ويذكر المسؤولون السياسيون(66) الذين باشروا الأعمال التحضيرية وأشرفوا على سير الأحداث فيما بعدء أن المدن الجزائرية الكبرى ومدينة العاصمة على وجه الخصوص قد عاشت ليلة بيضاء وتحولت إلى ورشات كبيرة للإنجاز» وما كاد الصباح يلوح حتى وجدت الأعلام الوطنية بالمئات» وكتبت اللافتات باللغتين العربية والفرنسيةء وتم تعيين فرق التأطير والإسعاف والإسناد والتحريض» وضبطت مر اكز انطلاق المتظاهرين» وحددت نقاط التقاط الروافد الشعبية والمحطات النهائية. كل ذلك في سرية تامة تدل» بما لا يدع أي مجال للشك» على قدرة فائتة في التخطيط والتسيير» وعلى سيطرة القيادة على قواعدها وتفاعلها مع إطاراتها ومناضليها. لم تكن قيادة حزب الشعب الجزائري تريدء فقط المشاركة في احقالات أول مايو بل إنها كانت ترمي إلى توظيف تلك المناسبة من جهة لتختبر مدى قدرتها على تعبئة الجماهير ونجنيدهاء ولتعلم إلى أي حد تستطيع هذه الأخيرة أن تسير وراءها بكل التقة التي لا بد منها لنجاح المشاريع الحيويةء ومن جهة أخرى» فإن اللجنة المديرة كانت تسعى إلى اجتياح الشارع بقوتها الحقيقية حتى يتغير رأي الحلفاء ويتأكدوا من التفاف أغلبية الشعب الجزائري حول الحركة المصالية في نضالها من أجل استرجاع السيادة الوطنئية وإقامة الجمهورية الجزائرية المستقلة عن فرنسا. على هذا الأساس» سهرت قيادة الحزب السرية على أن تكون المظاهرات الئي ننظمها مغايرة اا و للمظاهرات التي تعودت النقابات تنظيمها بثلك المناسبة. أما من حيث الشكل فإنها قررت أن تجعل منها نموذجاً للعلم المتقن وللجدية والانضباط اللذين ينمان عن وعي المشاركين بخطورة الموقف وقدرنهم الفائقة على تطبيق التعليمات»ء وأما فيما يخص المضمون» فإنهاء رغم احترامها للمطالب العادية التي ينادي بها العمال في متل ثلك التجمعات» قد قررت أن يرفع المتظاهرون شعارات وطنية فيها مطالبة بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وفي مقدمتهم زعيم الشعب الجزائري السيد الحاج مصاليء وبحق الجزائر في تفرير مصيرها بنفسها وفي استرجاع سيادتها وإقامة المؤسسات الوطنية المسنقلة. ولإعطاء كل تلك الشعارات وزنا أقل وقيمة أعظم كان لا بدأ من رفع الأعلام الوطنية التي صدرت تعليمات صارمة برعايتها وحماية رافعيها والاستمائة في الدفاع عنها كي لا تقع في أسر الشرطة الاستعمارية. ۰ 68
عدد الصفحات ٦٩و للمظاهر ات› وفي نفس ليلة الفاتح من مايو؛ تم توزيع آلاف المنشورات عبر مخف أنحاء الط کن مر اف ا ده تذكير بالمطالب التي يجب التركيز عليها أثناء المسيرات الشعبية وبالشعارات التي ينبغي رفعها حتى يضفي على المظاهرات»ء في جميع المدن والقرى الجزائرية» طابع الشمولية والوحدة» وليدرك الملاحظ الأجنبي خاصةء أن المنطلق أيديولوجي ولا علاقة له بالخبز ولا بالوضعين الاقتصادي والاجتماعي المثترديين. لقد كانت تلك المنشورات مصاغة بأسلوب تلغرافي حتى يسهل توظيفها والاستفادة من محتواها إلى أقصى الحدودء وإذا كان كل ما جاء فيها من شعارات ومطالب لا يتجاوز ما هو معمم بالفعل في أوساط الجماهير الشعبية الواعيةء فان ثمة جديدا لا بد من التوقف عنده لما له من دلالة سياسيةء ويتمتل ذلك في كون تلك المنشورات لم تكتب فقط باللغتين العربية والفرنسية ولكن جزءا منها جاء مكتوبا باللغة o النظر في مواقفهم الأخبرة التي حادت عن الوعود المشار إليها أعلاه. إن كل من كتبوا حول هذا الموضوع ينفقون على أن تعليمات اللجنة المديرة لحزب الشعب الجزائري قد ائبعت بدقة شديدة» وخرج المتظاهرون في هدوء ونظام مثاليين سواء كان ذلك في سائر مدن الشرق الجزائري أو في مدن تلمسان والجزائر العاصمة ووهران. وفي كل مدينة كانت المواكب تضم أعدادا من المواطنين تفوفق بكثير الأعداد التي تمكنت النقابات المختلفة من جمعها E TE في المنشورات رفع المتظاهرون لافتات كتبت عليها سائر الشعارات المحددة من طرف قيادة الحزب» وكانت الأعلام الوطنية تنقدم الأمواج البشرية التي كانت تهتف بحياة الجزائر وتنادي باسترجاع سيادتها وإقامة مؤسساتها المستقلة وإطلاق سراح معتفليها السياسيين وفي مقدمتهم الزعيم الحاج مصالي. وعلى الرغم من أن القمع الاستعماري كان وحشيا ضد المشاركين في جميع المسيرات التي وقعت في كافة أنحاء البلادء وعلى الرغم من أن الشرطة أطلقت الذار على المتظاهرين في كثير من المدن الجزائرية وخاصة منها وهران حيث استشهد مواطنان وجرح أكثر من عشرين شخصاء(67) فإن مظاهر ات العاصمة هي التي» أكثر من غيرهاء قد استوقفت الكتاب والمؤرخين. انطلقت مظاهرات العاصمة من محطات ثلاث هي: بلكورء القصبة وباب 69
