المبحث الخامس معالجة الصراعات الطائفية وفكرة المواطنة العربية أولا : معالجة الصراعات الطائفية. ثانيا : فكرة المواطنة العربية الإسلمية. * * *
عدد الصفحات ٢١٢أو: معالجة الصراعات الطائفية إن الدولة الحديثة المسلمة تحرص على معالجة الصراعات الداخلية ، والبحث في جذورها، ومعرفة أسبابها، وإقامة العوامل التي تحول بين تطورها ووضع السياسات والخطط والإجراءات اللزمة لذلك ، والتي من أهمها: 1 ـ تعميق فكرة المواطنة: لعناصر الشعب عبر تفعيل الحوار ، وإيجاد الية لإزالة المخاوف والهواجس المتعلقة بما حدث من تجاوزات أو ظلم في السابق لأي فئة اجتماعية ، والحرص على تعميق فكرة المواطنة ،
عدد الصفحات ٢١٣وإعلء قيمة الانتماء إلى الوطن ، والاعتراف بالخصوصية الثقافية للخر ، وبيان فضائل تَاسك الشعب للدولة الواحدة. 2 ـ ملحقة مرتكبي العنف: وذلك من خلل فرض سيادة القانون ، وقيام الأجهزة المعنية بملحقة مرتكبي أحداث العنف ، والمحرضين عليه ، وتقديمهم للقضاء. 3 ـ الحرص على أمن المواطنين: وذلك بتوظيف الأجهزة الأمنية لخدمة المواطنين ، وليس لتفريقهم ، أي: عودة جهود وزارة الداخلية والأجهزة المختصة لصالح المواطنين ، وليس على حسابهم من أجل تحقيق «أمن الدولة». 4 ـ تعزيز مؤسسات المجتمع المدني: وذلك بدعمها القانوني ، والسماح بمشاركة الأفراد في إدارة المجتمع ، ومشاركته الفعالة في الحياة العامة ، من خلل حركة حرة تعبر عن مطالب المواطن عبر قنوات مشروعة تكون على شكل منظمات ، وجمعيات ، ومؤسسات ، وروابط مستقلة «غ حكومية» يكون الانتماء إليها على أساس الاختيار لا الإجبار ، وبالتالي لا يمكن اعتبارها امتدادا للوزارات والإدارات الحكومية ؛ التي يمكن التحكم الكامل في تأسيسها وتَويلها ودمجها ، أو حتى حلها وإلغائها ، ولذا فإن أي وصاية مشددة على مؤسسات المجتمع المدني ستجدها بالضرورة على موقع «الشراكة » الذي من المفترض أن ت وجَّه فيه لإدارة المجتمع ، وتجعلها تابعة تبعية مباشرة للجهاز الحكومي ؛ فتفقد أهدافها الحقيقية ، التي أهمها التأسيس الصحيح للمجتمع المدني[434.]) 5 ـ توضيح المغالطات الخاطئة:
عدد الصفحات ٢١٤داخليا ودوليا بشأن الأديَن مثل ما هو منتشر في الفكر الغربي، من أن الدين الإسلمي لا يحترم حقوق الإنسان ، ولا المرأة ، ولا الحرية ، ولا الكرامة الإنسانية ، وبيان بطلن ذلك من خلل الحوار ، والبرهان ، والحجج البينات. 6 ـ الاستفادة من الخبرات العالمية: وما وصلت إليه المجالس الدولية والدولة الحديثة في تأكيدها على قيم المواطنة ، وحقوق الإنسان ، والاعتزاز بالقيم الإنسانية الخالدة كالحرية ، والعدالة ، والمساواة ، والديمقراطية ، وحفظ الكرامة الإنسانية. 7 ـ الثقافة الدستورية : الثقافة الدستورية أهم من الموارد الدستورية ؛ ولذلك يجب نشر الثقافة الدستور ية بجميع وسائل الإعلم المتاحة ، وترسيخها في المدارس ومؤسسات المجتمع المدني ، والجماعات ، والمدارس ، وأوساط القبائل ، والمدن ، والأريَف ،وألوان طيف المجتمع ،وفتح الحوارات ،والمناقشات ، والمناظرات لخدمة مشروع الثقافة الدستورية . والعمل على مراجعة مواد الدساتير بما يكفل تَتع جميع أبناء الوطن بالحقوق و الواجبات نفسها ، وبرفع أي تَييز على أسس العرق ، أو غيرها ، وضمان مساواة حقيقية في الفرص ، فأكثر الناس حاجة لحماية حقوقهم هم غالبا أقل الناس قدرة على فرضها . لذلك يجب مرافقة الحماية القانونية للحقوق بتدابير محددة لسياسة اجتماعية ؛ تهدف إلى ضمان وصول كل فرد ـ وبشكل علمي ـ إلى حقوقه ، وفضل عن تطبيق مبدأ عدم التمييز ، فالدول مدعوة كذلك إلى اتخاذ تدابير إيجابية لإلغاء الفوارق المرتبطة بالتمييز ؛ الذي يطبق على أشخاص ينتمون لمجموعات تشعر بالإهمال ، وفي المجال العام ، فالدولة الحديثة تَنع التمييز وبشكل صارم .
