المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

تاريخ الجزائر المعاصر تحميل PDF

الزبيري، محمد العربي

صفحة ١٠ من ٣٠

بين التشكيلتين السياسيتين. ونحن نعتقد أن إثارة التباعد الإيديولوجي في ذلك الظرف بالذات لم يكن في محله لأن المشاركة في الائتخابات التشريعية الفرنسية تجعل الحزبين في مرتبة واحدة من حيث اعترافهما بسيادة فرنسا على الجزائر. وعلى أية حال» فإن موافئة الندوة الوطنئية للاطارات» على الدخول إلى معركة الائتخابات في ظل الشرعية الفرنسية لم تكن سوى تنازل بمقابل» لان الرافضين للأسلوب الجديد الذي هو في الواقع نقيض الأسلوب الذي ظاث الحركة المصالية تئمسك به منذ نشأتها والذي هو العنف الثوري أو الكفاح المسلح» قد حصلوا على قرار الندوة بعقد مؤتمر يٿولى البت النهائي في التوجهات الأساسية للحزب. ومما لإشك فيه أن دعاة المشاركة في الانتخابات كانوا يدركون جيداً أن إرسال ممثلين عنهم إلى المجلس الوطني الفرنسي ليس هو الطريق الأسلم إلى شاهلئ السيادة الوطنية. كما أنهم كانوا يعلمون أن الحياة البرلمانية عقيمة وأن 'الشعب الجزائري يجب أن يعتمد على نفسه لإنجاز ثورته الوطنية"(6) ومن جهة أخرى؛ فإن حزب الشعب الجزائري "لا يرى في المشاركة أو في الامتناع عن الانتخاب إلا فرصة a E‏ على دقة تنظيمه و انضباطه ونضجه ا .)0( وبقدر ما كان الصراع شدیداً بين دعاة المشاركة في الانتخابات ودعاة المقاطعة بجميع أنواعهاء كان التفاف جميع الأطراف قويا حول قرار الندوة وذلك طبقاً لمبدأ المركزية الديموقراطية وحفاظاً على وحدة الحزب. وليس أدل ' على قوة انضباط الإطارات القيادية من امتشاق السيد حسين لحول قلمه السيال لإقناع القواعد المناضلة بسلامة القرار بينما كان هو الوحيد الذي ظل متماسكاً بموقفه الرافض المناهض لفكرة المساهمة باعتبارها تراجعا خطيراً في سياسة حزب الشعب الجزائري. وتطبيقاً لقرار الندوة وبتاريخ 1946/10/23ء قدم السيد الحاج مصالي قوائم المرشحين»ء لكن الإدارة الاستعمارية رفضت ترشيحه شخصيا بالنسبة لدائرة العاصمة باعتباره من المحكوم عليهم قضائياً( 8 كما انها رفضت قائمتي وهران وسطيف(9). وبديهي أن في مثل هذه الإجراءات التعسفية تكذيبا صارخا للقائلين(10) أن الدخول إلى الانتخابات كان نئيجة اتفاق بين رئيس حزب الشعب الجزائري والسلطات الرسمية في فرنسا. وعلى الرغم من كل المضايقات والمناورات التي لجأ إليها ممثلوا الإدارة 150

عدد الصفحات ١٥١

الاستعماريةء فان مرشحي حزب الشعب الجزائري قد فازوا بنصف المقاعد التي تنافسوا عليها(11). ذلك أنهم لم يدخلوا الانتخابات إلا في خمس دوائر فازوا فيها بخمسة مقاعد مقابل خمسة لممثلي الإدارة الاستعمارية. أما في دائرتي سطیيف ووهران حیث لم يسمح لهم بالمشاركة» فان المقاعد الخمسة المتبقية قد توزعها الشيوعيون وممظلوا الإدارة(12). وللتذكير» نشير إلى أن الذين ذهبوا إلى قصر البربون باسم حزب الشعب الجزائري هم: الدكتور محمد الأمين دباغينء الدكتور جمال دردور والمهندس مسعود بوقدوم عن قسنطينة . والسيدان أحمد مزغنة ومحمد خيضر عن الجزائر العاصمة. ولما أدركت السلطات الاستعمارية أن جماهير الجزائر ملتفة حول حزب الشعب الجزائري فإن وزارة الداخلية قد أصدرت قراراً يغير طريقة إنتخاب أعضاء مجلس الجمهوريةء وبموجب ذلك الفرار ألغيت الإدارة الشعبية وأسندت مسؤولية الاختيار إلى المنتخبين البلديين وأعضاء الجماعات ورؤسائها حيث البلديات المختلطة. ولقد لجأت وزارة الداخلية إلى هذه الطريقة لكون كل أولئك المنتخبين قد وقع اختيارهم على إثر حركة مايو الثورية عندما كان معظم القياديين الوطنيين في السجون» وكان حزب الشعب الجزائري قد دعا جميع الجزائريين إلى مقاطعة الائتخابات "من أجل المحافظة على مستقبل الوطن الجزائري وللتأكيد على التمسك بسياسة التحرير الوطني وعلى الوفاء لأرواح الشهداء وللمناضلين والزعماء المعتقلين '(13). وأمام هذه المناورة الاستعماريةء فضل حزب الشعب الجزائري الامتناع عن المشاركة في انتخابات مجلس الجمهورية تاركا المكان للائحاد الديمقراطي للبيان الجزائري الذي استطاع أن يفوز بأربعة مقاعد من جملة السبعة المخصصة للمجموعة الانتخابية الثائية كما أشرنا إلى ذلك في غير هذا المكان. ولم يكن قرار مقاطعة الانتخابات مفيداً للاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري فحسب» بل إنه شكل فرصة ثمينة لقيادة حزب الشعب الجزائري وظفهاء إلى أقصى الحدود» من أجل تحضير وثائق المؤتمر وإعداد الترتيبات المادية والأدبية الضرورية لنجاحه. وبالفعل» فإن الفترة الممتدة إلى غاية الخامس عشر من شباط سنة 1947 قد تميزت بنشاط سياسي مکثف مگن القواعد المناضلة من التفاعل مع قياداتها في معالجة سائر القضايا المطروحة على الساحة السياسية في الجزائر» كما أنه أوجد أجواء من الحماس الذي كان لابد منه لمواجهة مثل ذلك الحدث الذي دعت إليه جميع التيارات -وكل منها- 151