عدد الصفحات ٧٠الوادي(68)» أن تكون ساحة البريد المركزي هي نقطة التجمع العام الذي كان من المقرر أن يتناول فيه الكلمة عدد من أعضاء اللجنة المديرة لحزب الشعب الجزائري المحظور (69). وبالفعل اجتمعت جماهير غفيرة في باب الوادي ثم تكاثرت أعدادها بانضمام المتجمعين في ساحة الحكومة (ساحة الشهداء حاليا) إليهاء وسلكف الموكب نهج باب عزون ليمر أمام مبنى المسرح الوطني قبل أن يدخل إلى نهج علي بومنجل حيث ياتقي في نهايته مع الموكب الذي انطلق من جامع سيدي عبد الرحمن ومر جزء منه بنهجي عمار القامة وذبيح الشريف حاليا. أما الجزء الثائي فانه سك نهج ذبیح الشريف صعودا وتبع نهج موقادور) کک ليصل إلى ساحة الأمير عبد قادن اليا اومتها التحى:بالبر ية المركزي. ا الموکبان الملتحمان في نهاية نهج علي بومنجل (ديمون ديرفيل سابقا) دخلا في مظاهرة صاخبة إلى شارع a (يزلي سابقا) وراحا يتقدمان بنظام وانتظام في اتجاه البريد المركزي. غير أن سكان الشارع كانوا کلھم أرروبيين فاستنجدوا بالشرطة التي وصل رجالها بسرعة كبيرة وبداً الرصاص يطاق على المتظاهرين من شرفات المنازل ومن قبل عناصر الشرطة. وفي مستوى الكازينو. سقط الشهيدان غزالي الحفاف وعبد القلار زیاد.(70). لقد كان أول مايو سنة 1945 امتحاناً عسيراً بالنسبة لجميع القرى والمدن الجزائرية التي أقدم فيها حزب الشعب المحظور على تنظيم مسيرانه الإاستظهارية؛ وفي نهاية ايوم علدما اجتمعت القيادات الحزبية محليا ووطنياء كانت النتيجة إيجابية إذ ت أن الجماهير الشعبية ذ فيي الجز اثر حينما يطلب منها الإقدام على التضحيات القصوى فانها لا تتأخر وهي على استعداد لاتباع الحركة الوطنية في طريق النضال بجميع الوسائل من أجل استرجاع السيادة الوطنية المغثصبة. وبالئسبة للأوروبيين» فإن أول مایو 1945 کان یوما مرعباء لیس لما وقع فيه من مظاهرات شعبية وقمع وحشي؛ ولكن لأنه کان نا قوياً على المستوى العالي من النضج السياسي الذي وصلت إليه أغلبية جماهير الشعب الجزائري» لأجل ذلك فإنهم بجميع مشاربهم السياسية وانتماءاتهم الفكرية والأيديولوجيةء راحوا يطالبون السلطات الحاكمة باتخاذ جميع الإجراءات لإقامة سد منيع بين الحركة الوطنية في الجزائر وأهدافها الخاصة باسترجاع الاستفلال 70
عدد الصفحات ٧١الوطني» ولكي لا يتكرر مثل ذلك اليوم في حياة البلاد التي يريدونهاء فقطء حقلا واسعا وهادئًا للاستغلال بسائر أنواعه. وأما بالنسبة للإدارة الاستعمارية ذاتهاء فإن أول مايو 1945 كان دليلا اف علي ن اع كی من اوا مون اتن الان ر هة ك قطعوا الحبال التي كانت تشدهم إلى "الميتروبول" والتحقوا رغم كل شيء بصفوف الوطنيين العاملين على استرجاع السيادة الوطنية بجميع الوسائل ومهما كان الثمن. معنى ذلك» أن الحلول الاستعمارية الجاهزة مثل الاندماج والالحاق والمساواة كلها أصبحث معرضة للاختفاء والزوال. لأجل ذلك فإن المشرفين على تلك الإدارة قد أرهفوا السمع لأصوات الكولون والشيوعيين المطالبة بإحكام التصدي للحركة الوطنية الجزائرية باعتبارها وكرا لمناهضي الديمقراطية وكابحاً قوياً يمنع قطار الحرية والسلام من التقدم. من هذا المنطلقء وعلى هذا الأساس» ألقي القبض على مجموعة كبيرة من الإطارات القيادية في حزب الشعب الجزائري المحظور(71)؛ بينما لجأت مجموعة أخرى منهم إلى الحياة السرية في المدن والفرى الجزائرية أو إلى الجبال تحتمي بقممها ووديانها وشعابها. واغثنم الحزب الشيو عي الجزائري هذه الفرصة فوزع منشور ا(72)» ينهم فيه الحركة المصالية بأنها 'لوثت انتصاراث الطبقة الشغيلة بدماء الأبرياء في حين كان يجب أن تتحد جهود المحرومين من أجل تحقيق اننصارات جديدة. وفي اليوم الموالي جاء جواب حزب الشعب الجزائري بواسطة منشور يحمل تاريخ 1945/5/4 وهو موجه إلى جميع الفرنسيين وخاصة منهم إلى العمال المنخرطين في صفوف الكنفدرالية العامة للشغيلين وإلى الحزبين الاشتراكي والشيوعى الفرنسيين وكذلك إلى منظمة فرنسا المكافحة. ومما جاء في ذلك المنشور: "أن الهتليريين الحقيقيين إنما هم أولئك الذين سلحوا الشرطة لتقتل إخوان وآباء وأقارب الأجناد الذين ساهموا اتحرير فرئسا وحاربوا في ألمانيا جحافل الفاشية والنازية'(73). واجتمع المكتب المركزي لحركة أحباب البيان والحرية برئاسة السيد فرحات عباس في نفس اليوم الذي وزع فيه منشور حزب الشعب الجزائري» وصادق بالإجماع على نشرة موجهة إلى جمبع الفرنسيين(74) فيها تنديد بالقمع الذي تعرض له المشاركون ف مظاهر أت فاتح مايو 1945 واحتجاج على حملات الاعنقال الموجهة ضد الوطنيين الجزائريين ومطالبة بإطلاق سراح 71
