ة، ومنيت بهزيمتين بحريت تحديد أسطولها بستين مركبا، كما أن القواد البونيقيين لم تكن لهم القوة الكافية لشن هجوم معاكس حاسم أو أنهم أعوزتهم الجرأة الكافية للقيام بهذا العمل. إلا أن خطة "عبد ملقرط البرقي" الماهرة أقضت مضاجع الرومان، فقد اعتصم جنوده بقمم جبل "رقطة" قرب "باليرمو" (وهو جبل كستلاسيو أمام جزيرة دلافمينا من دون شك ) وجبل "إيريكس" ( جبل جوليانو المشرف على طرابنة) وعطلوا مواصلات جيوش العدو ونقل المعدات الحربية إليه. لقد كانت رومة وقرطاج في حاجة إلى المال في ذلك الوقت، وكانت رومة تسمي العدد الكبير من القواد بحسب المكايد السياسية. أما قرطاج فقد كانت واثقة من عبقرية عبد ملقرط البرقي وحده وطالت العمليات الحربية من غير أن تتراءى النتيجة. إلا أن استعمار الرومان العسكري كان أثبت وأطول نفسا من استعمار قرطاج التجاري فسعت رومة سفينة خماسية 200إلى بلوغ هدفها بواسطة البحر، وطلبت من طبقة النبلاء تجهيز
عدد الصفحات ٤٣ش. جوليان تاريخ شمال إفريقيا 8283 وسهلت عليهم التموين بينما حجرته على المرتزقة والليبيين وزود "هيرون" من جهته ).239قرطاج، بحيث تألب حماة النظام القائم جميعهم على الثوار ( حوالي وعندما تخلصت قرطاج من جميع مشاغلها الخارجية وكسبت حتى إعانة أعدائها بالأمس أتيح لها أن تضرب ضربتها الحاسمة فطوق عبد ملقرط البرقي المرتزقة في فج ) رغم أنهم كانوا Leptis Minorالمنشار (بين الحمامات وزغوان)، وانهزم الليبيون في لمطة أشد مقاومة من المرتزقة، وصلب ماتوس ثم سلمت مدينتا "أوتيكة " و" بنزرت " أمرها ).237إلى الغالب (سنة 5 خرجت قرطاج من هذه الحرب المدنية منهوكة القوى، فسعت إلى الإصلاح من حالتها المالية وسلطت عبد ملقرط البرقي على اسبانيا ومناجمها الفضية وتخلصت في نفس الوقت من المرتزقة الذين أبطرتهم الراحة وأنهكهم الضجر. وانطلق هذا القائد من "قادس" فاحتل الأندلس وخاض معارك بلغ إثرها البحر المتوسط. فشق بذلك بين البحرين طريقا تجارية ممتازة أصبحت تهدد مصالح "مرسيليا" التي كانت حينذاك سيدة "روطة" و"امبورياس" شمال "الايبرو". وكأنه أراد أن يسجل احتلاله للساحل الشرقي فأسس مدينة "أكرالانكي" (أليكانت) وكانت اسبانيا في ذلك الوقت ازدهرت فيها حضارة وفن يعبران عن امتزاج عناصر يونانية وبونيقية واسبانية، ولما مات عبد ملقرط وهو يحاصر "هليكا" ( الش) ترك لقرطاج مناجم لا تنفد فضربت نقودا فضية كبيرة. وواصل صهره عزر بعل سياسة آل برقة الشخصية أحدث في قلب المنطقة الغنية بالفضة مركزا بحريا وتجاريا ذا موقع ممتاز، وأسماه قرطاج الجديدة (قرطاجنة). وتضايقت رومة من اطراد نجاحه وخشيت أن يتم التحالف بين البونيقيين والغوليين وخاصة الاستيلاء على المراكز التجارية التابعة لمرسيليا. وتوصلت إلى أن يلتزم عزر بعل، بعد أن ). 226ضغط حليفتها عليه ولا شك، بعدم تجاوز "الايبرو" في فتوحاته ( حوالي 6 أحدث اغتيال عزر بعل اضطرابات في قرطاج، واتهم "آل برقة" بأنهم يستغلون ثروتهم الاستعمارية لتمويل أتباعهم وإغراء خصومهم بالمال. ولكن الجيش في اسبانيا لم يكن ليقيم وزنا لتقلبات الرأي العام واختار حنبعل، ابن عبد ملقرط البرقي، قائدا هجمت بها على "طرابنة" وحطمت أو حجزت مجموعة من مراكب التموين البونيقية ). ولم يكن لقرطاج مال كثير أو جيوش كافية فقبلت 241مارس10قرب جزر "أغادى التصالح، ورضيت بالجلاء عن صقلية والجزر التي بين صقلية وايطاليا (ليباري من دون وزنة أوبية أقساطا مدة عشر سنين. 3200شك) وبدفع غرامة حربية تقدر ب 4 سفينة، وحرمت من مواردها القمرقية 500خسرت قرطاج من جراء هذه الحرب فلما توافد عليها العشرون ألفا من المرتزقة الذين كانوا في صقلية لم تستطيع أن تدفع لهم ثمن القمح الذي استهلكوه، وإلى هؤلاء الذين نغلت قلوبهم عليها انضم الليبيون وقد أضنتهم الحرب من بدايتها. ثم إنه وقع حجز نصف الصابة وزج في السجن من إخوانهم الذين فروا من الجندية لأنهم أبوا 3000بجميع من عجزوا عن الدفع وصلب أن يخدموا قضية ليس لهم فيها ناقة ولا جمل. فنشأت أزمة عن هذا الحقد المشترك على الظالم طيلة ثلاث سنين وأربعة أشهر بطابع الحرب الطبقية، وقد ضحت النساء البربريات بحليهن في سبيل الحرية وظهر القادة من صوف الثوار ولم تعرف الحرب هوادة. "وماتوس" الليبي هو الذي أشعل نار الثورة، فاستجاب لندائه الحضر والبدو وسرعان ما التف حوله سبعون ألفا من الرجال يحدوهم نفس الحماس، وعينت قرطاج "حنون" لمقاومتهم وكأنها أرادت أن تتحداهم لأن الأفارقة كانوا لا يكرهون رجلا كما كانوا يكرهونه، ولم يقدر حنون على منعهم من احتلال البرزخ الفاصل بين قرطاج وتونس ) ومحاصرة أوتيكة وبنزرت. 240(سنة فاضطرت قرطاج إلى الاستنجاد بعبد ملقرط البرقي رغم أنها كانت تشك في إخلاصه. فكك الحصار عن أوتيكة، وأجبر العدو على الفرار. ولكن الذي أنقذ قرطاج هو