عدد الصفحات ١٥٢

يعثقد أن نتائجه سوف تكون لصالحه وحده. لم يكن المؤتمر تأسيسياً ولا مؤتمراً أول للحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية كما يذهب إلى ذلك جل المؤرخين والمهتمين بتاريخ الحركة الوطنيةء لكنه كان المؤتمر الثالث لحزب الشعب الجزائري(14) كما تدل على ذلك الكتابات المعاصرة والشهادات التي لجأنا إليها لتسليط الأضواء على تطور الحياة السياسية في الجزائر خلال القترة ما بين 1939 و 15(1947). هذا من ئاحية الشكل» أما من حيث الموضوع» فإن المؤتمر كان أخطر مؤئمرات حزب الشعب الجزائري لأئه جاء نتيجة ضغط الإطارات القيادية الواعية التي استنكرت على السيد الحاج مصالي قرار الدخول في المعركة الانتخابية رغم ما في هذا القرار من تناقض مع أيديولوجية الحزب» مع أنه أسفر عن إثراء أيديولوجي سمح بتجاوز الأمة وتجنب الائقسام الذي كاد أن يعصف بالحزب کله. قبل هذا المؤتمر؛ لم تشهد الحركة الوطئية معارضة بمثل قوة ما وفع في . تلك الأشهر الأخيرة من سنة 1946. إطارات شابة مثقفة وواعية تعلن عن رفضها اتباع الزعيم وتشكل لجنة إنقاذ ويقظة توكل إليها مهمة تعبئة القواعد المناضلة ضد التوجه الجديد الذي لم يشارك أحد منهم في تحديده وإقراره. وقبل هذا الموتمر» أيضاء لم يحدث أن استمع المؤتمرون إلى مسؤولين قياديين يناقشون بصراحةء لا تعرف الحدود» برنامج الحزب ويبدون آراءهم بحرية مطلقة حورل وافقعه ومستقبله. وعلى الرغم من السرية التي أحاطت الاجتماعات(16)ء وعلى الرغم من الجو المكهرب الذي سبق انعقاد المؤتمرء فإن هذا الأخير قد استمع إلى تقريرين في منتهى الأهمية. أما التقرير الأول فقد قدمه السيدان حسين لحول وشوقي مصطفاي وهو يتعلق بموقف الحزب من الانتخابات. فقيادة حزب الشعب الجزائري ظلت» طيلة سنوات الحرب الإمبريالية الثائيةء تدعو إلى مقاطعة كل أنواع الاقتراع وقد کانت» في تشددهاء ترشع شعار: "من انثخب كفر'. وبالتدریج»› انتشرت الفكرة في أوساط القواعد المناضلة التي . عممتهاء بدورهاء في أوساط الجماهير الشعبية. ثم هاهو الزعيم» وبدون سابق إنذار» يقرر المشاركة في المعركة الانتخابية. هنا يطرح السؤال نفسه: كيف يكون إقناع المناضلين بضرورة هذه الردة؟ وكيف يمكن للمناضلين أن يقنعوا جماهير الشعب بجدوى هذا التحول 152

عدد الصفحات ١٥٣

السريع خاضة وأن الأوضاع السياسية لم تتغير؟ لكل هذه الأسئلة ولغيرها قدم التقرير إجابات اعتبرها السيد أحمد بودة سحرية(17) لأنها جعلت أغلبية الأعضاء يصفقون النشاط السياسي في ظل الشرعية والقانون الاستعماريين. وكان التقرير الثاني من تقديم السيد حسين آيت أحمد الذي ضمنه آراء وأفكار مجموعة من الشباب المثقف والمتحمس الكفاح المسلح الذي كانت قواعده قد تبلورت في تلك العشيرة الممتدة من سنة 1937 إلى سنة 1947 بفضل التجارب والخبرات المتراكمة من جراء نشاط اللجنة الخضراء ولجئة شمال إفريقيا للعمل الثوري والجيش الثامن والقوات العربية في الداخل ومنظمتي الشباب فى بلكور والقصبة. ومما لا شك فيه أن ذات التقرير الذي امتاز بالدقة في التعبير وبالتركيز الإيديولوجي سوف يكون هو الهيكل الذي سيعتمده السيد آيت أحمد في إعداد تقريره الشهير إلى اللجنة المركزية المنعقد اجتماعها الموسع بزدين والبليدة في الأسبوع الأخير من شهر ديسمبر 1948. على ضوء ذينك التفريرين ناقش المؤتمر واقع الحزب وأعد مخططا مستقبليا وظفه» منذ البداية» للفصل في موضوع النزاع القائم بين الأطراف الثلائة على النحو التالي: [- يتواصل نشاط' حزب الشعب الجزائري رغم الحظر المضروب عليه ورغم رفض الإدارة الاستعمارية الترخيص له بالعمل في إطار الش ر عية السياسية الفرنسية. 2- استجابة لإلحاح دعوة الكفاح المسلح يتم تأاسيس المنظمة الخاصة أو المنظمة السرية قصد مواصلة العمل الذي قامت به مختلف التنظيمات المشار ليها أعلاه. ومن الجدير بالذكر أن هذه المنظمة بهيكلتها وأعضائها هي التي سوف تكون منطلقا لبناء جيش التحرير الوطني بعد إشعال فتيل الثو رة ليلة الفاتح من نوفمبر 1954. 3- الإيقاء على الحركة من أجل انتصار الحريات الديموث راطية كواجهة لممارسة العمل السياسي في إطار الشرعية والقانون الفرنسيين. وإذا كان المؤتمرون قد ألحوا على أن يختار المنظمة الخاصة أكثر المناضلين حيوية وصلابة» وعلى أن تزود بأفضل الإطارات وعياً وتكويناء فإنهم قررواء بالنسبة للحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية»ء أن تستفيد من المنخرطين الجدد ومن المناضلين والإطارات التي اكتشفت أمرهم المصالح الاستعمارية وأصبحوا غير قادرين على حياة السرية التي يستوجبها العمل في 153

