الف اختلافا جذريا عقلية الغربيين. 12 كان القرطاجيون يتكلمون لغة فينيقية محرفة إلى حد ما. ولسنا نعرف عنها إ ) وكانت لهم Plauteبعض النقوش وخاصة الجمل الموجودة في كتاب بونيلوس لبلوط موازين ومقاييس ورزنامة وأقبية للموتى شبيهة بالآبار الفينيقية الأصل. وكان لباسهم شرقيا بحتا فكانوا يرتدون الجبة الطويلة ذات الأكمام الواسعة عامة، وكانوا يضعون على رؤوسهم القلنسوة ويلبسون معطف السفر. وقد وجد قوتيه شبها بينها وبين "الكدرون" والطربوش والبرنس التي يلبسها المغاربة في عصورنا هذه وكانت عاداتهم شرقية أيضا، وكانت نساؤهم يكثرون من التزين بالحلي واستعمال ألوان التجميل
عدد الصفحات ٥١ش. جوليان تاريخ شمال إفريقيا 9899 ويبالغن في التعطر. وظل الرجال والنساء مدة طويلة يضعون خرصانا في أنوفهم ويظهر أن الفينيقيين عدلوا عن الختان في الأرض الإفريقية. وتشهد الاكتشافات الأثرية أنهم لم يعددوا زوجاتهم واستمروا بالعكس يسجدون أمام العظماء ويحجمون عن أكل لحم الخنزير. أما فيما يتعلق بوحشيتهم وخداعهم فإن الغربيين، وخاصة الرومان لم يتركوا لهم مجالا للتفوق عليهم. 13 إن تأثير الشرق تجلى بالخصوص في الدين الذي جاء به المعمرون الفينيقيون. فقد أخذت قرطاج عن صور آلهتها وكانت تخشاها أكثر مما تحبها. إلا أنه يجب ألا ننسى - كما يفعل البعض أحيانا- أن غايات العقيدة ومظاهرها تخضع لمؤثرات المكان والزمان معا. فعندما انقلبت الديانة الفينيقية إلى افريقية طرأت عليها تغيرات حتمية ولم تبق الديانة القرطاجية، منذ أن اكتملت، هي حتى انهيار قرطاج ومن ذلك أن معنى الثلاثية الذي يكشف عنه "قسم حنبعل المشهور" في صيغته التي وصلتنا ( بوليب 7 لقد كان القرطاجيون يعبدون آلهة متعددة كما كان الشأن بالنسبة لمجموع ا القديمة. فملقرط "ملك المدينة " الذي شبه بهرقليس كانت له مكانته في قرطاج، وكذلك بقية المراكز التي أسستها صور، وأشمون أو أدونيس الذي شبه بأسكلبيوس شيد له معبد على هضبة المدينة كما هو الشأن بالنسبة لملقرط إله التجديد. وتفيدنا النقوش أن "عشتروت" و"بعل حداد" و"رشف" وآلهة أخرى كانت لها من يعبدها أيضا. ولكن الإله الكبير لقرطاج كان بعل حمون بلا منازع وقد شبه ب"كرونوس" أو ) وقال "ر.دوسو" عنه: "إنه يمثل اندماج الإله الفينيقي" أل" بإله أهلي. وقد Zens"زوس شبه بعضهم اسمه باسم الإله المصري آمون عن خطإ فيما يظهر. بل يحسن أن نؤول معنى الكلمة على أنه "سيد الأنصاب" (حماميم). وإذا كان هو المشخص على نصب بسوسة فإنه يبدو ملتحيا مرتديا جبة طويلة، على رأسه تاج أسطواني، وبيده رمح وهو جالس على عرش يمثل كلا جانبيه أبا الهول وما من شك في أنه كان على غرار "أل" ذاته، الإله الأعظم، مالك القوى السماوية الأقدر. وفي كثير من الأحيان لا جميعها نجد على الحجرات النذرية إلى جانب بعل حمون إلاهة مساعدة تسمى تانيت بينيبعل (أي وجه بعل) لا تزال شخصيتها غامضة. وقد يكون مثل بعل حمون نفسه مزيجا من إلاه بربري وإلاه فينيقي. وتقابل في الأصل اللات ) وقامت مقامها في العهد الروماني يونيو Ashératالتي عرفت هي نفسها "بعشترت ) اللتان كانتا مندمجتين غالبا. وكان القرطاجيون Caelelestis) وسيلستيسJunon( يضفون على آلهتهم الصورة البشرية، وتشهد بذلك على الأقل الأنصاب المكتشفة في سوسة شهادة قطعية. ولكنهم ظلوا متأثرين بصورة مشوهة منذ غابر التاريخ، حيث كانت تعتبر الحجارة مأوى الآلهة إن لم تعتبر هي نفسها الآلهة. وبقوا يعبدون الأوثان حسب الطقوس المألوفة وكانوا يدهنونها بالزيت. ونجد في غالب الأحيان كما بين ذلك "سينتاس" الآلهة منقوشة في هذا الشكل على الأنصاب مشوهة، مقتضبة، إلا أنه يمكن للناظر أن يتعرف إلى مظهر الآلهة العتيق سواء كانت على العرش أم لا. وما يسمى خطأ بعلامة تانيت هو أحد الرموز الإلهية الكثيرة مثل القرص والهلال والرمانة وغيرها. وهو عبارة عن مثلث أو شبه منحرف قد علاه خط أفقي معقف الطرفين في بعض الأحيان وأسطوانة منحرفة الشكل أحيانا. وقد تقدم الباحثون بتعليلات عديدة يدل تباينها دلالة واضحة على تهافتها. وقيمتها الرمزية هي وحدها التي لا توضع موضع الشك. وقد ألقت الحفريات الحديثة بعض الأضواء على المعابد القرطاجية. ونعرف اليوم معرفة تامة على الأقل معبدين: أحدهما في قرطاج والثاني في سوسة. ويوجد معبد قرطاج على شاطئ صلامبو. وكان في أول الأمر بناية متواضعة مسيجة تذكرك بمثالها المعقد ). وعند تأسيس Shamraوجدرانها القصيرة، ببعض المعابد الموجودة في راس شمرا
