ش. جوليان تاريخ شمال إفريقيا 6465 ولقد حافظت قبائل الرعاة على ملكية الأرض الجماعية. ولا بد أن وجدت شيوعية في الميدان الفلاحي تتمثل إما في قسمة ثمرة عمل الجميع بين أفراد المجموعة أو في توزيع الأرض بين العائلات بصفة وقتية. ولا نعرف بالضبط الظروف التي تكونت فيها الملكية الخاصة التي يلاحظ وجودها في عهد ملوك البربر. ولم تضمحل سكنى الكهوف مع اضمحلال عصور ما قبل التاريخ بل بقيت في بعض الجهات إلى أيامنا هذه. غير أن الكهوف (افري)، بحكم استقرارها، لا تلائم مربي الحيوانات الذين كانوا ينتقلون من مكان إلى آخر بمواشيهم. ولهذا فهم يقبلون على المنازل المتنقلة وهي نوع من الأجهزة يمكن فكها جزءا جزءا تغطى بالحصر. ونجد شبيها لها في بعض جهات الصحراء. وهي تشترك بدون شك مع بعض المنازل البسيطة الأخرى ) أما الحضر فإنهم يسكنون إما في أخصاص من فروع الشجر Mapaliaفي اسم مباليا تميل إلى الطول، أوفي أكواخ مربعة من حجر أو طين جاف. ولقد أنشأ البربر لحماية ثرواتهم من النهب ملاجئ، وهي نوع من القصور أو القلاع يحرسها رجال مسلحون، أو هي في بعض الأحيان أبراج فيها يقيم سيدهم منزله بمكان وعر ويودع كنوزه ويشيد أهراءه. وكانوا يتجمعون في قرى تتكون من تكاثف الأكواخ في أماكن لائقة صالحة أعدها القوم. وهذه القرى والأحياء التي اعترضت طريق الرومان والتي ). ولم توجد المدن إلا من وقت استعمار Castellaيعدونها بالمئات سميت عندهم كست ). Oppidaالفينيقيين، ولقد سميت باللاتينية أوبيدا - طعامهم ولباسهم وأسلحتهم:3 اشتهر البربر في كل العصور بقوة بنيتهم وطول أعمارهم. والواقع أن الذين لا يزالون إلى اليوم يثبتون إزاء هذا التبذير المريع للأنفس البشرية هم من طينة ممتازة. إنهم كانوا قنوعين ونباتيين في غالب الأحيان. وقد كان الفلاحون يأكلون الكسكسي منذ ذلك العهد ومربو المواشي قليلا ما كانوا يذبحون حيواناتهم بل يكتفون بلبن المعز. وكانوا يؤثرون الصيد والحلزون، والعسل ولا يشربون إلا الماء. وكان البربر القدماء يسيرون حاسري الرؤوس قد أسبلوا شعورهم على آذانهم ونضدوها لولبية الشكل متوازية أو أبقوا خصلة منها زاهية في أمهات رؤوسهم المحلوقة، وكانت لهم دائما اللحى الملسنة. وبعد أن كانوا يكتفون بستر عوراتهم أو يتزرون بإزار -إذا هم لم يعيشوا عراة تماما- اتخذوا لأنفسهم جلود الحيوانات وقاية من البرد ثم استعملوا عباءات من الصوف شبيهة "بالكردون" ومعطفا شبيها بالبرنس. وظلوا دهرا طويلا يضعون على رؤوسهم إكليلا من الريش يظهر اليوم في الصخور المنقوشة. وبعد حجرات ما قبل التاريخ التي بقيت مستعملة طويلا أصبح الدبوس سلاحهم ). ثم بعد ذلك استعاضوا عن السيف بالقوس boomerangالمضل وربما العصا القاذفة وخاصة الحربة اللذين كانوا يقاتلون بهما، وقد شدوا إلى أيديهم سكينا لذبح أعدائهم وإذا هم اضطروا إلى سلاح دفاعي احتموا بترس خفيف من جلد الفيل يصير غير صالح للاستعمال إن بلله المطر. - الحلي والفن: 4 ) وأدواته المذنبةamandesكان إنسان ما قبل التاريخ يعطي لحجارته المنحوتة اللوزية وفؤوسه المصقولة أشكالا متناسبة منسجمة. فكان يصور بأظافره، ثم بآلات حادة من الصوان والعظام نقطا متتابعة وخطوطا منكسرة وخطوطا منحرفة عديدة. وكان يزخرف بيض النعام ويصنع الدرر والأقراط ويزركش الصخور بنقوش عديدة كما رأيناه سابقا. وكان البربر يتزينون بالحلي نساء ورجالا. فالرجال يضعون أقراطا في آذانهم والنساء خلاخل في أرجلهن، وكان جميعهم يحملون أسورة وقلائد. ولم يعرفوا رغد العيش في البيت إذ كانوا على الأرض أو على المصاطب المبنية، ولم يكن لهم من المتاع إلا آنية من الفخار زينتها الهندسية موجودة إلى يومنا هذا في آنية الخزف ببلاد القبائل. والبربر شأنهم شأن الأمم البدائية كانوا يعتبرون الفن ظاهرة اعتيادية للحياة لا متعة للنخبة.
