النار»([314 ])، وهذا دليل على حسن العشرة مع أهل الذمة بمشاركتهم في أحوالهم ومواساتهم فيما يحل بهم من ماس وأحزان . وفي ذلك إشعار لهم بأنهم جزء من مجتمع الدولة التي تحتضنهم ، وتخفيف المصاب عليهم ، وإدخال السرور إلى نفوسهم ، وزيَ دة في قوة اللحمة التي تربط بين أفراد المجتمع الواحد ، كما تفسح المجال أمام المسلمين لبيان حقيقة دينهم وشريعتهم السمحة ؛ لعل في ذلك مدعاة لهداية الاخرين [315.]) _خ المهاداة «التهادي»: كان رسول الله (ص) يقبل الهدية من غير المسلمين ، كما كان يقبلها من المسلمين ، وكذلك كان رسول الله (ص) يقدم لهم الهدايَ حتى أصبح هذا السلوك من سمات المسلمين في تعاملهم مع غير المسلمين اقتداء برسول الله ، وامتثالا لتوجيهاته في قوله« :تهادوا تحابوا» ([316.]) _خ أدب الحوار: قال تعالى: {م نـ ه م وَق ول وا آمَنَّا با لَّذ ي أ ن ز لَ إ لَيـ نَا وَأ ن ز لَ إ لَي ك م وَإ لهَ نَا وَإ لهَ ك م وَاح د وَنحَ ن لَه م س ل م ونَ }* [46. ] وهذا النص القراني وإن كان عاما في كل جدل يتصور وقوعه بين المسلمين وأهل الكتاب ، فإن أولى ما يتبع فيه حين يكون الجدال في أمر ديني تجنبا لإيغار الصدور ، وإيقاد نار العصبية والبغضاء في القلوب[317 ])، بل إن عفة اللسان واجبة على المسلم حتى مع المشركين من عبدة الأوثان ، ففيهم نزل قول الله تعالى: َ وَلاَ تَس بُّوا الَّ ذ ينَ يَد ع ونَ م ن د ون اللَّّ فـَيَس بُّوا اللََّّ عَد و ا ب غَير ع ل م }[108. ]
عدد الصفحات ١٦٤فأدب الحوار مطلوب من كل الأمور التي يمكن أن يدور فيها النقاش ، ويكون أخص في أمور العقيدة والدين ، والمسلم في حاله ومقاله داعية إلى الله ، فإن كان حواره مع مسلم ؛ فالهدف توضيح أمور دينه له ؛ ليكون التزامه أحكام الشرع أفضل ، وقربه من الله أكثر ، وإن كان حواره مع غير المسلمين ـ خاصة أهل الكتاب ـ فالهدف توضيح عقيدة الإسلم وشريعته ، ورجاء الهداية لهم[318 ])، وكلما كانت لغة الحوار لطيفة حكيمة كانت أبلغ في الاستماع والإنصات والقبول ، يقول تعالى{ :اد ع إ لىَ سَب يل رَب كَ با لح ك مَة وَال مَو ع ظَة الح َسَنَة وَجَاد له م با لَّتي ه يَ أَح سَن }[125. ] ويوصـي الله عـز وجل رسوليه إلـى فرعون ـ موسى وهارون ـ أن يخاطباه بلين الكلم وطيبه؛ لعله يكون أنجع وأبلغ في التذكر وخشية الله، فيقول تعالى{ :اذ هَبَا إ لىَ ف ر عَو نَ إ نَّه طَغَى *فـَق ولاَ لَه قـَو لا لَي نا لَعَلَّه يـَتَذَكَّر أَو يخَ شَى }*[43 ـ 44. ] ب ـ الزواج من نسائهم: قال تعالى{ :ال يـَو مَ أ ح لَّ لَك م الطَّي بَات وَطَعَام الَّذ ينَ أ وت وا ال ك تَابَ ح ل لَك م وَطَعَام ك م ح ل لهَ م وَال م ح صَنَات م نَ ال م ؤ م نَات وَال م ح صَنَات م نَ الَّذ ينَ أ وت وا ال ك تَابَ م ن قـَب ل ك م إ ذَا آتـَيـ ت م وه نَّ أ ج ورَه نَّ مح ص ن ينَ غَيـ رَ م سَاف ح ينَ وَلاَ م تَّخ ذ ي أَخ دَان وَ مَن يَك ف ر با لإ يمَان فـَقَد حَب طَ عَمَل ه وَه وَ في الآخ رَة م نَ الخ َاس ر ينَ }* [ 5. ] و هذه الاية دلالة واضحة على حل نكاح النساء العفائف الطيبات من أهل الكتاب والمحصنات في الاية هن العفائف دون الزانيات والبغايَ[319.]) 7 ـ العدل والمساواة: العدل سور يحمي المجتمع من التفتت والتشرذم والحزازات ، وينأى به عن العداو ة والبغضاء ، ويشد من تعاضد الناس وتعاونهم بعضهم مع بعض ، ويستوي في محيطه القوي والضعيف ،