عدد الصفحات ٥٢ني في سوسة. ويوجد معبد قرطاج على شاطئ صلامبو. وكان في أول الأمر بناية متواضعة مسيجة تذكرك بمثالها المعقد ). وعند تأسيس Shamraوجدرانها القصيرة، ببعض المعابد الموجودة في راس شمرا قرطاج حافظ هذا المكان على قداسته، وتكدست فوقه طبقات متتالية من الأنصاب والآنية المحتوية على عظام الأطفال المقدمين قرابين للآلهة. أما معبد سوسة الذي نجهل شكله الأول فإننا نجد فيه نفس الطبقات المتتالية من الأنصاب والأجاجين. وأقدمها عثر عليه في مصاطب صغيرة يرجع تاريخها إلى القرن السادس أو السابع ويرجع تاريخ أحدثها إلى القرن الأول أو الثاني بعد المسيح إلا أنه يحسن أن نلاحظ أن هذين المعبدين لا يعطيان صورة قيمة لجميع المعابد القرطاجية. فقد كان بعضها موجودا في أماكن مرتفعة لا على شاطئ البحر كما هو الشأن بالنسبة للمعبدين المذكورين. وليست جميع المعابد أيضا وبالخصوص متكونة من ساحة مسيجة ذات هندسة تتفاوت بساطة. والنصوص تدل على أن معبد أشمون أو معبد تانيت كانا هيكلين عظيمين فسيحي الأرجاء في بعض الأحيان، وأكبر الظن أنهما ينتسبان إلى أصل هيليني. وكان الكهنوت منظما تنظيما محكما ومتمتعا بهيبة كبيرة. وكان واجب الكهنة الأول هو إقامة الطقوس الدينية برعاية حكام ينوبون عن الدولة. ولعلهم كانوا يشرفون
عدد الصفحات ٥٢ش. جوليان تاريخ شمال إفريقيا 100101 يوميا على مراسم دينية لابسين زيا كهنوتيا خاصا بهم، ويستعينون بعدة أعوان يقومون على المعابد. وكان القرطاجيون على غرار شعوب كثيرة يحتفلون بالبغاء المقدس الذي من شأنه أن يضمن في اعتقادهم خصب الأرض والماشية والبشر. إننا لا نعرف بالضبط كيف كانت تجرى الحفلات الدينية. وجداول القرابين التي عثر عليها في مرسيليا وقرطاج تؤلف قانونا كهنوتيا لا يخلو من شبه كبير بسفر الأحبار اللاويين. ففي كليهما تجد أنواعا ثلاثة من القرابين: فمنها ما يحرق ومنها ما يكون مجرد هدية، ومنها ما يكون كفارة. ونجد تعدادا للضحايا من البقر والغنم والطيور، وتعدادا لهدايا من الزهور والخبز أما جلد الضحية فكان يهدى إلى القس. ولا شك أن الطقوس اليهودية والقرطاجية ترجع إلى أصل واحد هو الأصل الكنعاني. وكان القرطاجيون يقدمون الضحايا البشرية. فقد ذبح أحد القواد المنتصرين في صقلية ثلاثة آلاف من أعدائه قربانا في المكان الذي قتل فيه جده. وكانوا يقدمون كل سنة على الأقل طفلين ذكرين قربانا. وذلك تحت إشراف الدولة. إلا أن عدد الضحايا كان يبلغ المئات في حالات الفزع، كما كان الأمر عندما أغار عليهم أغاثوكل. إنه كان في وسع العائلات بدون شك أن تقدم جزءا من عجل عوض أطفالها. وغالبا ما كان تفعل ذلك. ولكن يروى أن المؤمنين الأتقياء كانوا لا يترددون في تقديم أبنائهم على مذبح الآلهة. أما الأغنياء ذوو العقلية الواقعية فقد كانوا يقدمون للآلهة صغار الرقيق أو كانوا يشترون ) Plutarqueأبناء الفقراء يستعيضون بهم عن أبنائهم. وإذا صح هذا كما رواه بلوتارك فإنه يلقي أضواء قاتمة على النفسية البونيقية. وبعل حمون هو الذي كان يبتلع الأطفال في جوفه المتقد نارا. ونحن نعلم كيف استغل الكاتب "فلوبار" هذه الحفلة الدموية وقد عبر عن ذلك بقوله: "وكانت حركة اليدين القلزيتين في تزايد. وأصبح لا سبيل إلى توقفهما، فما تكاد تصل الضحايا على حافة الفتحة حتى تزول كما تتبخر قطرة الماء من على صفيحة محمرة نارا فيتصاعد دخان أبيض في الحمرة القانية". ورغم ذلك فإن شاهية الإله لا تسكن. إنه يطلب دائما المزيد. فكان القوم يكدسون على يديه الضحايا ويربطونها بسلسة تشدها حرصا منهم على تزويده بأكثر مما يجب. إن روعة هذا الوصف قد تكون أضرت بالحقيقة التاريخية. فبالرغم عن الشهادات القديمة استنكف العلماء من التسليم بهذه المراسم المريعة. ولا سبيل اليوم إلى شك في صحتها. فقد اكتشفت حديثا في صلامبو وسوسة ) أي مواضع إحراق الضحايا. وبات من اليقين أن الأجاجين Taphet"طفايات" أو توفات تحتوي على عظام بشرية محروقة. وتفضي دراسة النقوش إلى نتائج مماثلة لا تقل وضوحا عن الأخرى. ولكنها تمكننا من أن نسجل أيضا أن رغبات بعل حمون أصبحت في الفترات الأخيرة من تاريخ قرطاج دون ما كانت عليه قسوة. فقد حل محل التضحية الفعلية بالطفل البكر غالبا التضحية المعروفة ب"ملكومور" أي أن الحيوان ويكون غالبا خروفا عوض الضحية البشرية. وقبل بعل هذه المعاوضة حسب العبارة المنقوشة في ) روح بروح ودم بدم وحياة بحياة. N’gaousالأنصاب الرومانية ب"نڤاوس 14 تدل الحفريات على أن الطقوس الجنائزية كانت مختلفة بحسب العصور وبحسب الطبقات الاجتماعية. لقد ظل الدفن معمولا به مدة طويلة، ولكن عادة إحراق الموتى التي لم تكن مجهولة من القرطاجيين انتشرت في القرن الرابع تحت تأثير اليونان ثم فرضت نفسها في آخر الأمر. وكانت أقدم القبور عبارة عن غرف فسيحة الأرجاء سد مدخلها بصفيحة من الحجارة وبنيت أو نقرت في الصخر في عمق يبلغ أمتارا كثيرة. وكانت الموتى توضع في توابيت من حجر أو تمدد على الأرض مباشرة. ثم ظهرت بعد ذلك القبور الشبيهة "بالآبار"، أي أن غرفة أو عدة غرف منضدة كانت تفتح على آبار يتجاوز عمقها أحيانا عشرين مترا تسد بعد كل دفن.
