تطور الفشكبلاد السياسية الجزائرية ني الفترة مابين 1946و1954 يرى معظم المؤرخين وجميع الذين كتبوا في تاريخ الجزائر المعاصرء حتى اليوم» أن حركة مايو 1945 هي التي أنضجت فكرة الكفاح المسلح في أو اسط الحركة المصالية وشكلت القاعدة الأساس لائطلاق ثورة نوفمبر 1954. إن هذا الرأي- المنقول والمتناقل- بعيد كل البعد عن أن يكون هر الصواب» بل ن إخضاعه المقاييس العلمية الئي تتحكم عادة في البحوث الجادة» سوف يبين کا وة ن ف اح كرا ل ا و م ا کن ا مرن بفكرة الكفاح المسلح كأفضل وسيلة لاسترجاع الاستقلال الوطني» وبذلوا كل مافي وسعهم من أجل تجسيدها على أرض الواقع. فالقرن التاسع عشر» في ثلثيه الأخيرين» قد شاهد مقاومة شعبية مسلحة في أُماكن متعددة من البلاد وفي فترات زمنية مختلفةء وإذا كناء هناء في غير حاجة إلى تعداد تلك المقاومةء فإنناء بالمقابلء نعتقد مفيدا الإشارة إلى أنها كانت تندلعء دائماء تحث إشراف وبقيادة الطلائع المثقفةء الأمر الذي جعل الإدارة الاستعمارية تبذل كل ما في وسعها من وسائل القمع والإبادة من أجل القضاء على مصادر الثقافة الوطنية التي كانت ئتولى نشر الوعي في أوساط الجماهيرء وتؤمن للإنسان الجزائري مناعة تحميه من إصابات الاعتداءات العقائدية والفكرية اللي كات حر مهما من مخطظط الغزو الاستعماري. لقد كان الجيش الفرنسي» كلما خرج منتصرأً من معركةء وكلما ثمكن من إخماد مقاومةء يوجه آلته التدميرية إلى المدرسة الجزائرية بجميع أنواعها وإلى المسجد الجامع خاصةء بعد أن يتولى قادته نهب المكتبات a مائعذر حمله من نفائس المخطوطات والكتب» وفي ذات الوقت» تشن حملة واسعة النطاق قصد التنكيل بالأحياء من المثقفين الذين كثيرا مايرغمون على الهجرة إلى البلاد العربية الإسلامية أويساقون إلى سجون فرنسا في سائر مستعمراتها النائية إلى . جانب كل ذلك تؤمم الأوقاف» في جميع المستويات ثم توزع الغنائم على الغزاة وعلی من ٿميز ڊ بالعمالة من أعوانهم. 100
عدد الصفحات ١٠١ومما لاريب فيه تلك الأعمال التخريبية الئي كانت تبدوء في الظاهء› ا أعداد معلومة من الأفراد أو ضد أشياء تكاد تكون غير ملموسة»› إنما هي في الواقع أخطر من العمل العسكري الذي كان يأتي على الأخضر واليابس بالإضافة إلى مايتسبب فيه من قثلى ومعطوبين وأرامل وايتام. وتکمن تلك الخطورة في القضاء على المصادر الثفافية وإلغاء المثقفين بشتى الوسائل إنما تظهر نتائجه في الأمد البعيد وهي تتمٿل في حرمان البلاد من الإنتاح الفكري الأصيل الذي يكون في أساس تكوين المواطن الصالح الذي لابد منه لبناء المجتمع القادر على بناء الدولة القوية وحمايتها. هكذا» تمكن النخطيط الاستعماري»› بالندریج وطيلة عشرات السنين» من تغييب المثقف الجزائري ونهميشه»ء وبالموازاة مع ذلك راح يصنع مصادر جديدة لثقافة غربية لاعلاقة لها بواقع المجتمع؛ وهي الافة التي شرع في توظيفها ابتداء من مطلع القرن العشرين قصد تكوين من سوف يطلق عليهم تسمية النخبة التي ستؤدي دورا أساسيا في محاولة ثرسيخ قواعد الاستعمار وإعداد الأرضية الملائمة لنشر منظومة الأفكار التي أوصلت البلاد إلى ماهي عليه اليوم. فالفكر والثقافة الاستعماريان قد استطاعا التغلب على الأصالة في الجزائر»ء. وبفضلهما تخلصست الإدارة الفرنسية من بقايا الحراس أمثال الدكتور محمد بن العريبي الشرشالي» وتمكنت» من غرس المفاهيم والمصطلحات التي سوف تکون في اساس تكوين الإنسان الجزائري القابل للأمر الواقع والمستعد للتكيف معه بدون حقدة. وشيئا فشيئا ضاهر على الساحة السياسية خاصة عدد من الأقطاب الذين لم يترددواء نتيجة جهلهم» في التنكر لتاريخهم؛ متحمسين لتاريخ الآخرين وعاملين بجد على الذوبان في صفوف الشعب الفرنسي الذي لم يكن مستعدا لذلك» ولامرتاحا حتى لمجرد السماح لهم بممارسة بعض الحريات التي فد تجعل منهم أناساً قد يطمحون إلى المطالبة بالمواطنة ومايتبع ذلك من حقوق في المساواة بجميع أنواعها. وإذا كان هذا النهج الاستعماري قد حقق كثيراً من النتائج التي خططت لها فرنسا قصد التوصل إلى استئصال الشعب الجزائري» فإنه لم يتمكن من القضاء؛ ا على المقاومات الأساسية للشخصية الوطنية التي ظلّت رغم کل الإصابات» ثابتة في جزئها الشكلي على الأقل» وقادرة على تأجيج روح المقاوامة لدى عدد لايستهان به من الإطارات الطلائعية الذين استطاعوا التموقع 101