عدد الصفحات ١٦٥والغ والفقير ، والقريب والبعيد ، والمسلم وغير المسلم ، قال تعالى{ :يََأَيـُّهَا الَّذ ينَ آمَن وا ك ون وا قـَوَّام ينَ با ل ق س ط ش هَدَاءَ للّ َّ وَلَو عَلَى أَنـ ف س ك م أَو ال وَال دَي ن وَالأَقـ رَب ينَ }[135 ] . وقال تعالى: َ وَلاَ يجَ ر مَنَّك م شَنَآن قـَو م عَلَى أَلاَّ تـَع د ل وا اع د ل وا ه وَ أَقـ رَب ل لتـَّق وَى}[ 8 ] . وقال تعالى{ :إ ن اللََّّ يأَ م ر با ل عَد ل وَالإ ح سَان }[90. ] و التزام هذا الأمر ، والعمل به ، وتحقيقه على بساط الواقع البشري عبادة لله تعالى ، وطاعة لأوامره جل شأنه يثاب عليها ، وفي مخالفته معصية كبيرة يعاقب عليها في الدنيا والاخرة [320 ])، وإقامة العدل بين الناس حق إنساني يشترك فيه الناس جميعا ؛ لأن أصل البشر واحد. قال تعالى: َ يََأَيـُّهَا النَّاس اتـَّق وا رَبَّك م الَّذ ي خَلَقَك م م ن نـَف س وَاح دَة وَخَلَقَ م نـ هَا زَو جَهَا وَبَثَّ م نـ ه مَا ر جَالا كَث ير ا وَن سَاء وَاتـَّق وا اللََّّ الَّذ ي تَسَاءَل ونَ ب ه وَ الأَر حَامَ إ نَّ اللََّّ كَانَ عَلَي ك م رَق يب ا }*[1. ] وقال تعالى: َ يََأَيـُّهَا النَّاس إ ناَّ خَلَق نَاك م م ن ذَكَر وَأ نـ ثَى وَجَعَل نَاك م ش ع وبا وَقـَبَائ لَ ل تـَعَارَف وا إ نَّ أَك رَمَك م ع ن دَ اللَّّ أَتـ قَاك م } [13. ] وجاء في خطبة الوداع « :أيها الناس إن ربكم واحد ، وإن أباكم واحد ، كلكم لادم وادم من تراب ، إن أكرمكم عند الله أتقاكم ، وإن الله عليم خبير ، وليس لعربي على أعجمي فضل إلا بالتقوى»([321.])
عدد الصفحات ١٦٦وإذا كان الإنسان ـ أي: إنسان ـ له الحق في أن ينصف بإقامة مبدأ العدل والمساواة ، فغير المسلمين في المجتمع الإسلمي أحق وأولى بهما ، فبالإضافة للتوجيهات العامة التي وردت في نصوص الكتاب والسنة ، وبإنصاف الناس وعدم ظلمه وإيذائه ؛ فقد أوجب عقد الذمة علينا هذا الحق في كل جوانب التعامل الحياتي معهم ، وصار لهم ما لنا ، وعليهم ما علينا. ومن أهم ميادين المساواة في حياة الناس: أ ـ المساواة أمام القانون: ومقتضى ذلك: أن يكون جميع المواطنين طائفة واحدة بل تَييز لأحدهم على الاخر في تطبيق القانون[322 .])و النظام الإسلمي القانون هو الكتاب والسنة ، وما بني عليهما من أحكام والكتاب والسنة ليس فيهما محاباة لطبقة على طبقة ، ولا جنس على جنس ، ولا لون على لون ، فالأجير والأمير ، والأسود والأبيض ، والرئيس والمرؤوس ، والغني والفقير ، والقوي والضعيف ، كلهم أمام القانون الإسلمي سواء ، وليس في التشريع الإسلمي ما يعطي أي امتياز لهؤلاء بسبب صفة فيه من غنى ، أو مولد ، أو قوة ، أو لون ، أو دين ، أو نحو ذلك ، فقد هدم الإسلم كل هذه الصفات ، ولم يجعلها سببا لامتياز ما ، وأقام التفاضل بين الناس على التقوى ونافع الأعمال ، قال تعالى{ :إ ن أَك رَمَك م ع ن دَ اللَّّ أَتـ قَاك م }الحجرات 13 ]، وفي الحديث الشريف « :من يبطأئ به عمله لم يسرع به نسبه» ([323.]) ويؤكد رسول الله (ص) على مبدأ المساواة أمام القانون حينما رفض بشدة شفاعة بعض الصحابة في المرأة المخزومية ؛ التي سرقت لإعفائها من إقامة حد السرقة عليها بسب علو منزلتها في القوم ، واعتبر التمييز أمام القانون مهلكة للأمم ، فقال« :إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها»([324.])