عدد الصفحات ٢١٥8 ـ تفعيل مؤسسات الدولة: لتقوم بدورها في وضع أسس دولة سيادة المواطنة والقانون ، وتكريس مبدأ المساواة بين المواطنين ، كسياسة عامة تترجم واقعيا فيما يتخذ من قرارات إدارية ، ومشروعات قوانين[435.]) 9 ـ التأكيد على المرجعية الوطنية: لحل الخلفات ، فأي مشكلة للتعايش بين طائفتين ، يجب أن تحل على أرض وطنية، وبأجندة وطنية، ويشارك فيها المواطنون، فالاستقواء بالخارج، أو ربط الأحداث الوطنية بالخارج ، ينمي الجفاء والغضب بين الطوائف[436.]) 10 ـ الاهتمام بثقافة الإنتاج: فالاستهلك والإنتاج ليسا سلوكا فقط ، ولكن ثقافة ترتكز الأولى على الاعتماد على الاخرين ، والثانية على الاعتماد على الذات ، والاكتفاء الذاتي ، والمطلوب منهج تدريجي مبني على المسؤولية الجماعية المرتبطة بتأمين الاحتياجات ومتطلبات الحياة ، مُا يمكننا لاحقا من الإسهام لخدمة الوطن بكل أطيافه ، وما يفيض لدول الجوار ، وتقديم المساعدات للمحتاجين ، ويتطلب ذلك وجود مؤسسات على مستوى الدولة لتوزيع العوائد ، وتقليل الفوارق الاجتماعية والاقتصادية ، والاهتمام بالقيم النبيلة ، والمبادأئ الرفيع ة المؤثرة في نفوس الناس ، وتنوير عقولهم ، وترسيخ أخلق العمل ، وتطور وسائل الإبداع في ثقافة الإنتاج[437.]) 11 ـ تطوير المؤسسات التعليمية:
عدد الصفحات ٢١٦بحيث تركز على التعليم النافع الذي يفيد الفرد والمجتمع الذي يربي الأجيال على ثقافة العصر ، ويفتح أمامها افاق المعرفة ، وفي هذا الشأن تعتبر التربية على المواطنة الديمقراطية أساسية ، ليس فقط لسير مجتمع حر ومسامح ومنفتح وإدماجي ، بل كذلك للنسجام الاجتماعي ، والتفاهم المتبادل ، والتضامن ، والتسامح ، وحوار الثقافات ، وتشمل أيضا كل الأعمال التربوية النظامية وغير النظامية بما في ذلك التعليم المهني والأسرة والجماعات المرجعية ؛ التي تَكن الفرد من التصرف كمواطن نشيط ، ومسؤول محترم للخرين . ويعتبر تدريس التاريخ عامل حاسما للمصالحة والاعتراف والتفاهم والثقة المتبادلة بين الشعوب، فيجب أن يشغل التاريخ مكانة أساسية في تكوين مواطن مسؤول ونشيط ، ولتطوير احترام كل أشكال الاختلفات ؛ بمعنى احترام مبني على فهم الهوية الوطنية ، ومبادأئ التسامح والتاريخ من الوسائل المهمة في ترسيخ وإحياء المبادأئ والقيم الجميلة التي تكون بين الناس في أوطانهم ، والحضارة الإسلمية غنية في هذا المجال ، ولا نكاد نجد لها نظيرا . مع أهمية التركيز على البحث الجامعي حول التعليم ، وأخذ التنوع الثقافي بعين الاعتبار في كل الأنشطة التعليمية ، ودور المدرسين في كل المستويَت أساسي في دعم حوار الثقافات ، وتدريب الأجيال على الحوار ، وتعميق مفهوم المواطنة ، واحترام حقوق الإنسان ، و استخدام كافة وسائل تعزيز التعايش بالتعليم والإعلم والتنوير الثقافي المستمر الذي لا يكل ولا يمل[438.]) وغرس المفاهيم والقيم والمبادأئ الرفيعة في نفوس الجيل ، وتربيته على أن الوطن هو مستقبل يحمل امال أفراده ، ويحقق طموحات شبابه ، ويوفر العدل لمواطنيه ، ويستعيد حقوقهم ، ويرفض الظلم والتخلف والجهل والأمراض النفسية والبدنية.
