يقول العلمة ابن عاشور التونسي في شأن مشاورة الرسول (ص) للمنافقين: ويحتمل أن يراد استشارة عبد الله بن أبي وأصحابه ، فالمراد الأخذ بظاهر أحوالهم وتأليفهم ؛ لعلهم أن يخلصوا الإسلم ، أو لا يزيدوا نفاقا ، وقطعا لأعذارهم فيما يستقبل[268.]) فإذا كان حال الرسول (ص) مع أعدائه المواطنين الذين يسكنون معه ، ويقيمون بين ظهرانيه ، فكيف الحال مع أهل الذمة الذين أسلموا أمرهم في احترام قيم الدولة الحديثة المسلمة[269])؟! وإذا أجاز بعض الفقهاء ـ منهم الحنفية والحنابلة في الصحيح من المذاهب والشافعية ؛ ما عدا ابن المنذر وابن حبيب من المالكية[270 ])ـ إلى جواز الاستعانة بأهل الكتاب في القتال عند الحاجة ، فمن باب أولى أن يستعان بهم في الاستشارة المدنية المتعلقة بمصالح العامة من المواطنين ، أو الرعية [271.]) إن المعول عليه إثبات الحقوق السياسية لغير المسلمين في الدولة الحديثة المسلمة هو مبدأ حق المواطنة الكاملة المقرر بالنسبة لهم الذي نصت عليه صحيفة المدينة ، وجعلته قاعدة دستورية إسلمية أنهم أمة مع المؤمنين ، وأن بينهم النصح والنصيحة ، والبر دون الإثم ، و نصت الوثيقة على اعتبار اليهود مع المؤمنين المقيمين في المدينة من مواطني الدولة ، وجعلت لهم من الحقوق والواجبات مثلما للمسلمين[272.]) د ـ دعوى منع غير المسلمين من عضوية البرلمان: أما دعوى بعضهم المنع من تَكين غير المسلم من عضوية المجلس النيابي بأنه داخل في موالاة غير المسلمين ، وهي منهي عنها بشدة في كتاب الله ، فنقول لهؤلاء : يجب علينا لكي يكون حكما صحيحا أن نحدد معنى الموالاة المحرمة ، فإن تحديد المفاهيم أمر ضروري لإصدار
عدد الصفحات ١٤٨الأحكام حتى لا تختلط الأمور ، وتضطرب الموازين ، لقد فهم بعض الناس من الايَت الناهية عن موالاة غير المسلمين والمحذرة منها: أنها تدعو إلى الجفوة والقطيعة و الكراهية لغير المسلمين ، وإن كانوا «أهل دار الإسلم» والموال للمسلمين المخلصين لجماعتهم ، والمشاركين لهم في المواطنة والواقعين معهم في صف واحد في مواجهة المعادين و المعتدين ، والحق أن يتأمل الايَت المذكورة تأمل فاحصا ، ويدرس تواريخ نزولها وأسبابه و ملبساته يتبين له ما يأتي: * النهي الذي تضمنته الايَت: إنما هو النهي عن اتخاذ المخالفين أولياء بوصفهم جماعة متميزة بديَنتها وعقائدها وأفكارها وشعائرها ، أي: بوصفهم يهودا أو نصارى أو مجوسا ، أو نحو ذلك، لا يوصفهم جيرانا أو زملء أو مواطنين ، والمفروض أن يكون ولاء المسلم لله[273 ])ولرسوله وللمؤمنين. كما أن الايَت الواردة في النهي عن موالاة اليهود والنصارى كقوله تعالى: َ يََأَيـُّ هَا الَّذ ينَ آمَن وا لاَ تـَتَّخ ذ وا ال يـَه ودَ وَالنَّصَارَى أَو ل يَاءَ بـَع ض ه م أَو ل يَاء بـَع ض وَ مَن يـَتـَوَلهَّ م م ن ك م فَإ نَّه م نـ ه م إ نَّ اللََّّ لاَ يـَه د ي ال قَو مَ الظَّال م ينَ }*[51. ] فهي واردة في حالة الحرب والعداوة الظاهرة [274 ])، وليس ضمن حالة السلم والتعايش الأهلي بين الناس جميعا ؛ وإلا لكان من النبي (ص) عند دخول المدينة ، وإقامة دولته فيها ، أن يبدأ بقتال اليهود وطردهم من بيوتهم ، وهذا ما لم يحدث البتة ، وإنما قام النبي (ص) بتأسيس الدستور السياسي الذي يشمل جميع المواطنين ، وجعله هو الحكم. * الموادة التي نهت عنها الايَت: ليست هي موادة أي مخالف في الدين ، ولو كان سلما للمسلمين ، وذمة لهم ، إنما هي النهي عن موادة من اذى المسلمين وحاربهم ، وبلغة القران حاد الله ورسوله ، ومُا يدل على ذلك:
عدد الصفحات ١٤٩قوله تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حادوَرَس ولَه }[ 22 . ] ومحادة الله ورسوله ليست مجرد الكفر بهما ، بل محاربته دعوتهما ، والوقوف في وجهها ، وإيذاء أهلها ، والتصدي لها بكل سبيل. وقوله تعالى في مستهل سورة الممتحنة{ :يََأَيـُّهَا الَّذ ينَ آمَن وا لاَ تـَتَّخ ذ و ا عَد و ي وَعَد وَّك م أَو ل يَاءَ تـ ل ق ونَ إ لَي ه م با ل مَوَدَّة وَقَد كَفَر وا بم َا جَاءَك م م نَ الح َق يخ ر ج ونَ الرَّس ولَ وَإ يََّك م أَن تـ ؤ م ن وا با للَّّ رَب ك م }[1. ] فالاية تعلل تحريم الموالاة ـ أو الإلقاء بالمودة إلى المشركين ـ ليس بمجرد كفره م بالإسلم ، بل بأمرين مجتمعين: كفرهم بالإسلم ، وإخراجهم للرسول والمؤمنين من ديَرهم بغير حق. وقوله تعالى: َ لاَ يـَنـ هَاك م اللَّّ عَن الَّذ ينَ لمَ يـ قَات ل وك م في الد ين وَلمَ يخ ر ج وك م م ن د يََر ك م أَن تـَبـَرُّوه م وَتـ ق س ط وا إ لَي ه م إ نَّ اللََّّ يح بُّ ال م ق س ط ينَ *إ نمََّا يـَنـ هَ اك م اللَّّ عَن الَّذ ينَ قَاتـَل وك م في الد ين وَأَخ رَج وك م م ن د يََر ك م وَظَاهَر وا عَلَى إ خ رَاج ك م أَن تـَوَلَّو ه م وَمَن يـَتَ ولهَّ م فَأ ولَئ كَ ه م الظَّال م ونَ }*[8 ـ 9 . ]فقسم المخالفين في الدين إلى فريقين : أ ـ فريق كان سلما للمسلمين لم يقاتلهم في الدين ، ولم يخرجهم من ديَرهم ، فهؤلاء لهم حق البر ، والإقساط إليهم. ب ـ وفريق اتخذوا موقف العداوة والمحاداة للمسلمين بالقتال ، أو الإخراج من الديَر ، أو المظاهرة والمعاونة على ذلك ، فهؤلاء يحرم موالاتهم مثل مشركي مكة الذين ذاق المسلمون على أيديهم الويلت ، ومفهوم هذا النص أن الفريق الاخر لا يحرم موالاته. _خ الإسلم أباح للمسلم التزوج بأهل الكتاب:
عدد الصفحات ١٥٠والحياة الزوجية يجب أن تقوم على السكون النفسي والمودة والرحْة ، كما دل ذلك القران في قوله تعالى: {ل تَس ك ن وا إ لَيـ هَا وَجَعَلَ بـَيـ نَك م مَوَدَّة وَرَحْ َة }[21. ] وهذا يدل على أن موادة المسلم لغير المسلم لا حرج فيها ، وكيف لا يواد الرجل زوج ته وشريكة حياته إذا كانت كتابية؟ وكيف لا يواد أصهاره وقد قال تعالى: َ وَه وَ الَّذ ي خَلَقَ م نَ المَاء بَشَر ا فَجَعَلَه نَسَب ا وَص ه ر ا}[54 . ]وكيف لا يواد الولد جده وجدته وخاله وخالته ، ولا يصل أرحامهم إذا كانت أمه ذمية؟ وكذلك أولاد الأخوال والخالات ، فهم من ذوي القرب الذين أوجب القران ، وأكدت السنة حقوقهم[275.]) _خ الأخوة الدينية والوطنية: لا شك أن الإسلم يؤكد إعلء الرابطة الدينية على كل رابطة سواها ، سواء كانت الرا بطة نسبية أم إقليمية أم عنصرية أم طبقية ، فالمسلم أخو المسلم ، والمؤمنون إخوة ، و المسلمون أمة واحدة يسعى بذمتهم أدناهم ، وهم يد على من سواهم ، والمسلم أقرب إلى المسلم من أي كافر بدينه ولو كان أباه وابنه أو أخاه ، وهذا ليس في الإسلم وحده ، بل هي طبيعة كل دين وكل عقيدة ، ومن قرأ الإنجيل يؤكد هذا المعنى في أكثر من