عدد الصفحات ٤٤) ومحاصرة أوتيكة وبنزرت. 240(سنة فاضطرت قرطاج إلى الاستنجاد بعبد ملقرط البرقي رغم أنها كانت تشك في إخلاصه. فكك الحصار عن أوتيكة، وأجبر العدو على الفرار. ولكن الذي أنقذ قرطاج هو في الحقيقة منافسات الأهالي التي عطلت دائما ما كانوا يبذلونه من مجهود للتحرر. وقد أمده الأمير "نارافاس" بعون الفرسان النوميديين، ومكنه بذلك من الانتصار على المرتزقة وحاول عبد ملقرط البرقي حينئذ تفريق صفوف الأعداء بالإكثار من الوعود، فرد المرتزقة الفعل بإبادة أعيان قرطاج وبذلك بدأت "الحرب الضروس". ولعبت رومة على حبلين، فبعد أن زود تجارها الثوار طالبت قرطاج بتسليم كرسيكا وزنة أوبية بعد أن هددتها بحرب جديدة (سنة 1200وسردينا ودفع غرامة أخرى تقدر ب ). ثم هي بعد أن نجحت في مساومتها رخصت للبونيقيين في تجنيد المرتزقة بايطاليا 241
عدد الصفحات ٤٤ش. جوليان تاريخ شمال إفريقيا 8485 له، وهو شاب في الخامسة والعشرين من عمره، كشفت الأيام عن قدرته النادرة على القيادة والتنظيم. لا شك أن عبد ملقرط البرقي أضمر حربا أخرى للأخذ بالثأر، فقد طالب ابنه ولما يزل في التاسعة من عمره، أن يقسم في معبد قادس بأن يحقد على الرومان حقدا أبديا. وقبل أن يشرع حنبعل في تحقيق مشاريع أبيه بتوسيع رقعة العمليات في اسبانيا فتوغل حتى بلغ الالغادا (قرب منابع وادي آنة) و"الفاكيين" (على ضفة الدورو) الذين افتك ) ثم هزم جيش "الكرابطة" الجرار (قشتالة الجديدة ) Salamanqueمنهم "سلامنتكا على ضفة "التاج". ولما استولى على الجهات الكائنة شرقي "الايبرو" استعد لمهاجمة "ساغونته" بعد 219(مورفيدرو)، بدعوى أنهم في خصومة مع حلفائه الإسبان. وفتحها عنوة سنة حصار دام ثمانية أشهر. فلم تحتج روما في ذلك الوقت إذ كانت "ساغونته" فعلا في ) لها إلا أن مصالح Segonteجنوب "الايبرو" ولم تكن متيقنة من محالفة ساغونته مرسيليا التجارية كانت بلا شك من الأهمية بحيث أثرت على سياسة روما. كما أن رجال المال الايطاليين تحيروا من الاستيلاء على مناجم الفضة. وعندما رفض الشيوخ البونيقيون الضرب على أيدي حنبعل رغم الإلحاح لم يجد سفراء رومة بدا من إشهار ).218الحرب 7 إن رومة لم تقرأ حسابا لعبقرية حنبعل الذي كان ينتظر هذه القطيعة لينفذ خطة من 9000 من المشاة و50000الهجوم. فاجتاز "البرقي" نهر الايبرو ثم البيرنيه على رأس )، وتمكن من عبور نهر "الرون" حوالي منتصف شهر أوت 218 فيلا (جوان37الفرسان و وحاذاه في اتجاه منبعه إلى حيث يلتقي هذا النهر بنهر الايزير، واختار الطريق التي لم يشدد الرومان حراستهم فيها لاجتياز جبال "الألب". ولا تزال المناقشات مستمرة لمعرفة هل أنه مر بالقرب من فج سان برنار الأصغر أو وادي "الارك" فجبل الاقنيس أو الإيزير الأسفل فجبل "جونيفر". وكان مروره عبر هذه الأنهار والجبال عسيرا جدا، خصوصا بالنسبة للفرسان وحاملات العدة. وبعد مسير خمسة أشهر من بينها خمسة عشر يوما في الجبال بلغ الجيش القرطاجي "الطوريين" في وادي" بو" (آخر سبتمبر) ولم يبقى فيلا. وقد كلف حنبعل جنوده 21 فارس و6000 اسباني و8000 إفريقي. و12000منه إ فوق وسعهم، آملا أن يجد في شمال ايطاليا حلفاء، وأن يكون جبهة ضد روما التي كان "البوبون" قد ثاروا عليها عندما أسست مستعمرتي "بليزانس" و"كريمون". وحينئذ لم يعد القناصل يسيطرون على الموقف. فبعد أن اضطر" ب.كورنيليوس شيبيون" الذي كان أرسل جيوشه من مرسيلية إلى اسبانيا، إلى العدول عن ملاحقة ) Cisalpineالقرطاجيين في وادي "الرون" تسلم قيادة الجيش المعسكر قبالة الألب ) فتقهقر Tessinواجتاز نهر "البو". ولكن الفرسان النوميديين دحروه شرقي تيسينو ) وراء ثريبية. وقد نالت هذه المعركة التي دارت بين طلائع Plaisanceإلى ضواحي بليزانس الجيشين من هيبة الرومان فانضم الجنود "الغوليون" إلى العدو وتحالف شعب "أنسيبر" مع البونقيين. وسجل حنبعل بفضل عبقريته انتصارات عسكرية تدعوا إلى الإعجاب فهزم جيوش "سيروتيوس" و" ب. شيبيون"، وبرد الشتاء في أوجه، على ضاف نهر تريبية، وقتل أو غرق ثلاثة أرباع أعدائه. وقد غذى هذا الانتصار الذي تبعته دعاية واسعة ثورة "الغوليين" ثم اجتاز حنبعل بصعوبة جبال "الآبنان" سالكا طرقا محفرة حتى "صدفة لوك" ثم اخترق ) وتوجه نحو "بيروزا" تاركا على يساره " أريتيوم" حيث كان يعسكر Arnoوادي أرنو جيش القنصل " أفلامينوس". ولم يبق له إلا فيل واحد. فحصر أفلامينوس نفسه في مضيق كائن بين بحيرة "طرازيمان" وهضاب الشمال كأنه أوقع بنفسه في فخ وذلك من 15000من غير أن ينتظر زميله "سرفيليوس" الذي كان في "أريمنيوم". فهلك مع آخرون. واحتفظ حنبعل بالرومان وخلى سبيل الحلفاء وبذلك وقف 15000رجاله وأسر في مهارة موقف المدافع عن الحريات الايطالية.