عدد الصفحات ٥٣في توابيت من حجر أو تمدد على الأرض مباشرة. ثم ظهرت بعد ذلك القبور الشبيهة "بالآبار"، أي أن غرفة أو عدة غرف منضدة كانت تفتح على آبار يتجاوز عمقها أحيانا عشرين مترا تسد بعد كل دفن. ولم تكن في الأول لتسع أكثر من جثة أو جثتين ثم انتشرت عادة الدفن الجماعي، وأصبحت معمولا بها على الإطلاق عندما فرضت عادة الإحراق نفسها. وفي ذات الوقت نقصت أبعاد غرف الموتى، وأصبحت تبنى في حفر أقل عمقا. وفي آخر العصور البونيقية أصبحت الأقبية في نهاية الأمر شبيهة بالأضرحة التي ليس لها تحت الأرض سوى جزء واحد. وكان يوجد مع الجثث المدفونة أثاث متركب خاصة من آنية خزفية، وأدوات عادية لتيسير حياتها المادية، وتمائم ذات مفعول سحري. ولا شك أن القرطاجيين كانوا يؤمنون مثل بقية الفينيقيين بمقام مشترك للأموات ربما يشبه في كآبته "الشول" العبري غير أن علم الآثار لا يسمح بتدقيق ما يعتقده القوم في مصير الموتى. ولا شك أن "أوزيرس" و" ديميتر" و"فوريا" لقنتهم الأمل في حياة أخرى أبدية سعيدة. ولا يوجد أي أثر لتقديس الموتى، ولا شك أنهم يخشونهم أكثر مما يحترمونهم. فقد كانت ضرورات الحياة اليومية لا تترك للقرطاجيين المجال للتأمل مليا في شأن الموتى.
عدد الصفحات ٥٣ش. جوليان تاريخ شمال إفريقيا 102103 15 لقد خضعت الديانة البونيقية إلى موثرات خارجية، فقبور قرطاج احتوت على تمائم مصرية الأصل إن لم تكن مستوردة وذلك حتى القرن الرابع على الأقل، فالآلهة "ايزيس" و"هاتور" و"أوزيريس" و"انوبيس" وغيرها وكانت لها تماثيل بلورية يبلغ طولها سنتيمترا واحدا أو سنتيمترين اثنين وتنضد في قلائد كالجواهر. ومن جهة أخرى فإن تفاوت عدد هذا النوع من التمائم أو ذاك في القبور يدل على أن قوتها الوقائية لم تكن في معزل عن تأثيرات العادات الشائعة. وسعى القرطاجيون في التكفير عن البلايا الناتجة، في اعتقادهم، عن نهب معبد فأدخلوا في مدينتهم عبادة هاتين الآلهتين 396ديميتير وكوري برسفونا بسرقوسة سنة (سيريراس) وبقيت هذه العبادة قائمة حتى في العهد الروماني وعبدوا في صقلية "افروديت اريسين" التي كانت تغادر كل سنة جبل "اريكس" وتلتحق صحبة حمام المعبد بافريقية حيث تقيم تسعة أيام. على كل فلا يجوز أن نقصر تأثير الشرق اليوناني في قرطاج ابتداء من القرن الرابع على الميدان الديني. ويوجد من الدلائل الأثرية ما يسمح لنا بان نؤكد أن المدينة البونيقية تغيرت تغيرا عميقا عند اتصالها بالمدينة الإغريقية. ولكن المؤثرات الليبية كانت ابعد مدى من دون شك مما نلاحظه في الطقوس الجنائزية من طي الجثث وصبغها باللون الأحمر وخلط العظام بعد تجريدها من اللحم وقد اندمجت الآلهة الفينيقية مع الآلهة الإفريقية. ويذهب البعض إلى القول بان لفظ "تانيت" إفريقي. وقد عثر في معبد "صياغة" (في بئر بورقبة قرب خليج الحمامات) على آلهة لها رأس لبؤة جالسة على أسد كما عثر على أبي هول ذي ضروع. وحاول الباحثون توضيح دور هذه الآلهة بتأثير العبادات الليبية في أواخر قرطاج. 16 إلى أي حد طبعت المدنية القرطاجية بطابعها المدن والبلدان التي فتحتها. إنها لم تترك في اسبانيا وجزر غربي البحر الأبيض المتوسط أثرا يذكر، كما أفسحت المجال في صقلية للمدينة الإغريقية ابتداء من القرن الخامس. لكنها تأصلت في جزر مالطة وغوزو وبانتالاريا ولمبادوزا وخاصة سردانية. فما مدى تأثيرها في إفريقيا الشمالية ؟ يجب قبل كل شيء أن نؤكد أن قرطاج لم تحتل بلاد المغرب بأكمله، وأن نفوذها عندما بلغت أوجها لم يتجاوز حدود البلاد التونسية الحالية باستثناء المدن الموجودة على السواحل الجزائرية والمغربية. إلا أن عملها لم ينحصر في حدود البلدان التابعة لنفوذها السياسي وحدها. فالليبيون المنخرطون في الجيوش القرطاجية كانوا يحملون معهم عند الرجوع إلى أوطانهم شيئا من المدنية القرطاجية التي عاشوا في ظلها. ولم يحمل التجار البونيقيون معهم البضاعة التي اشتروها فقط، بل حملوا كذلك جملة من العادات والصناعات والأفكار والمعتقدات استساغها الأهالي شيئا فشيئا وأثروا بها مدنياتهم البدائية. وقد كان تأثير المدنية البونيقية بطبيعة الحال في بلاد البربر الشرقية. فقد بهرت الأمراء النومديين الذين أقام العدد الكبير منهم في قرطاج، وتزوجوا بنات طبقتها النبيلة وسموا أبناءهم بأسماء قرطاجية، ومنحوا مدنهم دساتير منسوخة عن دساتير المستعمرات الساحلية، وعبدوا الآلهة السامية وحرضوا رعاياهم على العمل بأساليب ماغون الفلاحية. واستعان الملوك وكبار القوم بفنيين من قرطاج. وقد شيد أحد هؤلاء حوالي منتصف القرن الثاني قبل المسيح ضريح دقة حيث توجد في نفس الوقت نماذج شرقية وإغريقية عتيقة هي من خصائص الفن البونيقي. ويحتوي هذا الضريح المبنى بالحجارة المنحوتة على ثلاثة طوابق على مدارج وهو جميل الزخرفة . إلا أن تماثلية متوسطة القيمة. وتمكن من وضع الحجارة المنهارة في مواضعها الأصلية باستثناء 1910" ل. بوانسوا" سنة حجارتين تحملان نصا واحدا مكتوبا باللغة الليبية والبونيقية أخدهما القنصل "ريد" ولا يزال موضعهما من الهيكل مجهولا. وفي 1842) معه إلى انقلترا في سنةReed(