موقف. ولكن ينبغي أن يعلم: أن هناك ألوانا من الأخوة يعترف بها الإسلم وهي غير الأخوة الدينية ، فهناك الأخوة الوطنية ، والأخوة الإنسانية ، ومن هنا وجدنا القران يقول: َ كَذَّبَت قـَو م ل وط ال م ر سَل ينَ *إ ذ قَالَ لهَ م أَخ وه م ل وط أَلاَ تـَتـَّق ونَ }*[160 ـ 161. ] وقال تعالى{ :إ ذ قَالَ لهَ م أَخ وه م ه ود أَلاَ تـَتـَّق ونَ }*[124. ] و ثمود قال{ :إ ذ قَالَ لهَ م أَخ وه م صَال ح أَلاَ تـَتـَّق ونَ }*[142. ]
عدد الصفحات ١٥١فأثبت لهؤلاء الرسل الأخوة لأقوامهم مع تكذيبهم لهم ،ءَ وكفرهم بهم ، فهي ليست أخوة دينية ، وإنما هي أخوة قومية ، فل غرو أن تكون بين المسلمين والأقباط في مصر أخوة وطنية ، وكذلك بين المسلمين والمسيحيين في لبنان وسورية والأردن أخوة وطنية ، وبين المسلمين والمسيحيين في الوطن العربي كله أخوة قومية[276.]) هـ من أهم شروط وضوابط مشاركة غير المسلمين في البرلمان: * أن تكون هذه المشاركة في إطار حجمهم الطبيعي متماشية مع نسبة السكان. * أن يكون ذلك من باب تَثيل طائفتهم لعرض مشاكلهم ، ومقترحات حلولها. * ألا يترتب على ذلك مفسدة تضر بالعباد والبلد. * أن يكون الشخص المرشح معروفا بحسن السيرة. * أن يكون الشخص المرشح من الشخصيات المشهود لها بالحس الوطني. * أن يكون الشخص المرشح من ذوي الكفاءات التي تحتاج إليها الدولة ، ويساهم في البناء الوطني. * فهو مواطن له ما لغيره وعليه ما على غيره ، ومن حقه ـ بل من الواجب عليه ـ أن يساهم في رقي بلده بما لديه من إمكانيات. * أن تستبعد اراؤهم فيما يتعلق بالشريعة وأحكامها ، ولا يؤخذ برأيهم في ذلك[277.])
عدد الصفحات ١٥٢إن وجود أعضاء البرلمان من المواطنين من غير المسلمين كاليهود والنصارى والأقليات في الدولة الحديثة المسلمة من شأنه إشاعة روح الوحدة ، والتالف، وزيَدة التفاهم بين المسلمين وبقية المواطنين من الأقليات والديَنات الأخرى؛ مُا يشعرهم بأنهم جزء من نسيج المجتمع ، ويترسخ مفهوم المواطنة في نفوسهم ، فيعملون لصالح الوطن لا أن يكونوا معاول هدم تعمل ضده ، فالدستور في الدولة الحديثة المسلمة جعل المواطنين على قدم المساواة في حق الانتخاب والترشيح ، وساوى بين المواطنين في الحقوق والواجبات[278.]) 5 ـ الحقوق الفكرية : أ ـ حرية التدين والعقيدة: قال تعالى: َ لاَ إ ك رَاهَ في الد ين قَد تـَبـَينََّ الرُّش د م نَ ال غَي }[رة 256. ] و يتولى في الاخرة حسابه َ { وَق ل الح َقُّ م ن رَب ك م فَمَن شَاءَ فـَل يـ ؤ م ن وَمَن شَاءَ فـَل يَك ف ر إ ناَّ أَع تَد ناَ ل لظَّال م ينَ ناَر ا أَحَاطَ به م س رَاد قـ هَا} [29. ] فتأسيسا على مبدأ حرية العقيدة الذي قرره الإسلم ، فعلى الدولة الحديثة المسلمة والمسلمين جميعا واجب التسامح الديني إزاء أهل سائر الملل والن حَل. والتسامح الديني ليس معناه بالطبع اتخاذ المواقف المتأرجحة من الأديَن أو القو ل بأن الكل سواء ، فهو إما جهل أو نفاق ، وللتسامح الديني مقومات من أهمها: _خ رسوخ الإيمان ، وقوة الاقتناع بأن الإسلم وحده هو الدين الحق ، قال تعالى: {إ ن الد ينَ ع ن دَ اللَّّ الإ س لَم }[عمران : 19. ] وقال تعالى: َ فَمَاذَا بـَع دَ الح َق إ لاَّ الضَّلَل }[32. ]