عدد الصفحات ٧٢الحاج مصالي وسائر المعتقلين السياسيين وفي اليوم الموالي للاجتماع» أصدر المكتب المركزي ا ندد فيه بالاتهامات القائلة إن منظمي مظاهرات أول مايو في مختلف مدن الجزائر وقراها كانوا هتليريين يهدفون إلى إفساد الاحتفالات بعيد الشغل العالمي.(75). آحداث ثامن مایو: ` وفي نهاية الإسبوع الأول من شهر مايو سنة 1945 استسلمت ألمانيا أمام ضغط الحلفاء والاتحاد السوفياتي وتقرر أن يكون اليوم الثامن من الشهر لكر مرغ لفان باقن اينه .راا كانك فادة خزه الت الجزائري قد قررت المشاركة الفعلية في تلك الاحتفالات من أجل تأكيد رغبة sean العسكرية التي قادت الأول إلى السجن ووجهت الثاني إلى مستشفى "مايو" للعلاج'(78). والحرية قد أقدمت» في الشرق الجزائري خاصة؛ء على ثنظيم مسيرات مستقلة عن المظاهرات الرسميةء» وتمكنت في بعض المدن والقرى من إنجاز ذلك في إطار قانوني بعد أن حصلت على ترخيص من السلطات المعنية(79). لكن ذلك لم يحل دون القمع البوليسي وإراقة دماء الأبرياء. أما فيما يخص قرار المشاركة الذي اتخذته فيادة حزب الشعب الجزائريء فإن السيدين أحمد بوده وعبدون يزعمان» من خلال الشهادات التي أعطياها لعدد من الكتاب والجامعيين(80)ء أنه نقل بدون تعليق إلى القواعد الحزبية ثم تركت المبادرة إلى المناضلين ينفذونه كيفما شاؤوا وطبقا لإمكائياتهم وحسبما تمليه الظروف المحلية» ويضيف المسؤولان أن الأمر بالتظاهر قد صدر»ء فقط» عن قيادة حركة أحباب البيان والحرية. إن هذا الإقرار غير صحيح» لأن السيد شوقي مصطفىء» الذي كان من القياديين الوطنيين الأساسيين» يذكر أنه تولى بنفسه صياغة التعليمات التي أرسلت إلى القواعد من أجل تجسيده قرار القيادة على أرض الوافع(81). وأن القارئ ليجد تأكيداً لذلك في شهادة السيد السعيد عمراني التي قدمها إلى الرئيس ۔ نقمں 4 صفحة كاملة من المخطوط غير موجودة, 72
عدد الصفحات ٧٣ابن يوسف بن خدة والتي جاء فيها أن التعليمات المذكورة تضمنت أمر المناضلين برفع الأعلام الوطنية وكذلك أعلام الحلفاء بما في ذلك العلم الفرنسي(82)ء ومهما يكن من أمرء فإن كل المسؤولين والمناضلين يؤكدون أن حزب الشعب الجزائري قد أعد منشورا في الموضوع ووزعه يوم 1945/5/6 ٠ في الجزائر العاصمة وقي أهم مدن البلاد وقراها. ولقد تضمن المنشور المذكور دعوة جميع المناضلين إلى رفع الأعلام الوطنية وكذلك عددا من اللافتات التي تعبر عن المطالبة بتحرير الشعب الجزائري وإطلاق سراح الحاج مصالي وسائر المعتقلين السياسيين» وعن التنديد بالاستعمار والامبريالية بجميع أشكالها. وفي الواقع» فإن جميع المسيرات الشعبية بما في ذلك تلك التي أشرفت على تنظيمها فروع حركة أحباب البيان والحريةء قد وظفت نفس التىعارات لأن مناضلي حزب الشعب الجزائري كانواء في كل الحالات» هم المحرك الرئيسي للمظاهرات. على هذا الأساس» ومن هذا المنطلق؛ نستطيع الجزم بأن قيادة حزب الشعب الجزائري السرية هي مصدر الأمر بتنظيم المسيرات الشعبية والمشاركة فيها بمناسبة الاحتفالاث بعيد الانتصار على النازيةء وإذا كانت القيادات المحلية لحركة أحباب البيان والحريةء في جل الأماكن» هي التي أشرفت مباشرة على العمليةء فلأنها كانت» في معظمهاء مكونة من إطارات قيادية من الحزب المذكرر وهي» في تحركهاء إنما كانت تطبق التعليمات الصادرة عن قيادتها الأساسيةء لأن الفيادة العليا لحركة أحباب البيان والحرية لم تتلق موافقة السلطات الاستعمارية ولم تكن مستعدة لخرق القائون. ولقد كان حزب الشعب الجزائري يهدف» من خلال تنظيم المسيرات الشعبيةء إلى لفت انتباه الحلفاء عامة وحكومة الجنيرال ديغول بصفة خاصةء إلى الواقع الجديد الذي آل إليه الشعب الجزائري وهو واقع الاستعداد المطلق لتحمل مسؤولیاته کاملة في تسپیر شؤونه بنفسه. ومن الجدير بالذكرء أن ذلك الواقع الجديد لم يتشكل دفعة واحدة بل هر حصيلة كل الأحداث والتطورات التي وقعت خاصة أثاء الحرب الامبريالية الثانيةء والتي تعرضنا إليها بإيجاز كبير في الصفحات السابقة» ويمكنناء بعد التدقيق و التمحيص» أن نقول عنها إنها ممهدات الثورة من أجل استرجاع السيادة الوطنية. 713