عدد الصفحات ٣٤اع إلا آنية من الفخار زينتها الهندسية موجودة إلى يومنا هذا في آنية الخزف ببلاد القبائل. والبربر شأنهم شأن الأمم البدائية كانوا يعتبرون الفن ظاهرة اعتيادية للحياة لا متعة للنخبة. وكانوا لا يزخرفون إلا الأثاث المستعمل عادة اللهم إلا الحلي التصل أصلها القديم بالسحر. والمرأة فنانة أكثر من الرجل في غالب الأحيان فهي التي تزخرف آنية الخزف أو تنسج الزرابي. ولا يستمد الفن البربري نماذجه من الطبيعة، بل هو يتعلق بالزينة ذات الأشكال الهندسية ولا يستعمل الخطوط المنحنية إلا نادرا وبدون براعة إلا أنه غير عاجز عن التقليد، إذ هو يصنع دمى للسحر صورها بشرية خالصة. وهذا الفن الهندسي الرتيب في الظاهر والذي ربما يحمل في طياته ما يعبر عن مختلف مراحل تطور ما يرجع إلى عصور قديمة جدا. ويتصف بحيوية ممتازة إذ هو صمد في وجه مظاهر الفن الأخرى
عدد الصفحات ٣٤ش. جوليان تاريخ شمال إفريقيا 6667 وخاصة عند اتصاله بالفن الإسباني المورسكي. وبقيت النون كالأدوات هي هي لم تتغير، ولعل النساء هن اللاتي حافظن على تقاليد الفن المنزلي العريقة التي لم تأت عليها الاضطرابات والغزوات. - اللغة الليبية: 5 كان البربر يتكلمون لهجات ليبية من المحتمل أن يكون أصلها البعيد هو أصل اللغات السامية. واللغة كانت ولا تزال عندهم أداة مشافهة وقد قال باسي "ولا نعلم البتة أن البربر أقاموا مدينة تعتمد على الكتابة أداتها لغتهم" غير أنهم كانوا يحذقون كتابة بقي أصلها مجهولا وربما كانت فينيقية احتفظ علم الخطوط بآثارها (واكتشفت حتى كتابة وتؤكد حروف شبيهة بحروف خط الطوارق الحالي (التيفيناغ) قرابة بين 1125الآن حروف اللغتين. غير أنه تعذر إلى حد الآن قراءة الخطوط الليبية بالرغم من أنه يوجد لدينا ما يماثل عشرين منها في البونيقية واللاطينية. وكتابة الوحيدة المؤرخة جاءت في لغتين وتوجد في توقة (دقة في العهد الروماني) وتوافق السنة العاشرة من حكم ميسبسا قبل المسيح) ولا يمكن الجزم بأنه توجد شواهد أقدم للكتابة البربرية. 139( - الدين6 كان الأفارقة يعبدون الجماد والحيوان، ولكنه من الصعب في غالب الأحيان أن نميز ب ما ابتكروه من الطقوس وبين ما ورد عليهم من الخارج، وخاصة من مصر أثناء العصور النيوليتية بالخصوص. إن الجن الذي كان معششا في العقلية المغربية أولد آلهة محلية لم يزل البربر يعبدونها حتى العهد الروماني. ثم استعاروا فيما بعد آلهة مصر وقرطاج ورومة أو استعاضوا بها عن آلهتهم. وكان لهم في القرن الأول قبل المسيح آلهة تحميهم تسمى "أفريكا" رأسها مغطى بجلد الفيل. وكانوا يتعبدون بالخصوص في المغارات أو في الأماكن العالية أو بالقرب من العيون والأشجار المقدسة بدون أن يحتاجوا إلى تماثيل أو معابد أو كهنة. وعلاوة على المواكب القديمة التي يتعاطون فيها السحر ) L’incubationفإنهم عمدوا إلى التضحية والعرافة المعتمدة على النوم فوق القبور وإلى تنبؤات النساء. - دفن الأموات: 7 ترك الأفارقة الكهوف الطبيعية المستعملة في عصور ما قبل التاريخ، وحفروا في الصخور قبورا مربعة مدخلها عمودي شبيهة بالمساكن، وتسمى الحوانيت، محدودة المساحة عادة، وفيها يضعون موتاهم. ويعتقد سولينياك كما رأينا أن كيفية تنظيم الحوانيت خاضعة إلى التأثير الإيجي. ويرجع أمر هذه الحوانيت إلى العصور البعيدة، وربما سبقت الألف الأولى قبل المسيح كما يرى ذلك ستيفان قزال. وبعد أن كانوا في عصور ما قبل التاريخ يودعون موتاهم الخيام في الهواء الطلق أصبحوا يدفنونهم بعيدا عن الأماكن المسكونة تحت رجام مخروطة الشكل من الحجارة كلها، أو نصفها من حجارة ونصفها من تراب، وتسمى بازينة، وهي رموس بربرية صرف م. ، وفيها تخبأ العظام عادة في صندوق مكون من صفائح. 150يبلغ حجم بعضها ويدفنونها تحت مصاطب أغلبيتها مكونة من صفيحة واحدة. وغالبا ما تغطى كلها أو قسم منها برجام مخروطة الشكل. ويودعونهم أيضا " شوشات" وهي قبور اسطوانية الشكل متفرعة عن المصاطب. وهذه القبور المبينة من مدر، وخاصة المصاطب، لا بد أنها تنتسب إلى نماذج قديمة جدا ولا شك أنها من عصر نيوليتي. غير أن هذه الشعائر نفسها تواصلت قرونا عديدة وخضعت إلى تطور محتوم كما تدل على ذلك المقارنة بين ) في واد ورك ( جنوب مقاطعة الجزائر )، وفي Roffoالمقابر التي اكتشفها الدكتور روفو عين حمارة (جنوب وادي جلال). ويغلب على الظن أن مقابر واد ورك سبقت ميلاد المسيح، أما الأخرى فقد تكون معاصرة للقرن الثالث أو الرابع بعد المسيح. وكانوا في غالب الأحيان يدفنون أمواتا كثيرين في القبر الواحد بعد أن يطووهم أو يجردوهم من لحومهم ويخلطوا عظامهم. ورغم المؤثرات الخارجية فإنهم لم يكونوا يدفنون الميت ممددا إلا نادرا، ولكنهم قلدوا القرطاجيين واليونان فحرقوا في بعض الحالات