عدد الصفحات ١٥٣_خ بهذا المنطق الإيماني ، وبحب الخير لجميع الناس يتقدم المسلم بعرض دينه أمام الجميع، ودعوتهم إليه دون فرضه على أحد ، بل ولابد من ترك الناس أحرارا في أن ينظروا في أمرهم ، ويختاروا أي دين أو معتقد يميلون إليه. _خ رعاية شعور غير المسلمين وخاطرهم بعدم إيذائهم بالقول أو الفعل ، فمن المنهي عنه سب معتقداتهم ، أو الاستهزاء بما يدينون به سدا للذريعة ، كذلك التضييق عليهم عند مُارسة دينهم. _خ تَكينهم من مُارسة دينهم ، ومن توفيرهم لوسائلها اللزمة ، وإعطائهم الحرية الكافية في ذلك ، مع مراعاة النظام العام ، والشعور العام. _خ تَكينهم من تعليم دينهم على أتباعه ، وعرضه على أبنائهم دون إرغام ، و إعطائهم حق الحوار الديني مع المسلمين[279.]) ب ـ الكنائس والمعابد: وقد صان الإسلم لغير المسلمين معابدهم وكنائسهم ، وكفل لهم أداء شعائرهم وعبادتهم ، وتنص على ذلك كل عقود الذمة منذ نشأة الدولة الإسلمية الأولى ودور العبادة ، فهي محفوظة لهم ومحروسة لا ته دم ولا ت نقص ، ولهم حرية ارتيادها ، وإقامة شعائرهم فيها[280.]) ويقول الكاساني: وأما الكنائس والبيع القديمة فل يتعرضون لها ، ولا ي هدم شيء منها[281.]) وللعلماء تفصيل في هذا الباب ، وثمة اختلف في استحداثها وإعادة بنائها
عدد الصفحات ١٥٤حسب الإقليم والأرض ، وهل فتحت صلحا أم عنوة وحسب أغلبية ساكنيه ، وهل هم من المسلمين أم من أهل الذمة ، وحسب شروط العقد ، ومن يريد التفصيل يرجع إليه في مكانه[282.]) ولكن هذا الموضوع فقه اجتهادي ، وارتكزت المعايير التي أقام عليها الفقه الإسلمي اراءه على المصلحة وسلطة الإمام ، ولن يعجز الفكر السياسي الإسلمي أن يرتكن إلى معايير يمكن من خللها تنظيم إقامة الكنائس والبيع لغير المسلمين ، مثل: معرفة أماكن التوزع الجغرافي لغير المسلمين ، وحاجة غير المسلمين إلى إقامة المعابد ، وإعداد غير المسلمين التي على أساسها يتم بناء كنيسة ، أو معبد جديد ، فالقضية بالأساس هي قضية اجتهادية تحكمها المصلحة والعرف والعادة ، وهي أمور متغيرة بتغير الأحوال والزمان والمكان[283.]) لقد كان التاريخ خير شاهد على التزام المسلمين بالمحافظ على دور العبادة والكنائس. يقول ول ديورانت : لقد كان أهل الذمة المسيحيون ، والزرادشتيون ، واليهود ، والصابئون يستمتعون في عهد الخلفة الأموية بدرجة من التسامح لا نجد لها نظيرا في البلد المسيحية في هذه الأيَم ، فلقد كانوا أحرارا في مُارسة شعائر دينهم ، واحتفظوا بكنائسهم ومعابدهم[284.]) ويقول المفكر الإسباني (بلسكوا أبانيز) في كتابه «ظلل الكنيسة» متحد عن الفتح الإسلمي للأندلس: لقد أحسنت إسبانيا استقبال أولئك الرجال الذين قدموا إليها من القارة الإفريقية ، وأسلمتهم القرى أزمتها بغير مقاومة ولا عداء، فما هو إلا أن تقترب كوكبة من فرسان العرب من إحدى القرى ، حتى تفتح لها الأبواب ، وتتلقاها بالترحاب كانت غزوة تَوين ، ولم تكن غزوة فتح وقهر .. ولم يتخل أبناء تلك الحضارة زمنا عن فضيلة حرية الضمير ، وهي الدعامة التي تقوم عليها كل عظمة حقة للشعوب ، فقبلوا