عدد الصفحات ٢١٧* * * ثانيا: فكرة المواطنة العربية الإسلمية لا يزال العلماء والمفكرون وأبناء الأمة العربية والإسلمية يتحدثون عن أهمية الو حدة بين بلدانها ، والمحاولات مستمرة للبحث عن اليات ووسائل تحقق الهدف المرجو نحو الولايَت العربية المتحدة ، أو الولايَت الإسلمية المتحدة ، أو الوصول لفضاءات وتجمعات كبرى على نمط الاتحاد الأوروبي أو غيره ، وعلم الأفكار متطور ، وليس له حدود في منظورنا القريب ، فكانت هناك أفكار أقرب للخيال ، وبعضها بين وبين ، والأخرى أقرب للواقع ، ويبقى الاجتهاد مفتوحا ، وتقديم الرؤى مطلوبا ، ودراسة النظريَت في علم الاجتماع السياسي واجبا على أهل الاختصاص ومعرفة السنن وقوانين الحضارات في قيامها وزوالها ؛ وهذا دليل على رسوخ في المعرفة والثقافة ، ونحن قد دخلنا في مرحلة تاريخية جديدة مع اندلاع الثورة التونسية والثورات العربية التي لم تنته تداعياتها ، بل وقابلة لتطورات ضخمة ، وزلازل فكرية كبرى ؛ سيتمخض عنها بإذن الله تعالى مشروع نهوض لهذه الأمة التي تلتمس الطريق في مفازات الصحارى ، والأمواج اللجية ، وظلمها الدامس ، وتبقى نهضة الأقطار
عدد الصفحات ٢١٨نواة مهمة في لم الشمل ، وتوحيد الشعوب العربية والإسلمية لأهدافها المرسومة ، وشهادتها على الإنسانية في منظومة حضارية جديدة ، قابلة للتطور والإنضاج والتوجيه و الترشيد. ولقد تحدث الدكتور سيدي محمد ولديب في كتابه «الدولة وإشكالية المواطنة قراءة في منظور المواطنة العربية » ، وقدم المواطنة العربية المغاربية نموذجا ، فرأيت تلخيص أهم ما جاء في هذا الكتاب من وجهة نظر مهمة ومتممة للبحث في هذا الكتاب: إن فكرة المواطنة العربية تعبير عن الهوية الاجتماعية والثقافية المشتركة لمختلف المواطنين العرب ، من بلد شنقيط «المغربية » إ شط العرب على حدود الخليج العربي الإسلمي مع بلد فارس ، وتنطبق المواطنة العربية على الإنسان العربي المسيحي أو المسلم ذي الأصول العربية من جهة الأب أو الأم ، أو هما معا ، المولود أو المقيم خارج العالم العربي ، أو في دولة عربية بعينها ، أو في مجموعة من الدول العربية المتحدة ، أو التي في طريقها إلى الاتحاد. هذه المواطنة العربية يمكن أن توصف بأنها مجردة وعامة لكونها تتعلق بمواطنة الإنسان العربي في دولة المجتمع العربي الواحد[439 ])، ولدي ملحظات: أن الدول العربية حاليا تتكون من أعراق وقوميات كالأمازيع ، والطوارق ، والتبو ، والفرس ، والترك ، فهذه الأعراف والقوميات انصهرت في الثقافة الإسلمية ، وبالتالي أي جهود للوحدة بدون الخطاب الإسلمي وهويته لن يصل إلى مبتغاه. ويحيل الأصل التاريخي للمواطنة العربية إلى الهوية الثقافية ، والمصير التاريخي المشترك للمجتمعات العربية ، وإلى المشاريع المعلقة لمسألة الوحدة العربية الشاملة ، و نظرا لفشل نماذج محاولات الوحدة التي تحققت سابقا ، كما هو حال اتحاد الجمهوريَت العربية الذي حصل بين مصر وسورية وليبيا أول سبتمبر سنة (1971م) أو بين سورية ومصر سنة (1961م) ، وبقاء الدعوات السياسية الحالية المنادية بها في حدود الطموحات الفردية لبعض