عدد الصفحات ٥٤ناء 1910" ل. بوانسوا" سنة حجارتين تحملان نصا واحدا مكتوبا باللغة الليبية والبونيقية أخدهما القنصل "ريد" ولا يزال موضعهما من الهيكل مجهولا. وفي 1842) معه إلى انقلترا في سنةReed( هذه الكتابات حجة على أن الارستقراطية البربرية كانت تستعمل اللغة البونيقية في النقوش الحجرية، وأحيانا تنافس بها اللغة الليبية. وتذكر هذه الكتابات أسماء لبناة وعلى رأسهم المسمى "عبريش" الذي كان قرطاجيا من دون شك كما تذكر أسماء أعوانهم (؟) وأسماء النجارين والحدادين. وبدهي أن تأثير قرطاج لم يزل بزوالها. فالمدينة الرومانية لم تتوطد أركانها من أول وهلة لا في الممتلكات البونيقية القديمة ولا في الممالك البربرية. ولا نعرف من سوء الحظ شيئا يستحق الذكر عن أطوار المنافسات التي تواصلت بين المدنيتين. والذي لا شك فيه هو أن قرطاج تركت آثارا عميقة في افريقية من حيث الدين. فالآلهة البونيقية اضطرت إلى ارتداء الحلة الرومانية على غرار عبادها. ولكنها رغم
عدد الصفحات ٥٤ش. جوليان 104 أسمائها الرومانية وشكل العبادات الروماني استبقت روحها الأصلية. فليس في تضحية "ملكومور" شيء من اللاطين، وبقي بعل الذي سمي "ستورنوس" "متعاليا على البشر علوا كبيرا". وليس من المستبعد كما لاحظ ذلك "س.قزال" أن يكون اعتقاد القوم في علو هذا الإله على بقية الآلهة هيأ العقول إلى التوحيد الذي سيأتي به دين المسيح إلى افريقية. وبقيت نقود بعض المدن الإفريقية تحمل كتابات بونيقية إلى عهد تيبريوس. وما انفك ) التقي. Antoninsزمام الحكم في بعض تلك المدن بيد الشافطين حتى عهد أنطونيوس ولكن يبدو أن اللغة البونيقية لم تبق مستعملة حتى العصر البيزنطي كما يعتقد أكثر الناس اعتمادا على نصوص القديس أغسطينوس و"بروكوب" التي أسيء تأويلها. ولا سند متينا لرأي أ.رينان الذي تبناه "قزال" القائل بأن بقاء اللغة البونيقية مهد إلى انتشار اللغة العربية – فقد انتهي استعمال اللغة البونيقية في تواريخ اختلفت طبعا باختلاف الجهات، ولكنها لا تتجاوز في أغلب الظن آخر القرن الثاني وأول القرن الثالث بعد المسيح. إن آثار المدنية البونيقية -وإن هي لم تدم طويلا كما تصوره البعض- فقد بقيت جذورها عميقة. واندمجت بلاد البربر بواسطة قرطاج في عالم البحر المتوسط وتعرفت بفضلها إلى مدنية شرقية سرعان ما راضتها الحضارة اليونانية. وسوف لا تكون هذه المرة الأخيرة التي تصبح فيها أفريقيا الشمالية تابعة للشرق إلا أن انتصار رومة عليها سوف ينتزعها من نفوذ الشرق طيلة قرون عديدة. الباب الخامس الممالك البربرية - مسينيسا اغليد عظيم 1 - الحرب البونيقية الثالثة ونهاية قرطاج2 - الاحتلال الروماني3
عدد الصفحات ٥٥107 I 1 لم يهتم قدماء الكتاب بتاريخ شؤون الممالك البربرية الداخلية إلا عندما ظهر لهم أن له مساسا برومة أو قرطاج، فلم يبق أثر للتقاليد البربرية. لذا فإنه يخشى أن نبقى على جهلنا بما تعاقب من الفتن ومن انتصارات القبائل وانقراضها وانبعاث الدول المتحدة برابطة الحلف وانهيارها إلى أن أفضت الأحداث إلى تأسيس الممالك البربرية الثلاث التي اقتسمت بلاد المغرب في عصر الحروب البونيقية. فلقد تأسست شمال المغرب الأقصى قبل القرن الرابع جامعة عتيدة من القبائل هي مملكة الموريين أو مملكة موريطانيا تحدها جنوبا بلاد جدالة التي تتاخمها جنوبا مملكتا ماسولة ومازيسولة والأراضي البونيقية، ويحدها شرقا نهر الملوشة (الملوية) السفلى. ولقد اتسعت رقعة هذه المملكة في أواخر القرن الثالث وأثناء القرن الأول إلى أن بلغت مصب نهر المساقة ( الواد الكبير في الشمال الغربي من قسنطينة). ونقود القرن الأول قبل المسيح شاهدة بان الموريين كانوا يزرعون القمح . وكانت مملكتا ماسولة ومازيسولة تقتسمان في القرن الثالث بين الملوية والأرض البونيقية البلاد الآهلة بالبربر الذين كان يسميهم الرومان والإغريق النوميديين وهي لفظة قد تكون مأخوذة عن لهجة البلاد نفسها. ومن الممكن أن تكون قبائل مازيسولة التي هي بمثابة الخلية الأم للجامعة منحدرة من المغرب الأقصى وقبيلة ماسولة من الأوراس حيث أقام ملك مجهول بالقرب منها "المدراسن" وهو ضريح ضخم يرجع تاريخ بنائه إلى القرن الثالث على سبيل التقريب. 2 كانت دولة مازيسولة يحدها شرقا إما رأس تريتون (رأس بوقرعون شمال قسنطينة أو بالأحرى المساقة. وكانت سيرتة (قسنطينة) قسما من هذه المملكة، على الأقل في كلم من الملوية شرقا تعد 90عهد سيفاكس. وكانت مع صاغة التي تقع على بعد إحدى العاصمتين الملكيتين وكان لها ميزات ستراتيجية نادرة الوجود.
