فالواجب على المواطنين نصرة الدولة متمثلة في رئيسها ، وحكومتها ، ومعاضدتها ، ومناصرتها على الخير ، قال تعالى: َ وَتـَعَاوَن وا عَلَى ال بر وَالتـَّق وَى}[ 2. ] وقال (ص« :)من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد منكم ، يريد أن يشق عصاكم ، أو يفرق جماعتكم ؛ فاقتلوه» ([401.]) و واجب النصرة عند حدوث عدوان خارجي أو داخلي على النظام الشرعي أو المواطنين والوطن ، ولصد العدوان الخارجي وجب على المسلمين الجهاد وجوبا كفائيا ما لم يدخل العدو أراضي المسلمين ، ويسيطر عليها ، ويصبح وجوبا عينيا عند دخولهم أر اضينا. والمواطنون غير المسلمين يجوز لهم المشاركة الدفاعية في الحالة الأولى ، ويبدو في الحالة الثانية أنه ي فرض عليهم ذلك ؛ وفاء بعهدهم للحياة المشتركة مع المسلمين على وطن و احد ؛ لأن الخطر يهدد كيان الدولة والشعب. وأما العدوان الداخلي فيتمثل في البغاة المنشقين على السلطة الشرعية ، والمحاربين [402 ]) بغ وجه حق ، كقطاع الطرق المحاربين ؛ الذين يعترضون الناس بالسلح في الطرقات ونحوها للستيلء على المال مجاهرة ، وهتك أعراض الناس ، يعاقبون بحد الحرابة ، قال تعالى{ :إ نمََّا جَزَاء الَّذ ينَ يح َار ب ونَ اللََّّ وَرَس ولَه وَيَس عَو نَ في الأَر ض فَسَاد ا أَ ن يـ قَتـَّل وا أَو ي صَلَّب وا أَو تـ قَطَّعَ أَي د يه م وَأَر ج ل ه م م ن خ لَف أَو يـ نـ فَو ا م نَ الأَر ض ذَل كَ لهَ م خ ز ي في الدُّنـ يَا وَلهَ م في الآخ رَة عَذَاب عَظ يم }*[33. ] وهذا عند قدرة السلطان عليهم ، أما عند امتناعهم عليه ؛ فإنه يجب على المسلمين قتالهم باتفاق العلماء حتى يقدر عليهم[403.])
عدد الصفحات ١٩٦وإذا كانت النصرة تتمثل غالبا في التزامات أدبية ، فالمساعدة المقصودة هنا تتمثل في التزامات مادية ، ولما كانت مُارسة الدولة لمهامها مستهدفة صالح المواطنين ؛ فكان حقها إشراك القادرين منهم في تغطية التكاليف اللزمة لذلك ، وهذه المساهمة المالية التي تتخذ صورة التكافل ستعود بدورها على جميع المواطنين في شكل الخدمات العامة ، وجزء منها عائد على المعوزين من المواطنين في شكل دعم ، أو معونة مادية ، ومن موارد الدولة أو الأموال ما هو مفروض على المواطنين بشكل دوري [404 ])، وهو الزكاة والجزية والخراج والضريبة التجارية ، ومنها ما يلزم المواطنين المسلمين فقط ، ومنها ما يلزم المو اطنين غير المسلمين فحسب ، ومنها ما يشترك فيه جميع المواطنين ، على أنه لا يلزم أي من ذلك إلا من بلغ قدر اليسار من المسلمين وغير المسلمين سواء ، كما يراعى في الالتزام المالي كل من احتياجات مصارف الدولة ، وحالة أرباب الأموال بما لا يعوق الأول ، ولا يجحف بالثاني ، وتوضع في الاعتبار أيضا الالتزامات الأخرى [405.]) 6 ـ التعاون والتكافل والاحترام المتبادل بين المواطنين: إن أساس العلقة بين المواطنين مبنية على التعاون والتكافل والتسامح بين أفراد المجتمع ؛ مُا يولد الثقة بينهم ، ويسعون جميعا إلى تقديم الخير للوطن ، والسعي لإيجاد الاحترام المتبادل بين المواطنين دون أن يعتدي أحدهم على الاخر بالتحقير والاستهزاء ؛ لذا جاء الإسلم باحترام خصوصيات المواطنين دون النظر إلى الدين أو الجنس أو غير ذلك من أسباب التمييز ، إذ لا يجوز لغير المسلم الاستخفاف بالمسلمين ، أو بقوله على الدين أو المقدسات ، إذ المساس بشيء من قواعد الإسلم ومقدساته من قران وسنة وعقيدة وعبادة وأخلق ومسلمات تاريخية ، وليس لهم شيء من السب والشتم والتهكم ، أو السخرية ، أو إثارة الفتنة الدينية ، أو الطعن بقيم الإسلم وتاريخه وحضارته ، أو الاعتداء على الأعراض والكرامات [406.])