عدد الصفحات ١٠٢في المجالين السياسي والثقافي ثم راحوا يعملون بشتى الوسائل على استنهاض الهمم ونشر الوعي في أوساط الجماهير الشعبية الواسعة. ومما لاشك فيه أن أولئك الطلائعيين قد نجحوا في جل مساعيهيء واستطاعوا» رغم العنف والإرهاب الأستعماريين» أن بحافظوا على تقاليد النضال بسائر أنواعه وأن يضمنوا تواصل حلقات المقاومة المسلحة التي يرعم تلاميذ المدرسة الفرنسية للثاريخ أنها انتهت مع نهاية القرن التاسع عشرء واضعين في طي النسيان دماء الشهداء الذين سقطوا في الأوراس والهقار سنة 6 وفي الأوراس والشمال الفسنطيني سنثي 1934 و 1935. على هذا الأساس»؛ ومن هذا المنطلق نؤكد أن فكرة الكفاح المسلح في الجزائر ليست وليدة مابعد الحرب الامبريالية الثائية بل وجدت منذ اللحظات الأولى للعدوان الفرنسي وظلت طوال الفثرة الاستعمارية هي الوسيلة المفضلة لاسترجاع السيادة الوطنية المغتصبة؛ ولم تكن حركة مايو الثورية إلا واحدة من حلقات المسلسل الطويل الذي يروي العالم جهاد شعب لم يثوقف عن دفع قوافل الشهداء إلى أن استرجع استقلاله سنة اثئين وسئين وتسعمائة وألف. وعندما يتوقف الدارس عند تلك الحلقات يجد أن كل واحدة منها متميزة عن الأخرى اكنها تلتفي جميعها حول الوسيلة والهدف؛ وكلما مرت حلقة استفادت التالية من إيجابياتها وسلبياتها. وظل الأمر كذلك إلى أن كان نوفمبر عام أربعة وخمسين وتستعمائة وألف. ويعنينا في هذا الفصل» أن انمسح الفثرة الممتدة من شهر مارس سنة ست وأربعين وتسعمائة وألف إلى شهر نوفمبر سئة أربع وخمسين وتسعمائة وألف. وسوف نركز على تاريخ سائر التشكيلات السياسية وتطورها في جميع الميادين. ا و ھی کے ر ی کم
عدد الصفحات ١٠٣االشصسل الس ر اسع الاتحاد الديمقراطي البيان الجزائري 103
عدد الصفحات ١٠٤في إطار العفو الشامل» الذي قررته الإدارة الاستعماريةء تم الإقراج عن السيد فرحات عباس يوم 1946/3/16 وقد كانت الفترة التي قضاها بالسجن والئی داشت واخدا واربعین ين أسبوعاً كافية ليعيد النظر في تجربة حركة أ باب البيان والحرية وليتوقف»› باي عند مقررات مؤتمره الأول والوحيد. وإذا كان الاعتقال التعسفي قد ساهم في حد الانطلاقة الثورية لدى ذلك الزعيم الذي ارثبط اسمه ببيان الشعب الجزائري؛ فانه» بالمقابلء قد رسخ قناعثه بضرورة بعث الجمهورية الجزائرية المستقلة استقلالا داخلیاً في إطار الاتحاد الفرنسي. وبمجرد خروجه من السجن راح يكثف الاتصالات بالإطارات القريبة منه سیاسیا يطر ح امامھم أفکاره الجديدة ويسترشدهم من من أجل ضبط الخطوطٍ العريضة لكيفية إنشاء حزب جديد ووضع برنامجه السياسي الذي يجب أن يکون قادرا على تعبئة جز ء كبير من الطاقات الحية في أوساط المجموعثين الفرنسية والإسلامية على حد سواء. ولكي يعطي لنشاطه إطارا قانونياء رحل إلى فرنسا 1 يطلب ر آي ذائع الصيت ءء)ء٠N !1ا۸ مدرس الحقوق بكليتي تولوز وباريس ) 1) حول موقف دستور الجمهورية الرابعة من إمكانية تحويل ولاياث الجزاثر إلى دولة تحتفظ فيها فرنسا بشؤون السيادة. وعلى الرغم من قناعات الأستاذ أشيل اليمينيةء فإنه اعترف» بعد فحص دقيق انصوص الدستور الجديدء بعدم مخالفة الفكرة لروح النص. وكان ذلك أيضاً هو رأي السيد ٣هناءهطء» أستاذ القانون العام بجامعة الجزاثر(2). هكذاء إذن»ء أخذ السيد فرحات عباس جميع الاحتياطات السياسية والفنية قبل أن يقوم بصياغة ذلك النداء الذي وجهه إلى الشبان المسلمين والفرنسيين بمناسبة عيد الطبقة او أي بعد خروجه من السجن بستة أسابيع فقط. لقد كان النداء» في مقدمته»› تدلیلاً على براءة عباس وسعدان مما وقع في شهر مايو 1945 حيث آن الرجلين لم يطلعا على حقيقة ماحدث في شهر سبثمبر بعد أن قضيا كل ذلك الوقت في عزلة مطلقة. وتوسعا في المقدمةء قدم صاحب النداء لمحة سريعة وموجزة عن حياته السياسية التي بقول حولها: "إنه خصصها لتجسيد روح التعاون الفرنسي الإسلامي ولنشر الثقافة العصرية باعتبارها القاعدة الأساسية لذلك؛ ثم يؤكد عدم تمييزه بين المسلمين واليهود 105