عدد الصفحات ٥٦ش. جوليان تاريخ شمال إفريقيا 108109 100وهذه المدينة الجاثمة على نجد صخري والمحاطة بمنحدرات وعرة، يتجاوز علوها متر ويجري من تحتها نهر المساقة (الرمل) في خور جوانبه وعرة أيضا. وكانت لا تدرك إلا عن طريق برزخ الجنوب الغربي، وتبقى بالفعل منيعة لا تنال، ما غذت الأمطار الفساقي المحفورة في الصخور. وكان القسم المجاور لموريطانيا صالحا لزراعة الحبوب. وقد ذهب "سترابن" إلى الجزم بأنها أخصب من نوميديا الشرقية، وأن سوق سنابل القمح البالغ حجمها حجم الخنصر يتجاوز طولها مترين، وأن أهلها كانوا يتحصلون على صابتين من دون أن يبذلوا مقابل واحد. ويخشى أن 240جهدا يذكر في العناية بالأرض ويظفرون بإنتاج يقدر ب تكون معلومات هذا الجغرافي غير صحيحة تمام الصحة. وقد قام سيفاكس، وهو أعظم اغليد في مازيسولة، بدور عظيم. فمدت إليه قرطاج يدها تطلبه المعونة وزوجته فتاة من أعلى طبقة أرستقراطية، وفي الوقت الذي ظهر فيه خصمه مسينسا على أبواب الهلاك عمت سلطته بلاد الجزائر كلها وكان يقلد في حياته ملوك اليونان وتوهم أن مصير بلاد البربر سيكون بيده. ولسنا نعرف هل أن ابنه "فرمينا" الذي 203لكن سلطانه انهار دفعة واحدة سنة كان يشارك أباه في الحكم أمكن له أن يظفر بفتات من هذه المملكة جهة الغرب. وعلى كل فإن مسينسا لم يلبث أن ضم إليه مازيسولة كلها. 3 وكانت مملكة ماسولة وهي أقل مساحة تشمل القسم الشرقي من مقاطعة قسنطينة. ولقد تقلصت حدودها أمام التوسع القرطاجي. وكان لها أيام الحرب البونيقية الثانية اغليد اسمه "غايا" ولسنا نعرف هل أن "نارافاس" القائد النوميدي العظيم كان من الأسرة المالكة أم لا، وهو الذي اشترى عبد ملقرط البرقي ذمته ووعده بتزويجه ابنته مقابل تدخله الحاسم ضد المرتزقة. وتطبيقا لقوانين الوراثة "الأغنية" لم ترجع مملكة "غايا" إلى ابنه الأكبر مسنيسا بل ورثها أخوه ثم ابن أخيه. وعندما غزا سيفاكس بلاد ماسولة لم يسع مسنيسا إلا أن يحيا حياة المنفي غير أنه كان رجلا من طينة خارقة للعادة. فلقد ربط مصيره بشيبيون ) 203وبقضية رومة فشاركهما في انتصارهما. وكان من أثر دخوله كالصاعقة لسيرتة أن وضع حدا لمملكة مازيسولة وكان ذلك بدءا لسلطانه. وسرعان ما أصبح سيدا على جميع البلدان الواقعة بين موريطانيا والمقاطعة البونيقية من الملوية إلى توسكة (قرب طبرقة) كان اغليدا عظيما صهر شعبه بيديه القويتين وحاول أن يجعل من بلاد البربر دولة موحدة مستقلة. ولم يتح لبلاد المغرب قط ما أتيح لها في عهده من توفيق في طريق قيام أمة حرة ماسكة بزمام حضارتها الذاتية اللهم إلا إذا استثنينا فترة انتصار صنهاجة. ولئن حال الاستعمار الروماني دون أن يبلغ القائد البربري هدفه الذي ظن أنه لا محالة بالغه فإن محاولته أظهرت على الأقل أنه عاهل ذو صفات ممتازة. 4 كثيرا ما يورد الباحثون قول "سترابن" من أن مسنيسا صير البربر فلاحين ومدنهم تلك هي نفس النتائج المترابطة لسياسة معنية. فلقد أراد الاغليد أن يكون عاهلا لا سيد قبيلة. وكان لا بد له من ميزانية تغذيها موارد قارة للاحتفاظ بوفاء حلفائه، والحد من سورة أعدائه، ولتجهيز جيوشه وتكوين أساطيله، ولبناء دولة نوميدية بالديبلوماسية وبحد السلاح تكون جديرة بهذا الاسم قادرة على أن تقوم بدورها في حوض البحر المتوسط. وإذا كان من الممكن استخلاص الضرائب من جماعات البدو المتفاوتة العدد سواء بالمباغتة أو بالقوة فإنه ما كان لأي اغليد أن يتنبأ ولو على سبيل التقريب بما سيجلبه له حماس "الحركة" من موارد. فالبدوي من حيث دفع الأداءات من أسوإ الرعايا. أما الحضري فهو على العكس من ذلك خير من يحلم به حاكم. فإذا زرع أمل حصاد ما يسميه الأخلاقيون ثمرة عرق جبينه في طمأنينة، ولذا فهو يطلب الحماية ويدفع ثمنها غاليا. وإذا بالغ أسياده في استغلاله رضي بمواصلة عمله أو شق عصا الطاعة أحيانا. ومنتهي
عدد الصفحات ٥٧ع أمل حصاد ما يسميه الأخلاقيون ثمرة عرق جبينه في طمأنينة، ولذا فهو يطلب الحماية ويدفع ثمنها غاليا. وإذا بالغ أسياده في استغلاله رضي بمواصلة عمله أو شق عصا الطاعة أحيانا. ومنتهي عبقرية الحاكم تتجلى في الاهتداء إلى الحل الوسط الذي يمكن معه استخلاص أقصى ما يمكن من الضرائب من دون التعرض إلى خسارة الكل. والغاية القصوى قد تتمثل في القدرة على إحياء البدوي وهو مادة جبائية ميتة وذلك بجعله حضريا وليس ذلك بالعمل الهين. ولم يكن ليتصدى له مسنيسا ولينجز جانبا منه لو لم يتمتع في نفس الوقت بهيبة كبيرة وعزيمة فولاذية. وكان تعاطي الفلاحة قبل ذلك محدودا. قال بوليب: "هذا أعظم وأعجب ما قام به مسنيسا. كانت نوميديا قبله لا فائدة ترجى منها وكانت تعتبر بحكم طبيعتها قاحلة
