، تَكن التجار من البيع ، والشراء ، والزواج ، والطلق ، والسفر ، وغيرها دون الحصول على إذن أو تصريح من السيد الإقطاعي وفقا للنظام الذي كان سائدا حينذاك ، وقد منح هذا المفهوم سكان المدن نوعا من الحرية الفكرية والاقتصادية ، ومك نهم من تقديم رؤى نقدية للنظام الكنسي و الإقطاعي ، وظهور تيار فكري يرفض الأفكار الكلية للكنيسة ، وينادي بالروح القومية ، و قد عبر هذا التيار عن ارائه في مؤلفات كان لها صدى واسع بعد ذلك في فترة عصر النهضة. 4 ـ المواطنة التعاقدية: وهو المفهوم الذي ساد بدءا من عصر النهضة ، والذي كان يقوم على فكرة العقد الاجتماعي ؛ التي كانت رائجة في ذلك الحين ، كما أن هذا المفهوم قد ارتبط بفكرة الدولة القومية ، والذي ظل مرتبطا بها حتى ظهور المفهوم الواضح للمواطنة بعد ذلك بأربعة قرون. وقد تَيز هذا المفهوم بدعمه غير المحدود لفكرة المواطن الإيجابي، حيث يتحول المواطن إلى حائز للسيادة وليس خاضعا لها ، ومن ثم يصبح قادرا على عزل الحكام الفاسدين ، وتعيين غيرهم ، ومحاسبتهم ، وذلك وفقا لأحكام العقد الاجتماعي ، وقد ناهض هذا المفهوم العبودية ومبرراتها المختلفة ، إلا أنه لم يقدم جديدا بالنسبة للمرأة ؛ فقد ظلت بعيدة عن حقوق المواطنة. 5 ـ مواطنة الحقوق: وهو المفهوم الذي ساد منذ منتصف القرن الثامن عشر ، وارتبط بفكرة

عدد الصفحات ٣٩

الحقوق التي تطورت من الحقوق الطبيعية إلى حقوق الإنسان ، ثم إلى حقوق المواطنة ، وباقي أنواع الحقوق ، مثل: حقوق العمال ، وحقوق المرأة ، وحقوق الطفل .... إلخ. وقد تلقى هذا المفهوم دعما قويَ من الثورة الفرنسية ؛ التي تبنت فكرة حقوق المواطنة ، وأصدرت : إعلن حقوق الإنسان والمواطن للتعبير عن الحقوق المدنية والقانونية لكل فرد داخل الجمهورية الفرنسية . وقد تشبثت التيارات النسوية بهذا المفهوم للحصول على حقوقها ، فكان خير داعم لها ، كذلك فقد استغلت الحركات المناهضة للعبودية ، أو المدافعة عن حقوق العمل ، هذا المفهوم لتحقيق أهدافها المشروعة ، وقد تحول هذا المفهوم إلى فكرة الدعم المادي الذي تقدمه الدولة للمواطن تحت مظلة دولة الرفاهية ، وذلك منذ منتصف القرن العشري ن ، غير أن هذا المفهوم قد ارتبط بفكرة الدولة القومية بصورة عجز معها عن حل المشكلت العرقية ، والثقافية. 6 ـ المواطنة العالمية: هو المفهوم الذي يعبر عن صور المواطنة التي تتخطى الدولة القومية القطرية إلى حيز أوسع ، أو حتى أضيق ، وذلك بالانتماء لكيانات جديدة ، وتفضيلها على الانتماء القومي. وقد تأثر هذا النموذج العالمي للمواطنة بقوة بفكرة العولمة منذ ظهورها ، خاصة و أن الاتحادات والتكتلت العالمية بدأت تزداد بشكل جعل هذا المفهوم حقيقة واقعة ، مع الدعوة لعالم مفتوح ومترابط اقتصاديَ وثقافيا وسياسيا بالاعتماد على التكنولوج يا الحديثة ، غير أن هذا المفهوم العالمي لا يزال غير قادر على اكتساب ثقة الغالبية من الناس ؛ لما يبدو فيه من تهديد للهوية الثقافية ، ومعارضته لمفهوم الدولة القومية بكل ما تحمله من تراث غال على