عدد الصفحات ٤٥ير أن ينتظر زميله "سرفيليوس" الذي كان في "أريمنيوم". فهلك مع آخرون. واحتفظ حنبعل بالرومان وخلى سبيل الحلفاء وبذلك وقف 15000رجاله وأسر في مهارة موقف المدافع عن الحريات الايطالية. واحتل الجيش البونيقي عبر الابينان الامبري، البيسينوم التي لم تخضع لسلطة رومة إلا منذ نصف قرن فقط. فوجد الزاد والحليف، والراجح أنه اتصل ب " الماروسيين والبيلينيين القاطنين في الابنان والأوسط وحرضهم على العصيان. ولكن رومة عينت "كانتوس فابيوس مكسيموس" خصم أفلامينوس القديم دكتاتورا وهو من أنصار الحرب التي تنهك قوى العدو بطول المقاومة. بدون الاصطدام به وجها لوجه. ولما اقترب من عدوه انتقل حنبعل إلى سهل "دوني" ثم إلى "كامباني" وتزود من خيرات تلك الجهة. فلحقه " فابيوس" وكاد أن يقبض عليه إلا أن الرومان ملوا هذه البطيئة اللينة التي كان يسير عليها هذا الدكتاتور "المتأني" واعتقد الشعب أن الرعاع المتنبلين اتحدوا
عدد الصفحات ٤٥ش. جوليان تاريخ شمال إفريقيا 8687 مع الارستقراطيين لمواصلة الحرب دون جدوى فعين شخصية جديدة معروفة ببلاغتها المتحمسة هي " تارتيوس فارو" لتشارك القنصل إيمليوس بولوس في الحكم. ووصل حنبعل إلى سهول "أبولي" واستحوذ على المخازن الحربية "بكانة" وعسكر بالقرب منه. وبدأ "فارون" المعركة 80000الجيش الروماني الذي كان يضم ما يقرب من )ونجح حنبعل الذي 216بالرغم عن ايميليوس على الضفة اليمنى من "الاوفيد" (أوت كان عدد جنوده لا يتجاوز نصف عدد جنود الرومان في تطويق العدو من كل جانب، وقتل . ولاذت فلول الجيش الروماني بالفرار والتحقت 20000 روماني وأسر45000"ايمليوس" و بكانوزيوم تحت جنح الظلام، وفر "فاورون" كذلك، فرأى مجلس الشيوخ من الدهاء أن يقتبله معززا مكرما. ويتساءل المؤرخون لماذا لم يستغل حنبعل انتصاره. ولا شك أنه كان يرى من المستحيل محاصرة رومة، ولعله كان يأمل أن يجنح مجلس الشيوخ إلى التفاوض، ولكن شيئا من ذلك لم يحدث. وقد جلب انتصاره في "كانة" بعض الحلفاء، وخاصة مدينة "كابو" في جنوب ايطاليا كما أنه مكن قرطاج بعد موت هيرون من مضاعفة بسط نفوذها في صقلية، ولكن ايطاليا الوسطى لم تحرك ساكنا ولم تتكون أية جبهة في البحر المتوسط من شأنها أن تهدد مستقبل رومة. ومنذئذ استحالت الملحمة مغامرة، وانهارت قوة حنبعل شيئا فشيئا ابتداء من سنة . فقد أطرد الرومان مدة سنتين البونيقيين بدون رجعة وسقطت كابو في يد الرومان 213 ونالها عذاب عسير كما فتح "كرنوليوس شيبيون "الأندلس وفقدت قرطاج جراء ذلك ) وتمت مشيئة القدر وعندما حاول عزر بعل فيما بعد نجدة أخيه 207 -208زمام الحرب ) وآل الأمر بحنبعل إلى أن ظل معسكرا 207انهزم وقتل قرب " الميتور" (جوان، جويلية بالبرونيوم حيث لم يتجاسر أحد على اقتحام مكانه. 8 ) (وهو ب. كورنوليوس شيبيون الذي لقب الإفريقي206لما عاد شيبيون من اسبانيا بعد انتصاره) اقترح مواصلة الحرب في أرض افريقية نفسها. ولم يتحمس الشيوخ لمشروعه، ولكن الشعب قبله. فأعد العدة للهجوم معتمدا على ما أمدته به مقاطعة صقلية من موارد، وعلى الجنود الذين خلبهم بسمعته. وقد كان أجرى محادثات إيجابية مع الإغليد سيفاكس، أمير مازيسولة أو نوميدي الغرب ومع "الإغليد " مسينسا ابن ملك ماسولة أو نوميدي الشرق الذي اضطره سيفاكس إلى أن يكون من الأنصار ومستعدا دائما لقيادة القبائل الثائرة. غير أن سيفاكس تزوج من سوفونيسب الجميلة ابنة عزر بعل جسكون التي كان لها الأثر البالغ عليه فحملته على التحالف مع قرطاج ورد مسينسا إلى أقصى سيرتا الصغرى. فلم يبق لشيبيون بعد هذه الخيبة إلا الاعتماد على قواه الخاصة. 9 وما إن حمل ضغط الطبقة الشعبية مجلس الشيوخ على السماح لشيبيون ) حتى نزل على كتيبتين بالقرب من أوتيكة وعسكر قرب 204بالتوجه إلى افريقية المدينة (كستراكورنيليا) وجاب وادي مجردة من دون أن يعترض طريقه شيء. وقد كانت قرطاج المحتمية بأسوارها لا تخشى الهجوم، ولكن لم يكن لها جيش يذكر وكانت تؤمل تدخل أمراء البربر. ولكن مسينسا الذي استمالته قرطاج بوعودها الكثيرة انضم إلى العدو والمعركة على أشدها. واكتفي سيفاكس بمفاوضة الرومان حول مشروع للسلم. واغتنم شيبيون هذه المحادثات ليفاجئ العدو ويضرم النار في معسكر عزر بعل آخرين (ربيع 5000 جندي وأسر40000وسيفاكس. وبذلك قضى على جيشين فأهلك ). فكانت هذه العلة حسب ما روى بوليب أجمل وأعظم ما قام به هذا القائد الشاب 203 من الأعمال الجريئة وأخذ عزر بعل وسيفاكس يعدان العدة بمعونة السلتيين والاسبانيين للهجوم على العدو، ولكنهما خابا شر خيبة. وواصل شيبيون تقدمه محاذيا وادي مجردة، وانتصر على ) وتعقب مسينسا 203العدو في الدخلة، ثم عسكر بتونس وأخذ يهدد قرطاج (جوان سيفاكس إلى أن ألقى عليه القبض ودخل سيرته. وهنا نجد أسطورة تعلق هذا البربري بسوفونسبة ابنة عزر بعل وانتحارها.