عدد الصفحات ٣٥د بعد أن يطووهم أو يجردوهم من لحومهم ويخلطوا عظامهم. ورغم المؤثرات الخارجية فإنهم لم يكونوا يدفنون الميت ممددا إلا نادرا، ولكنهم قلدوا القرطاجيين واليونان فحرقوا في بعض الحالات الاستثنائية بعض موتاهم ابتداء من القرن الثالث قبل المسيح. وعادة تلوين الميت بالمغرة امتدت من عصور ما قبل التاريخ إلى القرن الثاني، وكانوا يضعون بجانب الميت أثاثا متواضعا وحليا، وآنية بلورية وخاصة خزفية إن أمكن ذلك. واتجاه القبور صوب الشرق والصحون المملوءة زادا والمتروكة على ذمة الجثث وكذلك ) فإنها تشير rigoles à libations des dolmensأحواض الاغتسال التابعة للمصاطب كلها إلى إيمانهم باليوم الآخر أما طي الأجسام وخلط العظام فربما يترجم عن فزعهم من رجوع الموتى. ) La famille agnatique - العائلة الأغنية8 إن كثرة الأدوات والأسلحة وأصداف الحلزون في مراكز عصور ما قبل التاريخ تدل على
عدد الصفحات ٣٥ش. جوليان تاريخ شمال إفريقيا 6869 أنه كان للأفارقة حياة اجتماعية منذ أقدم العصور. والخلية الأصلية في المجتمع البربري هي العائلة "الأغنية" وهي العائلة التي تقوم على ذكور من سلالة واحدة. وتعدد الزوجات هو الذي يعلل كثرة الولادات الخارقة للعادة. وما قيل من أن النساء كن مشاعات بينهم إنما هو أسطورة ربما استمدت وجودها مما كان يتمتع به مالك لقبيلة شرقية الموطن من حق افتراع الأبكار ليلة عرسهن، ومن عادة البغاء المقدس. وقد أطنب " فرازر" في إقامة الدليل على أن مثل هذه العادات لا يمكن اعتبارها مجونا بل ضربا من السحر المحبب إلى النفوس. ذلك أن البدائيين يعتقدون أن قران الأزواج جسديا يجب أن يتم حسب طقوس مضبوطة لضمان خصوبة الأرض والبشر والحيوان. ولكبير القوم سلطة مطلقة على كافة أفراد العائلة " الأغنية" ولكل أب نفوذه على أفراد عائلته هو، فيخص نساءه بالأشغال الحقيرة، ويبيع بناته إلى من يقدم له أغلى الأثمان، ويزوج أبناءه بمن يشاء ويبقيهم تحت نفوذه. فإذا مات الشيخ لا يرث النفوذ أكبر أبنائه سنا بل يرثه أكبر أفراد العائلة كلها. وهذا النظام يسمى اليوم تانستري ( من الارلاندية تانيز بمعنى الثاني ) ونجده متبعا عند ملوك الوندال والبايات في تونس. - جمهوريات القرى والقبائل: 9 إن ضرورات الحياة الراعوية والفلاحية حتمت نشوء مجموعات أوسع وأقوى من العائلة "الأغنية"، فأهل النجعة يتحدون للحفاظ على الأراضي التي يمرون منها. وأهل الحضر المتعاطون للفلاحة يشيدون القرى لصد هجومات أعدائهم الألداء وهم البدو. وقد assembléeأصبحت هذه القرى جمهوريات صغيرة خاضعة لسلطة مجلس الشيوخ ) هو نموذج الجماعة في بلاد القبائل يدير الشؤون المشتركة ويعاقب gérontocratique المتمردين حسب قوانين عرفية ( القانون في بلاد القبائل، والأزرف في المغرب الأقصى ومن فوق العائلات "الأغنية" ومجموعات العائلات الراعوية وجمهوريات القرى توجد القبائل التي هي عبارة عن دول صغيرة وحدت صفوفها للدفاع والهجوم (ستيفان قزال). وتحتفظ مجموعات العائلات "الأغنية" باستقلالها حتى ضمن القبيلة وتوفد نوابا عنها لمجلس مشترك. ولكن عندما تضطرم الحرب تختار القبيلة قائدا يسعى إذا هو نجح في مهمته إلى الانفراد بالحكم وجعله وراثيا. والقبائل تنهار أو تنتصر وتنتشر أو تنكمش كما تشاء صدف الحرب. وكثيرا ما تأكل أجزاء القبيلة بعضها بعضا نتيجة لقيام شيع وأحزاب متنازعة داخلها، وهي الصفوف (المفرد الصف، وهو اللف بالمغرب الأقصى ) وتتحد أحزاب بعض القبائل مع أحزاب قبائل أخرى قد تكون لا تعرف الاستقرار. ولا نزال نجهل كل شيء تقريبا عن توزع القبائل جغرافيا قبل الاحتلال الروماني. - اتحاد القبائل والاغليد: 10 قد يجمع بعض القواد قبائل عديدة تحت سلطانه بماله من هيبة أو عن طريق القسر والغلبة أو أصبح اغليدا لها أو كما يقال ملكا عليها. والغالب على الظن أن الممالك البربرية تكونت على هذا النحو قبل الدول التي يرتبط تاريخها بتاريخ قرطاج ورومة. واتحادات القبائل أقل استقرار من القبيلة نفسها. فالملك يفرض من دون شك سلطته على بلاد المخزن التي تشتمل على سكان المدن والحضر المقيمين في السهول وتمتد أو تضيق بحسب سلطانه. أما بلاد الصبا المشتملة على سكان الجبال وقسم من البدو فكثيرا ما تفلت من قبضته. وفي غالب الأحيان تتخلى عنه بعض القبائل وحتى القبيلة التي ينتسب إليها بعد أن أنهكتها الحروب التي تحملت العبء الأكبر منها أو أضنتها اللذات التي أتاحتها لها ثرواتها فتدفع بموته ثمن انتصارها. إن سلطان الملك على قدر هيبته، فهو يستعين في ممارسة الحكم لا بموظفين رسميين بل بأقاربه أو خدمه، ويستشير وجوبا رؤساء القبائل الذين يقام لآرائهم وزن يتناسب مع عدد رعاياهم. فإذا ما غضبت عليه القبائل شقت عصا الطاعة في وجهه وقلته. ولذا