عدد الصفحات ٥٧ش. جوليان تاريخ شمال إفريقيا 110111 لا تنتج شيئا. فهو الأول والوحيد الذي أبان بالكاشف أنه بإمكانها أن تدر بجميع الخيرات مثل أية مقاطعة أخرى لأنه أحيا أراضي شاسعة فأخصبت إخصابا" (نقل ستيفان قزال). وإنها لشهادة بليغة تقيم الدليل -إذا أضفنا إليها شهادة "سترابن"- على أنه هو المسؤول الأول عن الانقلاب الاقتصادي الواقع بالمغرب الأوسط. وكان من الواجب من دون شك إقرار القبائل بتمليكهم الأراضي وحمايتهم من غزوات البدو ولا ريب أن أكثريتها اضطرت إلى أن تحيا حياة الرعاة وحياة الفلاحين في آن واحد لأن إحياء هذه الأراضي كان يتطلب وقتا طويلا وجهدا كبيرا. وقد كان النوميديون يزرعون القمح والشعير مثل البونيقيين. إن مسنيسا شجع إحياء الأراضي مما هيأ بصورة غامضة -كما قال ستيفان قزال- ازدهار افريقية الرومانية. ولعله جعل من الأراضي التي أفتكها من البونيقيين ملكا خاصا به استغله لنفسه. فلم يستنكف من أن يكون مثلا يحتذى. قال ديودرس الصقلي: Pléthre( )874(10000"لقد برع في الأشغال الفلاحية حتى أنه ترك لكل واحد من أبنائه هكتارا) مجهزة بكل الآلات اللازمة للاستغلال". ويكون لهذا المدح قيمته الخاصة إذا 54 ولدا وربما44نحن ذكرنا له ولم يتوزع الفلاحون الجدد على الضيعات اجتنابا للمفاجآت بل تجمعوا في قرى محصنة. وبذلك ساهم مسنيسا في "تمدين" "البربر" "فأصبح النوميديون مدنيين" كما لاحظه سترابن. واستوحى من دساتير المدن الساحلية ما مكنه من منح المدن ). Suffètesالجديدة نظاما بونيقيا يعتمد على حكام سموا الأسباط أو الأشفاط ولم يكن استقرار النوميديين وتمدينهم ليعطيا شكلا جديدا للعداء القائم طيلة تاريخ بلاد البربر كله بين البدو والحضر، كما بين ذلك أ-م- قوتييه - إلا أنهما غذياه على أقل تقدير. وفي عهد مسنيسا وخلفائه ظلت قبائل جدالة التي كانت تنتجع على طول سباسب السهول العليا بالمرصاد لهذه الفريسة الجاثمة التي تتمثل في الفلاحين النوميديين. وسوف يضطر "الاغاليد" وهم أسياد المدن ورؤساء دول بأتم معنى الكلمة إلى حماية ما شيدوه من غائلة القبائل المتنقلة التي إن انتصرت أرجعت رعايا هؤلاء الاغاليد إلى الفوضى. 5 كل مدنية تعبر عن مطامحها بواسطة الدين. فلا بد أن يكون للفلاحين آلهة فلاحية وكان مسنيسا هو الذي تولى أيضا حمل النوميديين على عبادة آلهة يونانية: سيريرس ) وقورية وديميتير. فبعد أن أصلح "كركوبينو" في جرأة نصا من نصوص Cerères( in) "بعبارة ليوم سيريرin diem tertium"سالوسطس" وعوض عبارة "اليوم الثالث ) بين -وله الفضل في الإصداع بهذا الافتراض- كيف أن دين الطبيعيين diem cererum الذي كانت له أطوار بدائية ولكنها رمزية، والمتأثر بالمراسم التي كانت تقام في سرقوسة Perعلى شرف الآلهة سيريس أو ديميتير كان يمارسه في عصر يوغرطة بافريقية كلها ) النوميديون الحضر. وهكذا يظهر أن مسنيسا أضفي على معتقدات omnem Africain البربر مسحة أسمى وأقرب إلى المدنية كما قد يقول "سترابن" وذلك من دون أن يصادم ميولهم. 6 سعى مسنيسا في أن يكون عاهلا بأتم معنى الكلمة وربما في أن يظهر في مظهر إلاه. وعلى كل فإن عبادة إلاه الملك ظهرت وتركزت في عهده. فبعد مرور عشر سنوات من وفاته أقيم له معبد في توقه (دقة) وكان ضرب قبل ذلك نقودا تصوره وعلى رأسه تاج وإكليل من الغار. وكان له جيش وأسطول. ولذلك لم تستنكف رومة من الاستعانة في الشرق بالنوميديين وفيلتهم. وكان قد جمل عاصمته "سيرته" وبنى فيها قصرا يقتبل فيه الأجانب وخاصة الموسيقيين الإغريق وهذا "الدالي" الذي كان يعتبر نفسه صديقه وأقام له تمثالا في جزيرته مسقط رأسه. وحرص مسنيسا على أن يتلقى أبناؤه تربية يونانية فغنم أحدهم وهو مستنبغل غنما كبيرا وتوج آخر في العيد الذي يقيمه الإغريق للآلهة "أتينا". وسعى مسنيسا في أن يكون الملك في ولده فعوض القاعدة "الأغنية" بقانون يضمن
عدد الصفحات ٥٨ؤه تربية يونانية فغنم أحدهم وهو مستنبغل غنما كبيرا وتوج آخر في العيد الذي يقيمه الإغريق للآلهة "أتينا". وسعى مسنيسا في أن يكون الملك في ولده فعوض القاعدة "الأغنية" بقانون يضمن الخلافة لأكبر الأبناء مثلما هو الشأن بالنسبة للممالك اليونانية. وقد أخفق في ذلك لأن الاستعمار الروماني -وكان يمثله حينذاك "شيبيون الايميلي"- عمد إلى تجزئة تلك المملكة وقد ظهرت في حكم الاغليد العظيم في مظهر الجلال والهيبة. وأكد "تيت ليف" أنه كان يصرح فيما يتعلق بالأجانب سواء كانوا فينيقيين أو رومانيين أن افريقية يجب أن تكون للإفريقيين. وهي نظرية كان من شأنها أن تسحر رعاياه البربر الميالين بطبعهم إلى كره الأجانب. وكان لا بد لتجسيم هذه النظرية من الاستيلاء على الأراضي البونيقية وخاصة قرطاج عاصمة بلاد البربر. وكان من الممكن أن يكون ذلك تتويجا للصرح الشامخ الذي بناه حجرة حجرة. وبما أنه كان سيد البلاد الواقعة بين الملوية وسيرته الصغرى والكبرى كان يستطيع أن يخضع بسهولة موريطانيا وأن يدفع