عدد الصفحات ١٦٧وهذا المبدأ كما يحكم المسلمين يحكم غير المسلمين في المجتمع الإسلمي ، ومن تطبيقات ذلك أنه حين كان عمرو بن العاص واليا على مصر زمن عمر بن الخطاب لطم ابنه قبطيا ؛ لأنه سابقه فسبقه ، فشكاه القبطي إلى الخليفة عمر بن الخطاب ، فأرسل ابن الخطاب إلى عمرو بن العاص وابنه وإلى القبطي الذي رفع الشكوى ، وقال له: أهذا الذي ضرب ك؟ قال: نعم ، قال: اضربه ، فأخذ يضربه حتى اشتفى ، فقال له عمر: زد ابن الأكرمين ، ثم قال لعمرو بن العاص قولته المشهورة : منذ كم يَ عمرو تعبدت الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا [325.]) ب ـ المساواة أمام القضاء: العدل والمساواة حقوق مشتركة واجبة التطبيق بين الناس جميعا ، سواء في الحكم بينهم أو الشهادة لهم أو عليهم لا فرق بين من كان منهم مؤمنا أوكافرا ، برا أو فاجرا ، صديقا أو عدوا ، قريبا أو بعيدا ، غنيا أو فقيرا [326.]) و النظام الإسلمي المواطنون جميعا أمام قضائه ، سواء من ناحية خضوعهم لولاية القضاء وإجراءات التقاضي ، وأصول المرافعة ، وقواعد الإثبات ، وسريَت النصوص عليهم ، وتنفيذ الأحكام الصادرة بحقهم ، لا ميزة في ذلك لشريف أو نبيل أو طبقة ، حتى رئيس الدولة نفسه عليه أن يحضر إلى ساحة القضاء التي يقاضى فيها أي مواطن عادي ، سواء أكان مدعيا أو مدعى عليه[327.]) وقد أكد الفقهاء المسلمون هذا المعنى فقالوا: إن على القاضي التسوية بين الخصوم في المدخل واللحظ واللفظ والمجلس من دون تَييز بين الشريف والمشروف ، والحر و العبد ، والمسلم وغير المسلم[328.])
عدد الصفحات ١٦٨وجاء في كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري : واس بين الناس في وجه ك ومجلسك وعدلك ؛ حتى لا يطمع شريف في حيفك ، ولا ييأس ضعيف من عدلك[329.]) ومن الشواهد التاريخية في حياة المسلمين: _خ حادثة طعمة بن أبيرق: ذلك أن طعمة بن أبيرق سرق درعا لأحد المسلمين ؛ فلما خشي أن يكشف أمره رمى بها في بيت يهودي ، وحاول إلصاق فعلته باليهودي البريء ، وشايعه على ذلك بعض قومه مُن امنوا بألسنتهم ، ولم يلمس الإيمان شغاف قلوبهم ، وجاؤوا إلى النبي (ص) يجادلون بغير حق محاولين تبرئة ساحة صاحبهم ، وتغليظ قلب رسول الله (ص) على اليهودي ؛ فإذا الوحي الإلهي يفضح مؤامرتهم ، ويكشف دسيستهم ؛ إذ أنزل الله على رسوله (ص) قوله تعالى{ :إ أَنـ زَل نَا إ لَي كَ ال ك تَابَ با لح َق ل تَح ك مَ بـَين َ النَّاس بم َا أَرَاكَ اللَّّ وَلاَ تَك ن ل ل خَائ ن ينَ خَص يم ا *وَاس تـَغ ف ر اللََّّ إ نَّ اللََّّ كَانَ غَف ور ا رَح يم ا *وَ لاَ تج َاد ل عَن الَّذ ينَ يخَ تَان ونَ أَنـ ف سَه م إ نَّ اللََّّ لاَ يح بُّ مَن كَانَ خَوَّانا أَث يم ا }*[105 ـ 107. ] إ أن يقول جل شأنه{ :وَمَن يَك س ب خَط يئَة أَو إ ثم ا ثم َّ يـَر م ب ه بَر يئ ا فـَقَد اح تَمَلَ بـ ه تَانا وَإ ثم ا م ب ينا *وَلَو لاَ فَض ل اللَّّ عَلَي كَ وَرَحْ َت ه لهََمَّت طَائ فَة م نـ ه م أَ ن ي ض لُّوكَ وَمَا ي ض لُّونَ إ لاَّ أَنـ ف سَه م وَمَا يَض رُّونَكَ م ن شَي ء وَأَنـ زَلَ اللَّّ عَلَي كَ ال ك تَابَ وَالح ك مَةَ وَعَلَّمَ كَ مَا لمَ تَك ن تـَع لَم وَكَانَ فَض ل اللَّّ عَلَي كَ عَظ يم ا *وَعَلَّمَكَ مَا لمَ تَك ن تـَع لَم وَكَانَ فَض ل اللَّّ عَلَي كَ عَظ يم ا [}*النساء: 112 ـ 113. ] روى شريح القاضي فقال: لما توجه علي إلى قتال معاوية افتقد درعا له ، فلما رجع وجدهـا في يد يهودي يبيعها في سوق الكوفة ، فقال: يَ يهودي الدرع درعي لم أهب و لم أبع ، فقال