عدد الصفحات ١٥٥في المدن التي ملكوها كنائس النصارى ، وبيع اليهود ، ولم يخش المسجد معابد الأديَن التي سبقته ، فعرف لها حقها، واستقر إلى جانبها، غير حاسد لها، ولا راغب في السيادة عليها[285.]) وتقول المستشرقة الألمانية (زيغريد هونكه): المسيحيون والزرادشتية واليهود الذين لاقوا قبل الإسلم أبشع أمثلة للتعصب الديني ، وأفظعها ، سمح لهم جميعا دون أي عائق يمنعهم من مُارسة شعائر دينهم ، وترك المسلمون لهم بيوت عبادتهم وأديرتهم وكهنتهم و أحبارهم دون أن يمسوهم بأدنى أذى ، أو ليس هذا منتهى التسامح؟ أين روى التاريخ مثل تلك الأعمال؟ ومتى؟[286.]) يقول ول ديورانت : وكان اليهود في بلد الشرق الأدنى قد رحبوا بالعرب الذين حرروهم من ظلم حكامهم السابقين ، وأصبحوا يتمتعون بكامل الحرية في حياتهم ، ومُارسة شعائر دينهم ، وكان المسيحيون أحرارا في الاحتفال بأعيادهم علنا ، والحجاج المسيحيون يأتون أفواجا امنين لزيَرة الأضرحة المسيحية في فلسطين ، وأصبح المسيحيون الخارجون على كنيسة الدولة البيزنطية ؛ الذين كانوا يلقون صورا من الاضطهاد على يد بطاركة القسطنطينية ، وأورشليم ، والإسكندرية ، وأنطاكية أصبح هؤلاء الان أحرارا امنين تحت حكم المسلمين[287.]) ويقول المؤرخ الإنجليزي توماس أرنولد : لقد عامل المسلمون الظافرون العرب المسيحيين بتسامح عظيم منذ القرن الأول للهجرة ، واستمر هذا التسامح في القرون المتعاقبة[288.]) وأما فرنسا والتي تعد حاملة المساواة في العالم الحديث فقامت بسن وتطبيق يمنع الرموز الدينية في المدارس الحكومية في عام (2004م) بالرغم من المعارضة الكبيرة له داخل وخارج فرنسا . وقد كان مبررها في سن ذلك هو الحفاظ على هوية وعقيدة الدولة الفرنسية القائمة على العلمانية.
عدد الصفحات ١٥٦ولكن هذا القانون أصاب قيم المساواة والعدالة والحرية «وهي شعار الثورة الفرنسية » في مقتل ، وألغى عمليا أحكام الدستور الفرنسي (1958م) في التطبيق ، فهذا الدستور ينص في المادة (2 )أن فرنسا : تضمن المساواة أمام القانون لجميع المواطنين دون تَييز بسبب الأصل ، أو الجنس ، أو الدين ، وهي تحترم كل المعتقدات. فهذا القانون يتعارض بصورة واضحة مع احترام المعتقدات الدينية ، ومع حقوق المجموعات الدينية في فرنسا في التعبير عن معتقداتها بحرية ، وهو من الحقوق التي لا يجوز تقييدها إلا إذا كان في ذلك مساس بالنظام العام ، أو حريَت الاخرين ، ولا يستطيع أحد الزعم بأن ارتداء فتاة مسلمة للحجاب تطبيقا لفرض ديني يمكن أن يكون ماسا بالنظام العام ، أو مؤثرا في حريَت الاخرين [289.]) ج ـ التحاكم إلى دينهم: لا تتدخل الدولة الحديثة المسلمة في الشؤون التفصيلية لمواطنيهم من أهل الذمة ، ولا تجبرهم على التحاكم أمام القضاء الإسلمي ، وإن كانوا خاضعين مثل بقية مواطني الدولة بالأحكام العامة المتعلقة بسلمة المجتمع وأمنه. ونقل العيني عن الزهري قوله: مضت السنة أن يرد أهل الذمة في حقوقهم ومعاملتهم ومواريثهم إلى أهل دينهم ، إلا أن يأتوا راغبين في حكمنا ، فنحكم بينهم بكتاب الله[290.]) كما نقل عن ابن القاسم قوله: إن تحاكم أهل الذمة إلى حاكم المسلمين ورضي الخصمان به جميعا ؛ فل يحكم بينهما إلا برضا من أساقفتهما ، فإن كره ذلك أساقفتهم فل يحكم بينهم ، وكذلك إن رضي الأساقفة ولم يرض الخصمان أو أحدهما لم يحكم بينهما[291.]) وقد سجل المؤرخون هذا البعد الجميل في تسامح المسلمين ، وأنهم تركهم لمواطنيهم حق التحاكم إلى شرائعهم ، وبواسطة قسسهم ورجال دينهم[292.])