عدد الصفحات ١٥٤

إطار التنظيمين السياسي والعسكري. وانتخب المؤتمر بالإجماع السيد الحاج مصالي رئيساً للحزب وزكى السيد حسين لحول للاسثمرار في منصب الأمين العام كما أنه عين لجنة من ستة أعضاء(18) أوكل لها مهمة تعيين اللجنة المركزية والمكتب السياسي» ويذكر السيد ابن يوسف بن خدة(19) أن اللجوء إلى هذه الطريقةء إنما كان بدافع الحفاظ على أعضاء القيادة السياسية الذين يستدعي واقع الحزب أن تبقى أسماؤهم سرية بقدر الإمكان. أما من أعضاء المكتب السياسيء» فإن السيد حسين آيت أحمد(20) يذكر أن عددهم کان اني عشر» لکن السيدين مسعود بوقادوم وابن خدة فإنهما يعددان أربعة عشر عضوا(21). وفيما يتعلق بتوزيع المهام» فإن كل المصادر متفقة على أن مسؤولية المنظمة الخاصة أسندث إلى السيد محمد بلوزداد والتنظيم السياسي إلى السيد أحمد بودة بينما كلف أحمد مزغنة بالحركة من أجل انتصار الحريات الديموقر اطية وتركت الشؤون الخارجية إلى الدكتور محمد الأمين دباغين. هكذا ختم إلمؤتمر أشغاله بقرارات مرضية لجميع الأطراف» وراح كل طرف يسعى بكل ما لديه من إمكانيات للتدليل على أن أسلوبه هو الأنجع وطريقته هي الأمثل لاسترجاع الاستقلال الوطني. ولكي نتمكن من فهم الفترة الفاصلة بين تاريخ ذلك المؤتمر وميلاد جبهة التحرير الوطني فإئنا لا نجد بدا من التعرض لجميع المراحل التي قطعها حزب الشعب الجزائري بوسيلتيه العسكرية والسياسية. 1- الواجهة السياسية أو الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية . هناك من یطلق على هذه التشكيلة السياسية تسمية: حركة انتصار الحريات الديموقراطية(22)»› وهناك من يسميها: حركة الانتصار للحريات الديموقراطية( 3) ونحن نعتقد» بعد التأمل في أصل التسمية الفرنسي» أن الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية هي أفضل ترجمة پر ة: Mouvement pour le‏ triomphe des libertés dêmocratiques‏ التي تضمنها الملف الإدار يي الذي قدمه السيد الحاج مصالي لإضفاء طابع الشرعية على نشاطه السياسي وليتمکن؛ باسم حزب الشعب الجزائري» من المشاركة في الانتخابات التشريعية الفرئسية الثانية التي کان قد تقرر إجراوؤها يوم 10 نوفمبر سذة 16. 154 NBLIOTHECA ALEX | ANDRINZ, آلا و ف ي‎ دو

عدد الصفحات ١٥٥

ولیس الاخثلاف حول التسميةء وحده» هو الذي يستدعي التأمل والتفكير ف بل إن المؤرخين لم يتمكنواء حتى الآن» من الفصل نهائياًء فيما إذا كان يمكن التعامل مع تلك التشكيلة السياسية ككيان مستقل جاء بديلاً لعزب الشعب الجزائري الذي حلته الإدارة الاستعماريةء رسميا بتاريخ السادس والعشرين شهر سبتمبر سنة تسع وثلاثين وتسعمائة وألف(24)ء أم هل يجب الحركة من أجل انتصار ا ق فقط» لإضفاء طابع الشرعية على جزء مما يقوم به من نشاط يومي على مختلف الأصعدة وفي ج جميع الميادين. وفيا يخصناء فإننا نرجح الافتراض الثاني» ونعئفد أن الحركة من أجل انتصار الحر يات الديموقراطية لا يمكن التأريخ لها في معزل عن حزب الشعب الجزائري الذي لم يختف مثل نجم شمال إفريفيا الذي غادر الساحة السياسية اا رة 1997 فالحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطيةء إذن» وكما سبقت اشازة إلى ذلك» لم تكن سوى واجهة استعملها حزب الشعب الجزائري لتقديم مرشحية إلى الانتخابات التشريعية الفرئسية ثم أبقاها قناعا لممارسة النشاط السياسي العلني. وعلى هذا الأساس» فان 2 حزباً قائماً بذاته يگون مغالطة تاريخية. . وحتى عندما يقرن ذكرها بحزب الشعب الجزائري» فإن ذلك غير معقول لأنناء عندها نقول كذلك: حزب الشعب الجزائري/ المنظمة الخاصڈ (08/۲۴۸) تماماً مثلما نقول: ۶۴۸ /1۲10 ومهما يكن من أمرء فان المشاركة في الانتخابات التشريعية الفرئسية كانت تجرية فاشلة لأن الإدارة الاستعمار .ية لم تكن مستعدة لتغيير نظرئها الاستعمارية للجزائر التي أدرجتها المادة سثين من دستور 1946/10/13 ضمن العمالاث الفرئسية فيما وراء a Eg a I ELEN E SAA E E‏ أول بتاريخ 24 سبتمبر 1946 يهدف إلى ضبط القوائين التي تتحكم في تنظيم الجزائر وتسيير شؤونها. لكن المشروع لم يبرح قمطرات وزارة الداخلية بسبب تغيير الحكومة الثي وضعته(25) ونظرأً لما أبداه غلاة الكولون من معارضة له رغم كل ما تضمنه من تجذير لفكرة الجزائر الفرنسية. وفي التاسع والعشرين من شهر ماي سنة 1947 قام وزير الداخلية بإخراج المشروع من جديد إلى حيز الوجود وسلمه إلى اللجنة الدستورية ليأخذ طريقه الطبيعي من أجل أن يكون قانون الجزائر الثنظيمي. 155