عدد الصفحات ١٦٩اليهودي: درعي وفي يدي ، فقال: بيني وبينك القاضي ، قال شريح : فأتياني ، وقال علي: هذه الدرع درعي لم أبع ولم أهب. فقال اليهودي: درعي في يدي. قال شريح : يَ أمير المؤمنين هل من بينة؟ قال: نعم ، الحسن ابني. قال شريح : يَ أمير المؤمنين شهادة الابن للأب لا تجوز ، فقال علي: سبحان الله رجل من أهل الجنة لا تجوز شهادته ، سمعت رسول الله (ص) يقول« :الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة» .فقال اليهودي: أمير المؤمنين قدمني إلى قاضيه ، وقاضيه يقضي عليه ، أشهد أن هذا الدين على الحق ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن الدرع درعك يَ أمير المؤمنين سقطت منك ليل [330.]) إن المجتمع المسلم يقيم علقة بينه وبين مواطنيه من الأقليات الدينية على التسامح والبر والرحْة والعدالة والمساواة ، وغيرها من المبادئ الأخلقية التي تصون التواصل البشري على رغم اختلف الملل والنحل ، وأساس التسامح الديني الذي يقوم عليه الإسلم قوله تعالى: َ {لاَ يـَنـ هَاك م اللَّّ عَن الَّذ ينَ لمَ يـ قَات ل وك م في الد ين وَلمَ يخ ر ج وك م م ن د يََر ك م أَن تـَبـَرُّوه م وَتـ ق س ط وا إ لَي ه م إ نَّ اللََّّ يح بُّ ال م ق س ط ينَ *إ نمََّا يـَنـ هَاك م اللَّّ عَن الَّذ ينَ قَ اتـَل وك م في الد ين وَأَخ رَج وك م م ن د يََر ك م وَظَاهَر وا عَلَى إ خ رَاج ك م أَن تـَوَلَّو ه م وَمَن يـَتَولهَّ م فَأ ولَئ كَ ه م الظَّال م ونَ }*[8 ـ 9 . ]وهذا بالنسبة لجميع الطوائف غير المسلمة[331.]) 8 ـ الحقوق الشخصية أو (الخاصة): إن غير المسلمين في المجتمع الإسلمي حصلوا على قدر عظيم من الحماية لحقوقهم وحريَتهم الشخصية وغيرها ؛ مُا لم يحصل عليه مُن هم على شاكلتهم في المجتمعات الأخرى ، حيث صاروا تحت مظلة رسول الله (ص) القائل« :من اذى ذميا فأنا خصمه ، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة»([332.])
عدد الصفحات ١٧٠والدولة الحديثة المسلمة تهتم بالحريَت الشخصية ، وتَثل في الواقع مركز الدائرة بالنسبة إلى جميع الحريَت الأخرى ، وتعني الحرية الشخصية عند بعض علماء القانون حرية الفرد في الرواح والمجيء وحْاية شخصه من أي اعتداء ، وعدم جواز القبض عليه أو معاقبته أو حبسه إلا بمقتضى القانون ، وحريته في التنقل والخروج من الدولة وإليها[333.]) ويمكن تقسيم الحقوق الخاصة إلى: أ ـ حق التكريم الشخصي: إن حق التكريم الشخصي للإنسان الواردة في قوله تعالى: َ وَلَقَد كَرَّم نَا بَ ني آدَمَ }[ 70 . ] و قوله تعالى: َ وَإ ذ قَالَ رَبُّكَ ل ل مَلَئ كَة إ ني جَاع ل في الأَر ض خَ ل يفَة }[30 .]هو حق شخصي لكل فرد من أفراد المجتمع الإسلمي ـ بل الإنساني ـ ولكل مواطن يحمل جنسية الدولة الحديثة المسلمة ، ويرتب التزاما على الكافة ، سواء كانوا أفرادا ، أم مجتمعا ، أم دولة باحترام الفرد وإكرامه وإعزازه ، وتَكينه من الوضع الذي يحيا فيه كذلك ، كما يترتب التزاما على الكافة بتجنب كل ما يؤدي إلى إهانته ، وإذلاله ، والحط من كرامته ، وانتقاص إنسانيته. إن حق التكريم الشخصي مبدأ عام يغطي عالم الإنسان، ويعم كل أحواله[334.]) وكل إنسان له في الإسلم قدسية الإنسان... إنه في حْى محمي ، وحرم محرم ، ولا يزال كذلك حتى يهتك هو حرمة نفسه ، وينزع بيده هذا الستر المضروب عليه بارت كاب جريمة ترفع عنه جانبا من تلك الحصانة... بهذه الكرامة التي كرم الله بها الإنسانية في كل فرد من أفرادها ؛ هي الأساس الذي تقوم عليه العلقات بين بني ادم[335.])
