المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

المواطنة والوطن في الدولة الحديثة المسلمة

علي محمد الصلابي

صفحة ١٢ من ١٨

ومثل هذه الضمانات لم ولن تتوافر في أي دولة سوى دولة الإسلم ، وإذا كانت هذه الضمانات متوافرة في أيَم الدول الإسلمية السابقة ، فإنها ستظل كذلك في أي عصر يعود فيه الناس ودولهم إلى أحكام الإسلم ، ويومها سيجد كل إنسان طلبته في هذه الحياة[357.]) قال تعالى: َ وَمَن أَح سَن م نَ اللَّّ ح ك م ا ل قَو م ي وق ن ونَ }*[50. ] * * * ثانيا: واجبات المواطنين 1 ـ الخضوع لقوانين الدولة وأنظمتها: من أبرز الواجبات المترتبة على المواطن في الدولة الحديثة المسلمة الالتزام بشرائع الدولة ، وقوانينها ، قال تعالى: َ فَلَ وَرَب كَ لاَ يـ ؤ م ن ونَ حَتىَّ يح َك م وكَ ف يمَ ا شَجَرَ بـَيـ نـَه م ثم َّ لاَ يجَ د وا في أَنـ ف س ه م حَرَج ا مُ َّا قَضَي تَ وَي سَل م وا تَس ل يم ا }*[65. ]

عدد الصفحات ١٨٠

فالتحاكم إلى شريعة الله وحدها هو شرط من شروط الإيمان ، ولا يكتمل إيمان المرء حتى يرضى بحكم الله ، ويطمئن إليه ، وبالإضافة إلى ذلك فهو شرط من شروط المواطنة الصالحة في الدولة. قال تعالى: َ أَط يع وا اللََّّ وَأَط يع وا الرَّس ولَ وَأ ولي الأَم ر م ن ك م }[ء59. ] وقال تعالى: َ فَإ ن تـَنَازَع ت م في شَي ء فـَر دُّوه إ لىَ اللَّّ وَالرَّس ول } [59. ] إذا قيل أن الخضوع لقوانين الدولة وأنظمتها يتعلق بكل المسلمين ، وليس فقط من يحمل الجنسية في الدولة ، فالجواب يتضح من السنة والسيرة ، فحادثة أبي بصير و أبي جندل ومن معهما من المسلمين ، الذين لم يكونوا خاضعين لسيادة دولة الإسلم ، دليل قوي على أن الخضوع لأنظمة الدولة يقتصر على الذين يحملون جنسيتها ، والمقيمين فيها. فإن أبا بصير ومن معه من المسلمين لم يكونوا مطالبين بالالتزام بعهود الدولة ، ومواثيقها التي تعقد بينهما وبين غيرها من القوى الخارجية ، فقد أقدموا على قطع الطريق على قوافل قريش التي كانت طرفا في الهدنة المعقودة بينها وبين دولة المسلمين بقيادة الرسول (ص) ، واستطاعوا شل الحركة الاقتصادية القرشية ، ولم ينكر الرسول (ص) هذا العمل ، وعدم التزامهم بعهود المسلمين ومواثيقهم[358.]) أ ـ غير المسلمين وقوانين الدولة: إن على أهل الذمة الذين يعتبرون في عداد المواطنين أن يلتزموا بأنظمة الدولة و قوانينها ، وقد اعتبر هذا الالتزام شرطا من شروط الدخول في عقد الذمة. وجاء في الشرح الكبير: ويلزم الإمام أن يأخذهم بأحكام المسلمين في ضمان النفس والمال والعرض ، وإقامة الحدود عليهم فيما يعتقدون تحريمه دون ما يعتقدون حله[359.])