عدد الصفحات ١٩٧ويجب على المسلمين احترام حقوق وخصوصيات غير المسلمين من مواطني الدولة في عقيدتهم وطقوسهم الدينية ، إذ نصت جميع معاهدات المسلمين مع غير المسلمين على إقرارهم في مُارسة شؤون حياتهم دون اعتراض ولا مضايقة ، والاعتراف بحريتهم مثل كتاب النبي (ص) لنصارى نجران ؛ الذين أنزلهم في المسجد النبوي حين جاؤوا ضيوفا عليه[407.]) إن من اعتدى على غير المسلمين ولو بكلمة سوء ، أو غيبة في عرض أحدهم ، أو نوع من الأذية ، أو أعان على ذلك ؛ فقد ضيع ذمة الله ، وذمة رسوله ، وذمة الإسلم[408.]) وجاء التشريع الإسلمي بعدم جواز إيذاء غير المسلم بقوله ألفاظا وصفات ، أو عبارات تَس مشاعره وكرامته الإنسانية ، ولذا فقيام كل مواطن باحترام خصوصية الاخر مسلمين أو غير مسلمين ؛ يؤدي إلى تحقيق الولاء السياسي والمكاني والشعبي ؛ وبذلك يكونون مواطنين متعاونين متكافلين ضمن وطن واحد يغلب عليه البر والعدل والتمسك بالقيم الرفيعة ، فالمواطنة تعني التعايش بين المسلمين فيما بينهم وبين غيرهم من المواطنين في الكيان الاجتماعي والسياسي الواحد ؛ الذي يحترم خصوصيات الاخر ، ويضمن التعاون والتكافل بين الأفراد والدولة. 7 ـ النصيحة والتقويم: إن على المواطنين مسؤولية إزالة السلبيات عن طريق النقد البناء الهادف غير الجارح الذي يبني ولا يهدم ، وأن يكون مخلصا ناضجا ، ويهدف إلى تحقيق المصلحة الوطنية ، ولاب د من محاربة الأقوال الباطلة والزائفة والخبيثة ، وتقديم النصيحة للدولة الحديثة المسلمة والقائمين عليها أصل من الأصول التي ترتقي بالمجتمعات ، وتقوي الدول. وأهل النصيحة الذين يقومون بها لابد أن
عدد الصفحات ١٩٨يكونوا على مستوى من العلم والمعرفة والإدراك ، والمقارنة بين المضار والمصالح ، والنظر في العواقب[409.]) وعن تَيم الداري رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص« :)الدين النصيحة ـ ثلثا ـ» قال الصحابة: لمن يَ رسول الله؟ قال« :لله ـ عز وجل ـ ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين ، وعامتهم»([410.]) وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يتناصحون ـ مواطنين وحكاما ـ فهذا عمر رضي الله عنه ـ د رة الولاة ، وفخر الأئمة في هذه الأمة ـ يقول للرعية : رحم الله من أهدى إليَّ عيوبي[411.]) لقد استقر في مفهوم الصحابة أن بقاء الأمة على الاستقامة رهن باستقامة ولاته ا، فهذا أبو بكر رضي الله عنه، اختير للخلفة، فقام في المواطنين خطيبا ، فقال بعد أن حْد الله ، وأثنى عليه بالذي هو أهله: أما بعد ، أيها الناس: فإني قد وليت عليكم ولست بخيرك م ، فإن أحسنت فأعينوني ، وإن أسأت فقو موني ، الصدق أمانة ، والكذب خيانة ، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أرجع عليه حقه إن شاء الله ، والقوي فيكم ضعيف حتى اخذ الحق منه إن شاء الله ، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا خذلهم الله بذل ، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلء ، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله ، فإذا عصيت الله ورسول ه ، فل طاعة لي عليكم ، قوموا إلى صلتكم يرحْكم الله[412.]) وكان عمر رضي الله عنه لا يكتفي بإنصاف الناس من نفسه حتى ينصفهم من عماله وولاته ، ويسأل المواطنين عمَّن أساء منهم ، وكان يقول: إني لم أبعث عمالي ليضربوا أبشاركم ، وليشتموا أعراضكم ، ويأخذوا أموالكم ، ولكني استعملتهم ليعلموكم كتاب ربكم وسنة نبيكم ، فمن ظلمه عامله بمظلمة فل إذن علي ؛ ليرفعها إلي حتى أقص ه منه[413.])