عدد الصفحات ٧٤الم و امار الاستعمارية: ولقد كانت السلطات الاستعمارية التي عايشت عن كشب تلك الأحداث والتطورات» تعرف أنها أمام حركة سياسية نوعية استطاعت أن ثنفذ بسرعة وبحكمة إلى جميع الأوساط الشعبية» وتمكنت من نشر الوعي اللازم لجر الجماهير الواسعة إلى العمل الثوري بجميع أنواعه ومن إقناعها بالإقدام على التضحية القصوى في سبيل استرجاع الاستقلال الوطني الكامل. لأجل ذلك فإنها لم تبق مكتوفة الأيدي. وبقدر ما كانت تعمل على خرق الصفوف الوطنية ومضايقة الإطارات القيادية وملاحقتهم» فإنها كانت تستعد الاستعداد اللازم لاقتلاع جذور الحركة الاستقلالية في أول فرصة تتاح لها. ويتمثل استعداد تلك السلطات الاستعمار ية في العمل على جبهتين أساسيتين هما: 1-الجبهة السياسية التي خصصتها لزرع بذور الشقاق في صفوف حركة أحباب البيان والحرية بقصد فصل من كانوا سمون بالمعتدلين والمنثخبين عن مناضلي الحركة المصالية. وقد استعملت الإدارة الفرنسية في هذه الجبهة» جميع مالديها من وسائل الترغيب والترهيبر 83 ما أنها لم تتردد في اللجوء إلى توظيف الجهوية والعشائرية والانتماءات الفكرية والثفافبة. 2-الجبهة المادية التي خصصتها لإعداد وسائل القمع الضرورية لإنجاز مهمة الاستتصال ولتوفير الإمكانيات العسكرية والأمنية اللازمة لخنق بوادر الثورة في الوقت المناسب. ومن جملة الإجراءات التي اتخذتها الإدارة الاستعمارية بهذا الصدد نذكر على سبيل المثال: أ-حصر المناطق التي تجمع الثقارير المخابراتية على أنها أوكار للح ركة المصالية العاملة على تحقيق الانفصال عن فرسا بواسطة استرجاع السيادة الوطئية المغتصبة سنة 1830. وحسب تلك التفارير» فان المناطق الأكثر خطورة هي: الجزائر العاصمة»ء الشمال الفسنطيني» الفبائل الكبرى والقبائل الصغرى» وهرانء تلمسان والأوراس. ب-تدريب قوات الجبش الفرنسي المرابطة بالمناطق المذكورة على التصدي لحرب العصابات. ويذكر بابا(84) (هااإهم) إن تلك الق وات کان تعدادها بزيد عن ستين ألف جندي وضابطء وأن أول تدرب 74
عدد الصفحات ٧٥ميداني شارك فيه القادة العسكريون والمدنيون اما وقع في شير بناي ر (كانون الثاني) سنة 1945. ج ادام عامل عمالة سنطية السيد (Carbonne] Jig jS (عd» ع[ على تكوين فصائل الميليشيا بنواحي برج برعريربج» وذاك ابئداء من شهر دسمبر(تشرين ثاني) سنة 1944. وعلى اثر فترة التدريب تم تعين القادة ووزعت الأسلحة وأعطيت التعليمات التي كانت تتلخص في العمل من أجل هدف واحد هو أيادة إطا رات ومناضلي حزب الشعب الج زائري(85). إن بعض المجللين السياسيين»ء اليوم؛ يلقون باللائمة على قيادة حزب الشعب الجزائري متهمين إياها بالتهور وعدم الوعي بالأخطار التي عرضت لها عشر اث آلاف الجزائريات والجزائريين. إن هذا الموقف»› مهما كانت دو افعه غير سليم خاصة غفا ر أن اة اذك رة كت ف هة علي إشحال فتيل الثوره كإجراء أخير من أجل إرغام فرنسا على التسليم بحق الشعب الجز ائري في تقرير مصيره بنفسه؛ لكن الثامن من مايو لم يكن هو اندلاع التو رة بل إنهء على غرار الفاتح من نفس الشهر» كان» فقط استظهارا لما تتوفر عليه الحركة الوطنية الجزائرية من فدرة على تعبئة الجماهير الشعبية وتجنيدهاء ومذبهة الحكومة الفرنسية وللحلفاء على درجة النضج التي بلغها الجزائريون الذين أصبحوا تواقين للحرية والانعتاق. ومما لاشك فيه أن الإدارة الاستعمارية كانت تدرك كل ذلك» كما أنها کاتت تعلم أن قيادة حزب الشعب الجزائري التي أمرت بتنظيم المسيرات الشسعبية تلا لانتصار الديمقراطية في العالم» قد أصدرت في ذات الوقت تعليماتها الصارمة لجميع المناضلين كي لايحملوا معهم أي نوع من أنواع السللاح حتى يظل التظاهر ساميا وللغرض المشار إلبه E الأهداف الاستعمارية كانت مسطورة من قبل وكائث المسيرة هي المصيدة على حد تعبير السيد فرحات عباس(86). لقد كان الثامن من مايو سئة خمس وأربعين وتسعمائة وألف يوم ثلاثاء وبحكم تواجد معظم الميليشيات في المحور الرابط بين برج بوعريريج ومدينة سطيف» فان هذه الأخيرة قد اختيرت من طرف الإدارة الاستعمارية لتكون منطلق المجزرة الرهيبة التي لاشك في أنها كانت من تخطيط وتنفيذ السلطتين المدنية والعسكرية في الجزائر» وبمباركة حكومة باريس التي كانت برئاسة 15