عدد الصفحات ١٠٦والمسيحيين لأن عقيدته السياسية كانت تأمره بذلك وتدعوه إلى النضال المتو اصل في سبيل الوحدة ضمن الديمقراطية والأخوة في إطار العدالة. إن هذه العقيدة السياسية نفسها التي ظلت تقود خطاه منذ ثلاثينات هذا الفرن. ويرى أنه استطاع» بفضل صدقه في العمل وإخلاصه للمبادئ والمثل العلياء أن يحقق الكثير في مجال تقريب وجهات النظر وميادين الترقية الاجتماعية وتهدئة الخواطر وتوحيد معظم ذوي الإرادة الخيرة في البلادء لكن الإدارة الاستعمارية بتآمرها مع الرجعية والامبريالية حالت دون تواصل المسعى واتخذت من مايو 1945 وسيلة لتوسيع الهوة بين المجموعتين الإسلامية والفرنسيةء وذريعة للقضاء على حركة أحباب البيان والحرية التي أجمع قضاة التحقيق على أنها بالإضافة إلى كونها لم تنظم أية مظاهرة» قد اكتفت بالدعوة إلى الهدوء والانضباط في إطار الشرعية الجمهورية"'(3). ولئن كانت سياسة التوحيد قد انهارت ومعها جهود المصالحة الوطنيةت ووقع حل حركة أحباب البيان والحريةء فإن روح البيان» يقول عباس» لم تمت وبفضلها اتضحت الرؤية وأصبحنا قادرين على التمييز بين ما كان عليه من حالة القبول الإمعي المعمي ومايجب أن نرقى إليه وصول إلى الوطن الجزائري الذي تتوفر فيه شروط المساواة والحرية للجميع(4). والوصول إلى الوطن الجزائري يستلزم سياسة ترتكز على برنامج جعل في مقدمته: لا للاندماج» لا لسادة جدد ولا للانفصال» وعلى الرغم من أن هذه اللاءات لا ئتضمن الشحنة الثورية اللازمة لاسترجاع الاستقلال الوطنيء إلا ن تبنيهاء في ذلك الوقت» من طرف الفید قرات عا کان قن انتضاںا نیرا بالنسبة للحركة الوطنية خاصة وأن حزب الشعب الجزائري كان عند تأسيسهء قد رفع نفس الشعار من أجل انتمالة من كانوا سرون بالمعتلن عا بان داك اعتبر في وقته» انحرافا وقاد إلى استقالة .السيد عمار عيمش الذي كان مساعداً للسيد الحاج مصالي(5). أما تبني السيد عباس لذات الشعارء فإن المقصود منه لم يكن سوى مراعاة الرأي العام الفرنسيء كان مناهضاً لفكرة الكفاح المسلح كوسيلة وحيدة لثقويض أركان الاستعمار. ومن جهة أخرى تضمن البرنامج المذكور مجموعة من المحاور ارتأى عباس أنها ضرورية لتشييد الجزائر "على أسس واقعية وتاريخية تكون كفيلة بأن تعبد لها طريق الديمقراطية العالمية"(6). ومن أهم تلك المحاور مايلي: 1-المساواة المطلقة: ويكرن ذلك بواسطة القضاء على الاختلافات العرقية ا
عدد الصفحات ١٠٧وعلى الأحقاد التي تنخر في جسم المجتمع» وعلى واقع التحقير الذي كان مسلطا على الجزائريين. والمقصود من واقع التحفيز تلك القوائين والمراسيم والإجراءات العسفية التي كانت تحمل أسماء متعددة لكنها ترمي في مجملها إلى تهميش الشعب الجزائري وايقائه في حالة التبعية الدائمة. 2-التربية التي تستهدف الإنسان من أجل تكوين مواطن حر بكون متشبعاً بالواجب الاجتماعي ومدركا لمهمته الحضارية. وفي هذا المجال يكون التركيز على تعميم الفكرة القائلة: "ان أبناء الوطن الواحد لايكونون بالضرورة على دين واحد"(7). 3 العلم والتكنولوجيا اللذان لايمكن» بدونهماء أن ترقى الجزائر الى مصاف الأمم المتقدمةء لجل ذلك» فان أبوابهما يجب أن تفتح واسعة لجميع أبناء الجزائريين بدون أي تمييز عرقي أو ديني كما ينبغي أن يعاد للغه العربية اعتبا رها كلغة وطنئبة ورسمية في البلاد. ويرى السيد فرحات عباس أن تجسيد برنامجه السياسي على أرض الواقع ممكن تحقيقه بدون عوائق تذكر شريطة أن يكون منطلق النشاط هو بيان الشعب الجزائري وآن توظف التجارب التي خاضتها حركة أحباب البيان والحرية. ولقد كان السيد فرحات عباس» قبل نشر النداء وتوزيعه؛ في سائر أنحاء البلاد قد ثمكن من أن يجمع حوله كوكبة من الإطارات المؤمنة بأفكاره والمستعدة للنضال في سبيلها(8)» واتفق معهم على بعث حزب جديد أسماه "الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري" وقدم قائونه الأساسي إلى المصالح المخئصة في اانصف الثاني من شهر أبريل قصد الاعتماد والحصول على الترخيص القانوني. ومباشرة بعد الاعتماد قررت فيادة الحزب المشاركة في الانتخابات التشريعية الفرنسية التي تحدد إجراؤها يوم 1946/6/2 لتعيين المجلس التاسيسي الثاني الذي خصص فيه للجزائريين ثلاثة عشر مقعدا. في نفس تلك الفترةء كان حزب الشعب الجزائري الذي يئشط في السرية التامة قد أصدر أوامره إلى القواعد المناضلة كي تتحرك في اتجاه مقاطعة الانتخاباث(9). حول هذه الفترة من تاريخ الحركة الوطنية نشرت بعض المعلومات المتناقضة في أساسها لكنها وجدث مكانها في كتابات المعاصرين الفرنسيين والجزائريين على حد سواء. فالسيد محفوظ قداش ينئقل على سبيل المثال أن . . 07