عدد الصفحات ٤٠

العديد من الشعوب ، ولعل ذلك ما جعله يواجه مواجهات من الرفض الشديد خوفا من ضياع الهوية الثقافية ؛ مُا يعرقل مسيرة هذا المفهوم ، وربما يقضي عليه في النهاية[58.]) ويمكننا مُا سبق أن نقول: إن مفهوم المواطنة عبر تاريخه قد كشف عن عدد من الحقائق التالية: _خ إن مفهوم المواطنة طوال تاريخه الطويل قد ظهر بأكثر من صورة واحدة ، وذلك بحسب ما تضمنه من قيم سياسية وأخلقية في كل مرحلة من المراحل التي مر بها ، فهو يعبر عن المسؤولية أحيانا ، ويعبر عن الحقوق في بعض الأحيان ، كذلك فقد كان يشير إلى الخضوع للسيادة في بعض الأوقات ، وفي أوقات أخرى كان يعني حيازة السيادة ومُارستها ، كما أن حدوده كانت تضيق بمساحة دولة المدينة ، أو تتسع لتشمل العالم ، وهو ما يدل على مدى التنوع الذي حققه هذا المفهوم طوال تاريخه. _خ إن مفهوم المواطنة كان صورة دائمة للستعباد ، وعدم المساواة طوال تاريخه ، فقد ظل العبيد والنساء ـ مثل ـ مستبعدين من نيل هذا الحق على الدوام ، وحتى حين انتهت العبودية ، وحصلت النساء على حقوق المواطنة ، بقي المفهوم مرتبطا بصورة الاستعباد تلك عبر التفرقة بين أبناء الوطن الواحد وباقي سكان الدولة مُن يعدون من الأجانب أو المقيمين فقط ، ولا ي ستثنى من تلك الصورة إلا المفهوم العالمي للمواطنة في صيغته الكوك بية ، والتي تسعى لجعل العالم وطنا واحدا لكل البشر بل استثناء. _خ المواطنة مفهوم محوري في الفكر السياسي ، فهو ـ وفقا لطبيعته ـ يرتب ط بعدد من المفاهيم الهامة في أي دولة في العالم ، مثل المساواة ، والمشاركة ، والحقوق ، والواجبات ، والتعددية ، والديمقراطية ، والحرية ؛ لهذا تعد دراسة تاري خ المواطنة دراسة لمدى تطور واختلف تلك المفاهيم عبر العصور المختلفة ، مُا يمكن الباحث من فهم واستيعاب الصورة التي تكون بها الفكر السياسي الغربي في صورته الحالية[59.])

عدد الصفحات ٤١

* * *

عدد الصفحات ٤٢

المبحث الثاني المواطنة والمفاهيم المتعلقة بها أولا : العلقة بين الوطن والمواطن والمواطنة. ثانيا : المواطنة والهوية. ثالثا : المواطنة والديمقراطية . رابعا : المواطنة وحقوق الإنسان. خامسا : الجنسية. سادسا : ركائز دولة المواطنة. * * *

عدد الصفحات ٤٣

أو: العلقة بين الوطن والمواطن والمواطنة قبل الخوض في العلقة التي تربط بين المفاهيم الثلثة: الوطن والمواطن و المواطنة ، نحب أن نبين معنى الوطن والمواطن ، حيث سبق لنا أن عرفنا المواطنة بشكل واسع ، ولا يمنع من اختصارها مع تعريف الدولة: * الوطن: وهو ذلك الجزء الجغرافي من الأرض الذي تعيش عليه مجموعة من الأفراد ، تتفاعل فيما بينها بعلقات إنسانية ، وعاطفية ، وروحية ، وثقافية ، ومادية ، وغيرها ، وبشكل عام فإن معنى الوطن: هو تعبير عن الأرض التي ولد فيها الفرد ، ونشأ ، وترعرع ، واختار أن يعيش فيها.