عدد الصفحات ٣٦حكم لا بموظفين رسميين بل بأقاربه أو خدمه، ويستشير وجوبا رؤساء القبائل الذين يقام لآرائهم وزن يتناسب مع عدد رعاياهم. فإذا ما غضبت عليه القبائل شقت عصا الطاعة في وجهه وقلته. ولذا فإن سياسته كانت ترمي دائما إلى تفريق صفوف المعأرضين. إن الملك وقبل كل شيء قائد تنضوي تحت لوائه بصفة مستمرة جيوش تمده بها قبيلته وخاصة الفرسان، وفي الأوقات العصيبة يجند عدد من "الڤوم" من القبائل الأخرى، وهم جنود من الطراز الأول، ولكن سلاحهم ناقص، وخضوعهم للنظام مرتبط بتقديرهم الشخصي للمنافع التي تنجر عن المعركة التي زج بهم فيها ملكهم. والمشكلة المالية هي أكثر المشاكل استعصاء عن الحل، فالسلط المحلية تستخلص لا محالة الأداءات على المحصول الفلاحي وعلى الماشية عرضا في القبائل والقرى، وعينا في المدن، ولكن الملك كثيرا ما كان يكتفي بالهدايا التي تقدمها عن طواعية القبائل المنيعة، أو يجبي الضرائب بواسطة "الحركة" التي تعمد في نفس الوقت إلى نهب الجهات المترددة. ولا توجد أي مساواة في توزيع الضرائب. إن الكثير من المؤسسات والعادات الإفريقية كان يوجد ما يماثلها في بلدان أخرى من البحر المتوسط، ولكن بعض البلدان مثل "غوليا" سرعان ما غيرتها بإضافة عناصر
عدد الصفحات ٣٦ش. جوليان 70 خارجية إلى تراثها الذاتي. أما بلاد المغرب فقد بقيت هي هي غيورة على شخصيتها وخضعت إلى السيطرة المادية لشعوب أجنبية من دون أن تتأثر بروحها. ورغم ذلك فإن تأثير قرطاج التي اتصل بها بعض البرابرة في أول الأمر فقط طبع مظاهر تفكيرهم وعاداتهم بطابع لم يمح حتى بعد سقوطها. الباب الرابع قرطاج - التوسع القرطاجي1 - الحروب البونيقية2 - المدنية القرطاجية3
عدد الصفحات ٣٧ش. جوليان 70 خارجية إلى تراثها الذاتي. أما بلاد المغرب فقد بقيت هي هي غيورة على شخصيتها وخضعت إلى السيطرة المادية لشعوب أجنبية من دون أن تتأثر بروحها. ورغم ذلك فإن تأثير قرطاج التي اتصل بها بعض البرابرة في أول الأمر فقط طبع مظاهر تفكيرهم وعاداتهم بطابع لم يمح حتى بعد سقوطها. الباب الرابع قرطاج - التوسع القرطاجي1 - الحروب البونيقية2 - المدنية القرطاجية3
عدد الصفحات ٣٨73 I 1 إن الاستعمار الفينيقي الذي دخلت بلاد البربر بفضله في التاريخ لا نعرف من طوره الأول إلا ما تفيدنا به روايات مشكوك في صحتها. وإذا اعتمدنا بعضها فإن أهل صور ) يكونون قد أسسوا مراكز تجارية على السواحل الإفريقية منذ القرن الثاني Tyriens( عشر قبل المسيح نذكر منها أوتيكة على الساحل الغربي من خليج تونس وذلك سنة ) الشبيهة بقادس في نفس الفترة وعلى الساحل Lixus كما نذكر لوكسيس1101 . إلا أن ما يثير الاستغراب1110الأطلسي للمغرب الأقصى. ويقال: إنها تأسست سنة على ما يبدو، هو أن يؤسس الفينيقيون هذه المراكز البعيدة قبل أن يضمنوا الأساكل التي تسيطر على مدى نشاط ملاحتهم كل ثلاثين كلم تقريبا. ولعل المصادر القديمة المتعلقة بتاريخ الاستعمار الفينيقي لم تميز دائما - كما يعتقد ذلك ب. سانتاس - بين طور التعرف والاكتشاف الذي يفسح المجال لتجارة غير منتظمة وبسيطة نسبيا، وبين طور الاستعمار الحقيقي الذي تؤسس فيه المراكز التجارية القارة. وإذا بلغ البحارة الفينيقيون -كما هو محتمل جدا- سواحل المحيط الأطلسي منذ القرون الأخيرة من الألف الثانية قبل المسيح، بحثا عن ذهب السودان من جهة، وعن ) التي تصل طرقها إلى Vannetaisفضة اسبانيا وقصدير جزر الكسيتيريد (جهة فان "ترشيش" قرب مصب الواد الكبير من جهة أخرى، فإن الاستعمار الفينيقي -على ما يبدو- لم تتوطد أركانه إلا شيئا فشيئا من الشرق إلى الغرب. ولقد استقر الفينيقيون في أول الأمر على سواحل "سرتا" ثم أقاموا في قرطاج من دون شك قبل أن يؤسسوا مستعمرات حقيقية. وهذا ما تؤيده الرواية التي نقلها ديودورس الصقلي نستنتجه أيضا من أنه لا يوجد قبر واحد من القبور البونيقية المكتشفة إلى هذا اليوم على السواحل الجزائرية المغربية أقدم من القرن الخامس أو القرن السادس على أكبر ) على بعد سبعين كلم غربي الجزائر. Tipasaتقدير ( في تيبازة