عدد الصفحات ١٠٨تأسيس الانحاد الديمقراطي للبيان الجزائري إبما جاء نتيجة تخطيط الإدارة الاستعمارية التي "أعدت عشية العفو الشامل عملية واسعة لتضسيم حركة أحباب البيان والحرية إلى كتلتين متعارضتين الأمر الذي جعل حزب الشعب الجزائري يكلف فرقة خاصة يرأسها السيد حسين عسله(10) من أجل خرق مصالح الولاية العامة والتصدي لمناورة الإدارة الفرنسية. غير أن هذه الفرقة لم ثتمكن من تغيير وجهة نظر عباس ورفاقه"(11). فمثل هذا الادعاء باطل في أساسه ولايمكن إخضاعه لأي معيار علمي خاصة في الصيغة التي ورد بهاء ذلك أن حركة أحباب البيان والحرية قد وقع حلها رسمیاً بموجب قرار حكومي يحمل تاریخ 1945/5/14 وإلی جانب قرار الحل حجبت ءازاهعع وتم حجز سائر أملاك الحركة وسحب الاعتماد من 'مدينة الأطفال" التي كانت قد أنشئت لتسوية مشاكل الطفولة المشردة والمثسكعة في شوارع المدن الكبرى خاصةء بعد كل هذاء كيف يمكن الحديث عن تآمر الإدارة الاستعمارية لنقسيم قيادة حركة ليس لها وجود رسمي ولا فعلي لأن المنتخبين ومن كانوا يسمون بالإطارات المعتدلة قد انسحبواء للقائياء على إثر ما اصطلحنا على تسميته بحركة مايو الثورية. ومهما يكن من أمرء فإن عباس ورفاقه قد حصلوا على اعتماد الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري» وتحت عنوانه وضعوا قوائم المرشحين لانتخابات المجلس التأسيسي الثاني في التاريخ المشار إليه أعلاه. عن مشروع الدستور الجزائري: لقد تعود المؤرخون» عند الكتابة عن الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري» أن يقولوا عن السيد فرحات عباس وأتباعه أنهم يمثلون التيار البورجوازي الإصلاحي في الجزائر(21). ونحن نعنقد في ذلك خاطاً وتمويها يتطابان وقفة جدية فاحصة؛ ذلك أن البورجوازية بمفهومها التاريخي» لم تكن موجودة في الوسط الجزائري بجميع ميولاته السياسية والثقافيةء لأن الحديث عنها لايكون إلا في إطار المجتمع الفرنسي الذي يعيش الجزائريون على هامشه في أحسن الحالات. وعلى فرض أن جل الأعضاء القياديين وجزء كبيراً من المناضلين يمارسون مهنا حرة أوهم من المتعلمين الذين يشتغلون خاصة بسلك التدريس» فإن ذلك لايعني أنهم اندمجوا في شرائح المجتمع الفرنسي الذي ظلء في أغلبيته 108
عدد الصفحات ١٠٩الساحقةء ينظر إليهم نظرته إلى سائر أبناء المستعمرات؛ ولو كانوا بورجوازيين بالفعل» لوجدوا مكانتهم في صفوف الطبقة البورجوازية الفرنسية التي كانت أسسها ثابتة في أوساط المجتمع الفرنسي(13). إن المتتبع لمختلف المراحل التي مر بها الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري خلال عشر سنوات من الوجود الفعلي يكتشف بكل سهولة» أن أعضاءه لم يكونوا سوى جزء لايتجزاً من أولئك الذين كائوا يسمون بالأهالي الذين تتحكم فيهم فقط إرادة الكولون والحاكم العام؛ ولأنهم أدركوا ذلكء وعز ٠ عليهم أن تتواصل حالة الاإضطهاد والتهميش والتبعية» فإنهم سلكوا طريق النضال في سبيل التصدي للهيمنة الاستعمارية ومحاربة النظام الاجتماعي وقوائين العسف والاستبداد المفروضة على الشعب الجزائري بأكمله ومن أجل إقامة جمهورية جزائرية متحدة مع فرنسا بمحض إرادتهاء لها ألوانها الوطنية ونسيرها حكومة مستقلة. وهذا الطريق المعبر عنه بكل وضوح خاصة في مشروح الدستور الذي قدم للمجلس التأسيسي الثاني بتاريخ 1946/8/9 لم يتم الوصول إليه هكذا صدفة» بل تطلب الأمر أكثر من عشر سنوات قضاها السيد فرحات عباس في خبرة سائر توجهات الحركة الوطنية وفي محاولة إيجاد ثغرة تمكنه من الوصول إلى إقناع السلطات الاستعمارية بضرورة الاهتمام بمصائر أبناء الشعب الجزائري الذين أثقلت كواهلهم إجراءات الاستغلال والتهميش. وعندما يجراأً الدارس» اليوم» على العودة إلى تلك الفترة والتأمل بموضوعية في مختلف القناعات التي مر بها زعيم الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري» فإنه يلحظ أهمية الجهد المبذول ويعترف بأن الطرح