عدد الصفحات ٧٦الجنرال ديغول في ذلك الوقت(87). إن كل المصادر التاريخية بما في ذلك تقرير الجنرال تيبار (۲9ءط٠٣)(88)ء يثبت أن نائب عامل الولاية في سطيف قد أبدى موافقته الشفاهية للوفد الذي ذهب إليه يلتمس الإذن لئنظيم مسيرة شعبية تتوج بوضع أكليل من الزهور على قبر الجندي المجهول. وفي مدينة قالمةء أيضاء حصل فرع حركة أحباب البيان والحرية على ترخيص من نائب عامل العمالة. وللتذكير» نشير إلى أن عامل الولاية هر لاستراد كريونال؛ المشرف العام على فرق الميليشيا. وبالموازاة مع الترخيص فإن نائبي عامل الولاية قد أمرا محافظي الشرطة وضباطها بخلق الفرص لإطلاق النار قصد نفجير الأوضاع وتمكين الكولون والأجناد من ارتكاب الجريمة. ولم يكن عامل ولاية قسنطينة هو المهندس الوحيد لعمليات القمع الإجرامية رغم أنه كان» بواسطة نائبيه في سطيف وقالمة؛ معلنا على بداياتها ومسؤولا على تأجج نيرانهاء ولكن مصادر التاريخ فيما بعد» قد أثبئت أن كربونال كان ينشط تحت الإشراف المباشر لسكرتير عام الولاية العامة السيد روني قازان (ع«عهعه6 ٠۸ع۸) الذي كان واحدا من دعاة اللجوء إلى العنف لاستئصال الحركة الوطنية في الجزائر(89) والذي كانء إلى جانب غلاة الكولون» قد قام باتصالات واسعة النطاق في فرنسا من أجل ضمان مساندة مجموعة من أصحاب الحل والربط في حكومة باريس. ولقد كان الكولون وأعوانهم يعتقدون أن التقتيل الأعمى سيمكنهم من القضاء نهائيا على قواعد حزب الشعب الجزائري» ومن زرع الرعب في نفوس كل الجزائريين»ء قصد صدهم عن مجرد التفكير في محاولة العمل على ضرب المصالح الاستعمارية في الجزائر. ومن الغريب أنهم استطاعواء بكل سهولةء أن يرسخوا ذلك الاعتقاد في أذهان عدد كبير من أصحاب القرارومن القريبين منهم في أوساط الحكم الفرنسي على اختلاف أنواعه. فن هذا الباب كان التخطيط للجريمة محكماء تبناه الجنرال ديغول في أعلى قمة الهرم» وأشرف على تنفيذه من بعيد وزير الحرب الفرنسي آنذاك» السيد تييون («ه!اا7) الذي كان من الأعضاء البارزين في قيادة الحزب الشيوعي الفرنسي(90). ومما يدل دلالة قاطعة على أن الفمع كان مبيتاً وأن الإدارة الاستعمارية 716
عدد الصفحات ٧٧كانت في أتم الاستعداد له وأن التدخل العسكري جاء سريعاً للغاية حتى في القرى والمداشر النائية. وعلى سبيل المثالء فإن المسيرة التي انطلقت في الأوريسية بالقرب من مدينة سطيف على الساعة الثائية والنصت من زوال اليوم الثامن من شهر مايو قد اصطدمت بفرق من الجيش الفرنسي على الساعة الرابعة أي فقط بعد ساعة ونصف من انطلاقها وهو أمر مستحيل في الظروف العادية. وفي اليوم التاسع من شهر مايو وفي مدينة لافاييت (بوقاعة حاليا) وصل الأجناد إلى مكان المسيرة في ظرف ساعة فقط(91). کل اا ا ار عا و وة ف ومساعديه في كل من سطيف وقالمةء أقدم ضباط الشرطة في هاتين المدينثين الأخيرتين على استفزاز المتظاهرين من أجل إيجاد الظطروف التي تسمح بإطلاق النار؛ وفي المدينتين كانت تلك الظروف هي محاولة انتزاع العلم الجزائري من أيدي المناضلين الذين رفضوا الامتثال لأوامر ممثلي السلطة الاستعمارية الذين لم يترددوا في اللجوء إلى أسلحتهم(92). وبسقوط الضحايا الأوائل أخذت المسيرات الشعبية السلمية طابعا آخر جعلها تتحول بالتدريج إلى حركة ثورية ظلت متواصلة طيلة ماتبقى من شهر مايو سنة 1945. وفيما يخص الاستفزازات البوليسية هناك شهود عيان(93) يذكرون أن المسيرة في مدينة سطيف انطلقت هادئة من ناحية المسجد الجديدء وظلت كذلك حتى قطعت حوالي ألف مثر ووصلت إلى مقهى فرنسا على الشارع الرئيسي . حيث كان يجلس المفتش لافون 1۴۸۲ مرتديا الزي المدني. إن هذا الأخير غادر مكانه بسرعة وراح يخرق صفوف المتظاهرين محاولا افتكاك اللافتات المنادية بحياة الحلفاء وسقوط الامبريالية من حامليها. وأمام رفض المناضلين ومقاومتهم الشديدة أطلق الرصاص عليهم فكان ذلك إيذاناً ببدء المجزرة على أيدي أفراد الشرطة الذين كانوا يؤطرون المسيرة. وإن وزير الداخلية الفرنسي نفسه قد أكد أن جميع التقارير التي وصلته لم تتضمن "أي دليل على أن القادة الوطنيين كانوا يريدون إشعال فتيل الثورة الشاملة يوم 1945/5/8. بل إنها (أي التقارير) شكلت لديه قناعة مطلقة بأنهم فقط كانوا يهدفون إلى استظهار قوتهم وإخراج مناضليهم قصد عدهم ودعم انضباطهم ونشر قوتهم أمام السلطات الفرنسية وحكومات الحلفاء"(94). T1