عدد الصفحات ٣٩ش. جوليان تاريخ شمال إفريقيا 7475 أوائل قرطاج إن قرطاج لعبت دورا عظيما في تاريخ إفريقيا الشمالية. إلا أنها قبل أن تبز المراكز ، لم 332الفينيقية الأخرى وتصبح عاصمة بعد ما كان من تقلبات صور وخرابها سنة تكن في أول أمرها سوى إسكلة متواضعة بين سائر مراكز التموين الأخرى. وقد كشفت بصلامبو في منطقة قرطاج القديمة 1947 إلى1944الحفريات التي تواصلت من سنة على معبد يرجع عهده إلى ما قبل الطور القرطاجي. وما وجد فيه من أشياء لا يترك مجالا للشك في وجود بحارين شرقيين في هذه الجهة منذ آخر الألف الثانية أو أولى قبل المسيح. إن بعض المستعمرين القادمين من "صور" وقبرص الذين تعتبرهم الأسطورة في عهد الملك بغماليون 814-خطأ على ما يبدو- لاجئين هم الذين أسسوا حوالي سنة "قرط حدشت" أي مدينة حديثة، في الخليج الذي تنصب فيه مياه واد مجردة وواد مليان ملتقى جانبي البحر الأبيض المتوسط. ويقال: إن أخت "بغماليون" عليسة (أو ديدون) ملكة "صور" هي زعيمتهم، إلا أن وجودها وإن كان ممكنا فهو مشكوك فيه. إن وضع قرطاج الجغرافي كان يساعد على التوسع الإفريقي والتبادل مع العالم الشرقي أو الغربي. وكذلك كان لوضعها العسكري مزايا هامة لأنها أقيمت كغالب المدن الفينيقية، في رقعة من الأرض متوغلة في البحر لا يربطها بالبلاد إلا قطعة مستطيلة تفصل بين بحيرة تونس التي كانت صالحة للملاحة وسبخة أريانة وبذلك كانت تتحدى حصار الأعداء مثل "صور". لقد كانت قرطاج متواضعة في أول تاريخها، تدفع الخراج وتقدم الهدايا لمعبد هرقليس "الصوري" مما جعل بعض المؤرخين يرون هذا العمل الذي قد لا يكون سوى مظهر للتقوى دليلا على خضوعها لصور. وواصلت قرطاج دفع الضرائب السنوية الليبيين طيلة ثلاثة قرون ونصف من غير انقطاع يذكر. إلا أن هذه المدينة بفضل هيبة طبقتها الارستقراطية ومهارتها، وخاصة بفضل ما اتصفت به عائلة "ماغون" القوية من روح المبادرة، استغلت انحطاط "صور" وفرضت شيئا فشيئا حمايتها على المدن الفينيقية ثم ما لبثت أن سيطرت عليها. وينبئ الأثاث الذي عثر عليه في قبور القرن السابع على اتساع مجالها التجاري وتضخم ثرواتها حتى ) ( إبيسا ). Pityuse من إرسال معمرين في جزيرة "بتيوز654أنها تمكنت سنة ولعل تناقص الذهب والتحف الفنية في قبور القرن السادس يدل على تضاؤل ازدهار قرطاج، ذلك أن اليونان كانوا يبسطون نفوذهم في ذلك الوقت على غربي البحر الأبيض المتوسط. وقد أصبح الفرس يسيطرون على "صور" ومصر وقريني. لكن قرطاج ردت الفعل بشدة، ووجدت من الزعماء البارزين من أعانها على بسط استعمارها الناشئ، مثل "مالكوس" الذي حارب في صقلية وسردانيا و"حقق أشياء عظيمة ضد الإفريقيين" 550على حد تعبير يوسطينوس ثم ختم نشاطه بافتكاك الحكم حوالي سنة وتمكنت قرطاج من طرد "الفوسيين" من جزيرة كرسيكا بإعانة "الاتروريين" بعد ). واستعانت بالليبيين 535انتصارها البحري بألاليا (أليريا في الساحل الشرقي حوالي في آخر القرن السادس لطرد "دوريوس" وهو ابن أحد ملوك سبارتا أقام إمارة في ليبيا طيلة سنتين، بين سبرتا الصغرى سبرتا الكبرى واضطر إلى الالتجاء إلى صقلية حيث انهزم تحت ضربات القرطاجيين والسجستيين. 2 لم تكن قرطاج من القوة بحيث تستطيع أن تمنع استعمار اليونان لصقلية. واقتصرت على الانتصاب في القسم الغربي من الجزيرة بما فيه مدينة "بالرمو" (بانورم) و"سولنت" كستلودي سولانتو شرقي بالرمووموتيه (في جزيرة سان سنتليو بالقرب من سواحل ليليبي ) ولكنها ما كان يمكنها أن تبقى مكتوفة الأيدي أمام زحف منافسيها الناشطين. ) وجعل منها أغنى 485وكان الطاغية "جيلون" الذي استولى على "سرقوسة" (سنة ) Agrigenteمدينة في العالم الهيليني، يعتمد على تحالفه مع مدينة "أقريجنتي التي أخضع طاغيتها "تيبرون" البلدان الواقعة بين بحر ليبيا وبحر التيرهني وبذلك
عدد الصفحات ٤٠ذي استولى على "سرقوسة" (سنة ) Agrigenteمدينة في العالم الهيليني، يعتمد على تحالفه مع مدينة "أقريجنتي التي أخضع طاغيتها "تيبرون" البلدان الواقعة بين بحر ليبيا وبحر التيرهني وبذلك تكونت جبهة يونانية شديدة على الفينيقيين سياسيا وخاصة اقتصاديا. ويظهر أن الأزمة اشتدت شيئا فشيئا في طي الخاء طيلة سنوات عديدة قبل أن . فقد نزل الجيش "ببانورما" ومنها إلى 480تؤول إلى الغزوة القرطاجية العظمى سنة ) Talents وزنة أوبية2000هيمير حيث محقته قوى الطاغيتين المتحدة. فدفعت قرطاج غرامة ثم رجعت من حيث أتت هي وحلفائها من "ريجيون" و"سيلنونت". ويقال إن معركة هيمير التي تحطمت فيها المطامح الفينيقية جرت في نفس اليوم الذي وقعت فيه معركة "سلامين" التي وضعت حدا لزحف الفرس. وتسرع المؤرخون فافترضوا أن القرطاجيين والفرس كانوا متحدين ضد اليونان. وأقرب الظن أن ذلك كان محض صدفة. 3 يظهر أن ما اكتشف من آثار القبور بعد هذه النكبة يدل على أن قرطاج اضطرت