عدد الصفحات ١٨١

وجاء في المهذب: ولا يجوز عقد الذمة إلا بشرطين : بذل الجزية ، والتزام أحكام المسلمين في حقوق الادميين ، وفي العقود والمعاملت وغرامات الم تلفات ، فإن عقد على غير هذين الشرطين لم يصح العقد[360 ])، وتطبيق قوانين الدولة عليهم في عدة مجالات: ـ المعاملت: تطبق قوانين الدولة في مجال المعاملت على جميع أفراد الرعية دون تفريق بين المسلمين وغير المسلمين ، ويطبق على الجميع قانون موحد تفرضه الشريعة الإسلمية ، وعليهم جميعا الالتزام بنص القانون ، وهم مؤاخذون بما يفر ضه القانون من عقوبة على المخالف. وكل ما جاءت به الشريعة من محظورات في مجال المعاملت مثل الربا والاحتكار والغش وتجارة المخدرات ، يكون محظورا على جميع سكان الدولة دون تفريق ، والقاعدة في الدولة الحديثة المسلمة تقول« :لهم ما لنا ، وعليهم ما علينا» ، فكل ما هو مباح للمسلمين من أنواع المعاملت مباح لأهل الذمة دون تفريق أو تَييز من البيوع والإيجارات والشركات ، وإحياء الموات والحوالة والكفالة والرهن والشفعة ، وغيرها من العقود والتصرفات التي أصبحت من الأمور التي لا تنتظم الحياة بدونها[361.]) يقول الفقيه السرخسي : لأن الذمي ملتزم أحكام الإسلم فيما يرجع إلى المعاملت[(362 ]) ، ويقول الكاساني: لأن ما جاز من بيوع المسلمين جاز من بيوع أهل الذمة ، وما يبطل أو يفسد من بيوع المسلمين يبطل أو يفسد من بيوعهم إلا الخمر ، أو الخنزير [363.]) ويقول الإمام الشيرازي : ولا يجوز عقد الذمة إلا بشرطين : بذل الجزية ، والتزام أحكام المسلمين في حقوق الادميين في العقود والمعاملت وغرامات الم تلفات. ـ في الأحوال الشخصية:

عدد الصفحات ١٨٢

أما المرجع لكل فئة في شؤون الأحوال الشخصية فهو عقيدتها ؛ لأن هذه الأمور تتعلق بالديَنة مثل أمور الزواج والأسرة والطلق والمواريث والوصايَ ، فالدولة لا تتدخل في الشؤون العقدية والدينية. بحيث تشعر جميع الطوائف بكل راحة واطمئنان تجاه الأمور التي تَس العقائد و الشعائر الدينية ، ويستدعي ذلك إنشاء محاكم خاصة لكل طائفة تختص بالإشراف على تسيير هذه الأمور ، ويجب أن تكون هذه المحاكم دستورية وقانونية ، ولها صلحية الإجراء والتطبيق ، ومعترفا بها من قبل السلطات الحاكمة ، حتى تكتسب شرعيتها وقانونيتها ؛ على أن تكون خاضعة لرقابة الدولة[364.]) وقد تعارف المسلمون على ترك أهل الذمة وما يدينون ، وقد جاء في وثيقة المدينة: وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين ، لليهود دينهم ، وللمسلمين دينهم[365 ])، ومن المعروف أن أحكام الأسرة من الدين ؛ لذلك فقد تركت كل فئة وما تدين به[366.]) ـ في مجالات العقوبات: يخضع جميع مواطني الدولة على اختلف مستويَتهم لنظام العقوبة المطبق في الدولة ، ويتساوى في ذلك كل أفراد الرعية ، ويكفينا في ذلك قول الرسول (ص« :)لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» ([367.]) وتساوي الشريعة بين المسلمين وأهل الذمة في تطبيق القانون في كل الأمور التي يتساوون فيها ، ولا مساواة في مجال الاختلف ، وذلك من أجل توخي العدالة إلى أقصى حدودها ، ولا يختلف أهل الذمة عن المسلمين إلا فيما يتعلق بالعقيدة ؛ إذ من الظلم الواضح أن يعاقب الفرد منهم على أمر ارتكبه إذا كان هذا الأمر مُا تسمح به عقيدته ودينه[368.])