عدد الصفحات ١٧١و هذا السياق تلفت أنظارنا فتوى هامة وعميقة الدلالة ، ذكرها ابن عابدين في حاشيته خلصتها: أنه إذا تنازع اثنان طفل ، وكان أحدهما مسلما والاخر ذميا ، وادعى المسلم أن الطفل ملك له ـ أي: عبد أو رقيق ـ بينما ادعى الذمي أنه ابن له فإنه يحكم لصالح الذمي ؛ لأن تنشئة الطفل على الحرية ، وإن كان على غير دين الإسلم أفضل من تنشئته على العبودية وإن كان على الإسلم ، إذ أن حرية المرء و كرامته يرتبطان بإنسانيته فيسبقان دينه ، ويتقدمان عليه[336 .])كما أن الحرية الحقيقية تساعد الشخص على الاختيار الصحيح ، وبذلك يصل إلى الإسلم بإذن الله. ب ـ حرية التنقل: إن مُا التزم به المسلمون فيما يجب عليهم لأهل الذمة إقرارهم في بلد المسلمين ، فيصيرون من مواطني الدولة ، ويحملون جنسيتها ، وبذلك يكون لهم ما للمواطنين المسلمين من حق الإقامة في أي مكان شاؤوا من أراضي الدولة ، ويتمتع غير المسلمين بحق التنقل و الذهاب والرواح داخل حدود الدولة وخارجها، دون أن يتعرضوا للحجز أو العقاب ، مطمئنين على سلمتهم وحْايتهم من أي اعتداء ، شأنهم شأن المسلمين من مواطني الدولة[337.]) ج ـ حق الأمن والأمان والحماية: إن الأمن والأمان والحماية هو حق شخصي لكل مواطن من مواطني الدولة من غير المسلمين ، ثابت لهم ، وهذا الحق يشمل عصمة الدماء والأموال والحفاظ عليها ، ويشمل كذلك الأمان من الخوف ، والأمن في المعاش ، والحماية لهم من كل عدوان داخلي أو خارجي ، والحفاظ على كرامتهم ومكانتهم ، وعدم إيذائهم بأي نوع من أنواع الإيذاء الجسدي أو المعنوي[338.])
عدد الصفحات ١٧٢د ـ حرمة المسكن: يتمتع الذميون «غ المسلمين» بحرمة المسكن ، فل يدخل أحد عليهم إلا بإذنهم ورضاهم ؛ لأن مسكن الشخص موضع أسراره ، ومحل حياته الخاصة مع أفراد عائلته وفيه أمو اله ، فمن الطبيعي أن يكون لهذا المحل حرمة لا يجوز لأحد أن يخرقها ، أو يعتدي عليها ؛ لأن الاعتداء على حرمة مسكن الشخص اعتداء على الشخص نفسه[339.]) وقد قلنا: إن الشريعة الإسلمية تحرم الاعتداء على الذمي ، وقد نص القران الكريم على المنع من دخول مساكن الغير بغير إذنهم ، قال تعالى{ :يََأَيـُّهَا الَّذ ينَ آمَن وا لاَ تَد خ ل وا بـ ي وتا غَيـ رَ بـ ي وت ك م حَتىَّ تَس تَأ ن س وا وَت سَل م وا عَلَى أَه ل هَا ذَل ك م خَيـ ر لَك م لَعَلَّك م تَذَكَّر ونَ *فَإ ن لمَ تجَ د وا ف يهَا أَحَد ا فَلَ تَد خ ل وهَا حَتىَّ يـ ؤ ذَنَ لَك م وَإ ن ق يلَ لَك م ار ج ع وا فَار ج ع وا ه وَ أَز كَى لَك م وَاللَّّ بم َا تـَع مَل ونَ عَل يم *ق يلَ لَك م ار ج ع وا فَار ج ع وا ه وَ أَز كَى لَك م وَاللَّّ بم َ ا تـَع مَل ونَ عَل يم [}*النور: 27 ـ 28. ] وهذا النص القراني الكريم يشمل بعمومه الذميين، فل يجوز لأحد أن يدخل بيوتهم بغير إذن منهم[340 ])، فالايتان الكريمتان كما قررتا حرمة المسكن ، فمنعتا من دخوله دون إذن صاحبه ورضاه إذا كان موجودا في المسكن ؛ فكذلك منعتا من دخوله في حال غيبته أيضا ، وأرشدتا إلى تقبل عدم الإذن بنفس رضية ، فهو أزكى عند الله ، ثم ربطتا هذه الحرمة بالعقيدة ورقابة الله تعالى{ :وَا بم َا تـَع مَل ونَ عَل يم }* [ 28([ ]341.]) وكما تستدعي حرمة المسكن عدم دخوله إلا بإذن صاحبه ، كذلك لا يجوز أن يفتش أو يمس أو يهاجم إلا بإذن القانون المعمول به في الدولة ، وحرمة المسكن هذه ترتبط بحرية الإقامة مع المسلمين ، سواء في أحيائهم ، أو في أحياء خاصة بهم[342.])