عدد الصفحات ١٩٩إن العلقة بين المواطن والحاكم في الدولة الحديثة المسلمة هي علقة التعاون والتعاضد مع النزاهة والتجرد ... هي علقة الحقوق والواجبات المبنية على طاعة الله ورضاه. 8 ـ التصدي للشائعات: إن من واجب المواطنين التثبت في الأخبار والمعلومات ، ومحاربة الشائعات التي تستهدف زعزعة الوطن والمواطن بنشر الأراجيف والأكاذيب ؛ للتشكيك في الوطن والزعامات الوطنية ، وقادة الشعب ، ومن واجبات المواطن التصدي لها ، وعدم نقلها دون تثبت منها ، ومعرفة من خَل فها ، والمراد منها ، وفي حادثة الإفك اداب وأحكام ، فقد كانت تلك الحادثة حلقة من سلسلة فنون الإيذاء والمحن التي لقيها رسول الله (ص) ، وكان من لطف الله أن كشف زيفها وبطلنهـا ، وسجـل التاريخ بروايَت صحيحة مواقف المواطنين المؤمنين من هذه الفرية ؛ لاسيما موقف أبي أيوب الأنصاري وأم أيوب ، وهي مواقف يتأسى بها المواطنون المؤمنون وأصحاب الفطر السليمة من بني الإنسان عندما تعرض لهم في حياتهم مثل هذه الفرية ، فقد انقطع الوحي ، وبقيت الدروس لتكون عبرة وعظة للأجيال إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها[414.]) وقد أخذ العلماء من الايَت التي نزلت في حادثة الإفك أحكاما وادابا ، من أهمها ما يأتي: _خ تبرئة السيدة عائشة من الإفك بقران يتلى إلى اخر الزمان ، قال تعالى{ :إنَّ الَّذ ينَ جَاء وا با لإ ف ك ع ص بَة م ن ك م لاَ تحَ سَب وه شَرًّا لَك م بَل ه وَ خَيـ ر لَك م ل ك ل ام ر ىء م نـ ه م مَا اك تَسَبَ م نَ الإ ثم وَالَّذ ي تـَوَلىَّ ك بـ رَه م نـ ه م لَه عَذَاب عَظ يم }*[لنور11. ]
عدد الصفحات ٢٠٠_خ إن حكمة الله تعالى اقتضت أن يبزغ الخير من ثنايَ الشر ، فقد كان ابتلء أسرة أبي بكر الصديق رضي الله عنه بحديث الإفك خيرا لهم ، حيث كتب لهم الأجر العظيم على صبرهم ، وقوة إيمانهم ، قال تعالى: َ لاَ تحَ سَب وه شَرًّا لَك م بَل ه وَ خَيـ ر }[11. ] _خ الحرص على سمعة المؤمنين ، وعلى حسن الظن فيما بينهم ، قال تعالى{ :لَو لاَ إ ذ سمَ ع ت م وه ظَنَّ ال م ؤ م ن ونَ وَال م ؤ م نَات بأ َنـ ف س ه م خَيـ ر ا وَقَال وا هَذَا إ ف ك م ب ين }*[12. ] _خ تكذيب القائلين بالإفك ، قال تعالى: َ لَو لاَ جَاء وا عَلَي ه بأ َر بـَعَة ش هَدَاءَ فَإ ذ لمَ يأَ ت وا با لشُّهَدَاء فَأ ولَئ كَ ع ن دَ اللَّّ ه م ال كَاذ ب ونَ }*[13. ] _خ بيان فضل الله على المؤمنين ، ورأفته بهم {وَلَو لاَ فَض ل اللَّّ عَلَي ك م وَرَحْ َت ه في الدُّنـ يَا وَالآخ رَة }[14. ] _خ وجوب التثبت من الأقوال قبل نشرها ، والتأكد من صحتها ، قال تعالى: َ وَ لَو لاَ إ ذ سمَ ع ت م وه قـ ل ت م مَا يَك ون لَنَا أَن نـَتَكَلَّمَ به َذَا س ب حَانَكَ هَذَا بـ ه تَ ان عَظ يم }*[16. ] _خ النهي عن اقتراف مثل هذا الذنب العظيم ، أو العودة إليه ، قال تعالى: ََ {يَع ظ ك م اللَّّ أَن تـَع ود وا ل م ث ل ه أَبَد ا إ ن ك نـ ت م م ؤ م ن ينَ *وَيـ بـَين اللَّّ لَك م الآيََت وَاللَّّ عَل يم حَك يم }*[17 ـ 18. ] _خ النهي عن إشاعة الفاحشة بين المؤمنين ، قال تعالى{ :إ ن الَّذ ينَ يح بُّونَ أَن تَش يعَ ال فَاح شَة في الَّذ ينَ آمَن وا لهَ م عَذَاب أَل يم في الدُّنـ يَا وَالآخ رَة وَاللَّّ يـَع لَم وَأَنـ ت م لاَ تـَع لَم ونَ [}*النور: 19. ] _خ بيان فضل الله سبحانه على عباده المؤمنين ، ورأفته بهم ، وكرر ذلك تأكيدا له ، قال تعالى: َ وَلَو لاَ فَض ل اللَّّ عَلَي ك م وَرَحْ َت ه وَأَنَّ اللََّّ رَؤ وف رَح يم }*[20. ]
عدد الصفحات ٢٠١_خ النهي عن تتبع خطوات الشيطان التي تؤدي للهلك ، قال تعالى: َ يََأَيـُّ هَا الَّذ ينَ آمَن وا لاَ تـَتَّب ع وا خ ط وَات الشَّي طَان وَمَن يـَتَّب ع خ ط وَات الشَّي طَان فَإ نَّ ه يأَ م ر با ل فَح شَاء وَال م ن كَر وَلَو لاَ فَض ل اللَّّ عَلَي ك م وَرَحْ َت ه مَا زَكَى م ن ك م م ن أَحَد أَبَد ا وَلَك نَّ اللََّّ يـ زَك ي مَن يَشَاء وَاللَّّ سمَ يع عَ ل يم }*[21([ ]415.]) وغ ذلك من الاداب والأحكام التي نزلت في سورة النور ، وتحث الناس على محارب ة الشائعات والأكاذيب والتثبت من الأقوال ، والمواطن الصالح لا يتورط في ترويج الشائعات ؛ التي تكون سببا في تضليل الرأي العام ، وزعزعة الدولة واستقرارها . 9 ـ المساهمة في التنمية الاقتصادية: من واجبات المواطن أن يسهم في تنمية الاقتصاد الوطني ، وتحقيق أهداف خطط التنمية والمساهمة في تقوية الاقتصاد ، وهي: تبدأ من الفرد إلى الأسرة إلى المجتمع في شكل متكامل ملئم للفطرة الإنسانية ، والدولة الحديثة المسلمة تحدد العلقة بين فئات المجتمع ماليا ، وترعى حقوق القطاع الخاص غير المستغل والبعيد عن الحرام ، وتطالب بواجبات القطاع الخاص ، فالقطاع الخاص له أهمية كبرى في التنمية الاقتصادية ، مع مراعاة عدم الاستغلل لأفراد المجتمع ، والمساهمة في التنمية الاقتصادية الإنتاجية ، والقادرة على توفير فرص عمل للمواطنين. إن فرص التنمية الاقتصادية يجب أن تكون شاملة للجانب الروحي والاقتصادي و الاجتماعي والثقافي ، أي: مشاركة جماعية تراعي كرامة الإنسان وإحساسه بإشاعة الحرية والعدل بين الناس ، وهي الضروريَت التي أجملت كمقاصد للشريعة الإسلمية من حفظ الدين ، وحفظ العقل ، وحفظ المال ، وحفظ النسل ، وحفظ العرض ، فقيام الدولة بإشباع هذه الحاجيات الضرورية سوف يتفرغ الناس بالمهمة التي خ ل ق وا من أجلها ، والقيام بتبعية الاستخلف ، فيتحملوا مسؤولية إعمار الأرض ، بذلك تحدث التنمية الاقتصادية على أرض الواقع.