عدد الصفحات ١٥٦

لم يكن ذلك المشروع الحكومي خطرا على الوجود الاستعماري في الجزائر» وعلى الرغم من ذلك فإنه E‏ الكولون الذين جندوا لمحاربته كل ما لديهم من إمكانيات. أما ممظلوا حزب الشعب الجزائري» فإنهم رفضوا مناقشته رفضاً مطلقا لإيمانهم بأن مصير الشعب الجزائري لا يصنعه البرلمان الفرنسي» بل لابد من مجلس تأسيسي جزائري "ينتخب بواسطة الاقتراع العام من طرف كل المواطنين الجزائريين ويكون تعبيرا صادقا عن إرادة الشعب الجزائري'(26). فمثل هذا المجلس وحده هو الذي يستطيع وضع دستور تحدد بمقتضاه منطلقات وأسس الدولة الجزائرية. لقد كان هذا هو موقف الحركة المصالية منذ مستهل الربع الثاني من القرن العشرين» ولم يتغير» في أساسه» حتى عندما كانت قيادة نجم شمال إفريقيا أو حزب الشعب الجزائري» فيما بعد تلجأ تكتيكياء » إلى مسايرة بعض التشكيلات الوطنية في دعوتها إلى تغليب الحل السياسي في ظل الشرعية الفرنسية. وكان ذلك الموقف مستمدا من إيمان تلك الحركة بأن الاستعمار لا يفهم سوى لغة العنف وبأنه لا يعطي للمستعمرين (بفتح الميم) إلا ما يؤخذ منه بالقوة. على الرغم من هذا الموقف الواضح المستمد من تلك القناعة الراسخة»ء فإن القيادة السياسية لحزب الشعب الجزائري قد وافقت» بالإجماع» على إرسال ممثليها إلى المجلس الوطني الفرنسي حتى تتمكن من إيجاد ظروف جديدة تساعدها على إعادة تنظيم الحزب بشقيه السياسي والعسكري. ولقد استغل واب الحزب فرصة تواجدهم في البرلمان الفرنسي ليعلنوا من أعلى منبره عن إرادة الشعب الجزائري في استرجاع سيادته وبعث دولته من جديد(26). لم يكن حزب الشعب الجزائري ينتظر من نشاطه السياسي العلني أن يبلغ حد إقناع غلاة الكولون بالتخلي عن تمسكهم بفكرة الجزائر الفرئسية. فالأوربيون كانوا يؤمنون بأن القوة وحدها هي التي أكسبتهم حق الهيمنة وحق العسف والاستبداد التي استطاع» بالتدريج» أن يهمش جماهير الشعب الجزائري ويجعلها تعيش غريبة في وطنها. ولأنهم كائوا يدركون ذلك جيدا فإنهم لم يكونو! يئرددون في توظيف جميع إمكائاتهم المادية والأدبية من أجل الضغط على الأوساط السياسية الفاعلة في فرنسا حتى يسدوا كل المئافذ في وجه عناصر الحركة الوطنية الجزائرية. هكذاء وفي الوقت الذي ظهر فيه شاط الوطنئيين الجزائريين داخل البرلمان الفرنسي وفي اتجاه التشكيلات السياسية المختلفة قصد إقناع الرأي 156

عدد الصفحات ١٥٧

العام الفرنسي والرأي العام العالمي بضرورة تمكين الشعب الجزائري من انتخاب مجلس تأسيسي يكون منطلقا لتسوية القضية الجزائرية التي ظلت قائمة منذ الخامس يوليو/ تموز سنة 1930 » فان إلنو اب الكولون قد ضاعفوا من التصريحات المشتملة على كل أنواع الترهيب والتهديد» مؤكدين"أن الأقلية الأوربية قد لا تتردد في الاستنجاد بغير الميتروبول إذا وافق المجلس الوطني على منح الجزائر قائوناً تنظيمياً يثنافى مع مصالح الكولون'(27). وفي نفس السياق صرح السيد جاك جوفالي الذي سيكون فيما بعد رئيس بلدية الجزائر العاصمة: “إن أرض الجزائر هي أرضناء وفيها نحن بين أهلنا.. إنها أرض فرئسية ومهما كان القول أو الفعل أو القرار من أية جهة كانت» فإن الجزائريين الفرنسيين لن يغادروها"(28). وكان حزب الشعب الجزائري يدرك» بدوره» أن ممثلي الكولون كانوا يسيطرون بالفعل على مصادر القرار في فرنساء وعليهء وبالموازاة مع نشاطه السياسي في إطار الشرعية الفرنسيةء فإنه خصص سنة 1947 لإرساء قواعد المنظمة الخاصة والحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية حتى تتمكن كلاهما من تأدية الدور المحدد لهما من طرف المؤتمر. وبينما كان الرأي العام منشغلاً بمشروع الحكومة الخاص بقانون الجزائر التنظيمي وبالمشاريع المضادة المقدمة من طرف الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري والحزب الاشتراكي الفرنسي والحزب الشيوعي الجزائري . وبمعارضة الكولون المتزمتة لكل هذه المشاريع»ء كان حزب الشعب الجزائري يعمل على ترسيخ قواعده في أوساط الجماهير الشعبيةء وقبل أن يصادق المجلس الوطني الفرنسي على قائون الجزائر التنظيمي استطاع أن يعقد أول مجلس وطني الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية في الفترة ما بين 4 و 7 سبتمبر 29(1947). إن بعض المؤرخين» على غرار السيد ا ثداش(30)» لم يضعوا ذلك الحدث في إطاره الطبيعي»ء واعتقدوا أن المجلس الوطني مؤتمر تأسيسي وكتبوا: "أن الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية قد نظمت نفسها كحزب سياسي” معتمدين في ذلك على كون أشغال المجلس قد أسفرت عن تعيين لجذة مديرة(31) وتوجت بالمصادقة على مجموعة من اللوائح(32) تماما مثلما يقع في المؤتمرات. إن مثل هذا التقييم غير سليم لأن المنطق لا يقبل حزبا في حزب» ولأن انتخابات اللجنة المديرة المشار إليها لم تلغ المكتب السياسي لحزب 157