عدد الصفحات ٤٤

*المواطن: وهو ذلك الفرد الذي يعيش على تلك القطعة من الأرض ، ويتفاعل الأفراد الاخرين من خلل مؤسسات تشكل على أساسها الدولة. * الدولة: هي كيان تشكل من مؤسسات تشريعية ، وتنفيذية ، وقضائية ، وأجهزة إدارية ، تحكمها نظم سياسية معينة ، ويندمج هذا الكيان مع الأفراد والجزء الجغرافي لتتشكل بذلك الدولة ، والمواطنة صفة تطلق على الفرد الذي ينتمي إلى وطن معين. * المواطنة والوطنية: هناك فرق بين صفة المفهومين: المواطنة والوطنية ، أي: أن الوطنية تعتبر أعلى مراتب المواطنة التي يحصل عليها الفرد من خلل انتسابه لجماعة ، ومشارك ته في أعمال الدولة[60.]) والوطنية شعار يميز المواطن المنتمي إلى وطنه من غير المنتمي ، وهي درجة خالية من العشق يكرسه الفرد لوطنه ، وعكسها الخيانة والخائن وهو الضعيف الوطنية ؛ الذي يقيس حبه لوطنه بمقدار ما يستفيد من ذلك الوطن[61.]) والوطنية عاطفة قوية يشعر بها المواطن تجاه وطنه ، ولا تكون الوطنية بالقول ، بل بالفعل ، وأن صفة الوطنية أكثر عمقا من صفة المواطنة ، وتصبح المصلحة العامة لديه أهم من المصلحة الخاصة، ولذلك فإن المواطنة هي الإطار الفكري ، أما الوطنية فهي تَثل الجانب والإطار العملي لسلوك المواطن[62.]) ويعت الوطن للمواطن بيئة مادية ومعنوية تَثل له الأرض ، والمسكن ، والأهل ، والأقارب ، والاباء ، والأجداد ، وعلقة روحية تَثل له قيم المجتمع من عادات ، وتقاليد ، وقيم ، واتجاهات ، ومعتقدات ، ومشاعر فيها سعادة وفرح وضيق وحزن وغيرها ، ويعيش المواطن في هاتين البيئتين بمواطنة كاملة يتفاعل معها عبر العصور.

عدد الصفحات ٤٥

هذا ولا يمكن أن تختزل هذه المعاني ، والمفاهيم: "الوطن والمواطن والمواطنة" في المعني اللغوي ، وإنما هي روابط في صفة ومضمون ، فل يمكن ترسيخ مفهوم المواطنة بما يعنيه من مسؤولية كاملة تجاه الوطن ، دون وجود أفراد مواطنين ي دركون بوعي حقوقهم وواجباتهم في جميع مجالات الحياة ، سواء كان في المجال السياسي ، أو الاقتصادي ، أو الاجتماعي ، أو الثقافي ، أو المعرفي ، ويشعر هؤلاء بأنهم مسؤولون عما يجري داخل وطنهم ، فل مواطنة بدون مواطن ، ولا مواطن بدون ولاء وانتماء للوطن ، يتفاعل مع مشاكله وقضايَه وشؤونه بشكل أو باخر[63.]) ويعتقد عامة الناس أن المواطنة تتلخص في الحضور المادي في بلد ما ، أو أنها تتلخص في مجموعة من الحقوق التي لا يقبلها أي التزام ، وهذا الاعتقاد خاطأئ لسببين: أولا : لأنه يقوم ضمنيا على خلط بين المواطن والمواطنة. وثانيا : لأنه يخلط بين المواطنة وأصناف الانتماء الأخرى ، سواء كانت ثقافية أو دينية أو أيديولوجية أو اجتماعية ، في حين أن فهم المواطنة يقتضي تحديدها في علقاتها بالسيادة السياسية ، وبالديمقراطية . فالمواطن هو ذلك الشخص الذي يمتلك حقوقا غير قابلة للنقض ، أو النقص ، أو الاعتداء عليها من قبل الدولة ، فهذه الحقوق هي حقوق سياسية تتعلق بالمشاركة السياسية في اتخاذ القرار السياسي ، وحقوق مدنية وجماعية ترتبط بالجانب الاقتصادي ، والاجتماعي ، والمعرفي [64.]) وإذا كانت المواطنة مرتبطة بالوطن ، فهذا يعني أنه كلما كان التمسك بالوطن قو يَ ، والانتماء إليه ثابتا ، فإن المواطنة تتجلى بأبهى صورها ، حيث يشعر كل مواطن بكرامته