عدد الصفحات ٢٠٢وتحدث التنمية الاقتصادية بتحديد نظام الأولويَت الإسلمي في الاستطاعة البشرية ، والإمكانات المادية المتاحة على أساس التكامل ، والتوازن ، والتدرج بين كافة القطاعات ، وإنتاجيا للقطاعات السلعية والقطاعات الخدمية ، وسلعيا الزراعة والصناعة «الثقيلة والخفيفة والاستهلكية» ، وإقليميا المناطق الريفية والحضرية ، ودوليا منتجات إحلل الواردات ، ومنتجات لتنمية الصادرات . وتكون المساهمة من المواطن في التنمية الاقتصادية للبرامج الإنمائية المترابطة من حيث الأهداف والوسائل ، وواقعية الإمكانات ، والقدرة على التنفيذ[416.]) 10 ـ المحافظة على المال العام: خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان وكرمه ، وهيأ له الأسباب ؛ التي تساعده على حْل الأمانة التي كلف بها ، وكل إنسان يعيش في بيئة اجتماعية ، وتحيط به بيئة طبيعية مسخرة له ، قال تعالى: َ أَلمَ تـَرَو ا أَنَّ اللََّّ سَخَّرَ لَك م مَا في السَّمَاوَات وَمَا في الأَر ض وَأَس بَغَ عَلَي ك م ن عَمَه ظَاه رَة وَباَط نَة وَم نَ النَّاس مَن يج َاد ل في اللَّّ ب غَير ع ل م وَلاَ ه دى وَلاَ ك تَاب م ن ير }*[ 20. ] فهذه الاية الكريمة تبين أن كل ما في السموات من شمس وقمر ونجوم ، وكل ما في الأرض من معادن وبحار وأنهار وثمار هي لمنفعة الإنسان. والإنسان لديه ميل فطري لامتلك بعض ما يوجد في بيئته ، فكل فرد من أفراد أي مجتمع من المجتمعات يميل لامتلك بيت خاص به ، ويجب أن يكون لديه مال ينفق منه على نفسه ، لكنه في الوقت ذاته يشارك غيره استخدام أشياء أخرى لا تخضع للملكية الفردية ، مثل
عدد الصفحات ٢٠٣الأنهار وشواطأئ البحار والطرقات العامة ، وقد يحسن المرء استخدام ماله الخاص وما يشترك فيه من مال مع الاخرين ، كما أنه قد يستخدمه بصورة سيئة. والمحافظة على المال العام قيمة مهمة وواجب من واجبات المواطن ؛ لأن الإخلل بالمال العام إخلل بالحياة لأنها ستدمرها . والإسلم يدعو لعدم تعطيل الانتفاع بالمرافق العامة بالإتلف ، وهناك من يقو م بالاعتداء على الممتلكات العامة التي يشترك المجتمع في الانتفاع بها ، وظاهرة الاعتداء على الممتلكات العامة ، أو سوء استخدامها في المجتمعات بدرجات متفاوتة ، ولا يكاد يخلو منها مجتمع واحد ، والاعتداء ، أو سوء الاستخدام قد يقع من أفراد ينتمون لفئات عمرية ، أي: قد يقترفه الصغار والكبار ، ويترتب على هذا الاعتداء خسارة كبيرة لأفراد المجتمع جميعا ، وقد يكون الاعتداء بالغش في تنفيذ العقود المتعلقة بإخلل الشروط المتفق عليها أثناء تنفيذ هذه المنشات ؛ مُا يجعلها سريعة الإتلف ، وقد يكون الاعتداء عليها بارتكاب سرقة المال العام أثناء تنفيذ المشاريع [417.]) فالمواطن الشريف الحر الصالح يحافظ على المال العام ، ولاشك أن المال العام موضع طمع الكثير ، وأنه معرض للعتداءات أكثر من المال الخاص ؛ ذلك لأن المال فتنة والإنسان مجبول على حب المال ، والاستكثار منه ، والنفوس الأمارة بالسوء تجعل أصحابها يأتون بالمال ، ولو عن طريق السرقة ، ومن ثم فإن هذا المال يحتاج إلى حْاية ورقابة ، و لا ينبغي أن يترك دون رقابة محكمة ومتابعة مستمرة ، وقد بين ذلك عمر بن الخطاب حيث قال: لا يصلح هذا الأمر ـ يعني: المال ـ إلا بشدة في غير تجبر ولين في غير وهن[418.]) فالدولة الحديثة المسلمة تهتم بحماية المال العام والرقابة عليه للمحافظة عليه من طمع الطامعين ، وعبث العابثين ، وتعمل على:
عدد الصفحات ٢٠٤أ ـ ترسيخ الرقابة الداخلية أو الذاتية في نفوس المواطنين من خلل مناهج التعليم ووسائل التربية ، والخطاب الإعلمي ، وتعمل على زرع القيم الإيمانية والأخلقية الحسنة في نفوس المواطنين تستمد أصولها من القران الكريم ، وايَته العظيمة. * قال تعالى: َ أَلمَ تـَرَ أَنَّ اللََّّ يـَع لَم مَا في السَّمَاوَات وَمَا في الأَر ض مَا يَك ون م ن نجَ وَى ثَلَثَة إ لاَّ ه وَ رَاب ع ه م وَلاَ خمَ سَة إ لاَّ ه وَ سَاد س ه م وَلاَ أَد نىَ م ن ذَل كَ وَلاَ أَك ثـَرَ إ لاَّ ه وَ مَعَه م أَي نَ مَا كَان وا ثم َّ يـ نـَب ئـ ه م بم َا عَم ل وا يـَو مَ ال ق يَامَة إ نَّ اللََّّ ب ك ل شَي ء عَ ل يم }*[7. ] *وقال تعالى{ :إ ن اللََّّ لاَ يخَ فَى عَلَي ه شَي ء في الأَر ض وَلاَ في السَّمَاء }*[عمران : 5 ] . *وقال تعالى: َ وَإ ن تجَ هَر با ل قَو ل فَإ نَّه يـَع لَم الس رَّ وَأَخ فَى }*[طه 7. ] *وقال تعالى:َ وَاع لَم وا أَنَّ اللََّّ يـَع لَم مَا في أَنـ ف س ك م فَاح ذَر وه }[البقرة 235. ] *وقال تعالى: َ يـَع لَم خَائ نَةَ الأَع ين وَمَا تخ ف ي الصُّد ور }*[19. ] *وقال تعالى: َ وَلاَ تـَع مَل ونَ م ن عَمَل إ لاَّ ك نَّا عَلَي ك م ش ه ود ا إ ذ ت ف يض ونَ ف يه وَمَا يـَع ز ب عَن رَب كَ م ن م ثـ قَال ذَرَّة في الأَر ض وَلاَ في السَّمَاء وَلاَ أَص غَرَ م ن ذَل كَ وَ لاَ أَك بـَرَ إ لاَّ في ك تَاب م ب ين }*[61. ] *وقوله تعالى{ :إ ن اللََّّ كَانَ عَلَي ك م رَق يب ا }*[1. ] *وقوله تعالى: َ وَكَانَ اللَّّ عَلَى ك ل شَي ء رَق يب ا }*[52. ] *وقوله تعالى{ :ك ل نـَف س بم َا كَسَبَت رَه ينَة }*[38. ]
عدد الصفحات ٢٠٥*وقوله تعالى: َ يـَو مَ تجَ د ك لُّ نـَف س مَا عَم لَت م ن خَير مح ضَر ا وَمَا عَ م لَت م ن س وء تـَوَدُّ لَو أَنَّ بـَيـ نـَهَا وَبـَيـ نَه أَمَد ا بَع يد ا وَيح َذ ر ك م اللَّّ نـَف سَه وَاللَّّ رَؤ وف با ل ع بَاد }*[عمران : 30. ] *وقوله تعالى: َ بَل الإ ن سَان عَلَى نـَف س ه بَص يرَة }*[ 14. ] فهذا النوع من الرقابة يقوم على مراقبة الإنسان ربه حيثما كان ، ويعلم ما في نفسه ، وأن الله سبحانه وتعالى قد وكل به ملكين يكتبان كل أعماله ، وأن الله سبحانه سيحاسبه يوم القيامة عن ذلك المال من أين اكتسبه وفيما أنفقه لقوله (ص« :)لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى ي سأل عن أربع : عن عمره فيما أفناه ، وعن جسده فيما أبله ، وعن ماله من أين اكتسبه ، وفيما أنفقه ، وعن علمه ماذا عمل فيه» ([419.]) ويضع نصب عينيه النصوص الشرعية التي تحرم الاعتداء على المال العام. _خ مثل قول الله تعالى: َ وَمَن يـَغ ل ل يأَ ت بم َا غَلَّ يـَو مَ ال ق يَامَة }[ عمران : 161. ] _خ وقوله (ص« :)من استعملناه منكم على عمل ؛ فكتمنا مخ يَطا فما فوقه ، كان غلولا يأتي به يوم القيامة»([420.]) _خ وقوله (ص« :)أدوا الخيط والمخيط ، وإيَكم والغلول ، فإنه عار على أهله يوم القيامة» ([421.]) _خ وقوله (ص« :)إن رجالا يتخوضون في مال الله بغير حق ، فلهم النار يوم القيامة»([422.]) قال ابن حجر: أي: الذين يتصرفون في مال المسلمين بالباطل ، وهو أعم من أن يكون بالقسمة وبغيرها[423.])