عدد الصفحات ٢١٩القادة والمفكرين العرب عوائق ذاتية ، تعود إلى اختلف التوجهات السياسية للزعامات العربية ، وأخرى موضوعية ذات طبيعة أيديولوجية وتاريخية متعلقة بدور السياسات الغربية في تعطيل وحجب إمكانات تحقيق هذه الوحدة ، فإن بعث فكرة المواطنة العربية من جديد قد يبدو مسعى موضوعيا ومتاحا إذا ما علمنا مداخل الاستثمار والتوظيف الواعي والمعقلن لبعض التجمعات السياسية العربية المعاصرة التي شهدتها المنطقة العربية منذ الثمانينيات من القرن العشرين : اتحاد المغرب العربي ، ومجلس التعاون الخليجي ، فبإمكان اتحاد المغرب العربي على سبيل المثال أن يشكل أساسا صلبا لمواطنة عربية أصلية هي المواطنة العربية المغاربية ، أو باختصار المواطنة المغاربية . إن المواطنة المغاربية خطوة نحو بناء المشروع الحضاري الإسلمي ، وتوحيد الأمة من المحيط إلى الخليج ، ولا يمكن للعرب أن يكون لهم دور سيادي ، وحضاري ، وثقافي ، وأخلقي ، ومعرفي بدون الإسلم. 1 ـ الجذور التاريخية للفكرة : وقد شملت بدايَت تأسيس اتحاد المغرب العربي في المشاورات السياسية؛ التي أجراها مُثلون عن أحزاب الدول المغاربية الثلثة الاتية: تونس المغرب الجزائر ، وجرت هذه المشاورات على هامش المؤتَر الذي عقدته هذه الدول بمدينة طنجة المغربية في نهاية شهر أبري ل من سنة (1958م) حصلت بعد ذلك في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين عدة محاولات لتوحيد دول المغرب العربي الإسلمي ، إلا أنها ظلت في حدود إبرام اتفاقيات ثنائية ، وأحيانا مشتركة بين الدول المغاربية الخمسة[440.]) وعلى هامش القمة العربية المنظمة بالجزائر في شهر يونيو (1988م) أطلق قادة ليبيا والمملكة المغربية وتونس والجزائر وموريتانيا إعلن (زرالدة ) الذي أو صى باستحداث لجنة مشتركة مكلفة بالبحث وتصور الإمكانيات والوسائل الضرورية لإنجاز وحد ة الدول
عدد الصفحات ٢٢٠المغاربية ، وفي (17 )فبراير من السنة الموالية (1989م) احتضنت مدينة مراكش المغربية اجتماعا لهؤلاء القادة أعلنوا خلله نشأة «اتحاد المغرب العربي» ([441.]) 2 ـ أهداف اتحاد المغرب العربي: تولت المغرب رئسة الاتحاد للمرة الأولى ، وكانت مدتها ستة أشهر ، عقبت ذلك عدة قمم مغاربية ، انعقدت الأولى في تونس (17 )فبراير (1990م) ، والثانية في الجزائر بتاريخ (22 ) يونيو (1991م) ، ثم استضافت نواكشوط القمة الخامسة للتحاد بتاريخ 10 مارس (1993م) ، وفي (10 )يناير من هذه السنة نفسها ترأست تونس الاتحاد لمدة سنة بناء على التعديلت التي أدخلت في بعض البنود ، ويشمل الاتحاد مجموعة من الأجهزة الإدارية والسياسية: مجلس الرئسة ، مجلس وزراء الخارجية ، لجنة المتابعة ، اللجان الوزاري ة المتخصصة ، ويتضمن مؤسسات الأمانة العامة ، مجلس الشورى ، الهيئة القضائية ، الأكاديمية المغاربية للعلوم ، الجامعة المغاربية ، المصرف المغاربي للستثمار والتجارة الخارجية ، كما يمتلك اتحاد المغرب العربي علما وشعارا خاصا به ، ويتطلع اتحاد المغرب العربي إلى تحقيق مجموعة من الأهداف: ـ تقوية أواصر الأخوة الموجودة بين شعوب دول الاتحاد. ـ العمل على تحقيق تقدم وازدهار المجتمعات المغاربية . ـ المحافظة على السلم المرتكز على مبادأئ العدل والإنصاف. ـ اتباع سياسة مشتركة في مختلف المجالات. ـ تَكين مواطني الاتحاد من حرية التنقل ، وتبادل رؤوس الأموال ، والإقامة في أي بلد من بلدان الاتحاد.