عدد الصفحات ٤٦) وتعقب مسينسا 203العدو في الدخلة، ثم عسكر بتونس وأخذ يهدد قرطاج (جوان سيفاكس إلى أن ألقى عليه القبض ودخل سيرته. وهنا نجد أسطورة تعلق هذا البربري بسوفونسبة ابنة عزر بعل وانتحارها. وقد تسلى مسينسا على كل حال بتسلم شعار الملوكية. رضي شيبيون أن يوقف العمليات الحربية ليمكن قرطاج من التفاوض من أجل الصلح ). ولكن مجموعة من المراكب الرومانية 202-203وأيدته في ذلك مجالس الانتخاب (شتاء مثقلة بالمؤن ارتطمت بسواحل قرطاج فنهبها القرطاجيون وقد أخذ منهم الجوع مأخذه. ولما قدم السفراء الرومان للاحتجاج كاد الجمهور أن ينال منهم ضربا. فاضطر شيبيون إلى أن يضع حدا لوقف القتال. وكان سكان المدينة يعتمدون على حنبعل الذي طلب منه العودة من ايطاليا فاجتاز "البرقي" البحر من دون أن تعترض طريقه أية عقبة ) ومنها وصل إلى حضرموت. فماذا فعل طيلة Leptis Minor( 203ونزل بلمطة في صيف
عدد الصفحات ٤٦ش. جوليان تاريخ شمال إفريقيا 8889 السنة التي سبقت الاصطدام الكبير؟ لاشك أنه جمع حوله قبائل بربرية. وبينما كان في طريقه إلى الجيوش الأهلية التي أتى بها إليه أحد أبناء سيفاكس، "فرمينا" إذا به يلتقي بجيش في جهة الكاف. وتمت بينهما مقابلة لم تأت بنتيجة تذكر إذ رفض القائد الروماني الاقتراحات التي قبلتها قرطاج لإبرام الصلح: وهي التخلص عن اسبانيا والجزر، وتخريب الأسطول البونيقي ما عدا عشرين مركبا، وذلك مقابل الاعتراف لقرطاج ) ولا Zamaبالسيطرة على افريقية. وحينئذ جرت المعركة الحاسمة بالقرب من جامه يزال مكانها المضبوط محل الأخذ والرد. لقد أعوزت حنبعل النجدة التي كان يترقبها من "فرمينا"، بينما وصلت جيوش مسينسا لتعزيز صفوف شيبيون في الوقت المناسب. وكان جنود حنبعل تنقصهم الدربة وقد أخد منهم التعب مأخذا عظيما، فانهزم القائد القرطاجي وفر إلى حضرموت آخرون. وقد اعترف 20000 قتيل في ساحة الوغى بينما وقع في أيدي العدو20000تاركا شيبيون بأن البرقي بذل في المعركة جامة كل ما كان يمكن أن يبذله بشر للانتصار ). 202(أكتوبر 10 طلب القرطاجيون الصلح فقرر شيبيون أن تحتفظ قرطاج بترابها الإفريقي على شرط ألا تشهر الحرب إلا بإذن من رومة، وأن تتنازل لمسينسا عن مقاليد السيادة على البلاد النوميدية. واضطرت قرطاج كذلك إلى التفريط في فيلتها وأسطولها ما عدا عشر سفن ثلاثية، وإلى العدول عن تجنيد المرتزقة من بلاد غوليا وليغوريا وتسليم كل ما تدفع في الحال 1000 وزنة أوبية منها10000لديها من غنيمة، ودفع غرامة حربية قدرها وقبل إيقاف القتال، وأخيرا أجبرت على إرسال الرهائن إلى رومة. ولم تجد قرطاج بدا من قبول هذه الشروط القاسية التي جعلتها عرضة لمطامح ) ويقال: إن حنبعل رمى من أعلى المنصة بقرطاجي كان يطالب 201مسينسا ( ربيع بمواصلة الحرب إلى النهاية معتقدا أن التشفي لا يجدي، بل من الواجب تحطيم ارستقراطية المال التي تتحمل قسطا وافرا من مسؤولية هذه الكوارث ووجه البرقي ضرباته الأولى ضد مجلس الشيوخ، ثم ظل يسعى إلى تحسين الوضع المالي والفلاحي بقرطاج إلى أن تعاظم حقد أعدائه عليه وازدادت مخاوف رومة منه فتقرر نفيه. إن قرطاج خرجت منهوكة القوى من هذا الصراع بين البونيقيين والرومان الذي دام أكثر من ستين سنة. وقد أصبح من المألوف أن يرى المؤرخون في الحروب البونيقية مظهرا من الصراع القائم بين الشرق والغرب، وبين مدنيتين ولنقل نحن: بين صورتين للاستعمار. وسوف لا نتعرض للمدينة اللاطينية في هذا الكتاب إلا بالقدر الذي أثرت به على سياسة رومة الإفريقية. أما المدينة البونيقية فهي بالعكس تهم بلاد المغرب مباشرة، لا لأن قرطاج كانت عاصمة فحسب، بل لأنها أثرت كذلك تأثيرا بالغا في بلاد البربر. III 1 إننا لا نعرف عن قرطاج إلا ما كتبه عنها اليونانيون واللاطينييون، وكانوا معنيين أو وبالذات بحروبها مع سرقوسة أو رومة. وليست لدينا مؤلفات تاريخية متواصلة الحلقات خطها أبناء قرطاج أنفسهم، وذلك ما يعلل الأسطورة التي ظلت أحقابا كثيرة تقابل بين حسن نية رومة والنفاق البونيقي. أما عن المدينة فإن النصوص لا تكاد تفيدنا شيئا كما لا يفيدنا الأثاث الجنائزي فائدة تذكر. ولا يعنينا أن نأمل إحياء العاصمة البونيقية (إن لم نقل "المستعمرة القيصرية " التي تمكن ش.سوماني من ضبط موقعها الأصلي) إلا أنه لا يستبعد أن تمدنا الأبحاث المنظمة بصورة أقل وحشة من الصورة التي تسيطر على عقولنا اليوم. إن مكان القبور والمعبد "ما قبل القرطاجي" الذي حفر عليه "ب.سنتان" في رمال صلامبو يشهدان بأن أقدم جهة لمدينة قرطاج كانت على ساحل البحر في سفح الهضبة المسماة "بيرضة" أو "سان لوي" ثم انتشرت على ضفة البحر والمنحدرات. كما يدعي سترابن فإنها كانت على كل حال مدينة 700000ولئن لم يبلغ عدد سكانها عظيمة بالنسبة لذلك العهد.