عدد الصفحات ٢٠٦فإذا ما استقرت هذه النصوص في ذهن كل إنسان ؛ فسوف يحافظ على المال العام خوفا من الله تعالى ، وليس خوفا من الولاة والحكام ، ولن يعتدي على المال أبدا مادام على هذه العقيدة[424 ])الإيمانية ؛ ولذلك قال النبي (ص): «و يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن»([425.]) ـ ومن متطلبات الرقابة الذاتية ما يلي: ـ إتقان العمل وإجادته: فالإسلم يطلب من المسلم أن يتقن عمله ، فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي (ص) قال: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عمل أن يتقنه»([426.]) ومن ثم فعلى المسلم أن يعرف مستلزمات ومتطلبات عمله ؛ حتى يتمكن من الوفاء بها ، فيتحقق له إتقان العمل وتأديته على أكمل وأحسن وجه . ـ أداء العمل بأمانة وإخلص: فالإسلم يطلب من المسلم أن يؤدي عمله بأمانة وإخلص ، قال تعالى{ :إ ن اللََّّ يأَ م ر ك م أَن تـ ؤَدُّوا الأَمَاناَت إ لىَ أَه ل هَا وَإ ذَا حَكَم ت م بـَين َ النَّاس أَن تحَ ك م وا با ل عَد ل }[58. ] وقال تعالى: َ {يََأَيـُّهَا الَّذ ينَ آمَن وا لاَ تخَ ون وا اللََّّ وَالرَّس ولَ وَتخَ ون و ا أَمَاناَت ك م وَأَنـ ت م تـَع لَم ونَ }* [27. ] ويقول النبي (ص« :)أد الأمانة إلى من ائتمنك ، ولا تخن من خانك»([427.]) وقال النبي (ص« :)الخازن الأمين الذي يؤدي ما أمر به طيبة نفسه أحد المتصدقين» ([428.]) فهذه النصوص ت رغ ب العامل على المال العام في أن يكون أمينا عليه ،
عدد الصفحات ٢٠٧وعلى كل ما يتعلق بحركته من قبض وصرف ، وترهبه من الخيانة ، وعدم الإخلص[429.]) ـ الشعور بالمسؤولية تجاه العمل: فالإسلم يبين للمسلم أنه مسؤول عن كل ما يعمل ، فيقول الله تعالى{ :وَق ل اع مَل وا فَسَيـَرَى اللَّّ عَمَلَك م وَرَس ول ه وَال م ؤ م ن ونَ وَسَتـ رَدُّونَ إ لىَ عَالم ال غَي ب وَالشَّ هَادَة فـَيـ نـَب ئ ك م بم َا ك نـ ت م تـَع مَل ونَ [}*التوبة: 105. ] وقال تعالى: َ زَعَمَ الَّذ ينَ كَفَر وا أَن لَن يـ بـ عَث وا ق ل بـَلَى وَرَبي لَ تـ بـ عَث نَّ ثم َّ لَتـ نـَبـَّؤ نَّ بم َا عَم ل ت م وَذَل كَ عَلَى اللَّّ يَس ير }*[ 7. ] ويقول النبي (ص« :)كلكم راع ومسؤول عن رعيته ، فالإمام راع وهو مسؤول عن رعي ته ، والرجل في أهله راع وهو مسؤول عن رعيته ، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها ، والخادم في مال سيده راع وهو مسؤول عن رعيته » ([430.]) ـ الوفاء بالعهود والعقود: فالإسلم يطلب من العامل أن يفي بما أبرمه من عقود ، وما أخذه على نفسه من التزامات وعهود ، ولقد ورد في كتاب الله عز وجل العديد من الايَت القرانية التي تحث على الوفاء بالعهد مثل قول الله تعالى: َ يََأَيـُّهَا الَّذ ينَ آمَن وا أَو ف وا با ل ع ق ود }[المائدة1. ] وقال تعالى: َ وَأَو ف وا با ل عَه د إ نَّ ال عَه دَ كَانَ مَس ؤ ولا }*[34. ] ومدح الله عز وجل الموفين بعهدهم ، فقال تعالى{ :وَال م وف ونَ ب عَه د ه م إ ذَ ا عَاهَد وا}[ 177. ]