عدد الصفحات ١٨٣

والمثال الواضح على ذلك: أن الشريعة الإسلمية ت عاقب شارب الخمر إذا كان من المسلمين ، ولا تعاقب شاربه إذا كان من أهل الذمة ، إذا التزم حدود الأدب ، وضمن الإطار القانوني الذي ترسمه الدولة كأن لا يكون علنية في أسواق المسلمين ، أو تحديَ لمشاعر المسلمين[369.]) كما يؤاخذ أهل الأديَن الأخرى على ما هو محرم في شريعتهم من الفواحش ، ويمنعون من ذلك ، سواء كان ذلك في أمصار المسلمين أم في أمصارهم [370.]) 2 ـ الواجبات المالية: في مقابل حْاية الدولة لرعايَها ، وحفظهم داخليا وخارجيا . داخليا : بتوفير الأمن والطمأنينة ، وتيسير سبل العيش الكريم ، بالإضافة إلى حْايتهم من العجز ، والفقر ، والمرض ، والجهل. وخارجيا : برد كيد المعتدين الذين يتربصون بالمسلمين وأرضهم ليستولوا عليها ، وينهبوا خيراتها ، حتى يبقى شعب الدولة حرا عزيزا قويَ ، في مقابل ذلك فرضت الشريعة الإسلمية على الأفراد مسلمين وغير مسلمين ، وعلى الأراضي تكاليف مالية محددة ، أهمها: أ ـ الزكاة : وهي اسم لقدر من المال مخصوص يصرف لأصناف مخصوصة بشرائط [371 ])، وتختص بالمسلمين فقط ، وتفرض على كل بالغ حر ملك النصاب من الأموال ، ومر عليها الحول. ـ وتقدر 5،2% من النقود. ـ 10% من محصول الأرض البعلية.

عدد الصفحات ١٨٤

ـ 5% من محصول الأرض التي تسقى بماء البئر والنهر. ـ بالإضافة إلى مقادير وأنصبة محددة من الأنعام ، وتقوم الدولة بجبايتها عبر جهاز إداري خاص يقوم على جمعها وحفظها وصرفها في أبوابها المحددة ، وللدولة أن تأخذها بالقوة مُن يمتنع عن أدائها ، ولو اضطرها ذلك إلى محاربة الممتنعين بالسلح ، كما حدث في زمن الخليفة الراشد الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه مع طائفة من المرتدين حين قال: والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلة والزكاة [372.]) وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه« :و لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه لر سول الله لقاتلتهم عليه»([373.]) ب ـ الجزية : الجزية : واجب مالي يقوم سكان الدولة الإسلمية من غير المسلمين بالالتزام به للخزينة العامة ، وتفرض على الذكور الأحرار البالغين القادرين على الكسب في نهاية كل عام[(374 ])، وطبيعة هذه الضريبة إنما هي مقابل ضمان غير المسلمين في المجتمع الإسلمي لأنفسهم حق حْاية الدولة ، والتمتع بخدماتها ، إنها مقابل واجب الدفاع عن الوطن ، إذ أن الدفاع عن الوطن واجب على كل مواطن ، وبما أن الدفا ع يتخذ عند المسلمين صبغة دينية مُا يجعل حْل أهل الذمة على خوض حرب مثل هذا النوع هو نوع من الإكراه على مُارسة عبادة ليست جزءا من دينهم[375 ])، وبناء عليه فإن الجزية تسقط عن هؤلاء المواطنين من غير المسلمين إذا شاركوا في الخدمة العسكري ة. يقول الدكتور عبد الكريم زيدان : فالجزية تسقط باشتراك الذميين مع المسلمين في الدفاع عن دار الإسلم، أو إذا استعدوا لهذا الدفاع ، وهيؤوا له[376.])