عدد الصفحات ١٥٨

الشعب الجزائري» بل أن ر يس اللجنة السيد أحمد مزغنة ظل عد ٠وا‏ باامكتب السياسي المذكور ومسو ر عن الئنظيم السياسي العلني تماها مثلما كان لايد محمد بن الوزداد ا بنفس المكتب السياسي ومسؤولا عن المنظمة الخاصة. وحينما يتوقف الدارس عند اللو ائحالمصادق عليهاء فإنه يرىء» بسهولةء أنها لم تكن سو ی انعکاس مبسط الخط السياسي الذي ما فت حزب الث عدب الجز ائري يدعو إلى الالتزام به وللمنطلقات الإيديولوجية ااتي ظل يتمدها في وضع اثر برامجه. فلائحة السياسية العامة ترتكز على كون الإمبريالية الفرنسية التي اعتدت على الأمة الجزائرية لم تتمكن من القضاء على هذه الأخيرة رخم نجاحها فى إلخاء الدولة الجزائرية ورغم كل العسف والاستبداد المسلطين على جداهي_ الشعب الجزائري منئذ سنة 1830. تعتمد اللائحة أيضاء على كون الوطن الجزائري لم يستسلم أمام بطش الاستعمار وظل يقاوم بجميع الوسائل من أجل استرجاع الحرية والسيادة والكرامة. لأجل ذلك فإن الحركة من أجل انتمسار الحريات الديموقراطية مطالبة بالعمل في سبيل أهداف ثلاثة هي: 1-اإغاء السيطرة الإمبريالية واست ر جاع سيادة الشعب الجزائري. 2- بعث الدولة الوطنية بكل مقتضيات السيادة ومتطلباتهاء أي مدارسة السلطة التنفيذية والتشريعية والفضائية. وط ساد انرق ر اطة ةا للشعارات التالية: الكلمة للشعب» كفن لاست زكري ات ر ا ا ع ل واو بواسطة هبأة انتخابية واحدة. وترى لائحة العلاقاث مع التشكيلاث السياسية الجزائرية أن الاتحاد أداة . حاسمة في الكفاح ضد الإمبريالية وضمان أساسي لانتصار القضية الجزائرية. وعلى هذا الأساس»ء فإن الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية تلتزم بالترفع فوق كل الاعتبارات» مهما كان نوعهاء في سبيل تحقيق الاتحاد الوطني حول الأرضية الأكثر عدلا والأكثر فائدة للشعب الجزائريء ا حول العمل من أجل مجلس تأسيسي ذي سبادة كاملة. ومن خلال اللائحة الخاصة بقانون الجزائر التنظيمي» فإن الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية تذكر بأنها كانت قد حاربته في مستوى البرلمان الفرنسي عندما أنكرت على الأخير حق التشريع للشعب الجزائري. 8 ت کاک ی ی ا کک ج و ی و کے

عدد الصفحات ١٥٩

وبما أن السلطات الاستعمارية لم تأخذ في الاعتبار موقف كل النواب الجز ائريين الذين رفضوا مجرد المشاركة في مناقشة القانون المذكور» فإن الحركة قد حددت لمناضليها مجموعة من الأهداف العاجلة في مقدمتها: أ تشجيع معاداءة الشعب الجزائري للقانون المزعوم الذي صادق عابه المجلس الوطني الفرنسي دون استشارته. ب- تعبئة الجماهير الشعبية الواسعة ضد سياسة القوة والطغيان الآبي تما ر سیا الفرنسية. ج“ ايجاد اتحاد يقي في سبيل المجلس التاسيسي الج زائري. د- اعتبار محاربة قانون الجزائر التتظيمي مظهرا! أساسيا من «ظطادر الكفاح قي سبيل الأمة الجزائرية ومن أجل الديموق راطية. زتجسطا لبذ اللزتحة رجهت قا خرب لشب الجراتري اء إلى مؤثمر الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري المنعقد بمدينة البليدة في الفترة ما بين 3 و 1947/10/5 تدعو من خلاله إلى تحقيق 'وحدة متينة مبنية اس أيديولوجية وبعيدة عن ا عار ت اا رده من بل ت اا الجزائري من الهيمنة الإمبريالية"(33). وكجواب على هذا الاقتراح ضمن المؤتمر برنامج السياسة العامة فقرة خاصة بقضايا الوحدة النضالية أكد فيها "أن الاتحاد يجب أن يشمل كل الأحزاب الديموقراطية دون تمييز عرقي» وأن تحرير الشعب الجزائري من نير الاستعمار إنما يتم في إطار سياسة ديموقراطية تستهدف الرقي الاجتماعي وإصلاح الهياكل إصلاحاً جذر يا'(34). وإذا كان هذا الجواب مشوباً بكثير من الغموض والتهرب من المسؤوليةء فإن باقي اللائحة قد تضمن ما من شأنه أن يقرب بين التشكيلتين الوطنيتين. وبالفعل» فإن الاتحاد الديموقراطي البيان الجزائري قد أدان بكل صراحة الاتحاد الفرنسي والفانون التنظيمي المفروض على الجزائرء وأكد إيمانه بوحدة شمال إفريقيا وبضرورة إقامة الجمهورية الجزائرية بألوانها الوطئية وبرلمانها وحكومتها المسؤولة أمامە(35). وعلى الرغم من كل هذا التقارب الإيديولوجي؛ فان حزب الشعب الجزائري قد دخل الانتخابات البلدية منفرداً بينما حاول الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري تشكيل قوائم مشتركة بينه وبين الحزب الشيوعي الجزائري في ا ا د ا