عدد الصفحات ٥٨ش. جوليان تاريخ شمال إفريقيا 112113 بلاد البربر كلها إلى طريق الوحدة القومية. وأنه لجدير بالاغليد الذي أظهر مقدرة فائقة في مهمة شاقة كحمل البربر على الاستقرار أن تظهر كذلك مقدرته بدون شك في القيام بأعمال جليلة لو أنه كان على رأس إمبراطورية. وحتى في الحدود التي أرغم على ألا يتخطاها فإن الحماس الذي بثه في جهاز الحكم الملكي لم ينطف بعده. ويعترف "ستيفان قزال" بأنه يمكن القول: "إن نوميديا خطت تحت سلطة ملوكها من القرن الثاني إلى منتصف القرن الأول خطوات شاسعة لم تخطها وهي مقاطعة خاضعة للجمهورية". ولم تحطم رومة آمال مسنيسا العراض إلا وقد أثقلت 148لأنها كانت تخشى أن تتكون دولة بربرية جبارة، ولما مات مسنيسا سنة كاهله السنون لم يجد المغرب "اغليدا" وهب مواهبه النادرة. وكتب "ستيفان قزال" في إيجاز عجيب: "كان مسنيسا من بين ملوك البربر أعظم العظماء فقد بز يوسف بن تاشفين المرابط وعبد المؤمن الموحدي والشريف المغربي مولاي إسماعيل الذين يوجد بينه وبينهم وجوه شبه كبيرة. فلقد بسط سلطانه من موريطانيا إلى بلاد القريني وجلب أموالا ضخمة وأنفق على جنود عديدين أشداء وعمم الفلاحة وشجع العمران. ولقد رأى فيه الإغريق والرومان الملك الحق. ونسي الكثير من رعاياه وربما أغلبهم حقدهم الغريزي للملوكية وساهم الود والخوف معا في تعلق الناس به وتواصلت عبادته على مر العصور". وينتصب على بعد بضع كيلومترات من قسنطينة ضريح من الحجارة المنحوتة مستوحى بتصرف من الأسلوب الإغريقي يدعى "صمعة خروب" وقد رممه بدون تحر رجال اكتشف أثناء أشغال الترميم 1916-1915يدعون أنهم ينتسبون إلى الفن، وفي سنتي قبر فيه، إلى جانب متاع كثير ( سلاح، وآنية طعام وغيرها )، حوض من فضة مملوء رمادا. هي حفنات من الرماد فقط ولكنها قد تكون ما تبقى من مسنيسا إذا نحن اعتبرنا العصر والموقع والفن المعماري وعادة إحراق الموتى في ذلك العصر. ولربما انبعث من ضريح العاهل الكبير البربري المشرف على عاصمته أسوة وذكر للأجيال من بعده. II 1 فرض شيبيون الإفريقي بعد معركة جامة معاهدة تقر انقراض دولتها. وقد لاحظ ) عند إحصائه متاع القبور أن الحلي الذهبية مفقودة أو هي Gauckler"ب. ڤوكلير مزيفة وقد فقدت الحجارة الصلبة المحفورة ودمى العاج والميناء المنقوشة نقشا بارعا والأواني الثمينة، وحلت محلها نقود قديمة متأكلة ومصابيح لم يعد القوم يحفلون بإسراجها قرب الموتى وآنية من الفخار عادية كثيرا ما تكون مثلومة. ولئن خرجت الدولة مفلسة فإن الارستقراطية بقيت غنية. ولقد تحامل الرأي العام على كبار التجار والملاكين الذين ما انفكوا يختلسون ثروات المدينة ويؤثرون بأنانيتهم في شافطا أراد 195مصيرها أيما تأثير ومهد لحنبعل السبيل إلى الحكم. وعندما عين سنة تحطيم طبقة الأقلية الحاكمة بجعل القضاة حكاما يعينون كل سنة كما أراد الضرب على أيدي المرتشين. فكان في ذلك الحكم عليه بالإعدام. وندد الارستقراطيون الذين كانوا يضعون مصالحهم فوق مصالح قرطاج في رومة بأعمال حنبعل الثورية واستعدوا لتسليمه إليها. فتمكن من الفرار في الوقت المناسب والالتحاق بسوريا حيث حاول أن يستفز الملك "أنتيوخوش" لشن حرب عامة على رومة. غير أنه عندما نقلت رومة الحرب إلى الشرق وهزمت "أنتيوخوش" طالبت في بنود الهدنة ) بتسليم حنبعل ولكن البرقي أفلت مرة أخرى من قبضة المنتصر وسار 189(أوائل سنة إلى "الكريت" (جزيرة اقريطش) والتحق بأرمينية فهدى الوالي الفارسي إلى موقع يبني فيه عاصمته ثم توجه إلى "بوتينا" حيث انتصر الملك "بروزياس" على جيوش "برغام" بفضل إعانة حنبعل. فكانت آخر مرحلة من حياة الترحال. ذلك أنه تجرع السم في ) وفي هذه 184الوقت الذي عزم فيه "بروزياس" على تسليمه إلى رومة بأمر منها (سنة السنوات العشر التي قضاها في المنفي لم تنفك وشايات قرطاج تلاحقه حيثما حل. 2
عدد الصفحات ٥٩ال. ذلك أنه تجرع السم في ) وفي هذه 184الوقت الذي عزم فيه "بروزياس" على تسليمه إلى رومة بأمر منها (سنة السنوات العشر التي قضاها في المنفي لم تنفك وشايات قرطاج تلاحقه حيثما حل. 2 قد كان لقرطاج بالرغم عن إضاعتها لحنبعل من الموارد ما يكفيها لكي لا تبقى منخذلة طويلا. فانطلق التجار يخوضون البحر من جديد ويبحثون عن أسواق جديدة خاصة في الشرق وأصبح القرطاجي مرة أخرى شخصا مألوفا في مواني البحر المتوسط حتى أن "بلوت" جعل منه بطلا لإحدى مسرحياته. ويظهر أن البونيقيين وجهوا جنودهم إلى إحياء الأراضي الإفريقية خاصة. فلقد فتح حنبعل الطريق لذلك في مدة حكمه القصيرة. فلما أتى "قاطون" إلى افريقية اندهش لخصوبة الأرض، ومن ذلك الوقت تزعم قاطون، ذلك الإقطاعي 153حوالي سنة المحدود المدارك العنيد مع ذلك، طبقة المزارعين الذين كانوا يسيطرون على مجلس يجب تهديم قرطاج) التي ربما زادت Delenda Carthagoالشيوخ للمطالبة بهدم قرطاج منافستها في حدة الأزمة المتمكنة من الفلاحة الرومانية في أوائل القرن الثاني.