عدد الصفحات ١٨٥

ومن الاجتهادات التي انفرد بها القرضاوي قوله: لا مانع من أخذ ما يعادل الزكاة من أهل الذمة ، إذا رأى أولو الأمر ذلك... فالمسلم يدفع الزكاة فريضة وعبادة ، وغيره يدفعها ضريبة ، وبذلك نتفادى التفرقة بين المواطنين في دولة واحدة ، ونخفف التكاليف الإدارية والفنية التي توزع بين إدارة الزكاة للمسلمين والضريبة الخاصة لغير المسلمين[377.]) ويقترح القرضاوي توحيد الضريبة لكل المواطنين: بغض النظر عن ديَنتهم لتفادي التمييز ، ولتخفيف التكاليف[378 ])، وفي هذا السياق يرى راشد الغنوشي توحيد الضرائب اسما ومقدارا لكل مواطني الدولة ؛ طالما أمكن فرض الخدمة الإجبارية على الجميع للدفاع عن الوطن ، والأصل أن الجزية التي فرضت على أهل الذمة هي فريضة تؤدى على الرؤوس ، وتقابل عند المسلمين فريضة الجهاد و الزكاة ، ونظرا لطبيعة هاتين الفريضتين الدينية لم يلزم أهل الذمة بهما ؛ فكانت الجزية بدلا عنهما[379.]) يقول القرضاوي : على أنه في حالة اشتراك الذميين في الخدمة العسكرية والدفاع عن الحوزة مع المسلمين ؛ فإن الجزية تسقط عنهم ، كما أنني بحثت في كتابي (فقه الزكاة ) مدى جواز أخذ ضريبة من أهل الذمة بمقدار الزكاة ليتساووا بالمسلمين في الالتزامات المالية ، وإن لم تسم زكاة نظرا لحساسية هذا العنوان بالنظر إلى الفريقين ، ولا يلزم أيضا أن تسمى جزية ماداموا يأنفون من ذلك ، وقد أخذ عمر رضي الله عنه من نصارى بني تغلب الجزية باسم الصدقة ؛ تألفا لهم ، واعتبارا بالمسميات لا بالأسماء[380.]) وبناء على ما تقدم فإن الذميين القاطنين اليوم في بلد المسلمين إذا التزموا بالخدمة العسكرية ، وتكفلوا أمر الدفاع عن الوطن ، وانخرطوا في الجيش كغيرهم من أبناء المسلمين ، فإن الجزية تسقط عنهم كما هو رأي غير واحد من كبار العلماء المعاصرين كالسيد رشيد رضا في مجلة «المنار» ، والدكتور وهبة الزحيلي في كتابه «اثار الحرب في الفقه الإسلمي» ، والقرضاوي

عدد الصفحات ١٨٦

في كتابه «غ المسلمين في المجتمع الإسلمي» ، وهناك تعليل اخر لفرضية الجزية يذكره بعض العلماء المعاصرين ، وهو أن الجزية إنما فرضت على الذميين مقابل فريضة الزكاة على المسلمين ، فكما أن المسلم القادر يتحمل دفع قسط من ماله يسمى الزكاة ، كذلك الذمي القادر يتحمل دفع قسط من ماله يسمى الجزية ؛ لأن الذمي ـ بطبيعة الحال ـ لا تجب عليه الزكاة في أمواله ومزارعه ومواشيه ، وبهذا يتحقق التكافل الاجتماعي بين فئات المجتمع المختلفة ، ويتساوى جميع المواطنين في تحمل أعباء النفقات المالية العامة ، والإسهام في بناء الدولة[381.]) وهذه الجزية إما أن تصرف في المصالح العامة ، أو على المحتاجين والفقراء من أهل الذمة ، وإذا فليست الجزية مفروضة لإذلال غير المسلمين وإهانتهم ، كما يزعم الحاقدون على الإسلم ، أو هي مفروضة أيضا لكفرهم ، أو مقابل إبقائهم على قيد الحياة ، كما يذكر بعض الفقهاء في كتبهم ، ولو كانت كذلك لوجبت على الذميين جميعا ، ولما اختصت بالأقويَء القادرين على حْل السلح ، ولما أعفي منها الشيوخ ، والأطفال ، والنساء ، والعجزة ، والرهبان ، ورجال الدين المنقطعون للعبادة[382.]) إن أحكام غير المسلمين وأحوالهم داخل الدولة الإسلمية تعد ـ على قدر كبير منها ـ من مجالات البحث ، وافاق الاجتهاد التي تحتاج إلى دراسات علمية أصيلة من الفقهاء المحدثين ، والبحث في أحكام اجتهادية جديدة تقتضيها المصلحة ، وتعبر عن التصور الإسلمي الصحيح لقضية الأقليات الدينية في الدولة الحديثة المسلمة[383.]) ـ الاجتهاد المقاصدي في الجزية :