عدد الصفحات ٤٧ي سفح الهضبة المسماة "بيرضة" أو "سان لوي" ثم انتشرت على ضفة البحر والمنحدرات. كما يدعي سترابن فإنها كانت على كل حال مدينة 700000ولئن لم يبلغ عدد سكانها عظيمة بالنسبة لذلك العهد. وقد كشفت حفريات حديثة عن بعض الديار، وربما عن بقايا من سورها في الجهة الشرقية خاصة. وكانت قرطاج أثناء الحرب البونيقية الثالثة في حصن حصين تحوطها أسوار بلغ 59 أمتار ويوجد عليها برج للدفاع كل9 مترا وسمكها13 كلم وارتفاعها34طولها ) بين المواني وبيرصة، ومنها تتفرع ثلاثة Agoraمترا. وتقع الساحة العمومية أو "الاغورة شوارع صاعدة إلى معبد أشمون ازدحمت على جوانبها بيوت ذات ست طوابق. وتحتل المقابر شمالا هضبة "الاوديون" بالقرب من درمش ودويمس وسانت مونيك (السعيدة). وبعدها تبدأ ضاحية مغارة محتلة مساحات شاسعة في جهة سيدي أبي سعيد.
عدد الصفحات ٤٧ش. جوليان تاريخ شمال إفريقيا 9091 إن الميناء المزدوج الذي كان القلب النابض للحركة التجارية بقرطاج حير علماء الآثار وإذا نحن نظرنا شمالا وتأملنا الغديرين المتلالئة مياههما تحت أشعة الشمس بين صلامبو ودرمش تعذر علينا أن نتصور الحوض الكبير المستطيل الخاص بالتجارة الذي وصفه "آبيان" والمتصل بالبحر، وكذلك الحوض المستدير المحاط بسورين الذي يرسي فيه الأسطول الحربي حول جزيرة القيادة، إلا أن "بيلي" ذهب إلى الاعتقاد رغم ذلك في ) Kothonمنتصف القرن الماضي بأن الجزء المهم من رسم الميناءين المحفورين ( القطون يوجد في هذا المكان. ومن يومئذ، أخذ علماء الآثار يفتشون عن موقعهما في قلب البحر بجون الكرم على سفح هضبة البرج الجديد أو في خليج تونس. وهل أدعى إلى السخرية من أن يرجع "ستفن ڤزال" من جديد "وهو أحد كبار الباحثين وأعلمهم" إلى الفرضية التي تقدم بها " وذلك بعد نصف قرن من الحفريات والمناقشات العلمية. Beulé"بولي 2 إن موقع هذا الميناء الممتاز المتصل بحوضي البحر المتوسط هيأ قرطاج لأن تلعب دورا في التجارة العالمية، وقد استغلت جميع مزايا هذا الموقع استغلالا منظما. وربما ورثت كل شيء من الاستعمار البونيقي في الغرب. فقد ورثت مراكزه التجارية وعرفت كيف تنمي هذا الإرث، لم تحاول قط بسط نفوذها السياسي في داخل البلدان المحتلة، واكتفت في افريقية نفسها بمساحة من الأرض متواضعة نسبيا. ولكنها ضمنت لنفسها مراقبة سواحل بلاد البربر المتوسطية والأطلسية، وكذلك سواحل اسبانيا الجنوبية ومراكز التموين الضرورية، وفي الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط: مالطة والجزر المجاورة وغربي صقلية وجنوبي سردانية وجزائر البلجار -وإذا هي لم تتمكن من إقصاء اليونان عن صقلية والسواحل الايطالية والغولية والاسبانية واضطرت، كما يفيدنا بذلك أرسطاطاليس إلى أن تحسب حسابا للاتروريين وإلى التفاوض مع الرومان في فترة معينة، فإنها حققت على كل حال مجموعة من نقط "الارتكاز" يكون مجموعها إمبراطورية حقيقية. وهكذا كان لها أسكلة وزعت توزيعا ماهرا لتكون أسواقا ومراكز تموين: فنجد ) وقابس Leptis Magnaفي افريقية أسواق سيرتا الصغرى والكبرى مثل لبدة ) ومواني البلاد الليبية الفينيقية: رأس الديماس (تابسوس) Tacapace ou Tacapas( )، وفيHyppo Diarrytusولمطة ( لبتيس مينور) وسوسة (حضرموت) وأوتيكة وبنزرت ) Saldae) بجايةRusicade) سكيكدةHyppo Regiusشرقي رأس بوقرعون: عنابة ) قبة Lol) شرشال Lcosium) الجزائر العاصمة Rusguniae) ماتيفو Rusccumدلس ) وعلى ضفة البحر الأطلسي العرايش Cartennae) تناس Gunigaسيدي إبراهيم ) Malaga) مالقة Gades) ومستعمرات حنون وفي اسبانيا قادس Luxusوتشميش ) سانت Thanos)، وفي سردانية: ترى دي سان جيوفاني Sexi) سكسي Abdèreحدرة )، وفي صقلية، Olbia) ترانوفاCaralis) كاغلياريNora) سانت افيوزوزSulcisأنتيوكو ). Lilybacum)) مرسPanormusمدن الغرب: بالرمو وإذا احتفظت بعض المستعمرات كلمطة وأوتيكة أو قادس بنوع من الاستقلال فقد سيطرت قرطاج على بقية المستعمرات بشدة، ولم تتردد عند الحاجة في إجلاء السكان عن مناطق شاسعة أو فرض الضرائب المرهقة وخصت أصحاب السفن التابعين لها بتعاطي التجارة وحدهم وبذلك حالت دون أي تقدم اقتصادي في المواني الأخرى. 3 أظهرت قرطاج في بحثها عن الأسواق جرأة نادرة وامتدت مطامحها إلى ما وراء أعمدة هرقليس. وقد أسند لاثنين من الماغونيين في أواسط القرن الخامس القيام بمهام في بلاد بعيدة. فحاذى "خيملكن" سواحل اسبانيا وبلاد غوليا إلى أن وصل على ما يبدو إلى انقلترا، وحتى إلى ارلندا نفسها، ولا شك أنه كان يعتزم تحويل تجارة القصدير والرصاص التي كانت تسعى مرسيليا في احتكارها إلى قادس. أما حنون "الملك" فقد اتجه نحو الجنوب مصحوبا بستين سفينة مشحونة بالمهاجرين، وعندما رجع أذن ينقش رواية