الجديد الذي اهتدى إليه عباس وأتياعه إنما هو انتصار كبير بالنسبة للحركة الوطنية وذلك رغم كل ماتضمنه من هنات ومواطن ضعف ورغم مايبدو للمحللء اليوم» من أنه كان من دون مستوى التضحيات التي قدمها الشعب الجزائري من خلال سلسلة المقاومات التي لم ثثو قف أبداً. وكان دخول الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري معركة الائتخابات التشريعية قرارا وجد معارضة لاجدال فيها من طرف حزب الشعب الجزائري ومناضليه الذين رفعوا شعار: من انتخب كفر» ثم راحوا ينعتون كل من خالفهم الرأي بالغدر والخيانة؛ وسوف يشكل ذلك عقبة كأداة في طريق السيد الحاج مصالي عندما يخرج من السجن ويقرر لأسباب متعددة» المشاركة في انتخابات 109
عدد الصفحات ١١٠المجلس الوطني الفرىسي التي كان قد نحدد إجراؤها بتاريخ 1946/11/10. وإذا كان تأثير حزب الشعب الجزائري قد بلغ أقصى مايمكن أن يبلغه تأثير حزب محظور وملاحق» إذ امنذع عن التصويت حرالي نصف عدد الناخبين من المجموعة الثانيةء فإن الاتحاد الديمقراطى البيان الجزائري قد فاز بحصة الأسد بالأصوات المعبر عنها إذ ذال أحد عشر مقعدا من جملة ثلاثة عشر كانت هي نصيب الشعب الجزائري بأكمله. ومن ثمة نستطيع القول: إن هاتين التشكيلتين السياسيتين تمثلان» بالفعل» الرأي العام الجز ائري حتى ولو أن الإحصائيات تدل على أن الحركة المصالية هي الأكثر تجذرا في أوساط الشعب وأن أعدادا كببرة من مباضليها لم رهوا بأوامر قياداتهم وصوتوا إلى جائب مرشحي الاتحاد. وسواء كان الاختلاف أو الاتفاق بين تلك التشكيلتين الوطنيئين؛ فإن السيد فرحات عباس ورفاقه النواب فد أحدثوا المفاجأة الكبرى بمشروع الدستور الآنف الذكر(14) خاصة وأن الرأي العام الفرنسي قد تعود على سماع "المعتدلين الجزائريين" يدعون إلى تحقيق المساواة وبعض الحقوق الاجتماعية والسياسية. فالمادة الأولى من مشروع القانون تنص على أن فرنسا تعترف بالجمهورية الجزائرية وحكومتها وألوانها الوطنية» وذلك على الرغم من أن المادة الثانية تجعل السياسة الخارجية والدفاع مشتركين مع فرنسا. أما المادتان الثالثة والرابعة فتنصان على أن للجمهورية الجزائرية كامل السيادة على ترابها الوطني وأن هذه السيادة يمارسها النواب الذين تنتخبهم الأمة الجزائرية بواسطة الاقتراع العام والذين يشكلون البرلمان الجزائري. إن مجرد تقديم مثل هذه الوثيقة إلى مكتب المجلس التأسيسي الفرنسي يعتبر انتصارا ثانيا بالنسبة للحركة الوطنية الجزائرية. وتعد انتصارا كذلك استماتة منتخبي الانحاد الديمقراطي للبيان الجزائري في الدفاع عن مشروعهم الذي استبعدء في النهايةء لفائدة مايسمى بالقانون الأساسي الذي تمت المصادقة عليه من طرف البرلمان الفرنسي يوم 1947/9/20 والذي سنعود إليه فيما بعد. -الاتحاد والعمل الميدانى: إن هذه الوقفة الخاطفة مع مشروع الدستور الجزائري لم تكن لتنسينا الحديث عن بدايات الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري الذي شرع منذ تأسيسه ns 0
عدد الصفحات ١١١ينشط على ثلاث جبهات متكاملة هي على التوالي: 1 جبهة التنظيم الحزبي حيث شرعت لقبادة مباشرة اثر الحصول على الاعتماد» في تنصيب الخلايا والقسمات والاتحادات مستثمرة رصيد حركة أحباب البيان والحرية ومستغلة حالة السرية التي كان يمر بها حزب الشعب الجزائري. وفي يوم 13 أكتوبر سنة 1946 عقد الاتحاد مؤتمرا تحضيرنً 15) قيم فيه سير الانتخابات ونتائجها ثم حدد استراتيجية المستقبل لى ضوء الأفكار الأساسية الواردة في مشروع الدستور» وعين لجنة مديرة مكونة من السادة: عباس» ف رانسيس» طالب» بويجر» وابن خداش. 2-الجبهة الأيديولوجية قصد ضبط منظومة الكفكار التي كانت تشكل مشروع المجتمع الجزائري كما كان يتصوره قادة الاتحاد الايمقراطي للبيان الجزائري وفي مقدمتهم السيد فرحات عباس. لقد استفاد السيد فرحات عباس من تجريته النضالية الخاصة وافتنعء بعد لأي» أن فكرة دمج الشعب الجزائري في الشعب الفرنسي غير قابلة التنفيذ لأنها لم تأخذ في الاعتبار واقع الشعبين ولأن الكولون يرفضونها دفاعا عن مصالحهم الخاصة»ء ويحاربها الوطنيون الجزائريون لأنها تتنافى مع مقومات الأمة وثوابتها. واستفاد» أيضاء من تجربة العلماء والمصاليين في مجالي الفكر