عدد الصفحات ٢٢١وتشمل السياسة المشتركة لدول اتحاد المغرب العربي عدة مجالات، فعلى المستو ى الدولي يهدف مشروع الاتحاد إلى اعتماد رؤية توافقية، وإرساء تعاون سياسي ودبلوماسي بين دول الاتحاد في مجال الدفاع، والمحافظة على استقلل دول الاتحاد. وعلى المستوى الاقتصادي تسعى السياسة المشتركة إلى تحقيق التنمية التجارية، والصناعية، والاجتماعية، والزراعية لكل دول الاتحاد[442.]) وعلى المستوى الثقافي: الحرص على صون الهوية القومية العربية لدول الاتحاد ، وإقامة سياسات تعاون في مجال مراحل التعليم المختلفة ، والتأكيد على ضرورة المحافظة على القيم الدينية والأخلقية المستمدة من العقيدة الإسلمية. 3 ـ خاصية قانونية وسياسية: إن مواطنة الاتحاد المغاربي ، أو المواطنة المغاربية هي بمثابة خاصية قانونية وسياسية ، تسمح لمن يمتلكها حيازة بعض الحقوق والحريَت العامة ، وتستمد شرعيتها السياسية من إعلن زرالدة ، واجتماع مدينة مراكش المغربية (17 )فبراير (1989م) الذي أعلن فيه عن نشأة اتحاد المغرب العربي ، يكفي أن تكون للمواطن جنسية إحدى الدول الأعضاء في الاتحاد ؛ لكي يستوفي الشروط القانونية الضرورية لامتلك حق المواطنة المغاربية ، ويهدف إرساء هذه المواطنة إلى المحافظة على الهوية الاجتماعية والثقافية المشتركة بين أفراد المجتمعات العربية المغاربية ، ودعم عملية الاندماج الاتحادي. وتَنح هذه المواطنة للمواطن المغاربي حق التنقل والإقامة في أي دولة عضو في الاتحاد ، من دون أن يكون ذلك مرتبطا بنشاط مهني أو اقتصادي يبرر إقامته أو تنقله ، وكل ما كان الاندماج بين دول الاتحاد أسرع وأقوى كلما اتسعت حقوق مواطنة الاتحاد ، بدءا بحق
عدد الصفحات ٢٢٢الإقامة الدائمة والعمل ، ووصولا إلى إمكانية التصويت ، وإمكانية الترشح للبرلمان المغاربي ، وللنتخابات البلدية لدولة إقامة المواطن المغاربي[443.]) وترتكز فكرة المواطنة المغاربية على مجموعة من القيم والمبادأئ والسلوكيات الاجتماعية الفعلية المستمدة من عناصر ثقافة عربية وإسلمية متجانسة عبر العصور ، وعلى بناء تاريخي تتوارثه الأجيال ، وتصونه للمحافظة على الهوية ، وتحقيق التنمية ، وتعزيز علقات التعاون والتسامح والتفاهم بين أفراد المجتمع العربي المغاربي الواحد. 4 ـ الصلة التاريخية: تفترض هذه المواطنة الأخذ بعين الاعتبار الصلة التاريخية بينها وبين الأمة العربية ـ الإسلمية ـ التي تعكس فيها الحضارية ؛ لأن مبدأ المواطنة لا يأخذ معنى فعليا ، أو ي نظم المجتمعات التاريخية إلا إذا ارتسم ضمن مؤسسات سياسية ومُارسات اجتماعية تَّ تداخل شر عيتها عبر القرون. لقد استفادت مُارسة المواطنة دائما من المؤسسـات الاجتماعية والدينية والسياسية الموجـودة قبلها ، ومن التجانس الاجتمـاعي أو الثقافي الكـلي أو الجـزئي للجماعات. ويدل هذا على أن المواطنة ليست مسألة حقوق وواجبات متبادلة بين الفرد والدولة ، أو أنها صفة تكتسب تلقائيا بالتجنس والمولد ، بل هي زيَدة على ذلك ترجمة لإطار ثقافي واجتماعي أصيل تضرب جذوره في التاريخ ، وتتأسس المواطنة المغاربية على هذا البعد التاريخي ، وفي انسجام وتوافق تام مع خصوصية الثقافة العربية والإسلمية ، وتَارس على ضوئه ؛ لأن مُارسة حقوق المواطنة ليست مجرد محاكاة عمياء للخر ، بل بإمكان كل إنسان أن يمارس المواطنة على طريقته الخاصة كما هي محددة في القوانين ، وم د مجََة في مجموع عادات المجتمع الذي ينتمي إليه[444.])