عدد الصفحات ٤٠ش. جوليان تاريخ شمال إفريقيا 7677 إلى وضع حد لهيمنتها البحرية والانطواء على نفسها. وفعلا كانت مرسيليا حائلا دون مواني بلاد "غوليا" و"اسبانيا"، وكانت كورسيكا تابعة لحلفائها الاتروريين. أما صقلية فقد كان معظمها خارجا عن نفوذها. فلعلها وجهت جهودها نحو الأرض الإفريقية. ذلك أنها أخذت في النصف الثاني من القرن الخامس تغزو على حساب الليبيين جهات اقتطعت فيها طبقتها الارستقراطية أراضي فلاحية، كما أخذت تجند المرتزقة. إلا أن توسعها العنيف أثار ردود فعل شديدة فقد والى البربر في القرن التالي ثوراتهم وعبروا إزاء البونيقيين عن تعلقهم بالاستقلال الذي اصطدم به جميع الغزاة. وكان توسع قرطاج منذ أواسط القرن السادس من عمل الماغونيين بالخصوص وتوصلت الطبقة الارستقراطية -التي تهتم بما توره التجارة من أرباح أكثر من اهتمامها بالانتصارات الحربية- إلى التخلص منهم بعد أن خضعت لنفوذهم طيلة قرن كامل من الرجوع إلى سياستهم التوسعية في 409). إلا أنها مكنتهم سنة 450(حوالي صقلية. ولكن لم يكن لقوادهم الجرأة الكافية ولم يكونوا جادين في الغزو، فلم يستغلوا انتصاراتهم الكبرى ورضوا بمعاهدات صلح توطد استعمارهم. 4 خصومات المدن اليونانية فاستباح سيلينونت 480واستغل حفيد المهزوم سنة ). فثارت سرقوسة على أرستقراطيتها العاجزة واتخذت 406) ثم أقريجنتي409وهيمير زعيما أوحد من أصل متواضع وهو دونيس الذي سعى إلى تطعيم القوى الهيلنية الواهية بما لأهل سيكول ورعاع الايطاليين من طاقات جديدة. ولم يقهر البونيقيين تماما إلا بعد أربعة حروب. فقد انهزم أول الأمر في وقائع كثيرة واضطر أمام عنف هجومات البونيقيين الشديدة إلى التخلي عن مدينتي جيلة وكمارين، وإلى منح ليونتيني ومسينا وانتقم من مدينة 408) ثم حصن سرقوسة وأعاد الكرة سنة409استقلالهما (سنة "موتية" أفظع انتقام. فحولت قرطاج عاصمة ممتلكاتها الصقلية إلى ليليبي (مرسالة) وشنت بجيوشها الجرارة حربا انتقامية. فاستولت على مسينا وكادت تفتح سرقوسة، ولكن الطاعون نال من جيوشها. وكلل أحد هجومات دونيس المعاكسة بالنجاح فاضطرت إلى دفع وزنة أوبية غرامة وإلى التخلي عن سيلينونت وهيمير وتسليم مرتزقتها الليبيين أو 300 ). ولكن الحرب ما لبثت أن اشتعلت نيرانها من396الإسبانيين للفتك أو الاستعباد ( سنة جديد فاستمرت حتى موت الطاغية تتخللها فترات هدنة متفاوتة الطول. 5 ) من خصومات لأجل الحكم ومن تصدع367اغتنمت قرطاج ما تبع موت دونيس إمبراطورية سرقوسة لاسترجاع "أقريجنتي" و"جيله" إلا أنها تقهقرت من جديد إلى ما وراء حاليقوس بعناصر جديدة من بين المستوطنين اليونانيين وأحجمت عن الهجوم على صقلية من ) الذي أصبحت تخشى 332جديد بعدما رأت ما رأت من سقوط صور على يد الإسكندر هجومه على افريقية ولكن أحد قوادها لم يتمالك عن التدخل في خصومات الأحزاب التي كانت تتنازع سرقوسة فدفع بابن أحد العمال إلى الحكم وكان جاهلا ولكنه ذو حزم ).317وعزم اسمه أغاثوكل (سنة ولم ترض الارستقراطية القرطاجية عن الإعانة التي منحت إلى هذا القائد المنحدر من الشعب والذي بادر منذ توليه الحكم بإعدام الأقلية الحاكمة وفسخ جميع الديون ) فهاجمته بأساطيلها وجيوشها انتصرت عليه وحاصرت 314وتوزيع الأراضي (سنة سرقوسة. ولكن أغاثوكل لم يكن بالرجل الذي تفت في عزيمته الهزيمة. فلما انهزم في صقلية حاول خداع أعدائه وتجرأ على محاربتهم في ديارهم. من 14000فقد تخلص من الحصار وتمكن من النزول في جنوب الوطن القبلي على رأس بلدة منها حضرموت (سوسة) 200) ثم صرف أسطوله واستولى على310رجاله (سنة حسبما يروى. ولكن قرطاج لم تتأثر بما قام به من غزوات طيلة عام كامل، إذ كانت بأسوارها وبتزودها عن طريق البحر في مأمن من خطر الحصار. وعندئذ أغرى أغاثوكل أوفيلاس المقدوني الذي أسس في قريني إمارة مستقلة عن ملك مصر ووعده بأن يمكنه