والنضال» واستطاع» بذكاء فائق» أن يحوصل ناتج التجربتين مركزا على محاور أساسية هي: أ-تحرير الجزائر من النظام القديم للسيطرة الاستعمارية أي كان نوعهاء مع احترام مبدأ الجنسيات» ويتعبير آخر» بناء مستقبل البلاد على أسس ب-اقامة جمهورية جزائرية مستفلة استقلالا ذاتيا ومتوحدة مع الجمهورية الفرنسية المتجددةء» والمناهضة للاستعمار وللامبريالية. وكان يرى السيد فرحات عباس أن ذلك يأتي نتيجة منطقية لتطور التاريخ اذ بقول: 'لقد استعمرت الجزائر وهذه حقبقة وفي أوساطنا زرع الاستعمار مليون أورويي مسحي وهذه حقبقة ثانية. وتعايش المسلمون والمسيحيون مدة أكثر من قرن وهي حقيقة ثالثة وكل هذه المعطيات هي التي أسست الجمهورية الجزائرية التي فرضت وتفرض نفسها على جميع الملاحظين'(17). ج-الدولة الجزائرية يجب أن تكون متعددة المجموعات لن السيد فرحات 111
عدد الصفحات ١١٢عباس لای ری لزاما على جميع أبناء الوطن الواحد أن يكونوا على دين واحد» وأن الجزائري السيحي أو اليهودي کی ا للج زائ ري المسلم بعيدا عن كل عمليات الاستغلال والإقصاء والاستعباد (18). د-التعليم الإجباري والمجاني بالنسبة لجميع أطفال الجزائر» والنضال من أجل ترفية اللغة العربية باعتبارها اللغة الوطنية والرسمية ولأنها بالنسبة للإسلام "مثل الكنيسة بالنسبة للمسيحية فالمسجد» يقرل السيد فرحات عباس» لايعني شيبًا عندنا ولكن تلارة القرآن هي كل شيء( 9 لأجل ذلك» يرى الاتحاد الديمق راطي البيان الجزائري أن الاهتمام بالاغة العربية أساسي لنه بشكل قاعدة الإيمان. ه-تخليص الإسلام من الواقع الذي آل ليه بفعل اعتداءات الإدارة الاستعمارية عليهء» وهو واقع يصفه السيد Lechatelier مدر مجلة العالم الإسلامي بقوله: "لقد أوجدناء في الجزائرء إسلاما وحيدا من نوعه: الإوقاف منعدمة والمساجد خاضعة للإدارة بواسطة أئمة مأجورين» والقضاة موظفون والحج بازن والفانون عبارة عن نتاج هجين لاتقاء الشريعة الإسلامية بالعرف الفرنسي؟(20). و-الغاء الملكبة الإقطاعية والتركيز على إصلاح زراعي واسع لفائدة الخماسين المعدمين من سكان الريف ومما لاريب فيه أن هذه الفكرة مقتبسة مباشرة من البرنامج السياسي الذي كان نجم شمال أفريقيا قد 8 عليه سنة 1933ء هذا في الظاهر لكن الواقع غير ذلك لإأن نصوص الاتحاد الرسمية تؤكد بما لايدع أي مجال للشك أن / الجزائرية تضمن الملكية العقارية الإسلامية والفرنسية على حد سواءء ولايمكن أن بلجا الى التاميم الا ازا كان الصالح العام في إطار القائون وبعد تعویض عادل'(21). [-الجمهورية الجزائرية علمانية» وعلى هذا الأساس فان موقفها حيادي من جميع الأديان» وهي اذ تضمن حرية العبادة لكل مواطئيهاء فانها تخضع النظر في منازعاتهم إلى المحاكم المدنية التي تطبق لقانون الفرنسي. ان هذه النقطة تتناقض مع موقف الاتحاد من الإسلام لكننا نعئقد أنها مستمدة من الرغبة في الالتزام بما جاء في النفطة الثالثة. 2-نبذ العنف كوسيلة لتقريض أركان الاستعمار» وحمل فرنسا على تلبية مطلب 112
عدد الصفحات ١١٣الشعب الجزائري كما هو مسطور في نصوص الاتحاد» والاكتفاءء ففطل بالنضال السياسي في إطار ما يسمح به القانون الفرنسي. في هذا الإطار كتب السيد فرحات عباس يوم أول مايو 1946: "على الرغم من جرائم الاستعمار وعلى الرغم من تجافي بعض النفوس الكريمة والتي ماتزال مكدورة» وعلى الرغم من الانتقاضات الأخيرة لنظام يحتضرء» فان الجزائر الجديدة؛ المتحدة بحرية مع فرنسا الجديدة» سوف ترى النور بفضل تضافر جهود الديمق راطيين الفرنسيين والمسلمين'(22). 3 جبهة النشاط السياسي وتتميز خاصة بعمل الفيادة الحثث على اعادة الربط مع الشركاء في حركة أحباب البيان والحرية من جهة» وعلى محاولة اناع ال رأي العام الفرنسي بسلامة توجه الحزب الجديد من جهة ثائية. وإذا كانث قيادة الاتحاد لم تجد أدنى صعوبة لاستمالة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين خاصة بعد أن تبنت أهم مطالبها وثبتت عددا من أهدافها في النصوص الأساسية للحزب(23)»ء فإن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة للعلاقة مع حزب الشعب الجزائري وسياته الحركة من أجل انتصار الحريات الديمقر اطية. وعلى الرغم من أن السيد الحاج مصالي بادر؛ أشاء