عدد الصفحات ١٦٠

عدد من المدن وذلك تحت شعار "في سبيل اتحاد وطني وديموقراطي ومن أجل حماية المصالح البلدية"(36). الاتتخابات وعو اقبهاء على خلاف التشكيلات السياسية الأخرى» دخلت الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية معركة الانتخابات البلدية بهدف توظيفها لتعميم إيديولوجية حزب الشعب الجزائريء لأجل ذلك ضبطت شعارات واضحة وقريبة جداً من فهم سائر الفئات الاجتماعية(37) وراحت تركز» من خلال الاجتماعات والتجمعات» على ضرورة التزام المواطن الجزائري ببرنامجها السياسي إذا كان يريد استرجاع حقوقه المغتصبة والخروج من دائرة التخلف والتهميش والحرمان. وبفضل وعي المناضلين وحماسهم» استطاع حزب الشعب الجزائري أن يحول المناسبة إلى عرس وطني كبير سادته روح الأخوة والتضامن وتجندت»› من خلاله» جماهير الشعب لتقول "لا" لغير العمل من أجل استرجاع الاستقلال الوطني ولتعلن» أمام الملأء أنها تتبنى في معظمهاء مرشحي الحركة من أجل انتصار الحريات الديموفراطيةء وأنها بذلك» تتحدى الإدارة الاستعمارية وثرقض كل البرامج التي لا تدعو إلى محاربة قانون الجزائر التنظيمي ولا تهدف» أولا ' وقبل كل شيء إلى بعث الدولة الجزائرية ذات السيادة المطلقة. وكانت نتيجة الانتخابات تعبيراً آخر عن تفاعل الجماهير الشعبية مع سياسة حزب الشعب الجزائري» فمرشحوا الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية فازوا بأغلبية المقاعد المتنافس عليها وسيطروا كلية على أكثر من مائة بلديةء ولم يتمكن ما سمي في ذلك الوقت بالتحالف الديموقراطي من الوقوف في وجه التيار الجارف الذي جعل الحزب الشيوعي يعثرف على أعمدة صحافته بان جماهير الشعب الجزائري قد اختارت قوائم الحركة في كثير من البلديات(38). وكان من الممكن أن يكون انتصار حزب الشعب الجزائري في الانتخابات البلدية حافزا لتحقيق الاتحاد مع الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين غير أن ذلك لم يحدث رغم جميع المحاولات والمساعي التي توقفنا عندها في دراستنا الخاصة بحزب السيد فرحات عباس. ولأن التشكيلات السياسية الوطنية لم تجد طريقها للاتحادء فإن الإدارة 160

عدد الصفحات ١٦١

الاستعمارية قد استطاعت» بكل سهولةء أن تحول انتصار الوطنيين إلى نوع من الهزيمة تمثلت في رفض منتخبي المجموعة الأولى التعامل معهم وتمكينهم من تأدية مهامهم كما هي محددة في القانون. واستخلص غااة الكولون الدرس من تلك الائتخابات البلدية فتأكدوا أن معظم الجزائريين يؤيدون حزب الشعب في نشاطه الهادف إلى استرجاع الاستقلال الوطنيء ولكي لا تتكرر نتائج الانتخابات البلدية في مستويات أخرىء عملوا بواسطة ممثلهم في حكومة باريس(39) على استبدال الوالي العام السيد ايف شاتينيو بوزير التربية السابق السيد ايدموند نايجلان الاشتراكي المذهب والذي جئ به خصيصا لسد جميع الطرق وبكل الوسائل في وجه كافة التشكيلات السياسية الوطنية. ولقد استطاع الوالي العام الجديدء خلال الفثرة التي قضاها في الجزائرء أن يربط اسمه بتزييف الانتخابات حتى صارت الطريقة النايجلائية مضرب الأمثال في سائر أنحاء البلاد. وكانت الانتخابات الأولى التي أشرف عليها هي تلك الخاصة بالجمعية الجزائرية التي نص على تأسيسها قائون الجزائر التنظيمي في مادته السادسة(40). ٠‏ اوو خرن فة هي ان ان اة ن ان الان الوطنيتين لكن ذلك الأمل سرعان ما تلاشى بسبب موقف الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية التي اشترطت أن تكون الحملة الاثتخابية تحت شعار: "الأمة الجزائرية ذاث السيادة المطلقة" وأن تكرن حصتها من المقاعد الثلثين غير أن ذلك لم يكن هو السبب الوحيدء بل لابد من الإشارة إلى رفض الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري ثنائية العمل وإلحاحه على ضرورة إشراك الحزب الشيوعي الجزائري في ما يمكن ئسميته بالجبهة الديموقراطية التي تكون قادرة على التصدي للمناورات الاستعمارية التي يقوم بها اتجمع الشعب الفرنسي'(41) الذي جعل شعارأ له "الجزائر ووهران وقسنطينة عمالاث فرنسية وستبقى كذلك"(42). إن السببين المشار إليهما أعلاه لم يكونا كافيين لإجهاض عملية الاتحاد بين التشكيلتين الوطنيتين لأن اشتراط العمل تحت شعار: "الأمة الجزائرية ذات السيادة المطلفة" يلئقي في الأعماق مع الدعوة إلى تشكيل جبهة وطنية تتصدى لبرنامج تجمع الشعب الفرنسي الذي يهدف إلى الإبقاء على الجزائر الفرنسية. ولو أن قيادتي الحزبين تحاورتا جديا في الموضوع لوجدتا طريقهما إلى ضبط 161