عدد الصفحات ١٧٣هـ سرية المراسلت : ومضمونها عدم جواز مصادرة أو اغتيال سرية المراسلت بين الأفراد ؛ لما يتضمنه ذلك من اعتداء على حق ملكية الخطابات المتضمنة لهذه المراسلت ، ولما في ذلك من انتهاك لحرية الفكر[343 ])، وسرية المراسلت بصفتها حقا شخصيا مضمونة في النظام الإسلمي لسببين: الأول: تكييف الرسالة بأنها مُلوكة لصاحبها ، وأي تصرف فيها هو انتهاك لحق الملكية ، وهذا مُنوع شرعا إلا بإذنه ورضاه. الثاني: أنها بمنزلة "الوديعة" حتى تصل إلى المرسلة إليه. والوديعة لا يجوز شرعا التصرف فيها من المودع لديه بأي نوع من أنواع التصرف ات ، وهذا يستلزم شرعا إيصالها كما هي أو إعادتها كما هي إلى صاحبها ، وكما أن مساكن الناس هي مكمن أسرارهم وخاصيتهم ؛ وعليه قررت الشريعة الإسلمية حرمة هذه المساكن ، وعدم هتك أستارها ، فكذلك المراسلت في الغالب تتضمن أسرار أصحابها وخاصياتهم ، ولهذا يجب الحفاظ عليها ، وعدم الاطلع على مضامينها إلا بإذن أصحابها. وبما أن سرية المراسلت حق شخصي للمواطنين المسلمين في الدولة الإسلمية ؛ فهي كذلك حق لكل مواطن من غير المسلمين في هذه الدولة ؛ لأن الاعتداء على سرية المراسلت لغير المسلمين هو بمثابة الاعتداء على أشخاصهم ، وفي الاعتداء على أشخاصهم تعارض مع عقد الذمة معهم[344.]) و ـ حرية اللباس والطعام: مر معنا الايَت القرانية التي تدعو إلى حسن التعامل مع أهل الذمة ، وحسن العشرة ، وعدم ظلمهم ، أو إلحاق الأذى بهم ، ومن ذلك الاية في قوله تعالى: َ {لاَ إ ك رَاهَ في الد ين }
عدد الصفحات ١٧٤[256 . ]تعت القاعدة الأساسية في منحهم حرية العقيدة ، وما يتفرع عنها من عبادات ومُارسات وأداء شعائر ، ولم ير في القران الكريم ما يلزم غير المسلمين بلباس معين ، وزي معين ، غير ما كانوا يعتادونه قبل عهد الصلح معهم. وقد كانت وصايَ الرسول (ص) بغير المسلمين في المجتمع الإسلمي غاية في السماحة ، وحسن العشرة ، وعدم إيذائهم ولو بكلمة تجرح مشاعرهم ؛ لأنهم بعهدهم مع المسلمين صاروا في ذمة الله ، وذمة رسوله ، وذمة المسلمين ودينهم ، ولم يثبت عنه (ص) أنه ألزم غير المسلمين لباسا معينا غير ما كانوا عليه قبل العهد ، وعهده (ص) مع نصارى نجران يثبت ذلك[345.]) وتتكرر هذه الصورة من السماحة الإسلمية في عهد الخلفاء الراشدين ، وقادة الفتح في ذلك العهد ، فهذه العهود خالية من أي إلزام لغير المسلمين بزي أو لباس معين ، أو إجبارهم على مثل ذلك[346.]) وعرف الإسلم بالتسامح مع أصحاب الديَنات الأخرى في المجتمع الإسلمي ، وخاص ة في حرية عقائدهم ، والاثار التي تنتج عنها ، ومن ذلك أنه أباح لغير المسلمين أي طعام أو شراب يتعاطونه إلا ما توافق على تحريمه في الديَنة الإسلمية وديَناتهم ، أما ما كان مباحا في ديَناتهم فقد أباحه الإسلم لهم ، ولو كان محرما في شريعة المسلمين ، ومثال ذلك: إباحة الإسلم للنصارى أكل لحم الخنزير ، وشرب الخمر ، على أساس أنهما مباحان في ديَناتهم ، ومحرمان في الشريعة الإسلمية ، فالإسلم أطلق لهم حرية التعامل في الطعام والشراب ، مع ما أباحته ديَناتهم تَشيا مع سماحته المعهودة مع أصحاب الديَنات الأخرى في المجتمع الإسلمي. 9 ـ ضمانات حقوق المواطنين:
عدد الصفحات ١٧٥إن تقرير حق من الحقوق لا معنى له ما لم يكن مصحوبا بضمان كاف للوفاء به ، فالحديث عن الحقوق من غير ضمان واضح ، وأكيد ضرب من الخداع ، والحقوق غير المضمونة مصدر الشقاء والتعاسة أو الفوضى والاضطرابات عندما تكافح الفئة المظلومة لنيل حقوقهم المشروعة ضد الفئة المستبدة الغاشمة ، بروز قضية حقوق الإنسان ، وتشدق الناس بها يدل على انتهاك الحقوق أكثر مُا يدل على ضماناتها. ومن أهم الضمانات لحقوق المواطنين في الدولة الحديثة المسلمة: أ ـ ضمان الإيمان: إن الإيمان لا يكون إيمانا على وجهه إلا برسوخ متطلباته في القلوب ، وإقرارها في اللسان ، وأدائها في الأركان . وكلما ترسخ الإيمان في النفوس كلما ازداد عدم ارتياح المسلمين بالا حتى توى تلك الحقوق للخرين على وجهها كمطلب إيماني ، ولا يسمح الإيمان لحالات الحب أو العداوة وحالات البعد أو القرابة بالتأثير على الانتقاص من هذه الحقوق ، فضل عن الحيلولة دون الوفاء بها[347.]) كما قال تعالى: َ يََأَيـُّهَا الَّذ ينَ آمَن وا ك ون وا قـَوَّام ينَ للّ َّ ش هَدَاءَ با ل ق س ط وَلاَ يجَ ر مَنَّك م شَنَآن قـَو م عَلَى أَلاَّ تـَع د ل وا اع د ل وا ه وَ أَقـ رَب ل لتـَّق وَى}[8. ] وقال تعالى{ :يََأَيـُّهَا الَّذ ينَ آمَن وا ك ون وا قـَوَّام ينَ با ل ق س ط ش هَدَاءَ للّ َّ وَلَو عَلَى أَنـ ف س ك م أَو ال وَال دَي ن وَالأَقـ رَب ينَ إ ن يَك ن غَن يًّا أَو فَق ير ا فَاللَّّ أَو لىَ به مَا فَ لَ تـَتَّب ع وا اله َوَى أَن { }تـَع د ل وا وَإ ن تـَل و وا أَو تـ ع ر ض وا فَإ نَّ اللََّّ كَانَ بم َا تـَع مَل ونَ خَب ير ا [}*النساء: 135. ] ومثل هذا الضمان هو تفقد الدساتير الأرضية والقوانين الوضعية ؛ التي تنص على المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات ، ثم تظل حبرا على ورق لغلبة الأهواء و العصبيات التي لم
عدد الصفحات ١٧٦تستطع القوانين أن تنتصر عليها ؛ لأن الشعب لا يشعر بقدسيتها ، ولا يؤ من في قرارة نفسه بوجوب الخضوع لها ، والانقياد لحكمها[348.]) ب ـ ثبات المقررات الشرعية وواجب الدولة: لا تتعرض الشريعة الإسلمية بما فيها حقوق المواطنين للتقلب والتغير أو النقص والحذف ، فتستقر الأمور ، ولا تضطرب الحقوق ، فالثبات من ضرورات الحياة على أنه لا يساوي الجمود ، بل يسمح بالتطور في محوره وإطاره مواكبة لكل ما هو لازم من تطورات الحياة ، ويزيد هذا الثبات تأكدا ؛ حيث إنه كذلك أمر قدري ، فقد أراد الله لهذه المقررات الشرعية أن لا تتبدل ، ولا يوجد لها تحويل ، وأضفى عليها ضمانا ربانيا ، حيث قال: { إ نحَ ن نـَزَّل نَا الذ ك رَ وَإ ناَّ لَه لحََاف ظ ونَ }*[الحجر9. ] ولقد كان طبيعيا أن يحفظ الله كتابه من كل تغيير أو تبديل ، فإن التبديل والتغيير يكون ـ إذا حسنت الظن ـ بحثا عن الأفضل والأحسن سدا لنقص ، أو سعيا إلى الكمال[349.]) وكلم الله غني عن كل هذا: َ وَمَن أَص دَق م نَ اللَّّ حَد يث ا }*[87. ] ََ {وَمَن أَح سَن م نَ اللَّّ ح ك م ا ل قَو م ي وق ن ونَ }*[50. ] {ال يـَو مَ أَك مَل ت لَك م د ينَك م وَأَتَ َم ت عَلَي ك م ن ع مَتي وَرَض يت لَك م الإ س لَمَ د ينا }[3 ] . إن مقررات الشريعة منزلة من عند الله ، فل يملك تعديلها سواه ، ولا سلطة فوق سلطانه ، ومهمة الدولة ليست إلا للمحافظة على هذه المقررات باحترامها ، والعمل بمقتضاها على