أول مهرجان شعبي . حضره في باريس مباشرة بعد إطلاق سراحه يوم 1946/8/11 إلى الاعرة للاتحاد حول حزب الشعب الجزائري» فإنه لم يقدم أي اقتراح ملموس للسيدين سعدان وبومنجل اللذين قصداه في نفس المناسبة ملتمسين توضيخ الفكر ة(24). وكان إحجام السيد مصالي مدفوعا برغبته في عدم تجاوز موقف القيادة المؤقتة التي كانت تشرف على أجهزة الحزب أثناء غيابه والتي سبق لها أن عابت على السيد فرحات عباس وجماعته عدم التزامهم بمحتوى بيان الشعب الجزائري وبروح النشرة التي صادق عليها مؤتمر مارس سنة 1945. لكن الاتحاد لم بقف مكتوف الأيدي أمام ذلك الترددء واغتنم السيد فرحات عباس قرصة انعقاد المؤتمر التأسيسي في نفس اليوم الذي وصل فيه السيد مصالي إلى الجزائر فجعل المؤثمرين يصادقون على نشرة يدعون فيها إلى الاتحاد مع حزب الشعب الجزائري وأخرى يرحبون فيها بعودة الزعيم إلى أرض الوطن ويطالبون بتمكين حزبه من العودة إلى الحياة العلئية في إطار النضال الشرعي(25). وكان من الممكن أن يساعد ذلك المسعى على تقريب وجهات النظر وفتح طريق التعاون من جديد بين الجناحين الرئيسيين في الحركة الوطنية الجزائريةء 113
عدد الصفحات ١١٤لكن الاستقبالاث الشعبية التي لاقاها السيد الحاج مصالي حالت دون ذلك بطريقة غير مباشرة إذ جعلت الزعيم يعنقد أن حزبه هو الأقوى وأنه» والحال هذهء ليس في حاجة إلى الاتحاد مع أية قوة سياسية أخرى لربح معركة الائتخابات التشريعية التي كان قد تقرر إجراؤها بتاريخ 1946/11/10. وعندما يعود الدارس اليوم إلى الحجج الذي تذرع بها حزب الشعب في ذلك الوقت ليفرض عرض الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري» فإنه لا يجد لها اساسا سليما لان الاختلاف الإيديولوجي الذي قيل» يومهاء إنه يحول دون اتحاد التشكيلتين السياسيتين لم يكن مطروحا بفعل قبول الطرفين المشاركة في انتخابات المجلس الوطني الفرنسي. ومعلوم أن مجرد المشاركة في تلك الانتخابات تعتبر اعترافا بالسيادة الفرنسية على الجزائر. وعلى الرغم من أئنا لا نريد مناقشة هذا الموقف ولائرغب في التوقف عند الذرائع التي يستظهر بها كل جانب لتبرير إدامه على المشاركة في الانتخابات؛ فإننا لا نرى بدا من التأكيد على أن رفض مصالي عرض عباس لم يكن بدافع إيديولوجي. ولم يكتف الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري بثسجيل ذلك الرفض» بل إنه قرر الامتناع عن المشاركة في انتخابات المجلس الوطني الفرنسي ليس لتوجه إيديولوجي ولكن» فقطء ليترك المجال فسيحا أمام الحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية وحتى يتجنب الصراع بين قوتين سياسيتين هدفهما الأساسي هو تحرير الشعب الجزائري. في هذا الصدد كثبت "المع" تحت عنوان: "لن يكون هناك تنافس بين مصالي وعباس". إن مصالي ورفاقه قد أبدوا رغبتهم في خوض المعركة دون الاشتراك مع أي حزب سياسي آخر. وقد رأينا نه ليس من حقنا الاعتراض على هذه التجربة أو الإنقاص منها خاصة وأنها شرعية تماما ومليئة بالعبر للجميع".(26). أما فيما يتعلق بمحاولة إقناع الرأي العام الفرنسي بسلامة توجه الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري» فإن السيد فرحات عباس قد جند لها وسيلتين كانتاء يومهاء في منتهى الأهمية وهما: الصحافة ومنبر كل من المجلس التأسيسي ومجالس الجمهورية. ولقد كانت المهمة شاقة وتحئاج إلى كثير من المهارة السياسية والثقافية الواسعة والإيمان الراسخ بالقضية العادلة. وعلى الرغم من ذلك» فإن ممثلي الاتحاد لم يهنوا واستطاعواء في مناسبات عديدةء ان يقوموا بأکثر مما کان ينتظر منهم. فعلی مستوی المحافة» وظفت أعمدة اللسان المركزي للحزب من أجل 114