عدد الصفحات ١٨٧

إن الجزية فيها من السعة العلمية ، وفسحة الاستدلال ، والتكييف ، والتنزيل ما يجعلها قضية خلفية ي عمل فيها التفسير النصي ، والاجتهاد المقاصدي ، والنظر المصلحي ، والاعتبار بواقع الأفراد والمجتمعات والدول ، وذلك وفقا لمنهج الاستقراء ، وتتبع كافة المدركات الشرعية لاستخلص المفهوم الدقيق لها ، ولا سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار: أ ـ مختلف التفاسير لاية الجزية المعروفة ، وهي قوله تعالى{ :قَات ل وا الَّذ ينَ لاَ يـ ؤ م ن ونَ با للَّّ وَلاَ با ل يـَو م الآخ ر وَلاَ يح َر م ونَ مَا حَرَّمَ اللَّّ وَرَس ول ه وَلاَ يَد ين ونَ د ينَ الح َق م نَ الَّذ ينَ أ وت وا ال ك تَابَ حَتىَّ يـ ع ط وا الج ز يَةَ عَن يَد وَه م صَاغ ر ونَ [}*التوبة: 29. ] ب ـ شواهد السنة النبوية والسيرة الشريفة ، ولاسيما وثيقة المدينة أو صحيفتها ؛ التي كانت أول ميثاق في الدولة الإسلمية للمواطنة ، وأول وثيقة دستورية سو ت في الحقو ق المدنية بين خليط المجتمع المدني الأول من المسلمين وغيرهم ، ولم تكن هناك جزية [384.]) ج ـ السوابق التاريخية المهمة في عهد الصحابة ، ومن تبعهم بإحسان ، والتي تدل بالخصوص على سقوط الجزية عن الذميين إذا ما اشتركوا في الدفاع عن دار الإسلم. د ـ ما استقرت عليه المدونة المعرفية الإسلمية قديما وحديثا من أن الجزية ليست ابتكارا إسلميا ، بل هي نظام فارسي الأصل ، ثم انتقلت إلى الروم ، ثم إلى الجزيرة العربية ، ومهما اختلفت في مفهومها وعلتها ؛ إلا أنها بدل عن الجهاد كما يقول جمهور الفقهاء[(385 ])، وأنها مجرد بدل حْاية[386 ])، ومنفعة ، وخدمة ، ورعاية ، أي: بدل نقدي يدفعه غير المسلمين مقابل قيام المسلمين بالدفاع عنهم ، والموت دونهم ، وهي ترفع عنهم إذا قاتلوا مع المسلمين ، ودافعوا معهم عن بلدهم ، وهو ما يقتضي صرف النظر عن فكرة الجزي ة واستبعادها في إطار العلقات بين الدولة العصرية ومواطنيها من غير المسلمين[(387.])

عدد الصفحات ١٨٨

وقد ذكر عبد الله بن يوسف الجديع هذا بقوله: وعليه فإن من أذن له المسلمون بالإقامة في بلد الإسلم تأسيسا دون حرب ، وإنما بطلبه أو دخوله مستأمنا ، ففرض الجزية عليه محل نظر ، وليس في هذه القضية ما هو من القواطع ، وينبغي أن ي راجع القول فيها إلى السياق النصي والزمني الذي أثر في فرضها [388.]) وبناء على ذلك نرى أن الجزية لا تكون واجبة إلا بعد قتال ، أما إذا لم يقع قتال فإن عقد الذمة يمكن أن يقع بغير جزية ، أو بأي بديل عنها يتفق عليه[389.]) ـ مصطلح الذمة: يعني العهد: الأمان المؤيد ، وليس فيه أي نقص أو تجريح ، وليس في هذا المصطلح دلالة على وجود احتقار أو ذلة في ذمة الدولة الإسلمية. وقد ذهب كثير من الباحثين المعاصرين إلى وجوب تطوير «الذمة» «والذمي» ، وأن المصلحة توجب استعمال مصطلح بديل ، وفي هذا السياق اختار راشد الغنوشي ، وسليم العوا ، وعبد الكريم زيدان مصطلح المواطنة أو الجنسية ، وقال توفيق الشاوي: .. إنه من المناسب استبعاد مصطلح أهل الذمة في العصر الحاضر من أجل إزالة الشبهات التي يثيرها البعض على هذا المصطلح ، ويدعون أنه يقصد منه الانتقاص من حقوق المواطنين غير المسلمين ... إن الأصل في هذا المصطلح أن الذمة هي الجنسية ، وأنه يعطي للأقليات جميع الحقوق المستمدة من انتسابهم للدولة ، وولائهم لها ، وتَتعهم بجنسيتها ؛ مُا يؤكد أن المجتمع الإسلمي مجتمع عالمي مفتوح للأفراد من جميع الأجناس والألوان والمذاهب والعقائد طالما أعلنوا ولاءهم للدولة الإسلمية ؛ التي اعترفت بمبدأ حرية الاعتقاد الذي قرره القران بقوله: َ لاَ إ ك رَاهَ في الد ين }[256] . ج ـ موارد وضرائب :