عدد الصفحات ١٦٢

ادلار تتضافر فيه الجيود الرامية إلى تخليص الجزائر من السيطرة الأجنبية. r‏ بذا الافتراض لا يعني أن قيام الاتحاد بين الحركة من أجل انتصار الدريات الديموقراطية و الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري كان قادرا على ا زائ الانتخابات. فهذه الأخيرة خطط لها بدقة كي تكون في غير صالح e‏ الوطني الذي ترى الإدار ة الاستعمارية أنه 'يهدد أمن الفرنسيين في i‏ ا ل سمعة فرنسا ويؤدي إلى إلغائها نهائيا من شمال افڪل الل زر إفريقيا (43). إا الموقف الأسلم بالنسبة للتشكيلتين الوطنيتين فكان هو المقاطعةء لان الحمعية الجزائرية تتناقض كلية مع مشروع المجتمع الذي تدعو إليه كل واحدة E E‏ ء الاستعمارية كانت تدرك ذلك وتعلم أيضاء أن انتخاب مرشحیهما سیمنع الجمعية المذكورة من أن تؤدي الدور المحدد لها في القانون التنظيمي ويسعى لتحويلها إلى مجلس تأسيسي يتنافى مع مصالح فرنسا في الحز ائرء فإنها اختارت الحل الأسهل والأنجع بالنسبة إليها وهو التزييف بجميع ٺو اعه ئی يكون أعوانها هم الأغلبية الساحقة من بين ممثلي المجموعة الانتخابية الثائية. وكان حزب الشعب الجزائري بعرف ذلك ويعرف› أيضاًء انه لا یستطیع متع الإدارة الاستعمارية من القيام بما يحلو لهاء لكنه رغم كل ذلك أصدر تعليمات واضحة إلى الإطارات والمناضلين في القاعدة يأمرهم» من خلالهاء باستعمال جميع الوسائل بما في ذلك العنف بسائر أنواعهء للتعبير عن رفض تلك الإجراءات التعسفية. ومن جملة ما أمر به المناضلون في صفوف المنظمة الخاصة أن يضرموا! النيران في الصناديق وفي المكاتب ذاتها عندما نقدم الإدارة الفرنسية على منع المواطنين من ممارسة حريتهم في التصويت على من یریدون.(44) هکذا خیم على الحملة الانتخابية جو من الرعب» وعم الساحة السياسية كثير من الاضطهاد الذي لجأت إليه الإدارة الاستعمارية قصد ترهيب الوطئيين وحملهم على التخلى عن حزبهم. وقد شمل الاضطهاد جميع المجالات بدا من عدم الترخيص بعقد ندوة المنتخبين التي اعتزمت الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية عتدها بالعاصمة يوم 1948/1/25 وانتهاء باعتقال العديد من إطارات ومرشحي حزب الشعب الجزائري»› ا بوقف "المغرب العربي” وتنظيم حملات التفتيش عبر مختلف أئحاء البلاد. وزيادة على كل ذلك 162

عدد الصفحات ١٦٣

أعطيت التعليمات للمسؤولين» على جميع المستويات» كي يمنعوا ممثلي الحركة الوطنية من مراقبة سير الاقتراع ومن المشاركة في عملية الفرزء وأذن لهم» في حالة ظهور أدنى مقاومة» أن يستعملوا ضدهم مختلف أنواع العنف بما في ذلك الضرب والاعتقال وحتى القثل في الحالات المعقدة. ففي هذا السياق» وضعت العدالة تهمتين يمكن إلصاقهما بكل من يراد حبسه. فهناك» ولا المساس بأمن الدولة وسيادتها إذا كان المتهم مناضلا بارزاً أو إطارا في حزب الشعب الجزائري. أما إذا كان مناضلاً بسيطاً أو من المحبين فقط فتهمته الإخلال بالنظام العام» وفي الحالتين يطبق القانون دون إعمال الظرف المخفف. وبالرجوع إلى 'الجمهورية الجزائرية"' في عدديها الصادرين بتاريخ 9 و 1948/4/6. يجد الدارس نماذج متعددة من الاعتداء على حرية الانتخاب. فأحياناً تفتح الإدارة المكاتب في بيوتات بعض الأعيان الذين يغلقون أبرابهم إلا على الأصدقاء.(45) وأحيانا أخرى تنقل المكاتب من أماكنها الرسمية دون إشعار المواطنين(46). وفي أشاء الفرز يوتى بصناديق جديدة مملوءة بأاصوات أغلبيتها الساحقة لفائدة مرشحي الإدارة. وبالإضافة إلى كل هذه الإجراءات الاستبدادية كان الأجناد وأفراد الشرطة بأنواعها والجندرمة ورجالات الإدارة يلاحقون المنتخبين ويستعملون شتى الوسائل لإرغامهم على “عدم إعطاء أصواتهم لمرشحي الحركة الوطنية الذين هم "عملاء ستالين والشيوعية" (47) والذين لاهم لهم سوى "العمل على تحويل الجمعية الجزائرية إلى مجلس تأسيسي يرسي قواعد الدولة الجزائرية المستقلة'(48). كل هذه الإجراءات العسفية لم تتل من عزم المناضلين على الذهاب إلى أبعد الحدود في العمل من أجل تجسيد تعليمات الحزب على أرض الواقعء كما أنها لم تمنع إراقة الدماء بل إنها ساعدت كثيرا على تعبئة الطاقات الحية في البلاد كرد فعل للتدليل على أن جماهير الشعب في الجزائر تسير وراء حركتها الوطنية وأنها مستعدة للتضحبة القصوى من أجل إقامة الجمهورية الجزائرية الديموقر اطية الاجتماعية. ومن الجدير بالذكر أن المعارك التي طبعت يوم الائتخاباث والتي جرت بين أفراد القوات المسلحة الفرنسية وجحافل المواطنئين في أماكن عديدة من أنحاء الوطن قد أسفرت عن استشهاد كثير من الجزائريين' وجرح أعداد كبيرة 163