عدد الصفحات ٤٨زم تحويل تجارة القصدير والرصاص التي كانت تسعى مرسيليا في احتكارها إلى قادس. أما حنون "الملك" فقد اتجه نحو الجنوب مصحوبا بستين سفينة مشحونة بالمهاجرين، وعندما رجع أذن ينقش رواية مآثره التي نجد اليوم صدى لها في ترجمة أو تخليص باليونانية. إلا أن تأويل هذا النص لا يخلو لسوء الحظ من صعوبات كثيرة أدت بالمعلقين إلى أن يستنتجوا استنتاجات مختلة ومتنوعة. فأما "س.قزال" فإنه يزعم أن حنون انطلق من قادس فأسس سبعة مراكز أقصاها Lesجنوبا مركز "قرنة" الذي يوجد على سبيل التقريب في مستوى الجزر الخالدات ) ثم واصل سفره عرض السواحل الإفريقية إلى أن أشرف على خط الاستواء. Canaries وإلى عهد غير بعيد لم يقدح أحد في هذا التأويل الذي أصبح كالمرجع اللهم إلا في بعض الجزئيات. ومنذ بضع سنوات فقط انتقده كاركوبينو انتقادا لا هوادة فيه. وهو لم يناقش نقطة انطلاق حنون ولا خاتمة مطافه ولكنه عأرض من سبقه في نقط ثلاث. فهو أولا لا يعتقد أن حنون اتبع خطا واحدا، بل يرى أنه قام بسلسلة من الرحلات ينظم كل واحدة
عدد الصفحات ٤٨ش. جوليان تاريخ شمال إفريقيا 9293 منها في مركز جديد أبعد من المركز السابق، وهو ثانيا يجعل جزيرة قرنة في نقطة أكثر توغلا في الجنوب قرب جزيرة "هرنة" الموجودة عرض "فيلاسز نيروس" (ريودورو). وهو ثالثا وبالخصوص يعتبر أن غاية هذه السفرة هي إحلال قرطاج محل "لكسوس" المركز الفينيقي العتيق في استغلال تجارة الذهب المستخرج من السودان والذي كانت القوافل تحمله إلى جزيرة قرنة. وبالرغم عن أن هذه النظرية أثارت بعض التحفظات، وربما شيئا من المناوأة الصريحة أحيانا فإنه لا مناص من الاعتراف بأنها ألقت الأضواء الكاشفة على هذه الرحلة التي كان الجميع يعتبرون الدافع الأصلي إليها حب الاطلاع العلمي. وما نعرفه عن البونيقيين يحملنا على الاعتقاد بأنهم كانوا بصفة عامة مهتمين بالتجارة لا بالجغرافيا. وقد ذهب أخيرا بعض المؤرخين إلى أن حنون لم يتجاوز قط واد الذراع جنوبا. 4 إن حياة قرطاج واتجاهاتها السياسية تدل فعلا على أنها كانت مدفوعة دائما بضرورة البيع والشراء، وأن دورها الاقتصادي الرئيسي يتمثل على ما يبدو في جمع المواد الأولية ثم توزيعها على نحو ما فعله الهولانديون من بعد تقريبا، وكانت المواد المصنوعة تمثل عنصر المبادلة. و أوضاع الإمبراطورية القرطاجية نفسها تؤكد أن الأساكل لم تكن لها أهمية من حيث الملاحة وحدها، بل من حيث إنها نقط الانطلاق والوصول بالنسبة للبعثات والقوافل. كانت منتوجات إفريقيا الوسطى كالذهب والعاج والجلود والعبيد تصل إلى سيرتا الصغرى وسيرتا الكبرى أو إلى المستعمرات الأطلسية، وكانت اسبانيا تزودها بفضة مناجمها وبالمعادن والعنبر المجلوبة من الشمال عن طريق البحر. وكان زيت صقلية وخمرها وحبوب سردانية ونحاسها وفضتها تصل كلها إلى قرطاج أيضا. ويظهر أن هذه التجارة اعتمدت طويلا على مبدإ المقايضة البسيط. ولم تضرب قرطاج نقودها البرنزية الأولى إلا في النصف الثاني من القرن الرابع، وفي القرن الثالث ظهرت النقود الفضية. والذي دفعها إلى ضرب سكتها هي ضرورة عسكرية أكثر منها تجارية. فالشعوب المتفاوتة بدائية التي كانت لها روابط اقتصادية بقرطاج كانت قبل أن تتأثر بما ترمز إليه قطعة النقود المعدنية ترغب في اقتناء المنتوجات المصنوعة لترويجها عندها كالأقمشة وآنية الخزف والبلور والأسلحة، والمصنوعات الخشبية والعطورات وبصفة عامة البضاعة البونيقية الرديئة. 5 لم تتميز صناعة قرطاج لا بالنشاط الفائق ولا الابتكار المبدع، ومما لا شك فيه أن البونيقيين تخصصوا بحكم الضرورة في صنع السفن وآلات المواني التي ربما كانت من اختصاصات الدولة. إنهم صنعوا الحديد والنحاس والبرنز والمعادن الثمينة والأسلحة والمتاع المطلي أو البلوري وأدوات التجميل العاجية، والخرز، وخصوصا الجعلان المستعملة خواتم، والآنية الخزفية الصالحة للاستعمال، المزخرفة أو البسيطة، الموجودة بكثرة في القبور والتي تمتاز بتنوع الأشكال، وكذلك الأقنعة المكشرة أو الضاحكة المودعة في القبور أيضا، وبعض أواني الفخار المتقنة الصنع. ونجحوا أيضا في الصباغة والحياكة والدباغة. واشتهرت أيضا بصناعة الخشب البونيقية كما تشهد بذلك الصناديق الموجودة في "سميرات" و"جيغتي" بالخصوص. أما المنتوجات الممتازة والأنيقة فكانت تجلب من أماكن أخرى. 6 لم يتيسر للفلاحة أن يكون لها إنتاج ذو بال لأنها كانت مقتصرة على الأراضي الليبية التي فتحتها قرطاج وضواحي مستعمراتها، إلا أن شهرتها كانت رغم ذلك عظيمة فمنذ أواخر القرن الرابع وقف أغاثوكل مدهوشا أمام ثروة الزياتين والكروم والماشية. وينسب الرومان إلى البونيقيين اكتشاف الأدوات الفلاحية. وأذنوا بترجمة كتاب الفلاحة جزءا. ولم يقتصر المؤلف على إسداء النصائح حول 28الذي ألفه البونيقي ماغون في الزراعة وتربية الماشية بل ضبط كذلك ضبطا مدققا قواعد إدارة الأملاك الريفية.