عدد الصفحات ١٧٧طريق سياستها العادلة ، وأي تقصير في هذا الواجب يعرضها لنصح العلماء ، و انتقاد الأمة ، بل ومساءلتها أمام أهل الحل والعقد أو القضاء[350.]) وهذا الحفظ والضمان لم يتحقق حتى للكتب السماوية السابقة التي شاء الله أن يكل حفظها لأصحابها ؛ فحرفوا وبدلوا{ :بم َا اس ت ح ف ظ وا م ن ك تَاب اللَّّ وَكَان وا عَ لَي ه ش هَدَاءَ }[ 44. ] وبالأو للدساتير والقوانين الارضية ؛ فهي رهينة التغيير سواء بإرادة الشعب أو بالمفاجأة عن طريق الثورة والانقلب ، والتاريخ غني بالشواهد على ذلك[351.]) ج ـ ضمان الأمة: بفضل إنسانية الإسلم وتجاوبه مع الفطرة البشرية تجاوز ضمان العمل بمقرراته صورة النصوص والقواعد أو الدستور والقوانين إلى ضمير الأمة ؛ بحيث يتخذ رأيَ عاما وشكل عمل حضاري من أعمالها ، وقد ساعد على ذلك واجب التواصي بالحق بين المواطنين. ومن مفاخر النظام الإسلمي استقللية القضاء ، وفي رحابه وجد كل مظلوم الضمان والأمان ، وإن كان ضعيفا ، وقد يكون أحد طرفي النزاع ، كما مر معنا في قصة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مع مواطن من أهل الكتاب. وقد يحدث تصرف يزعج بعض المواطنين من رئيس الدولة ، ولكنه سرعان ما يعار ضه الرأي العام المتمثل في العلماء ، أو قد يأتي أمير بعده يلغي ما ت على عهد سابقه ترضية للمواطنين ، مثال ذلك: كان الوليد بن عبد الملك أخذ كنيسة يوحنا من النصارى ، وأدخلها في المسجد ، فلما استخلف عمر بن عبد العزيز شكا النصارى إليه ما فعل الوليد بهم في كنيستهم ، فكتب إلى عامله برد ما زاده في المسجد عليهم ؛ لولا أنهم تراضوا مع الوالي على أساس أن يعوضوا بما يرضيهم[352.])
عدد الصفحات ١٧٨ومن مواقف العلماء الذين هم بجانب الحـق والمظلومين دومـا موقف الإمام الأوزاعي ؛ مُا حدث لأهل جبل لبنان. كان ناس من المواطنين النصارى أحدثوا حدثا ، وعلى الشام يومئذ صالح بن علي بن عبد الله ، أحد قواد العباسيين ، فحاربهم ، وأجلهم جميعا ، فكتب إليه الأوزاعي [353 :])قد كان إجلء أهل الذمة من أهل جبل لبنان مُا لم يكن يتمالأ عليه خروج من خرج منهم ، ولم تطبق عليه جماعتهم ، فقتل منهم طائفة ، ورجع بقيتهم إلى قراهم ، فكيف تؤخذ عامة بعمل خاصة ، فيخرجون من ديَرهم وأموالهم. وقد بلغنا أن من حكم الله جل وعز أنه لا يأخذ العامة بعمل الخاصة ، ولكن يأخذ الخاصة بعمل العامة ، ثم يبعثهم على أعمالهم ، فأحق ما اقتدى به ، ووقف عليه حكم الله تبارك وتعالى ، وأحق الوصايَ أن تحفظ وصية رسول الله (ص[)354 ])، فإنهم ليسوا بعبيد فتكونوا من تحويلهم من بلد إلى بلد في سعة ، ولكنهم أحرار أهل الذمة[355 ])، ولم يتغير موقف العلماء جيل بعد جيل ، إذ هم حْاة على رأس هذا الدين وتعاليمه من أن تنتهك ، فهذا أحد مواقف مشيخة الأزهر الحاسمة في أي انحراف عن الجادة ، وإن تَثل في الحاكم. ذكر أن الوالي عباس الأول الذي تولى الحكم في مصر كان شديد النقمة على النصار ى ، وأخرج كثير منهم من خدمة الدولة ، وأراد أن يدبر إخراجهم من وطنهم ، وإبعادهم إلى السودان ، ولزمه لتنفيذ هذا الأمر أن يستصدر من الأزهر فتوى بجوازها ، فطلب إلى الشيخ الباجوري شيخ الجامع الأزهر وقتها الرأي في جواز إبعادهم ، غير أن الشيخ الفاضل رفض إنفاذ رغبة الوالي قائل : إن كان الوالي يعني الذميين الذين هم أهل البلد وأصحابها ، فالحمد لله لم يطرأ على ذمة الإسلم طارأئ، ولم يستول عليها خلل، وهم في ذمته إلى اليوم الاخر[356.])
عدد الصفحات ١٧٩