عدد الصفحات ١١٥التعريف بمشروع الدستور الجزائري والافاع عنه والعمل على تعميمه» فكرة وهدفاء في أوساط الجماهير الشعبية ولدى الرأي العام الفرنسي بجميع مكوناتهء هذا ن جهة» ومن جهة ثائيةء فإن الأعضاء القياديين كانوا يلجأون إلى علاقاتهم الشخصية قصد النفاذ إلى ميادين الإعلام الفرنسي. وفيما يخص منبر المجلس التأسيسي» فإن الصراع كان مريرا بسبب نشاط غلاة الكولون الذين تمكنواء بفضل إمكانياتهم الماديةء من تعبئة جميع الأوساط السياسية الفرنسية كي تغلق جميع الأبواب في وجه نواب الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري» وأن إطلالة سريعة على فحوى المداولات المنشورة على افده الكريدة الرسقية اللكهررية افر نة خلال الذ اني الاين هن نة 6 والسداسي الأول من عام 1947ء تكفي وحدها للتدليل على ماكان يلقاه عباس ورفاقه من معاناة للتعبير عن آرائهم المجسدة لفكرة الجمهورية الجزائرية المستقلة. فعلى سبيل المثال؛ فقط, نذكر أن الدكتور سعدان؛ في جلسة المجلس التأسيسي الثاني المنعقدة بتاريخ 1946/08/22ء قد حاول الحديث مطولا عن الظاهرة الوطنية في الجزائر لكنه منع من ذلاك بواسطة المقاطعات ووسائل الإزعاج المختلفة. وفي اليوم الموالي تدخل رئيس الجمهورية الموقتة السيد جور ج بيدو )27( Georges Bidault وځنم مداخلته قائلا: "لن فر نسا ستبقی في الجزائرء لأنها فرنسا ولأنها إنسانية"(28). وبعد انتخابات المجلس الوطني الفرنسي وما تخللها من عمليات التزييف والتحليل في تفسير القوائين ابتكرت الإدارة الاستعمارية أسلوبا جديدا في التعامل مع الحركة الوطنية التي أصبحت» بالفعل» تحظى بتأييد أغلبية الشعب الجزائري» وقد تميز ذلك الأسلوب بقرار اتخذته وزارة الداخلية يلغي انتخاب أعضاء مجلس الجمهورية بواسطة الاقثراع العامء ويستد تلك المهمة الخطيرة إلى المستشارين في البلديات كاملة الصلاحيات ورؤساء الجماعات في البلديات المختلطة الذين كانوا قد انتخبوا في شهري يوليو وأغسطس(تموز /يوليو /آب/)› سئة 29(1945). ويما أن الحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية كانت تعرف أن أولئك المنتخبين موالون» في أغلبهم للإدارة الاستعماريةء فإنها فضلث عدم نقديم مرشحين عنها للمجلس الجمهوري» الأمر الذي فسح المجال للسيد فرحات عباس فبادر إلى دخول المعركة وخرج منها منتصرا حيث انتزع حزبه أربعة مقاعد من جملة السبعة المخصصة للمجموعة الثانية.(30). 115
عدد الصفحات ١١٦ومن الجدير بالذكر أن ممثلي الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري لدى مجلس الجمهورية هم الذين تولوا إثراء مشروع الدستور الذي كان قد عرص على المجلس الئأاسيسي الثاني بتاريخ 1946/08/09 ثم صاغوه في شكل مشرو ع قانون لم يحظ إلا بأصوات أصحابه. موقف الاتحاد الديمق ر اطي ألبيان الجزائري من قانون الجزائر التنظيمي: لقد كان لتحركات ممثلي الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري في المجلس التأسيسي الثاني وفي مجلس الجمهورية تأثير بالغ الأهمية على منتخبي المجموعة الثائية الذين استطاعوا بدورهم أن يتخلوا عن فكرة الاندماج والمساواة والمطالبة بالحقوق الاجتماعية» بل إن بعضهم مثل السيد ابن شنوف الذي صرح أمام نواب المجلس الوطني الفرنسي قائلا: "أعترف أن الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري» من بين جميي الأحزاب» هو الوحيد الذي أجاد عرض الطرح الاتحادي.. وأعترف أيضاء أن برنامجه هو الذي قدمته للمواطنين أثناء الحملة الانتخابية إذ لم يكن لمجموعتي أفضل من تبني مقترحاته مع تعديلات طفيفة. إن هذا المشروع المتعلق ببعث الجمهورية الجزائرية هو الذي سوف أدافع عنه في إطار لجنة الشؤون الداخلية وفي سائر أشغال المجلس الوطني. وبكل راحة ضمير» أعتبر أن الجزائر قادرة ابتداء من اليوم» على الارتقاء إلى وضع الدولة المشاركة (المتحدة مع فرنسا). فكل مؤسسات هذه الدولة قائمة ولم ييق سوى العمل على تسييرها.(31). لكن نشاط ممثلي الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري لم يحرك همم المنتخبين الجزائريين فقط بل إنه زرع الرعب في أوساط الكولون الذين راحوا يلتفون حول غلاتهم لتهديد الحكومة الفرنسية بالتمرد على قراراتها التي قد لا تكون لصالح الجزائر الفرنسية.(32). ففي هذا الإطارء مثلاء نشرت جريدة ”#ناةإءمص06“ في عددها الصادر . بتاريخ 1947/08/09 “Un brelan de trait M. Depreux, :نlgiعڊ lan Chataignedu Aldhuy” جاء فيه على الخصوص: 'ليس ثمة قوة بشرية ولا غيرها باسئثناء كفن الموتى تستطيع حماية هذا الثالوث الخائن من عدالة الشعب الجزائري" أما السيد ١٠مه8 مره8 المدير السابق بالولاية العامة والكولون المسيطر على أغلبية أراضي ناحية بابا علي» فإنه وجه رسالة إلى وزير 116
عدد الصفحات ١١٧