عدد الصفحات ٢٠٨وقال تعالى: َ وَالَّذ ينَ ه م لأ ََمَاناَته م وَعَه د ه م رَاع ونَ }*[8. ] وقد بينت السنة النبوية أن المسلم مأمور بأن يفي بما اتفق عليه من العقود ، فقال النبي (ص« :)المسلمون على شروطهم ؛ إلا شرطا حرم حللا ، أو أحل حراما »([431.]) ومن صور عدم الوفاء بالعهود في مجال المال العام: _خ عدم الانضباط ، والالتزام بساعات العمل من حضور وانصراف . _خ التحايل والتمارض للحصول على إجازات بدون حق. _خ عدم الالتزام بتنفيذ العقود في مواعيدها. _خ ضياع وقت العمل المتفق عليه في غير منفعة للعمل. _خ استخدام الأشياء الخاصة بالعمل لأغراض شخصية ، مثل: استخدام سيارات المصلحة ، أو الهيئة ، أو الشركة لتنقلت العامل الشخصية ، وتنقلت أسرته ، واستخدام الهاتف لاتصالات شخصية ، واستخدام الأجهزة والأدوات لأغراض شخصية أيضا . وهذه الصور منتشرة انتشارا كبيرا بصورة ملحوظة في المصالح الحكومية ، والمشروعات ، والشركات العامة ، وينتج عن انتشار هذه الصور خسارة كبيرة في المال العام تسبب أضرارا جسيمة بالمجتمع ، تجعله يضعف اقتصاديَ أمام المجتمعات الأخرى [432 ])، ولذلك من واجبات المواطنين والمواطنات المحافظة على المال العام ، وأما ما يتعلق بالرقابة الخارجية على المال العام ؛ فالمقصود بها الأجهزة الرقابية : ـ كالجهاز المركزي للمحاسبات في الرقابة على الأموال والأداء. ـ نظام تفتيش التموين في الرقابة على الأسواق والمعاملت.
عدد الصفحات ٢٠٩ـ نظام تفتيش الصحة في الرقابة على الصحة ، وتجنب تلوث البيئة. ـ نظام الرقابة الإدارية في الرقابة على تنفيذ القوانين واللوائح. ـ نظام الرقابة المالية الخارجية في الرقابة على صحة الحسابات[433.]) ـ أهداف الرقابة على المال العام: إن الهدف العام من الرقابة على المال العام في الإسلم هو حفظه ، وحْايته من جميع صور الاعتداءات عليه ، وتتلخص أهداف الرقابة على المال العام فيما يلي: * التأكد من أن موارد المال العام قد جمعت ، وت تحصيلها وفق القواعد والأحكام الشرعية ، وأنه قد ت إيداعها في خزينة الدولة. * التحقق من أن صرف المال العام قد ت وفق ما جاءت به القواعد والأحكام الشرعية ، والمقاصد العامة للشريعة ، وأن هذا المال المصروف يستخدم وفق الأغراض المخصصة له ، دون إسراف أو انحراف ، والكشف عن كل ما يقع في هذا الصدد من مخالفات لإيقافها ، صيانة للمال العام. * متابعة الخطط الموضوعة للمشاريع الاقتصادية النافعة ، والتي تهدف إلى تحقيق المصلحة العامة للأمة ، مع الكشف عما يحدث من انحرافات لاتخاذ الإجراءات اللزمة لتصحيح هذه الانحرافات . * التأكد من سلمة الأنظمة ، والتعليمات ، والقوانين المالية ، والتحقق من كفايتها ، وانسجامها مع روح الشريعة ، ومصلحة الأمة ، واكتشاف نقاط الخلل والضعف فيها ،
عدد الصفحات ٢١٠واقتراح وسائل العلج ، وذلك لتجنب حوادث التهرب من الالتزامات المالية ، والاعتداء على المال العام. * فحص حالة المستودعات للتأكد من سلمة الإجراءات المتبعة في الحفاظ على المال العام. * مراجعة إجراءات الشراء والعقود ؛ للتأكد من تطبيق نظام مشتريَت الدولة. * اكتشاف السرقة والاختلس والتلعب في الحسابات ، مع اقتراح وتطبيق وسائل العلج. * التأكد من أن أنظمة العمل تؤدي إلى أكبر نفع مُكن بأقل النفقات الممكنة ، وتصحيح القرارات الإدارية ؛ مُا يؤدي إلى حسن سير العمل في مراحل التخطيط والتنفيذ و المتابعة كافة. * مراجعة الحساب الختامي لميزانية الدولة. * * *
عدد الصفحات ٢١١