عدد الصفحات ١٨٩

_خ إن الفكر الإسلمي ثري في أسس تقدير الضرائب المالية على الأراضي ، ونلحظ ذلك في أسس تقدير الخراج ، حيث روعي مدى جودة الأرض ، واختلف أنواع الحبوب والثمار ، ومدى الجهد المبذول من السقي والقرب من العمران . _خ إن المصلحة العامة الان تقتضي قيام الدولة بإخراج المعادن الظاهرة والباطنة ، مثل: النفط ، والحديد ، والرصاص ، والنحاس ، والملح ، وغيرها ؛ لأن لكل أحد قيدا حقا ، ويستحيل تحقق ذلك إلا بأن تأخذ الدولة هذه المعادن ، ثم تنفق العائد منها على مصالح المواطنين. _خ موارد الدولة متعددة ، منها: الضرائب المالية ، ومصادر اقتصادية كالزراعة والتجارة والصناعة ... إلخ. _خ تعد الضرائب من أهم الموارد في جميع دول العالم الان ، ومنها ضرائب على الأشخاص أو على الأموال ، ومنها ضرائب واحدة أخرى متعددة ، ومنها ضرائب نسبية وأخرى تصاعدية ، ويحكم كثير من دول العالم نظام ضريبي معقد يقوم على تسلط الدو لة على أموال الأشخاص ، وهذا يحتاج إلى إعادة النظر وفق قيم العدل ، ورفض الظلم. _خ إن هناك ايَت وأحاديث توجب حقوقا في المال غير الزكاة ، ويمكن أن يستدل بها على شرعية فرض وظائف مالية ، ووجه ذلك أنه لما كان حقا واجب الأداء ، فمن امتنع عنه ألزمته الدولة ، وهذا هو التوظيف ، ويؤكد شرعية التوظيف القواعد الفقهية التي تؤكد على رفع الضرر ، وكذلك القياس على وجوب البذل للمضطر[390.]) _خ إن في تطبيق قوانين الإسلم في عصرنا يمكن الاستغناء عن كثير من الضرائب المالية ، حيث تكثر التبرعات ، ويحافظ الأفراد على المال العام ، ويكون المسؤولون قدو ة في المال

عدد الصفحات ١٩٠

العام ، وتشتد الرقابة عليهم ؛ بما يوفر كثيرا من الأموال ، وهي نفس الأسباب التي أدت إلى الاستغناء عن التوظيف في صدر الإسلم. _خ إن الدولة الحديثة المسلمة تراعي مصالح المحكومين في دينهم ودنياهم ، فتوظف الضرائب لتحقيق التكافل الاجتماعي ، ودفع الأعداء ، وفداء الأسرى ، ومواجهة الكوارث ، و إنتاج السلع الضرورية ، ودفع رواتب أصحاب الأعمال العامة ، ومن أجل الدعوة إلى الله ، أو حْاية السلع المحلية ، أو القيام بمشروعات عامة. _خ أنه لا يجوز أن تفرض وظيفة مالية بصفة مستمرة ودائمة ؛ لأن ذلك يخالف علة فرضها ، وهو وجود الحاجة العامة ؛ فإن ارتفعت بالموارد العادية ، أو انتهت نفس الحاجة ؛ فينبغي إنهاء هذه الوظائف. _خ إن حرمة المال الخاص ثابتة شرعا ، ولا يجوز فرض أية وظائف مالية إلا بحق ، وإلا عد ما يفعل ذلك من أصحاب المكوس الجائرة . _خ إن للمال الخاص حرمته ، ولا يجوز انتهاكها ، أو أخذ شيء منها إلا بحق ثابت معروف ، وإلا عد ذلك من باب فرض المكوس الجائرة التي وردت النصوص بتحريمها ، وتأثيم فاعلها. _خ أنه يصح للدولة شرعا فرض وظائف مالية كسد حاجة عامة شرعية بشروط مخصوصة ، وكيفية معينة ، وعدم مراعاة شيء من ذلك يعد انتهاكا لحرمة الأملك الخاصة ، أو تعسفا في استخدام الحق[391.]) _خ يجب على الدولة الحديثة المسلمة أن تتخلص من قوانين الضرائب المستوردة و الظالمة التي تجهد ذوي الدخل المحدود ، ولا تستطيع أن تحاصر أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة ـ الثغرات