عدد الصفحات ٥٩ش. جوليان تاريخ شمال إفريقيا 114115 ورجع إلى قرطاج ازدهارها بسرعة جعلتها تعرض على رومة قبيل حربها ل"أنتيوخوش أن تدفع حالا الغرامة الموزعة على أربعين سنة وتعرض عليها أيضا إعانتها بأسطول تصنعه لهذا الغرض. ولكن مجلس الشيوخ رفض عروضا كان من شأنها أن تجعل منه صنيعة الحكومة القرطاجية فتعسر عليه بذلك مراقبتها . 3 كانت تجد رومة في مسنيسا حليفا تشجعه على التوغل في أرض قرطاج للحيلولة تحجر على قرطاج الذود عن حياضها 201دون ازدهار الميناء الإفريقي خاصة وأن معاهدة بدون إذن من رومة. وكان ملك النوميديين أمهر من أن يهمل استغلال هذه الفرصة. وبما أنه يمكن له المطالبة بما قد ملكه من قبل أباؤه وأجداده من تراب قرطاج فقد كانت ذاكرته تكتشف في 193حقوقا قد جهلها والده "غايا" وذلك تبريرا لطلباته المتكررة. لذا شرع منذ سنة قطع لحم قرطاج إربا إربا ولم يكن الرومان ليعيروا أذنا صاغية لنداءات الضحية ولكنهم كانوا، عند أول بادرة تدل على المقاومة يثورون صيانة لجلالة المعاهدات المنتهكة. وكان رجال القانون المتصلبون يحقدون حقد التاجر الذي يرى أن الطرق صالحة ليجر بغريمه إلى الإفلاس. وفي مواقف الجدال كان مسنيسا لا يكترث بتبرير ما يقوم به من أعمال ولكنه ينحي باللوم على قرطاج بدعوى خرقها لبنود معاهدة كان يواصل التشهير بها أمام مجلس الشيوخ خشية التورط، ولذلك فقد كشف النقاب قبيل حرب مقدونيا الثالثة ) "برسيه" وقرطاج، واستغل ذلك ليفتك سبعين Perséeعن محادثات سرية بين الملك مدينة أو قصرا بونيقيا. فاحتجت قرطاج بشدة وطالبت بضمانات تجعل حدودها قارة، ولو أدى بها ذلك إلى التضحية من جديد. وكان مجلس الشيوخ يخشى حلفا بين قرطاج وملك مقدونيا فأقسم إنه لا يسمح لأي كان بأن يجرد قرطاج من أملاكها ولكنه ترك النوميدي حرا لمواصلة أعماله. ) أي جهة Emporia احتل مسنيسا الأراضي الخصبة (مراكز التجارة162وفي سنة سيرتا الصغرى وسيرتا الكبرى. فحاول السفراء الرومان بكل ما وسعهم من حيلة أثناء القيام ببحثهم أن يبرروا شرعية هذا التعدي كما أقر بذلك "تيت ليف" نفسه. ) التي كانت خيراتها تغري Campi magniوبعد ذلك بتسع سنوات أتى دور الدخلة منذ زمن بعيد الأغليد. وفي هذه المرة كان الأمر من الصعب تبريره. فأتى "قاطون" ومن معه في بطء شديد ليعاينوا أنه قد قضي الأمر ولم يعد في الإمكان منع الاحتلال (سنة ) غير أنهم أدركوا أن الإفراط في ضرب الحيوان يحمله على الغضب ويدفعه إلى 153 التكشير عن أنيابه 4 كون مسنيسا أنصارا في قرطاج نفسها. ولكن الشعب تعاظم شعوره بالحرية أمام الخطر واشتدت غريزة المقاومة فيه عنيفة. فحمل قائديه "عبد ملقرط السمني" أعدت المدينة 154و"كارتالو" على الإذن بطرد المشكوك في أمرهم، وابتداء من سنة أن قرطاج تقوم باستعدادات سرية فطالب 153العدة للقتال. ولقد ظن سفراء سنة "قاطون" بمحق قرطاج كرد فعل. غير أن حزب "شيبيون نازيكا" أقنع مجلس الشيوخ بأن يتوقف ذلك على قبول لجنة مراقبة. وساد أعضاء هذا المجلس الشعور بأنه يجب اعتبار خرق المعاهدة مدعاة لشن الحرب. أما في بلاد البربر فإن الأحداث كانت تسير سيرها المحتوم. فكانت الديبلوماسية البونيقية تسعى إلى إثارة المصاعب في وجه مسنيسا على حدود موريطانيا، وكان "كارتالو" يجوب نوميديا طولا وعرضا محرضا الليبيين على الثورة. فانضم قائدان بربريان رجل. وتقدم الأغليد 50000إلى العدو وتمكنت قرطاج في آخر الأمر من تجهيز جيش يعد حولا وقادهم إلى النصر (سنة 88النوميديين في ساحة الوغى راكبا فرسه وقد ناهز ) وكانت بعثة رومانية تستعد للتدخل فيما إذا انتصرت قرطاج وقال: إن شيبيون 150 الإيميلي كان يبحث قبل ذلك عن الفيلة وشاهد المعركة من أعلى هضبة بدون أن يحرك ساكنا. ) وتعهدت بأن تدفع غرامة Campi magniفاضطرت قرطاج إلى التخلي عن الدخلة
عدد الصفحات ٦٠