عدد الصفحات ٢٢٣5 ـ الوحدة الثقافية والانسجام الاجتماعي: وتَثل الوحدة الثقافية، والانسجام الاجتماعي ، والإمكانيات الاقتصادية ، والتقارب الجغرافي ضمانات أكيدة لتسريع البناء الفعلي للتحاد المغاربي ، ومواطنته الاتحادية ، إضافة إلى أن دساتير دول هذا الاتحاد نصت كلها على الحقوق والواجبات ، أو من خلل إقرار المواد وسنن القوانين المحددة لهذه الحقوق والواجبات أو من خلل الاعتراف بحق الجنسية ؛ الذي يعد من وجهة النظر القانونية ، اعترافا ضمنيا بحق المواطنة. فقد نص الدستور الموريتاني على وجه الخصوص على الضمان الأكيد للحقوق و المبادأئ التالية: * الحريَت والحقوق الأساسية للإنسان. * حق الملكية ،و الحريَت السياسية والحريَت الثقافية. * الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. * الحقوق المتعلقة بالأسرة كخلية أساسية للمجتمع. * المادة الأولى: تضمن الجمهورية لكافة المواطنين المساواة أمام القانون دون تَييز في الأصل ، والعرق ، والجنس ، والمكانة الاجتماعية. * المادة عشرة : تضمن الدولة لكافة المواطنين الحريَت العمومية والفردية على وجه الخصوص. _خ حرية التنقل والإقامة في جميع أجزاء تراب الجمهورية . _خ حرية دخول التراب الوطني ، وحرية الخروج منه.
عدد الصفحات ٢٢٤_خ حرية الرأي وحرية التفكير. _خ حرية التعبير. _خ حرية الاجتماع . _خ حرية إنشاء الجمعيات ، وحرية الانخراط في أية منظمة سياسية وثقافية يختارونها. _خ حرية التجارة والصناعة. _خ حرية الإبداع الفكري والفني والعلمي. * المادة الثانية عشر: يحق لكافة المواطنين تقلد المهام والوظائف العمومية دون شروط أخرى سوى تلك التي يحددها القانون[445 ])، أي: أنها صلة قانونية تربط بين المواطن والدولة ، فتكون حيازتها تشريعا لسلطة الدولة على مواطنيها ، و من ثم مساواتهم في الحقوق والواجبات داخل وتجاه الدولة ، وأقر الدستور الجزائري بجميع الحقو ق السياسية والاجتماعية والاقتصادية للمواطنين الجزائرين ، وإن لم يشر صراحة إلى فكرة المواطنة شأنه في ذلك شأن معظم دساتير المغرب العربي ، فجاء إقراره بمساواة المواطنين في جميع الحقوق والواجبات داخل الجمهورية مرادفا للعتراف بحق المواطنة[446.]) فقد نص الدستور الجزائري في المادة (29 )على أن المواطنين الجزائريين سواسية أمام القانو ن ، ولا يمكن أن يتذرع بأي تَييز يعود سببه إلى المولد ، أو العرف ، أو الجنس ، أو الرأي ؛ أي شرط أو ظرف اخر شخصي ، أو جماعي. وأشار الدستور التونسي إلى أن جميع المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات «الفصل السادس» ، ولم يشذ دستور المملكة المغربية عن القاعدة ، حيث نص في الفصل الخامس