عدد الصفحات ١٩١

في القوان ـ وأن ترعى الدولة التوظيف المالي إذا تحققت شروطه العادلة ؛ لأن ذلك يؤدي إلى تحقيق مصالح دون ظلم أو تعسف. _خ إنه ينبغي على الأغنياء والموسرين أن يقوموا بسد كل حاجة عامة أو خاصة إذا قصرت الحكومات في ذلك، فالواجب يتعلق بذمتهم إذا علموا بهذه الحاجة[392.]) _خ إن فرض الدولة الضرائب على أفراد الشعب له أغراض كثيرة ، منها: * سد حاجات المسلمين الضرورية في الحرب أو السلم. * إعادة توزيع الدخول. * تحقيق العدالة الاجتماعية. * تَويل الإنتاج ، وتحقيق الرفاهية الاقتصادية للمجتمع في مجموعة لزيَدة معدل النمو الاقتصادي للدولة. * القضاء على فوارق الطبقات. * وجود فائض عند الدولة من أجل مواجهة الكوارث [393.]) 3 ـ الدفاع عن أرض الدولة: الدفاع عن أرض الدولة واجب على جانب كبير من الأهمية يقع على عاتق جميع المواطنين ، وكل من يحمل جنسية الدولة يكون مكلفا بالخدمة العسكرية إذا طلبت منه ذلك السلطات الحاكمة ، وفي الشريعة الإسلمية نظام عسكري مُيز يختلف عم ا هو في بقية الشرائع ، فالجهاد مرتبط بعقيدة الفرد وعبادته ، وهو مفروض على المسلمين فرضا بنص الكتاب والسنة.

عدد الصفحات ١٩٢

قال تعالى: {ك ت بَ عَلَي ك م ال ق تَال وَه وَ ك ر ه لَك م }[البقرة 216. ] وقال تعالى{ :ان ف ر وا خ فَاف ا وَث قَالا وَجَاه د وا بأ َم وَال ك م وَأَنـ ف س ك م في سَب يل اللَّّ }[41 ] . وقال رسول الله (ص« :)من مات ولم يغز ، ولم يحدث نفسه بالغزو ؛ مات على شعبة من نفاق»([394. ]) والجهاد يكون فرض عين على كل مسلم حينما يدخل الكفار المعتدون أرض المسلمين ، ويكون فرض كفاية في غير ذلك. ولابد للدولة الإسلمية من أن تنشأئ جيشا قويَ يتقن فنون الحرب ، وي ديم التدرب على أنواع الإعداد كافة ، وبكل معانيه ؛ ليصبح قادرا على حْاية أرضه ووطنه ، وجاهزا لرد الاعتداء في كل وقت وحين ، وتنفيذ المهمات العسكرية التي يكلف بها. قال تعالى: َ وَأَع دُّوا لهَ م مَا اس تَطَع ت م م ن قـ وَّة }[60 . ]على أن وجود هذا الجيش المتخصص لا ي عفي بقية أفراد المواطنين من التبعة العسكرية ، و مهمة الدفاع عن الدولة ، عندما تدعو الحاجة إلى ذلك ؛ ولهذا يقول الفقهاء: إنه يتعين الجهاد على كل مسلم في النفير العام[395.]) والمع بالجهاد إنما هو المسلم ؛ إذ لم تفرض الشريعة الإسلمية الجهاد على المو اطن غير المسلم ، ولم تعتبره مكلفا بذلك ، ويعود ذلك إلى سبب جوهري ينبغي أن نقف عليه. فالجهاد في الشريعة الإسلمية مرتبط بالعقيدة ارتباطا وثيقا ، فهو واجب تَليه العقيدة على المسلم ؛ فلبد من القيام به إرضاء لله سبحانه ، وطمعا في ثوابه ، ومخافة عقابه ، ورغبة في الجنة واتقاء للنار.