عدد الصفحات ٧٨رد الفعل الوطني والثورة الشاملة: إن ماأورده السيد أدريان تيكسي هو الحقيقة» وهو الدليل على أن التقارير الواردة إليه كانت صحيحة: لكن الذي ينعدم في شهادة السيد وزير الداخلية هو أن استفز ازات الشرطة التى كانت بأمر من مسؤولي الإدارة الإستعمارية هي الثي كانت السبب المباشر في إشعال فتيل الثورة الشاملة: وبالفعل» فإن سقوط الضحايا الأوائل قد أحدث في أوساط المتظاهرين وا كبيرين قاداء في غمرة المفأجأةء إلى مجموعة من ردود الفعل منها على سبيل المثال: 1-ارتفاع الأصوات المنادية ببدء الجهاد في سبيل الله والداعية إلى العودة إلى المنازل وإخراج مافيها من أسلحة ثم الرجوع إلى الشارع للاقتصاص من الأوروبيين بصفة عامة. 2-مغادرة المتظاهرين المدن وأطرافها واللجوء إلى القرى والمداشر» وفي الطريق كانوا يخبرون الناس بأن الجهاد قد أعلن وأن المعارك الطاعنة تدور رحاها في شوارع المدن التي هم منها قادمرن. 3-اجتماع القيادات المحلية لحزب الشعب الجزائري. وبعد دراسة الأوضاع رفعت التقارير في حينها إلى اللجنة المديرة المؤقثة في العاصمة التي عقدت جلسة عاجلة في تلك الليلة لم ترفعها إلا بعد أن حصل الإجماع على الإجراءاث اللازم اتخاذها لحماية الجماهير الشعبية في الشرق الجزائري خاصة من عمليات التقتيل الجماعي الئي انتشرت بسرعة فائقة تحت إشراف قائد القوات المسلحة الجنرال ديفال Genera! Duva1( eا) وبمشاركة الكولون المسلحين والشرطة ورجال الدرك والأجناد من مختلف الأسلحة. 4- سجلت اللجنة المديرة المؤقتة لحزب الشعب الجزائري نبا اعتقال السيدين عباس وسعدان ثم ناقشت جميع المعطيات المتوفرة لديها وقررت أن تكون بداية الثورة الشاملة عند منتصف الليل بين يومي 23 و24 مايو 1945ء ووزعت المهام على الطريقة التالية: -يتولى الإشراف على العاصمة وضواحيها السيد محمد بلوزداد. -توكل مسؤولية الغرب الجزائري للسيدين محمد e وعید الله فيلالي. 78
عدد الصفحات ٧٩-تسند مسؤواية الشرق الجزائري للسيدين مسعود بوقادوم والشاذلي مکي -يتولى مسؤولية الجنوب الجزائري السيد أمحمد بن مهل. -تسند مسؤولية منطقة القبائل للسيد علي حاليت» ومنطقة شرشال للسيد جيلالي رقيمي بينما يتولى السيد أحمد بوده مسؤولية منطقة الأربعاء وثابلاط. وبدون أدنى تردد أو انتظار شرع في تطبيق القرار الذي وجد كل الترحاب في أوساط القواعد المناضلةء لكن السلطاث الاستعمارية لم تتوقف عند الجرائم المرتكبة في ذلك اليوم الرهيب؛ بل إن القوات الفرنسية المسلحة قد استمرتء خلال الأيام الموالية وبكيفية تصاعدية في ممارسة القمع الأعمى تجاه المداتىر والقرى وفي سائر الشرق الجزائري» ولم تترك سلاحا واحدا بعيدا عن العملية ونظيفا من دماء الجزائريات والجزائريين الأبرياء. إن المؤرخين الفرنسيين» وتباعاً الغربيين بصفة عامة يتجاهلون الحقيقة عندما يتحدثون عن رد فعل السلطات الاستعماريةء ولو كانوا موضوعيين لكتبوا عن أفعالها الوحشية واللاإنسانية التي أدت إلى رد فعل جماهير الشعب الجزائري بقيادة طلائعه الوطنية. فالجزائريون لم يلجأوا إلى العنف إلا بعد أن بدأث الشرطة الفرنسية تطلق الرصاص على المتظاهرين بدون تمييز. عندها فط ارنفعت أصواتهم مدوية دعر آل الافتساضن وال الو تح راد الان فى سيل انومن ايل تحرير البلاد والعباد. وأمام عملياث التفتيل المنظمة والمستهدفة إبادة أكبر عدد ممكن من ا لتحركات فيالق الجيش الفرنسي المدعمة بوحدات ِ 95 > وللقصف المكف الذي کانت تقوم به اسر اب الطائرات وقطع البحرية العسكرية؛ اضطر الجزائريون إلى الهجوم على المراكز الإدارية الرسمية وعلى نکنات العدو وحصونه حيثما وجدت مستعملین في ذلك کل ماتوفر لديهم من E من السلاح ال اا اة ا اة ووا قان الصيد والمتفجرات النقليدية. في هذا الإطار» وعلى سبيل المثال فقط تجدر الإشارة إلى تقرير قائد الدرك الوطني في فرية بني عزیز (شوفراي سابقا) الذي جاء فيه: يوم 5/9/ 45 في الساعة الثانية صباحا أطلق الرصاص في القرية وتعرضت المئازل إلى 79