عدد الصفحات ١٦٤

منهم. ولقد عملت الصحافة الاستعمارية على تصوير بعض تلك الأحداث عا طريقتها المتميزة بتناقض الأخبار وتزييف الحقائق وعلى سبيل المثال نورد ' ما وقع في قرية أولاد فرحة الكائنة على بعد 15 كلم من سور الغز لان نقلاً = 'ليکودلجي" في عددها الصادر بتاریخ 1948/45. "اجتاح مكتب الانتخاب بين 0 و 1500 من مناضلي حزب الشعب الجزآئري. فغادرت مجمو= من الحرس المتنقل سور الغزلان قصد استرجاع النظام والأمن؛ لكن حوال 0 متظاھراً استوٹفوا شاحنتھم واعتدوا علیھا وعلی رکابھا مما جہ الحرس الجمهوري يطاق النار محدثا سبعة قتلى وكثيرا من الجرحى. وعلى الرغم من يقظة المناضلين واستبسالهم في المقاومة وفي التصد: لاعتداءات الإدارة الاستعماريةء فإن هذه الأخيرة قد سيطرت كلية على عماب لفرز وزيفت النتائج بحيث أعطت لمرشحيها واحداً وأربعين مقعدا من جما الستين المخصصة للمجموعة الانتخابية الثانية. أما الحركة من أجل انتصا الحريات الديموقراطية فإنها لم تأخذ سوى تسعة في حين كان ينبغي أن تفو, بالأغلبية الساحقة وذلك بشهادة السيد فرحات عباس نفسه(49). إن النتائج» في حد ذاتهاء لم تكن هي المعنية بالنسبة لحزب الشعد الجزائري الذي لم يغير سياسته الرافضة للقائون التنظيمي نفسه والتي ظلت منذ ٿأسيس نجم شمال إفريقياء تهدف إلى تقويض أركان الاستعمار وبعث الدوذ الجزائرية من جديد. أما ما عدا ذلك فوسائل لابد من توظيفها لتحقيق الغرضر الأساسي. ومن هذا المنطلق» فإن الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية تكون» رغم قلة المقاعد التي منحت لمرشحيهاء قد أحرزت نجاح باهرا تمثل خاصة في تعبئة جماهير الشعب حول البرنامج الإجمالي لحزد الشعب الجزائري وفي تأكد القيادة السياسية لهذا الأخير من ربحها ثفة الأغلبيا الساحقة من الجزائريين. ولان هدف الحزب السياسي لم يكن هو المشاركة في أشغال الجمعيأ الجزائرية التي كان يدرك جيداً أنها لن تكون سوى أداة طيعة في خدمة مصالج الكرلون» فإن منتخبيه قد تلقوا تعليمات صارمة كي يبذلوا كل ما في وسعهم لتحويل جميع جلسات الجمعية المذكورة إلى مناسبات للتذكير بإرادة الشعب الجزائري في مواصلة النضال ضمن إطار الحركة الوطنية من أجل استرجاع السيادة الوطنية المغتصبة وإقامة الجمهورية الجزائرية الديموقراطية الاجتماعية ببرلمانها وحكومتها وألوانها الوطنبة. 4 سس

عدد الصفحات ١٦٥

ولأجل ذلك تجدر الإشارة إلى أن المؤرخين الذين يجعلون تزييف الانتخابات من الأسباب الرئيسية التي أدت إلى إشعال فتيل ثورة نوفمبر 1954 مخطتون في تحليلهم» لأن الانتخابات في جميع مستوياتها إنما كانت تجريء فقطء في إطار السيادة الفرنسية التي هي إلغاء للسيادة الوطنية الجزائرية التي لم تبرح جماهير الشعب تناضل بقيادة الطلائع الواعية من أجل استرجاعها. إن هذه الحقيقة كلما تكررت ازدادت وضوحا وتجلت الحاجة إلى تكرارها مرات ومرات. حزب الضعب الجزالري وما يسمى بالأزمة البربرية. يذكر السيد محفوظ قداش أن "الأمة البربرية ظهرت بعد انتخابات 1948 وهي وليدة النقاش الذي دار حول عدم جدوى سياسة المشاركة في البرلمان الفرنسي".(50) إن هذا الطرح لا يختلف في شيء عن رأي السيد روبرت آجرون الذي يزعم مثل السيد قداش»ء أن الأزمة المذكورة ندرج في إطار الانقسامات الداخلبة التي تعرض لها حزب الشعب الجزائري ابتداء من شهر أغسطس سنة 51(1948). وفي الواقع فإن الطرحين بعيدان كل البعد عن الحقبقة التي يلامسها كل من السيدين محمد حربي(52). وابن يوسف بن خدة (53) اللذين يرجعان المسألة إلى التناقض الإيديولوجي الذي تبلورء في تلك السنةء بسبب إقدام بعض العناصر المدسوسة في قيادة الحزب بفرنسا على الجهر بمعاداتها للعروبة والإسلام وعلى الدعوة الصريحة لبناء جزائر لائكية بروليتارية. ومن بين كل الذين عالجوا هذا الموضوع» فإن السيد ابن يوسف بن خدة هو الأكثر وضوحا في الرؤية والأقرب إلى الحقيقة حيث يرجع المسألة إلى ' حجمها الطبيعي مؤكدا أن السياسة الاستعمارية هي التي مهدت لتلك الأزمة قصد توظيفها من أجل تقسيم أبناء الشعب الواحد وتعميم بعض المصطلحات المساعدة على تكريس "الأمة الجزائرية في طور التكوين" وهو الشعار الذي كان قد رفعه» في الثلاثينات السيد موريس ثوريز» الأمين العام للحزب الشيوعي الفرنسي وتبناه» بدون مناقشةء سائر الشيوعيين الجزائريين(54). ولتوضيح فكرته» يضيف السيد ابن خدة قائلا: 'ايعود ظهور النزعة البربرية في صفوف الحزب إلى سنتي 1946- 1947". وبالرجوع إلى كل هذه المعطيات والتوقف عندها مليأء نستطيع التأكيد على أن ما يسمى بالأزمة البربرية إنما هي مؤامرة 165

عدد الصفحات ١٦٦