عدد الصفحات ٤٩وأذنوا بترجمة كتاب الفلاحة جزءا. ولم يقتصر المؤلف على إسداء النصائح حول 28الذي ألفه البونيقي ماغون في الزراعة وتربية الماشية بل ضبط كذلك ضبطا مدققا قواعد إدارة الأملاك الريفية. ويتعذر علينا أن نضبط وضعية الأملاك في المناطق الإفريقية الخاضعة لقرطاج. فالذي لا شك فيه أن الطبقة الارستقراطية كانت تملك دورا ريفية فخمة في الغالب وسط أراض شاسعة، إن لم نقل ممتلكات فسيحة، كما سيكون الشأن فيما بعد بالنسبة للرومان الأغنياء. وليس من المستبعد أن نعتقد أن الدولة لم تستغل أملاكها بنفسها، وإن النبلاء كانوا يستغلونها مكانها. وكان الليبيون الذين انتزعت منهم أراضيهم هم الذين يخدمون الأرض بطبيعة الحال بصفتهم عمالا مسخرين أو رقيقا. ولربما شغلوا أجراء يوميين للقيام ببعض الأعمال. والطبقة النبيلة الساهرة على إحياء الأراضي كانت تتعاطى زراعة الأشجار من زيتون وتين ولوز ورمان وكروم. وكانت تتعاطى تربة الخيل والبغال والبقر والغنم والمعز، وكانت
عدد الصفحات ٤٩ش. جوليان تاريخ شمال إفريقيا 9495 هذه المواشي كثيرة جدا حتى أن بوليب جزم بأن قرطاج لا تضاهي في هذا الميدان. إنها لم تستمد من أرضها أرباحا طائلة بدون شك أو هي على الأقل لم تستمد كل أرباحها من الأرض. وقد كان الأهالي يزرعون الحبوب. وكانوا يستعملون محراثا حديدته مثلثة الشكل وآلات الدراس المتنوعة. وكان القرطاجيون يربون كذلك الدواجن ونحلا شمعه مشهور. كما كانوا ينتجون الزيت بأساليب لا يمكن الاهتداء إليها اليوم وخمرا كثيرة ربما عالجوها بالجبس. ولا شك أنهم كانوا صيادين في البر كما كانوا يتوغلون في البحر بحثا عن السمك فيملحون "التن" في المراكب نفسها. وفي الجملة يظهر أن الاقتصاد الفلاحي المعتمد على علم فلاحي قائم بذاته ربما سمح بضمان الاستهلاك المحلي، ولكنه لم يوفر مادة كافية للتصدير. 7 إن قرطاج مدينة تجارية فكانت حكومتها حكومة تجار تخدم مصالحها. ولا نعرف في العصور القديمة بلدا أخضعت فيه الرأسمالية السياسة، واستغلت الأهالي المغلوبين على أمرهم كما فعلت الرأسمالية في قرطاج. لقد كانت أرستقراطيتها المتكونة من رجال الأعمال مستبدة قاسية شديدة الحذر تشبه شبها كبيرا أرستقراطية البندقية إذا استثنينا الثقافة والذوق. ) لا يسمح لنا أن 225وما ورد في كتاب أرسطو "السياسي" من معلومات (حوالي نتصور بدقة نظام الدستور البونيقي الذي يشبهه بدستور سبرتا. وربما كانت قرطاج في أول أمرها خاضعة لعائلة مالكة خلفها في الحكم "شافطان" كما خلف القناصل الملوك في رومة. وكان هذان الشافطان ينتخبان من طرف الشعب كل سنة فيتنافس المترشحون في استعمال الرشوة. ويساعد الشافطين مجلس الشيوخ المتركب على ما يظهر من ثلاثمائة عضو يتم اختيارهم مدى الحياة من الطبقة الارستقراطية. وهكذا أتيح لطبقة النبلاء المتوارثة أبا عن جد أن تفرض إدارتها طيلة قرنين. ولم يحد من سلطانها سوى المنافسات التي تنشأ من وقت لآخر بين أعضائها. وكان يدير الشؤون العامة مجلس يتركب من ثلاثين شيخا. وكانت أهم السلط بيد هيئة أو ربما هيئات كثيرة تتألف من خمسة أعضاء (الهيئات الخماسية) يعينون أنفسهم بأنفسهم، ويختارون محكمة المائة والأربعة صاحبة السلطة الكبيرة. وقد تم تأسيسها في القرن الخامس للحيلولة دون محاولة إقامة النظم الاستبدادية. وعندما تنتهي مأمورية المائة والأربعة يسند إليهم لقب "حاكم" لحمايتهم من الانتقام وتمتيعهم بالحصانة. إلا أن هذا التخطيط الذي رسمناه لا يوافق إلا الحقبة الكلاسيكية، إن صح التعبير، من تاريخ قرطاج، فبوليب عندما يحدثنا عن مؤسسات هذه المدينة قبيل انهيارها يلمح إلى وجود مجلس شيوخ أقل نفوذا من ذي قبل ومجلس للشعب قد اتسعت مشمولاته وهو بذلك يشير إلى دولة أكثر ديموقراطية. 8 إننا لا نعرف شعب قرطاج معرفة كاملة، فنحن لا نجهل حياته ومطامحه حسب، بل حتى تركيبه لا يزال غامضا أيضا. ولا شك أن المواطنين كانوا العنصر الأساسي فيه، ولكننا نجهل عددهم وبالخصوص نسبة هذا العدد من مجموع السكان فإلى جانب المواطنين كان يوجد الموالي والعبيد وكان عددهم كبيرا من دون ريب، والأجانب وخاصة أهالي افريقية الذين أغراهم ما كان ولا يزال يوجد من موارد في كل ميناء كبير. إنه لم يكن لمجلس الشعب الذي لا نعرف دوره بالضبط إلا سلطة متفاوتة في الزمان، فهو الذي ينتخب القواد وكذلك "الشافطين" من دون شك ولم يكن له بعد ذلك غير دور الحكم إزاء ما كان يحدث من خلافات بين الشافطين ومجلس الشيوخ. وابتداء من القرن الثاني فقط أصبح يرجع إليه ويطلب رأيه أكثر من ذي قبل. ولا نعرف كذلك شيئا ) التي كان أعضاؤها يتناولون أحيانا الطعام معا. Hétairiesيذكر عن "الجمعيات وقد أراد بعضهم اعتبارها نوعا من النوادي، ورأى البعض الآخر أنها نوع من النقابات ) الرومانية. ولا يوجد التباس من حيث الاتجاه في Curiesالمهنية، ونظرها آخرون بالعشائر