عدد الصفحات ٨٠الرشق بالحجارة. وعند الساعة السابعة قام أكثر من ألف رجل بتطويق الثكنة وأمطروها بوابل من نيران الأسلحة الفردية والأوتوماتيكية. ثم أتلفوا قذوات المياه وخط الكهرباء. وقد كان عملهم يتميز بانضباط عسكري بحت. وفي الساعة العاشرة وعشرين دقيقة تدخلت مجموعتان من الطائرات المطاردة؛ لكن المهاجمين بادرو! إلى إطااق نيران مكثفة على جميع فتحات الثكنة. وفي نفس الوقت قام حوالي مائة منهم بالدخول إلى الطابق الأرضي مضطرين المدافعين على اللجوء إلى الطابق الأول. وأشعلث النار في الأسطبل وفي المخازن... وفي يوم 1945/5/10 تدخلت وحدات عسكرية متنقلة لتشتيت المحاصرين الذين كانوا يستعدون لتفجير الثكنة بواسطة ما اقتنوه من متفجرات'(96). عمليات الإبادة وتشغيل الأف ران: كانت عمليات القمع رهيبة. ونحن نعتقدء رغم كل مانشر» أن نتائجها لم تضبط حتى الآن» ولايمكن أن تحصر بصفة دقيقة ونهائية» لكن الذي لايعتريه أدنى شك هو أنها تأتي في مقدمة جرائم الحرب المرتكبة ضد الإنسانيةء قبل كل الجرائم التي تحظى اليوم بعناية المؤرخين ورعاية الدول العظمى والمنظمات الدولية وخاصىة منها منظمة الأمم المتحدة. فالأفران المحرقة شغلت نواحي مديئة قالمة: ومازال الشعب يذكر» بألم وحسرة» كيف كانت تبتلع بنهم مئات الجثث الطاهرة البريئة. غير أن العالم» ايوم لايتحدث إلا عن الأفران التي قد يكون الألمان استعملوها لحرق اليهود أثناء الحرب الامبريالية الثانية. كما أن وسائل الإعلام الدولية ترفض أن ثتوقف عند الأفران الأولى التي أقامها الجيش الاستعماري في منطقة الضهرة ليحرق قبيلة أو لاد رياح مع معظم حيواناتهم الأليفة. إن الوحشية الاستعمارية لم تتغير كثيرأ خلال قرن كامل من السيطرة والاضطهاد والاستغلال» ولم تتغير كذلك سلوكات الضباط الفرنسيين وتصرفاتهم إزاء الجزائريين. ويكفي للتدليل على مانقول أن نسوق فيما يلي اعتر أفات الجنرال كافينياك (٥«عاه۷ة٥) حول مافعله لإبادة فبيلة بني صبيح سئة 4 . قال الجنرال: 'لقد تولى الأجناد جمع كميات هائلة من أنواع الحطب ثم كدسوها عند مدخل المغارة التي حملنا قبيلة أولاد صبيح على اللجوء إليها بكل ماتملك من متاع وحيوانات. وفي المساء أضرمت النيران وأخذت الاحتياطات کي لايثمکن أي كان من الخروج حيا"(97). 80
عدد الصفحات ٨١وبالنسبة لبقايا بني صبيح الذين نجوا من فرن كافينياك بسبب وجودهم خارج أراضي القبيلةء فإن العقيد كائروبار (#طمهع) لم يدخر أي جهد للبحث عنهم» ولما تسنى له جمعهم بعد حوالي عام من حرق أهاليهم» فإنه قادهم مقيدين إلى مغارة ثانية ثم أمر ببناء جميع مخارجها ليجعل منها على حد تعبيره 'مقبرة واسعة لإيواء جثث أولئك المتزمتين. ولم ينزل أحد إلى تلك المغارة ولايعرف أحد غيري أنها تضم تحت ركامها خمسمائة من الأشرار الذين لم يتومواء بعد ذلك» بذبح الفرنسبين". وفي تعليقه على هذه الجريمة قال السید برار : (۸۲۵:ء٥) لفد ظلت تلك المقبرة مغلقة وبداخلها جثث رجال ونساء وأطفال وقطعان تتآكل أويأكلها التراب'(98). أما الرائد مونطانياك (١ه«وها«هM) الذي كان يقود الجيش الاستعماري بئواحي سكيكدة سنة 1843ء فإنه لم يكن من هواة الأفران المحرقة أو المقابر الجماعيةء لكنه كان عندما يجتاحه الفلق يلجأ إلى 'قطع رؤوس العرب" لاعتقاده بأن العرب بدءا من خمس عشرة سنئة يجب أن يقتلوا. أما النساء والأطفال فيشحنون إلى جزر المركيز أوغيرهاء وبتعبير آخر» يجب أن نبيد كل من يرفض الزحف كالكلاب عند أرجانا"(99). إن أحفاد يبليسي وكافينياك وكائروبار ومونطانياك وبيجوقد استنطقوا التاريخ وتعلموا من دروسه كيف يتعاملون مع الإنسان العربي في الجزاتر؛ فالجنر ال ديفال القائد الأعلى للقوات المسلحة في الجزائر والچئرال فايس (ووز۷6) قائد . القوات الجوية والبحرية في ذلك الأسبوع الثاني من شهر مايو 5 قد أصدرا تعليماتهما لتشغيل الأفران المحرقة في نواحى قالمة ولكي تقنبل الدواوير والمداشر حتى في رؤوس الجبال وتطلق أيادي الكولون والأجناد تعبث كيفما شاءت بحياة الجزائريين ومصائرهم. ففي هذا السياق كتب الضابط بارجوري (١١١٠عإ٠8) في مذكراته 'لقد كانت قنباتنا للمداشر المحيطة بخراطة لاتتوقف أثناء اللبل وأثناء النهار» ولدفن جثث المسلمين» فإن الأجناد كانوا يأتون بالأسرى الذينء بعد الانتهاء من مهمتهم» توجه إليهم المدافع الرشاشة"(100). أما بريد الجزائر " (ع ام واھ courier eا)» فانه ورد علی أعمدته مايلي 'منذ سنة 1842 والمارشال' سانتارنو» وحتى في أحلك أيام تاريخهاء فإن الجزائر لم تعرف أبدا قمعا أكثر وحشية ضد شعب أعزل" فعلى الطرقات وعبر الدروب وفي الحقول والوديان ؛ والكهوف» لاترى سوى جثث مبتورة تلتهمها الكلاب 81