عدد الصفحات ١٥٧يقول ادم متز: ولما كان الشرع الإسلمي خاصا بالمسلمين ؛ فقد خلت الدولة الإسلمية بين أهل الملل الأخرى وبين محاكمهم الخاصة بهم ، والذي نعلمه من أمر هذه المحاكم أنها كانت محاكم كنسية ، وكان رؤساء المحاكم الروحيون يقومون فيها مقام كبار القضاة أيضا ، وقد كتبوا كثيرا من كتب القانون ، ولم تقتصر أحكامهم على مسائل الزواج ، بل كانت تشمل إلى جانب ذلك مسائل الميراث ، وأكثر المنازعات التي تحض المسيحيين وحدهم مُا لا شأن للدولة به[293.]) ولكن مُا ينبغي ذكره هنا أن الكثيرين من أهل الذمة رغبوا في التحاكم إلى التشريع الإسلمي ، ورغبوا أن تكون مواريثهم حسب ما قررته الشريعة الإسلمية متذرعين بنقصان تشريعاتهم الدينية ، وعدم شموليتها ، وعجزها عن تحقيق المطالب الحياتية للمؤمنين بها[294.]) د ـ الاستقلل الثقافي: من حق غير المسلمين تشكيل جمعيات ثقافية وحقوقية ، ومراكز دراسات تعبر عن ارائهم وتصوراتهم بشأن حقوقهم الاجتماعية والسياسية والدينية ، ويبدون من خلله و جهة نظرهم في سير شؤون الدولة الإدارية ، والقضايَ الوطنية العامة ، وأن يقترحوا القوانين الجديدة التي تخدم مصالحهم ، أو يعدلوا القوانين السابقة ، وتقدم لأعضاء الحكومة ورئسة الدو لة ، ولهم أن يقدموا شكاويهم ، واعتراضاتهم ، ومشوراتهم ، ومقترحاتهم بخصوص الحكومة ، وتتولى هي من جانبها الإجابة عنها ، كما أنها تهتم هذه المراكز والجمعيات بالشؤون الثقافية والفكرية الخاصة بهم[295.]) هـ حرية الرأي والخطابة والكتابة:
عدد الصفحات ١٥٨تكفل الدولة الحديثة المسلمة لغير المسلمين حرية الكتابة، والخطابة، والرأي، و التفكير، والاجتماع، والاحتفال، كما هو للمسلمين سواء بسواء ، وتفرض عليهم من القيود والضوابط ما تفرضه على المسلمين ، ويسمح لهم بانتقاد نظام الدولة ، وانتقاد تصرفاته في حدود الدستور والقانون ، فلهم الحق في التعبير عن ارائهم في الإطار القانوني ؛ الذي يخضع له الجميع في الحدود التي للذمي التي لا تنتهك مشاعر الأغلبية ، أو ثوابت الدين والدولة ، أو تخرق النظام العام. أما الخلف الفكري بين علماء المسلمين وعلماء الديَنات الأخرى بالتزام اداب الخلف فمسموح به ، والتاريخ الإسلمي حافل بمثل هذه المناظرات والمجادلات يتحاور فيها الطرفان حول مسائل العقيدة مثل: وجود الله ، ونبوة محمد (ص) ، واليوم الاخر ، وغيرها ، كما أن تاريخ العلم والفكر في الأندلس شاهد على ذلك ، واشتهرت مناظرات ابن حزم لكثير من النصارى ، وأما حرية الاجتماع فليس في الشريعة ما يمنع الأقليات في الدولة الحديثة المسلمة من إقامة الجمعيات ، والتجمعات السلمية مع إعلن الولاء للدولة ، وفي حدود القانون والنظام العام للدولة[296.]) و ـ حرية التعليم: لغير المسلمين الحق في تعليم أبنائهم وفق ديَنتهم ، وإنشاء مدارس خاصة بهم ، مع احترامهم الكامل للنظام التعليمي للدولة باعتباره صورة من صور المبادأئ العامة للدولة الحديثة المسلمة ، ويعفون من التعليم الديني الإسلمي في معاهد المسلمين[297.]) يقول الدكتور عبد الكريم زيدان : فلهم تعليم أولادهم وفق ديَنتهم ، وإنشاء المدارس الخاصة بهم ، ومُا يدل على ذلك أن المسلمين بعد فتح خيبر ، وانتصارهم على اليهود ، جمعوا الغنائم ، وكان فيها نسخ من التوراة ، فأمر النبي (ص) بردها إلى اليهود[298 .])وعلى أن