عدد الصفحات ٤٦

وقيمته ، ويتمتع بحقوق المواطنة الكاملة ؛ التي تؤمن له العيش الكريم في و طن حر كريم[65.]) فالمواطنة تقدر بالقدر الذي يبذله رعايَها من أجلها ، فهي لا تَنح منحا من مصدر خارجي، بل تكتسب اكتسابا ، شأنها في ذلك شأن قيم الحياة الأخرى [66.]) فالمواطنة هي التعبير القانوني عن الوجود السياسي للوطن والمواطن ، وهي حجر الزاوية لتطوير الوطن ابتداء من نظامه السياسي ، والاجتماعي ، والاقتصادي ، وامتدادا للنهوض الثقافي والارتقاء الحضاري ، وتتجلى المواطنة في أرقى صورها بارتقاء الاستقلل الوطني ، وثبات العزة والكرامة من ناحية ، كما تظهر بتثبيت جميع الحقوق السياسية للمواطن[67.]) * * *

عدد الصفحات ٤٧

ثـانـيـا: المـواطنـة والـهـويـة

عدد الصفحات ٤٨

الهوية هي مصدر رئيس من مصادر القوة التي تسعى الشعوب لامتلكها ، والهوية القوية هي القادرة على تفعيل القواعد التي يتفق عليها أصحابها ، فأقصى درجات القو ة هي التي تأتي من قانون يدعمه[68.]) وجاء مصطلح الهوية في اللغة العربية من كلمة: هو. والهوية هي مجمل السمات التي تَي ز شيئا عن غيره ، أو شخصا عن غيره ، أو مجموعة عن غيرها ، كل منها يحمل عدة عناصر في هويته ، عناصر الهوية هي شيء متحرك ديناميكي يمكن أن يبرز أحدها أو بعضها في مرحلة معينة ، وبعضها الاخر في مرحلة أخرى . ويقول التحليل النفسي على «هوية نحن ـ أنا» :فل توجد هوية «أ» بدون هوية «نحن» ، والهوية تخرج عن عملية تاريخية وحضارية تنتقل بالبشرية من الهيمنة الشمولية للنحن إلى حالة متقدمة للتفرد ، فالمجتمع يتكون من مُارساتنا وعلقاتنا المتبادلة ، وإن لم تكن هذه العلقات «حرة » ، فهي ليست قوى طبيعية ، لا يوجد الفرد إلا في مجتمع ، ويتوقف التفرد على نمط التنظيم الاجتماعي ، ولقد فرضت الدولة ـ الأمة بنفسها بالتدريج كصبغة غالبة للنحن المجتمعية. وتأسيسا على المقاربة الفلسفية تعبر الهوية عن حقيقة الشيء المطلقة المشتملة على صفاته الجوهرية التي تَي زه عن غيره ، كما تعبر عن خاصية المطابقة ، أي: مطابقة الشيء لنفسه ، أو لمثيله ، وبالتالي فالهوية الثقافية لأي شعب هي القدر الثابت والجوهري و المشترك من السمات والقسمات العامة التي تَيز حضارته عن غيرها من الحضارات [69.]) وتستعمل كلمة «هوية» في الأدبيات المعاصرة لأداء معنى المطابقة: مطابقة الشيء لنفسه ، أو مطابقته لمثيله ، وفي المعاجم الحديثة فإنها لا تخرج عن هذا المضمون ، فالهوية هي: حقيقة

عدد الصفحات ٤٩