عدد الصفحات ٨٢الجائعة: جثث نتنة تحوم عليها الكواسر.. وفي أماكن متعددة أطلال لقرى مدكوكة"(101). لقد اخئلف المؤرخون وشهود العيان حول تقدير الخسائر البشرية. فالقنصل الأمريكى بالجزائر یری أن عدد القتلى يتراوح مابين أربعين وخمسين ألف» بينما يحدد الجزائريون قتلاهم بخمسة واربعين ألف وهو الرقم الذي تبنته الجامعة "عربية في ذلك الوقت. أما السلطات العسكرية الفرنسية فتجعل عدد القتلى بتراوح مابين ستة وثمانية آلاف يضاف إليهم نفس العدد من الأسرى (102). وإذا كانت سائر الكتابات و کی والأسرى» وتحدثت طويلا عن المحاكمات التي أسفرت عن كثير من الإعدامات والأشغال المؤبدة والنفي خارج الوطن والحرمان من الحقوق المدنيةء فإن السكوت كان عاماً ومطلفاً بالنسبة للخسائر وللأضرار المعنوية. ولقد كان من المفروض أن يتعرض المؤرخون وغيرهم ممن عالجوا حركة مايو الثورية إلى كل تلك المداشر والقرى التي نسفت عن آخرها وإلى كل تلك الحيوانات الأليفة والدواجن التي لم يكن يخلو منها بيت ريفي» وإلى كل تلك الغابات التي نلقت آلاف الأطنان من القنابل التي تسائطت عليها من الجو ومن البحرء كما أئهم لم يتعرضوا لالاف المصابين نفسيا وعقليا نتيجة عملية القمع 'والتعذيب وبسبب المطاردات والملاحقات. إن الإدارة الأمريكيةء في ذلك الحينء قد نشرت على أعمدة الصحافة أن الطيران الفرنسي نفذ في ظرف أسبوعين 4500 غارة جوية لتدمير 44 مشتى حسب الإحصاء الاستعماري نفسه فإذا كانت كل مشتى تأوي فقط 500 ساكن» فإن عدد القتلى بواسطة القصف الجوي لن يكون أقل من 22.500 أما عن البحر» ست عشرة سفينة قامت» لمدة أسبوعين كذلك» بقصف الأرياف المجاورة لموانئ بجاية وجيجل والقل وسكيكدة وعنابة؛ وليس من السهل تقدير الخسائر البشرية والمادية التي ترثبت عن ذلك القصف. إن الدارس المحقق يرفض الثسليم بعدد القثلى المتداول اليوم والذي تستبعده المصادر الرسمية الفرنسية التي تجد دعما لها في منشورات الحزبين الشيوعي والاشتراكي الفرنسي بالإضافة إلى كتابات الشيوعيين الجزائريين. إن استنطاق مختلف التقارير المعاصرة والكتابات المنشورة على أعمدة الصحافة أو المرسلة في طي الكتمان إلى قيادات الجيش الفرنسي أو إلى سائر الجهات الحكومية الفرنسية» وكذلك التمعن في شهادات المعاصرين وفي القصائد الشعرية 82
عدد الصفحات ٨٣والأغاني والأهازيج التي خلدت ماوقع في ذلك الش, _ المباركء كل ذلك يقود إلى تصديق ماجاء في تصريح الدكثور ابن جلول أمام نواب المجلس الوطني التأسيسي الفرنسي بتاريخ 1946/2/28 من أن عدد القتلى المسلمين بلغ في ذلك الشهر ثمائين ألفا(104). ولقد كان السيد فرحات عباس في مقدمة المحللين لما وقع في شهر مايو 5ء ساعده على الارثقاء إلى تلك المكانة ماكان يتمع به من أفق واسع واطلاع كبير على المعطيات الحقيقية بالإضافة إلى تلك العزلة الطويلة التي فرضت عليه ابتداء من الثامن من مايو 1945 إلى السادس عشر من مارس 6. يقول الاأمين العام السابق لحركة أحباب البيان والحرية في نداء وجهه إلى الشبيبة الجزائرية والفرنسية؛ 'لقد كانت مغامرة سطيف وقالمة الفظيعة موجهة ضدنا وضد أحباب البيان والحرية» ضد طموحات شعبنا الشر عية.. ضد الديمقراطية الفتية في الجزائر. شرع في تنفيذها بينما كان الوئام يسود العلاقات القائمة بين حركتنا وسائر الثنطيمات الديمقراطية. وكان الغرض هو عزلنا وإثارة أوربي الجزائر والشعب الفرنسي ذاته ضد إصلاحاتنا وكان المقصود (أيضا) هو القضاء علينا وئنظيم الانتخابات بدوننا وتحضير الرجوع إلى الوراء... إلى عهد الاستعمار. المطلق... إنها جريمة شنعاء ارتكبتها الإدارة» وبشر بها كثر من المغرضين» خاصة منهم لاستراد كربونال (اعصصم اه٤ #لواوما) عامل الولاية الذباح الوصولي الذي صرح يوم 1945/4/20 قائلا: "إن عمليات كبيرة ستحدث ضد حزب سياسي يقع حله فيما بعد". فللقضاء عليناء ذهبوا إلى حد ارتكاب الجريمة. وضد شعب أعزل» سلحوا وجمعوا في شكل مليشيات عصابات من الأو غاد والرجعيين. إن لاستراد كربونال -درناند الجزائر-(105) وكذلك عملية أشياري («١ه«ا۸) وغيرها ممن زرعوا في أريافنا رعباً هتليريا شا عليهم» اليوم» أن يدفعوا مقابل الجرائم التي ارتكبوها.. إن ملف الثامن من مايو لم يغلق بعد'. تراجع القيادة الثورية وموقف التشكيلات السباسية: إن رآ عباس»: فى هذا الموضو ع هو عين؛ الصراك. ولينن ملف الكامق من مايوء وحده» هو الذي لم يغلق ولكن الملف الإجمالي لكامل الحركة الثورية کله لم یزل مفتوحاء إلى غاية هذا اليوم» وهو ينتظر اهتمام المؤرخين الوطنيين 83
عدد الصفحات ٨٤