عدد الصفحات ١٥٩لا يكون ذلك يتعارض مع سياسة تعليم الدولة ، وفلسفتها ، ودستورها ، ونظامها العام ، ويدخل في ذلك: إمكان إقامة تلك المؤسسات وتسييرها ، مثل المؤسسات الاجتماعية كملجأئ العجزة ، ودور الأيتام ، وما إليها بكل ما تتطلب من أوقاف أو تبرعات تساعد على ذلك[299.]) 6 ـ الحقوق الاجتماعية: أ ـ حسن المعاشرة : إن التسامح وحسن المعاشرة اللذين تَيز بهما الإسلم مع غير المسلمين في المجمتع الإسلمي لم يصل إلى مستواه أهل دين من الأديَن ، ولا أتباع مذهب من المذاهب السياسية أو الاجتماعية أو العقائدية ، وأبناء المجتمع الواحد ـ بطبيعة الحال ـ لابد أن يكون بينهم جوار وتعامل في التجارة ـ بيعا وشراء ـ والزراعة ، واحتكاك في كثير من جوانب الحياة فيما بينهم ؛ لذلك ومن أجل أن يكون هذا المجتمع مجتمعا موحدا متعاونا لابد أن تسود فيه الألفة ، والتسامح ، وحسن المعاشرة [300.]) ورسول الله (ص): كان يحضر ولائم أهل الكتاب ، ويغشى مجالسهم ، ويواسيهم في مصابهم ، ويعاملهم بكل أنواع المعاملت التي يتبادلها المجتمعون في جماعة يحكمها قانون واحد ، وتشغل مكانا مشتركا ، فقد كان يقترض منهم نقودا ويرهنهم متاعا ، ولم يكن ذلك عجزا من أصحابه عن إقراضه ؛ فإن بعضهم كان ثريَ ، وكلهم يتلهف على أن يقرض ر سول الله ، وإنما كان يفعل ذلك تعليما للأمة ، وتثبيتا عمليا لما يدعو إليه من سلم وو ئم ، وتدليل على أن الإسلم لا يقطع علقات المسلمين مع مواطنيهم من غير دينهم[301.])
عدد الصفحات ١٦٠ومن التعليمات التي أمر بها الإسلم ، وتحرص الدولة الحديثة المسلمة على نشره ا ، والتي تدعم حسن المعاشرة مع غير المسلمين: _خ البر والإحسان والرحْة : قال تعالى: َ لاَ يـَنـ هَاك م اللَّّ عَن الَّذ ينَ لمَ يـ قَات ل وك م في الد ين وَ لمَ يخ ر ج وك م م ن د يََر ك م أَن تـَبـَرُّوه م وَتـ ق س ط وا إ لَي ه م إ نَّ اللََّّ يح بُّ ال م ق س ط ينَ *إ نمََّا يـَنـ هَ اك م اللَّّ عَن الَّذ ينَ قَاتـَل وك م في الد ين وَأَخ رَج وك م م ن د يََر ك م وَظَاهَر وا عَلَى إ خ رَاج ك م أَن تـَوَلَّو ه م وَمَن يـَتَ ولهَّ م فَأ ولَئ كَ ه م الظَّال م ونَ }*[8 ـ 9. ] وال: هو الفضل والخير ، والقسط: هو العدل ، فهما بنص القران الكريم مطلوبان من المسلم للناس كافة ، بل للخلق كافة ، يستوي في ذلك من الناس من امن بالإسلم ومن كفر به[302.]) ومن مقتضيات العلقة التي أمر الله تعالى بها ، ومبعثها البر والإحسان وحسن الجوار أن تقوم بين المسلمين وغيرهم صلت طيبة ، وتعامل حسن ، تكتنفه الرحْة الإنسانية قائم على تبادل المصالح والمنافع ، ومن خلل هذا الفهم ينتفي من هذه العلقة الجانب المنهي عنه ، وهو موالاة الكافرين [303 ])، إذ النهي عن موالاة الكافرين يقصد به النهي عن محالفتهم ومناصرتهم ضد المسلمين ، كما يقصد به النهي عن الرضى بما هم فيه من كفر ، إذ أن مناصرة الكافرين فيها ضرر بالغ بالكيان الإسلمي ، وإضعاف لقوة الجماعة المؤمنة ، كما أن الرضى بالكفر كفر يحظره الإسلم ويمنعه ، أما الموالاة بمعنى المسالمة ، والمعاشرة الجميلة ، والمعاملة بالحسنى ، والتعاون على البر ؛ فهذا مُا دعا إليه الإسلم[304.]) _خ رعاية الجوار:
عدد الصفحات ١٦١قال تعالى: َ وَاع ب د وا اللََّّ وَلاَ ت ش ر ك وا ب ه شَيـ ئ ا وَبا ل وَال دَي ن إ ح سَانا وَب ذ ي ال ق ر بَ وَال يـَتَامَى وَال مَسَاك ين وَالج َار ذ ي ال ق ر بَ وَالج َار الج ن ب وَالصَّاح ب با لج َن ب وَ اب ن السَّب يل وَمَا مَلَكَت أَيم َان ك م إ نَّ اللََّّ لاَ يح بُّ مَن كَانَ مخ تَالا فَخ ور ا }* [ 36. ] و هذه الاية يقرن الله سبحانه وتعالى بين عبادته ، والإحسان إلى الوالدين.. ثم الإحسان إلى الجوار القريب منهم والبعيد ، المسلم منهم وغير المسلم ، وتوصية من الله عز وجل لعباده تلزمهم بحسن المعاملة والمعاشرة ، ورعاية المذكورين ، ومنهم الجوار إنها توجب حقوقا ثابتة للجار على جاره في كل ما تستلزمه الرعاية ، ويتطلبه الإحسان ، ويستدعيه حسن العشرة من تصرفات [305.]) وجاء في بعض التأويلت في قوله تعالى{ :وَالج َار ذ ي ال ق ر بَ وَالج َار } ، يعني: الجار {وَالج َار ذ ي ال ق ر بَ }، َ { وَالج َار الج ن ب }اليهودي والنصراني [306.]) روى الترمذي بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه ذبحت له شاة في أهله ، فلما جاء قال: أهديتم لجارنا اليهودي؟ سمعت رسول الله (ص) يقول« :مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه »([307 ])، وهذا امتثال حي وعملي في أسمى معانيه ومدلولاته لما أوجبه الله سبحانه وتعالى ورسوله الكريم حقا للجوار ، ورعاية له[308.]) و أول صلة جمعة صلها عمرو بن العاص بجامعه بالفسطاط في مصر ، خطب المصلين قائل : ... استوصوا بمن جاوركم من القبط خيرا ، فإن لكم ذمة وصهرا ، فكفوا أيديكم ، وعفوا ، وغضوا أبصاركم [309.]) _خ مشاركتهم في أعيادهم، وتهنئتهم، وتعزيتهم، وتلبية دعوة أعراسهم :
عدد الصفحات ١٦٢إن من حسن المعاشرة لغير المسلمين في المجتمع الإسلمي ، مشاركتهم في أعيادهم وفي أفراحهم وأحزانهم ، وهذا ما كان عليه رسول الله (ص) ، فقد كان يحضر ولائم أهل الكتاب ، ويغشى مجالسهم ويواسيهم في مصائبهم ، ويعاملهم بكل أنواع المعاملت التي يتبادلها المجتمعون في جماعة يحكمها قانون واحد ، وتشغل مكانا مشتركا [310.]) وجاء في سنن أبي داود عن جابر قال: كنا مع النبي (ص) إذ مرت بنا جنازة ، فقام لها ، فلما ذهبنا لنحمل إذا هي جنازة يهودي فقلنا: يَ رسول الله إنما هي جنازة يهودي ، فقال: «إن الموت فزع ، فإذا رأيتم جنازة فقوموا»([311.]) وقد نهج المسلمون منهج الرسول (ص) وأصحابه الكرام من بعده في حسن التعامل و العشرة مع مواطنيهم من غير المسلمين ، ومشاركتهم في مناسباتهم التي يفرحون بها ، وفي مصائبهم التي يحزنون فيها[312.]) _خ أكل طعامهم: اتفق الفقهاء على حل ذبائح أهل الكتاب خاصة ، ونقل ابن قدامة وابن القيم عن ابن المنذر إجماع أهل العلم في ذلك[313 ])، ودليل هذا الحكم قول الله تعالى{ :ال يـَو مَ أ ح لَّ لَك م الطَّي بَات وَطَعَام الَّذ ينَ أ وت وا ال ك تَابَ ح ل لَك م وَطَعَام ك م ح ل لهَ م } [5. ] _خ عيادة مرضاهم: روى أبو داود بسنده عن أنس رضي الله عنه ، أن غلما من اليهود كان مرض ، فأتاه النبي (ص) يعوده ، فقعد عند رأسه ، فقال له« :أسلم» ، فنظر إلى أبيه وهو عند رأسه ، فقال له أبوه: أطع أبا القاسم ، فأسلم ، فقام النبي (ص) وهو يقول« :الحمد لله الذي أنقذه من
عدد الصفحات ١٦٣