عدد الصفحات ٤١وات طيلة عام كامل، إذ كانت بأسوارها وبتزودها عن طريق البحر في مأمن من خطر الحصار. وعندئذ أغرى أغاثوكل أوفيلاس المقدوني الذي أسس في قريني إمارة مستقلة عن ملك مصر ووعده بأن يمكنه من أن يكون على رأس إمبراطورية افريقية أرسل إليه المرتزقة من اليونان. وسرعان ما تخلص أغاثوكل منه وأفسد عليه جنوده. وتمكن من مضاعفة عدد جنوده ومن الاستيلاء على أوتيكة وهيبودياريتوس (بنزرت) واحتلال كامل تراب القرطاجي. وأسس دور صناعية ).309 - 308ليربط الصلة بصقلية ثم إنه أدرك أن لا مخرج له من هذا الغزو فعدل عن إرهاب قرطاج والتحقق بصقلية ثم اضطر بعد سنة إلى العودة وحاول بدون جدوى تفادي الكوارث التي عقبت رحيله. ثم آل به الأمر إلى التخلي عن جنوده والهروب بمفرده كما فعل بعده بونبارت في مصر. ففتك جيشه بأبنائه وباع لقرطاج الأراضي المحتلة. إن فعلته الجريئة التي يبدو أنها ختمت بالانهيار لم تخل من عواقب. وأنه لم يحرص
عدد الصفحات ٤١ش. جوليان تاريخ شمال إفريقيا 7879 على الاستيلاء على قرطاج بل أراد أن تكون له اليد الطولي في صقلية. فقد رضي 100.000 وزنة أوبية و150البونيقيون بإبرام معاهدة صلح معه ودفعوا له غرامة قدرها هكتوليتر من القمح وملكوه على القسم الشرقي من الجزيرة كما أعادوا له حدود ) ومات أغاثوكل قبل أن يحقق ما كان يعتزمه من احتلال لافريقية 306حاليقوس (سنة ) ولا Regulus) غير أنه فتح الطريق لأعداء قرطاج وسوف لا ينسى ريقولوس289(سنة شيبيون الإفريقي هذه السابقة. 6 واغتنم البونيقيون فرصة الحروب المدنية التي تبعت موت أغاثوكل للتدخل من جديد في صقلية فحرروا المدن المحتلة وأرجعوا سرقوسة إلى حدودها الأصلية. أما المامرتانيون أي المرتزقة الايطاليون فلم يرجعوا إلى "كمبانيا" بعد أن اضطروا إلى الجلاء عن سرقوسة وتمكنوا من الاستيلاء على مسينا، ومنها قاموا بهجوماتهم حتى صقلية الغربية. لقد كانت قرطاج تؤمل فتح جزيرة صقلية كلها. فبينما كان المغامر الجريء إيبيروس ) يحارب في ايطاليا أمضت اتفاقية مع رومة نعترف لها فيها بسيطرتها Epireملك إبير ) Pyrihosعلى صقلية. وبينما كانت تحاصر سرقوسة استنجد القواد المحاصرون ببيروس فتخلى الملك " ايير" عن عدد من الممتلكات البونيقية في ليليبي وفكر في نقل الحرب إلى افريقية نفسها ولكنه مني بهزيمة عسكرية، واصطدم بثورات الصقليين، فخاب ). فما لبثت قرطاج أن بسطت نفوذها من جديد على 275ظنه ورجع إلى ايطاليا (ربيع غربي الجزيرة واستغلت قلاقل سرقوسة الداخلية والأزمات الواقعة بين أهل سرقوسة ) والجزر Lipariوالمامرتيين، فأقامت ثغورا على طول سواحل صور واحتلت جزر ليباري ) ثم تقدمت إلى ميلس ومسينا وقضمت من تراب سرقوسة. وكان Eoliennesالإيولية الغزو التجاري ملازما للغزو العسكري أو ربما كان يسبقه. وكان ضم قرطاج لصقلية يبدو قريب المنال. ) أنقذها 270) (سنةHironوفي هذه المرة أيضا أنجبت سرقوسة قائدا اسمه هيرون ). وكان في إمكانه Les Mamertinsبوضع حد للفوضى الداخلية، ومحق جيش المامرتي ولا شك التوغل حتى مسينا إلا أن قائد الأسطول البونيقي سبقه بوضع حامية فيها ) ولقد تمكن هيرون من كسب صداقة الشعب الروماني على الأقل. 269 - 268( 7 عندما استولت قرطاج على مسينا وجدت نفسها وجها لوجه مع روما التي لم يمض وقت طويل حينئذ على استرجاع سلطتها على "ريجيون" في الضفة الأخرى من المضيق. وكانت العلاقات بين المدينتين إلى ذلك الوقت أقرب إلى الود منها إلى أي شيء آخر. فقد ضبطت معاهدات كثيرة منذ قرون حقوق كل منهما على الأخر. ويعتقد بعض ) أن أقدم معاهدة ترجع إلى السنة الأولى من انتصاب Polypeالعلماء على غرار بوليب ) في الوقت الذي كانت الثورة تحد فيه من مدى التوسع 509الجمهورية الرومانية (سنة الروماني معتمدين في ذلك على سمعة "ستيفان قزال" الكبيرة. غير أنه منذ ظهور ) وأ.ملتزر H. Nissen) رأى علماء آخرون أمثال هـ.نيسانMommssenدراسات "مومسن ) أنه يمكن أن توجد معاهدة A. Piganiol ) وأ.بيقانيولE. Païs) وأ.بايسO. Meltzer( بل يذهبون إلى أنه يجب تطبيق النص الثاني لبوليب على المعاهدة 348قبل سنة الأولى. ومهما يكن الأمر فإن الاتفاق ينص على أنه في إمكان روما أن تتاجر مع صقلية القرطاجية بكامل الحرية وحتى في ميناء قرطاج نفسه. لكنها تؤكد أنه لا يمكنها تجاوز البحار الواقعة وراء رأس سيدي المكي شمال قرطاج، ووراء "ما ستياطرسيون" ( قرب رأس بالوس قريبا من المكان الذي ستشيد فيه قرطاج) وأنه لا يمكن لمراكبها إذا ما هبت العواصف أن ترسي في مواني افريقية وسردانية أكثر من خمسة أيام، وإذا صدقنا المؤرخ ) التي لم يتوصل بوليب 306اليوناني فيلينوس الاقرجنيتي فإن المعاهدة الثالثة (سنة إلى معرفة نصها تمنع على قرطاج أن تتدخل في ايطاليا كما تمنع على رومة التدخل في ) التي أبرمت أثناء حرب بيروس حقوق قرطاج 278صقلية.