عدد الصفحات ٢٢٥على أن جميع المغاربة سواء أمام القانون. وإلى أن الرجل والمرأة متساويَن في التمتع بالحقوق السياسية الفصل الثامن[447.]) وعندما نضيف إلى هذه الضمانات انتماء المجتمعات المغاربية إلى الأمة العربية ، والأمة الإسلمية الواحدة ، والمصير التاريخي المشترك ، وانسجامها الثقافي والاجتماعي ، والقدرة على الاكتفاء الذاتي بمواردها البشرية والطبيعية ؛ تتعزز فرص اندماج دول الاتحاد فيما بينهما ، وتبدو فكرة المو اطنة المغاربية أقرب إلى الواقع[448.]) 6 ـ الإرادات السياسية الفاعلة: يبقى على الإرادات السياسية الفاعلة ، حكام ، أحزاب سياسية ، منظمات المجتمع المدني والأهلي ، في المنطقة المغربية للسير قدما باتجاه تحقيق وحدة فعلية لشعوب هذا الاتحاد ، وهذه الوحدة ستكون في الوقت نفسه تجسيدا لمواطنة عربية مغاربية متميزة اجتماعيا وحضاريَ وسياسيا بحكم انتمائها ، وتجذرها في قيم ومعالم الحضارة العربية الإسلمية في هذه المنطقة الحيوية من العالم العربي ؛ الذي مزقته معاهدة (سايكس بيكو) ، وأجهضت الأيدو لوجيات الاستعمارية ، وعلماء الفكر الاستعماري كل المحاولات الهادفة إلى توحيده جزئي ا أو كليا ، فعندما تتوحد الجهود السياسية للجماعات السياسية ؛ فتشكل أساسا لمواطنة الأمة التي تنتمي إليها كل هذه الجماعات. إن التربية ليست مجرد دراسة نظرية ، أو تجربة ذاتية عابرة ، بل هي علوة على ذلك مُارسة اجتماعية ، والتزام أخلقي مرتكز على أولوية المصلحة العامة للأمة على المصالح الفردية ، أو الجماعية الضيقة ، كما يتطلب تحقيق مواطنة كهذه من المواطنين أيضا المشاركة النشطة في نظام الحقوق والمسؤوليات ضمن مجتمع ديمقراطي ، يستند على قيم مشتركة هي قيم العدل
عدد الصفحات ٢٢٦والحرية والمساواة قيم الفكر المتحرر من كل أشكال الاستبداد السياسي ، والتعصب الديني ، أو القومي. إن مواطنة الاتحاد المغاربي الخليجي: تستمد فاعليتها التاريخية ومضمونها الحضاري من مرجعيتها القاطعة للعروبة ، إلا أن هذه العروبة من قبيل تحيين الوجود الذاتي للإنسان العربي الذي وقع نسيانه ، وليست مرادفة للتعصب القومي الذي نبذه الإسلم في قوله تعالى: {وَجَعَل نَاك م ش ع وبا وَقـَبَائ لَ ل تـَعَارَف وا إ نَّ أَك رَمَك م ع ن دَ اللَّّ أَتـ قَ اك م إ نَّ اللََّّ عَل يم خَب ير }* [جرات: 13. ] 7 ـ مفهوم المواطنة غير ثابت: إن المواطنة مثل الديمقراطية ، والمجتمع هي نتاج لتناقضات وتنظيمات صراعات و توافقات هي نتاج لقيم مشتركة ، ومواجهات فكرية اندماجية أحيانا ، ومتعارضة أحيانا أخرى ، ومن هذه النتاجات مجتمعة يمكن لأي جماعة سياسية ودينية واجتماعية ، ذلك أن مفهوم المواطنة غير ثابت ودينامي اختلف دوما من مجتمع لاخر ، ومن عصر لاخر تَاما مثلما اختلفت مواطنة أسبرطة عن مواطنة أثينا ، والمواطنة الحديثة عن كل أنماط المواطنة القديمة ، وعلى هذا الاساس فإن المواطنة المغاربية مختلفة أيضا من حيث القيم والغايَت التي تتأسى عليها ، أو تهدف إلى تحقيقها عن غيرها من المواطنات الأخرى ، فهي مغلقة ومنفتحة ، فهي مغلقة من حيث كونها تشمل المسلم أو المسيحي المالك بصفة أصلية ، أو مكتسبة لجنسية إحدى دول اتحاد المغرب . ومن جهة أخرى هي مواطنة منفتحة ؛ لأنها لا تلغي كل عناصر الاختلف ، بل تقبل مبدأ التعددية الدينية والثقافية ، وتعتمد منهاجا سياسيا واجتماعيا أكثر تسامحا إزاء الذاتيات ، وتنوع مختلف الجماعات التي يتشكل منها المجتمع المغاربي[449.])
عدد الصفحات ٢٢٧