عدد الصفحات ٥٠ر عن "الجمعيات وقد أراد بعضهم اعتبارها نوعا من النوادي، ورأى البعض الآخر أنها نوع من النقابات ) الرومانية. ولا يوجد التباس من حيث الاتجاه في Curiesالمهنية، ونظرها آخرون بالعشائر محاولات الإٌصلاح، وأهمها تلك المحاولة التي قام بها حنبعل غداة موقعة "جامة" ولكن لا يمكن ضبط مداها من الناحية العملية، وفي الجملة فإنه يبدو أن الدور الذي كان يلعبه من الناحية القانونية شعب قرطاج ظل دائما متواضعا. إلا أن تطور المؤسسات في اتجاه ديمقراطي يسمح بالاعتقاد بأن الشعب أو على الأقل بعض عناصره كان حريصا على تغيير وجهها من الخارج. ويظهر أن الفتن كانت كثيرة نسبيا، ولكنها لم تسفر مع ذلك عن ثورات. فلم تلق محاولات الاستبداد بالحكم -كتلك التي قام بها حنون الأكبر في أواسط القرن الرابع- التأييد الشعبي الذي كان من شأنه
عدد الصفحات ٥٠ش. جوليان تاريخ شمال إفريقيا 9697 أن يضمن لها النجاح. وإذا أمكن -إذن- الحديث عن "تزايد نفوذ الشعب" فإنه يجب أن نلاحظ أيضا أن هذا التزايد لم يبلغ من القوة بحيث يقضي على رسوخ نظام حكم الأقلية في المدينة. 9 إن أية دولة، ولو كان أفرادها تجارا، لا يمكنها الاستغناء عن قوة مسلحة، إما لمعاضدة توسعها الاستعماري أو لقمع الثورات. ولكنها تحذر من القواد الذين يضيقون ذرعا بإشراف رجال الأعمال عليهم، ويميلون إلى قلب نظام الحكم. فقد أثار قواد قرطاج في القرن الرابع خاصة مخاوف الحكومة. فضربت مرات عديدة على أيدي قواد عسكريين استرابت بعض أعمالهم الجريئة، أو صلبت من اتهمتهم بالسعي إلى الاستبداد بالحكم. وكانت الحصون التي تحوط المدينة تضعها في مأمن من الغارات. كما أن أسطولها الحربي يضمن لها السيطرة على البحار والتزود بانتظام. وكان معظم الجدافين المشهورين بمهارتهم في العمل من بين المواطنين. وكان لها في أول الأمر جيش وطني. ثم بعد ذلك دخل بعض الأغنياء البونيقيين في الخيالة ولكنها انتدبت المرتزقة منذ القرن الرابع. ) ليبيون واسبانيون وليغوريون وسردانيون 480فقد حارب إلى جانبها في معركة هيمير وكرسيكيون. ثم أضافت إلى جيوشها شيئا فشيئا رجالا مسلحين بالمقاليع جندتهم من جزر البلجار والسلتيين والسمنيين والبروتيين. واستمدت في القرن الثالث معظم جنودها من افريقية فجندت بالقوة العبيد الليبيين العاملين في أراضيها، وأسندت إلى الأمراء الأهليين قيادة الخيالة النوميدية التي سجلت لها أبهر انتصاراتها بفضل حملاتها الفجائية وكمائنها وبراعتها في الاهتداء إلى معاقل العدو. ولم يكن الجيش المتكون من المرتزقة منقادا دائما. وهيبة حنبعل هي وحدها التي وضعت حدا لهروبهم، وكثيرا ما كانت تحدث الثورات في صفوف هذا الجيش، أو يعتمد عليه من يشق عصا الطاعة من بين القواد. واصطادت قرطاج في جبال الأطلس الفيلة المتوحشة التي كان يروضها للحرب فيالة هنود. ولقد وصف لنا "بلين" طرق صيدها ولاحظ "سترابن" أنه وقع بناء اصطبلات لها قريبا من أسوار المدينة. وقد كانت الفيلة الليبية ابتداء من أواخر القرن الرابع بمثابة الدبابات؛ وهي أصغر قامة وأقل إقداما من الفيلة الهندية. وكانت تدخل الرعب في قلوب الرومان حتى أن شيبيون الأميلي بالغ في موقعة جامة في وسائل الاحتياط من هجماتها غير أنها لم تكن سهلة الانقياد فهي تغدر بأصحابها في بعض الأحيان فيضطر هؤلاء إلى قتلها. 10 كانت الدولة القرطاجية تعتمد لمواجهة المصاريف العامة على حاصل المعاليم القمرقية وأتاوى الليبيين والضرائب الموظفة على المدن. وفي القرنين الثالث والثاني لم تنافس قرطاج في الثروة إلا الإسكندرية وحدها. إلا أن هذا الازدهار المالي المتأتي عن التجارة خاصة لم يقدر على الصمود أمام الأزمات التي كانت تعرقله. فاضطر القوم بعد الحرب البونيقية الأولى التي تعذر معها جمع الموارد القمرقية إلى حجز نصف محصول المزارعين وإلى مضاعفة الأداءات المضروبة على المدن. ولم يخل ذلك من عنف بطبيعة الحال. 11 لقد كان البونيقيون رجال أعمال همهم الوحيد الأرباح المادية. وقد كانوا يحسنون لغات كثيرة بحكم الضرورة من غير أن يتظاهروا بذلك في بعض الأحيان، ولم يتركوا أثر يذكر في الأدب والتاريخ والعلم. واقتصروا في ميدان الفن على تقليد النماذج المصرية ) Boéthos le Carthaginoisوالإغريقية إن لم يجلبوا فنانين أجانب. فبوييتوس القرطاجي النحات الذي أنجز تمثال "ايفيز" إغريقي النسب، قرطاجي المولد على أغلب الظن، وذلك على الرغم من أن البونقيين كانوا أذكياء. ويعلل "قوتيه" ذلك في إطناب فيقول: إن عقليتهم الشرقية تخالف اختلافا جذريا عقلية الغربيين. 12 كان القرطاجيون يتكلمون لغة فينيقية محرفة إلى حد ما. ولسنا نعرف عنها إ ) وكانت لهم Plauteبعض النقوش وخاصة الجمل الموجودة في كتاب بونيلوس لبلوط
عدد الصفحات ٥١