عدد الصفحات ٤٢يوناني فيلينوس الاقرجنيتي فإن المعاهدة الثالثة (سنة إلى معرفة نصها تمنع على قرطاج أن تتدخل في ايطاليا كما تمنع على رومة التدخل في ) التي أبرمت أثناء حرب بيروس حقوق قرطاج 278صقلية. وتقر الاتفاقية الأخيرة ( سنة في التجارة مع الغرب إلا أنها تنص بالخصوص على بنود عسكرية لا تزال غامضة. بعدم التدخل في صقلية ولكن قرطاج أقامت 306لا شك أن رومة التزمت منذ ) أنها لا تقيم وزنا لما التزمت به من Tarenteالدليل منذ أن استولى بيروس على تارنت حياد في ايطاليا. ولم تكن سوء نية رومة تقل عن سوء نية قرطاج. وكانت مطامعهما في الاستيلاء على مضيق مسينا تكيف موقفهما قبل أي شيء آخر. وعندما أطرد المامرتانيون من مسينا استنجدوا برومة إثر ضغط المجالس المئوية ) على مجلس الشيوخ وتصويتهم لمبدإ التدخل. ولعلهم كانوا Comices centuriates ( Aتحت تأثير العائلات الكبرى التي أصلها "كمباني" وسمنى فاجتاز أبيوس كلوديوس ).264) المضيق وأقام حاميته في مسينا (سنةppius Claudius
عدد الصفحات ٤٢ش. جوليان تاريخ شمال إفريقيا 8081 II 1 لم تشهر رومة الحرب لكن قد أصبح لا مفر منها بسبب سلوكها. وبدعوى أن قرطاج تعد العدة للهجوم على ايطاليا بادرت لأول مرة بشن حرب وقائية هي مظهر من مظاهر نفاق استعمارها الاقتصادي والعسكري. ولم تكن قرطاج في الواقع ميالة للدخول في صراع مع رومة فلم ترد الفعل بشدة، وكانت واثقة من سيطرتها على البحار كما كانت رومة مطمئنة إلى تفوق جيوشها البرية. فلا هي قدرت على احتلال مسينا عنوة ولا حافظت على حلفها مع هيرون صاحب سرقوسة الذي استنجد بها عندما هاجمه ابيوس كلوديوس بغتة. عبد. 25000) وباعوا 26 وفتح الرومان صقلية فاستولوا على أقريجنتي ولكنهم سرعان ما تعطل زحفهم بسبب مناعة الحصون الساحلية وانتهي الهجوم البري إلى مأزق، وبات من الضروري القيام بهجوم بحري وهذا ما كان لهم الفضل في إدراكه. فهيأوا جميع الأسباب لإنجاح الخطة، ويقال: إنهم أعدوا أسطولا يحتوي على سفينة ثلاثية، وقد اقتبسوا صنعها من سفينة خماسية 20 سفينة خماسية و100 بونيقية ارتطمت بسواحلهم. ودربوا ملاحيهم على اليابسة قبل أن يبحروا، ولكنهم لم يعوزهم الحلفاء البحريون على الملاحة، وكانوا رغم ذلك في حاجة إلى قدر عظيم من الجرأة ليتجاسروا على مهاجمة أوسع الأساطيل شهرة. وقد أفادتهم هذه الجرأة ) بفضل المراسي المتحركة 260فانتصر القنصل دويليوس في مياه ميلاي ( ميلازو بواسطة البكرات مما أتاح للجنود اقتحام بواخر العدو، ثم حاصر أسطول رومة "ألاريا" (في كورسيكا) و"ألبيا" ( ترانوفابرزانيا في سردينيا) ونهب رجالها سواحل جزر "ليباري" )258-259وربما سواحل مالطة 2 ورغم ذلك فإن نجاح السياسة البحرية لم يأت بالنتائج المرجوة، فقد فشل القناصل في محاولاتهم فتح "طرابنة" (طرباني) و"بانورم" (باليرمو) بمهاجمتهما عن طريق البر، وعندما انتصر الأسطول مرة ثانية في "ليباري" بادر مجلس الشيوخ بشن هجوم على الأرض الإفريقية والنزول على سواحلها وكأنه مدفوع بذكرى أغاثوكل. جندي أسطول العدو فهزمته وأرست على سواحل 40000 مركبا تحمل330فهاجمت .ونهب الجنود منازل الشيوخ 236) سنة Clupéaمنت هي الوطن القبلى بقليبية من أعدائهم. ولما لاحظ مجلس الشيوخ 20000الريفية وسطوا على الماشية واستعبدوا السهولة التي انتصر بها جيوشه على قرطاج استقدم قنصلا وقسما من الجنود وحاول من رجاله، أن يتفاوض 15000ريغولوس الذي بقي وحيدا في منصب القيادة على رأس في عقد الصلح مع قرطاج حتى لا يترك لخلفه الفضل في إبرام معاهدة السلم، ولكن القرطاجيين ضاقوا ذرعا بما عرضه عليهم من شروط فأعاد "زنتيبوس" وهو ضابط أصله من سبارتا، تنظيم الجيش القرطاجي وهاجم بفرسانه النوميديين وفيلته جيوش ريغولوس فشتت شملهم وأذاقهم طعم الهزيمة وعندئذ قدمت مراكب النجدة من ايطاليا لترحيل ما تبقى من الجيش الروماني أي ألفي رجل، ولكن عاصفة شديدة هبت . والمؤرخون المحبون لتاريخ رومة يمجدون بطولة 460عليها فغرق ثمانون مركبا من ب ريغولوس الذي أبى في زعمهم إلا أن يعود إلى قرطاج مضحيا بنفسه رغم تضرعات زوجته وأبنائه والشيوخ. ولكن من الواجب أن نحترز وألا نثق ثقة عمياء في هذا الدرس المؤثر في الوطنية. وعادت لقرطاج سيطرتها على البحار بفضل ضعف هذا القنصل وما تكبده الأسطول الروماني من هزائم فاضطرت رومة إلى أن تحصر جهودها في صقلية. 3 لم يتمكن أحد الطرفين المتحاربين من الانتصار على الآخر انتصارا حاسما فلم تتمكن رومة من الاستيلاء على "ليلبي" (مرساله) ولا على "طرابنة" (طراباني) اللذين ) اضطرت معهما إلى 249أصبحا معقل المقاومة القرطاجية، ومنيت بهزيمتين بحريت تحديد أسطولها بستين مركبا، كما أن القواد البونيقيين لم تكن لهم القوة الكافية لشن هجوم معاكس حاسم أو أنهم أعوزتهم الجرأة الكافية للقيام بهذا العمل. إلا أن
عدد الصفحات ٤٣