عدد الصفحات ١٩٣

ثم إن الشهادة في سبيل الله من أعز الأمنيات لدى المسلم ؛ فهو يقاتل من أجل الحصول على أحد مطلبين هامين: _خ إما شهادة في سبيل الله. _خ وإما نصر على أعداء الله ، وهذه هي الغاية الأسمى لدى المسلم الحق. وهذا الواجب العقائدي الذي يتمثله المسلمون ، لا يمكن أن يكون غير المسلم مطالبا به ، فليس من الإنصاف أن ي طالب غير المسلم بتعريض نفسه للقتل والموت من أجل عقيدة لا يؤمن بها. لذلك يعتبر بعض الفقهاء أن الجزية التي يدفعها غير المسلم المواطن في دولة الإسلم هي مقابل إعفائه من مهمة القتال ، وفي حالة إسناد المهمات القتالية أو الدفاعية إليهم ي عفون من الجزية ؛ كما جاء في كتاب عتبة بن فرقد إلى أهل أذربيجان : .. ومن ح شر منهم في سنة و ضع عنه جزاء تلك السنة[396.]) وقد نصت الوثيقة التي كتبها الرسول (ص) عند مقدمة المدينة على اشتراك اليهود مع المسلمين في الدفاع عن أرض المدينة ، والاشتراك معهم في نفقات الحروب ، وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين ، وأن يهود بني عوف ومواليهم وأنفسهم أمة مع المؤمنين ، لليهود دينهم وللمؤمنين دينهم ، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة[397.]) 4 ـ الطاعة للقيادة: قال تعالى: َ يََأَيـُّهَا الَّذ ينَ آمَن وا أَط يع وا اللََّّ وَأَط يع وا الرَّس ولَ وَأ ولي الأَم ر م ن ك م فَإ ن تـَنَازَع ت م في شَي ء فـَر دُّوه إ لىَ اللَّّ وَالرَّس ول إ ن ك نـ ت م تـ ؤ م ن ونَ با للَّّ وَال يَوم الآخ ر ذَل كَ خَيـ ر وَأَح سَن تأَ و يل

عدد الصفحات ١٩٤

}*[59 . ]وبما أن طاعة المسؤولين في الدولة من طاعة الله ورسوله ، وليست طاعتهم مطلقة ، بل محدودة بحدود طاعتهم لله ورسوله ، وهذا واضح من تكرار كلمة َ في الاية لله وللرسول {أَط يع وا}، دون تكرارها لأولي الأمر ، ومن هنا جاء التحديد: إنما الطاعة في المعروف ، ولا طاعة في معصية الله ، ورجال الحكومة قد يعصون الله في أمر ولا يعصونه في اخر ، ففي هذه الحالة لا طاعة لهم في المعصية ، بل الواجب نصحهم ليرجعوا إلى رشدهم ، أما فيما هو معروف فطاعتهم مطلوبة وإن أخطؤوا أو عصوا في أمر اخر. وأما إذا أصر الحاكم على المعصية الظاهرة فمن حق الأمة إن كانت لديها القدرة أن تخلعه ، وإلا بأن خيف بطش سدنته وأعوانه ، فيترتب على ذلك بطش أكبر ، ففي هذه الحالة الصبر هو الأفضل حتى تحين فرصة تتوفر فيها الإمكانيات لتقويم المعوج ، وحسب التوجيه النبوي: تؤدون الحق الذي عليكم ، وتسألون الله الذي لكم[398.]) وحق الطاعة يشمل الولاء ، وهو تقديم المودة للأمراء ، الأمر الذي يساعد على خلق الثقة المتبادلة ، والتعاون البناء بين الحكام والمحكومين ، وهذا داخل في إطار: َ وَال م ؤ م ن ونَ وَال م ؤ م نَات بـَع ض ه م أَو ل يَاء بـَع ض }[التوبة71. ] وحتمية الطاعة ثابتة طالما لا يحيد الحكام عن جادة الطريق بخروجهم عن الثوابت والقطعيات ، أو بخروجهم على الإجماع من مُثلي الشعب[399.]) إن التزام طاعة السلطة يسري على جميع المواطنين مادامت السلطة ملتزمة بالدستو ر والقانون ، كما أن التزام المواطنين غير المسلمين بطاعة سلطة الدولة ناتج طبيعي من ولائهم السياسي للدولة ؛ يستحقون معه المشاركة في المواطنة بكل واجباتها[400.]) 5 ـ حق النصرة والمساعدة:

عدد الصفحات ١٩٥