49 ينطوى ميدان التخصص في العلم الاجتماعي على عديد من الفروع التى تزايد فيها البحث وانتهى إلى ركام ضخم من النتائج والتى يمكن اعتباره ا من أكثر المصادر الموضوعية أهمية لمشكلات البحث الاجتماعي، ولكن السؤال الذى يثار هنا : أى نوع من نتائج البحوث السابقة يمكن أن يصلح أكثر من غيره كمصدر لمشكلات البحث الاجتماعي ؟ وقد يكتفى البعض في اعتماده على نتائج البحوث السابقة واختياره مشكلة بحثه في نطاقها بمجرد تجميع أى عدد من النتائج السابقة المرتبطة بموضوع معين ويحدد مشكلة بحثه في القيام باختبار صحة هذه النتائج في موقف جديد من حيث الزمان والمكان وهو موقف البحث الذى يجريه بمعرفته، غير أنه كلما كانت نتائج البحوث السابقة التى يتخذها الباحث مصدراَ لمشكلة بحثه ، تتميز بأنها نتائج منسقة أو غريبة أو غير متوقعة ، كلما ساعد ذلك أن تكون لدراسته أهمية كبيرة نظراً لما قد تسهم به هذه الدراسة من تطوير للنظرية وإضافة أفكار جديدة أو اكتشافات مثمرة . فلقد أدى اعتماد دور كايم على النتائج المتسقة حول ظاهرة الانتحار إلى بلورة نظرية حول أثر التكامل الاجتماعي أو تضامن الجماعة على اختلاف معدلات الانتحار ، وأن هذه المعدلات تختلف اختلافاً عكسياً باختلاف درجة التكامل أو التضامن الاجتماعي . (07) جـ- النظرية الاجتماعية : حيث تمثل النظرية الاجتماعية المصدر الموضوعى الثالث لمشكلا ت ال بحث الاجتماعي من خلال التساؤلات التى قد تثيرها القضايا النظرية المتراكمة من قبل ، ولهذا النوع من التساؤلات والمشكلات أهميته ودلالته بالنسبة لميدان التخصيص كنظام فكرى ذلك لأنه يسهم في تنميه وتطويره، كما قد يكون له أهميته ودلالته بالنسبة لحل مشكلات الحياة اليومية في الواقع ، وينشأ هذا الفرع من المشكلات عن الاختلاف بين القضايا النظرية القائمة وبين نتائج البحوث المرتبطة بها أو عن التغيرات التى يمكن إدراكها في البناء النظرى أو عند تعثر البرهان الأمبريقى في تدعيم القضايا النظرية المقبولة ،
عدد الصفحات ٤٩50 ويتطلب اشتقاق مشكلة للبحث بالتركيز على النظرية وعلى الشواهد أو النتائج المتوفرة في تراث البحث الاجتماعي حولها ، ويكشف عن الاتفاق والاختلاف أو عن التغيرات أو عن عجز الشواهد الأمبريقية عن دعم القضايا النظرية ، ويقوم بعد ذلك بتوسيع وتطوير البناء النظري في ضوء المعطيات الجديد ة التى قد يتوصل إليها من خلال ملاحظاته ودراسته الواقعية والأمبريقية . ومع هذه الأهمية التى تعلق على مشكلات البحث المستقاة من النظرية قد يكتفى الباحث في هذا الصدد بأن ينتقى فرضاً واحداً أو نتيجة عامة أو تعميم من نطاق نظرية من نظريات العلم الذى يتخصص في دراسته ، ويحاول أن يجعل منه مشكلة لبحثه ويجتهد في التحقيق من صحته أو عدم صحته . (02) 0- أبعاد تحديد مشكلة البحث الاجتماعي وبعد أن ينتهى الباحث من اختيار مشكلة بحثه يبدأ في تحديد وصياغة المشكلة ، بعبارات واضحة موجزه ودقيقة ، وأن يتمكن من تقسيم مشكلته الأساسية إلى مجموعة من المشكلات الفرعية ويعبر عن كل واحده منها في صورة سؤال أو فرض كما أن يكون من الضروري لفهم مشكلة البحث أن نعرف بدقة معنى المفهومات والمعطيات والمؤروات المستخدمة في التعبير عن المشكلة ، وما هى المسلمات الأساسية التى يفترضها الباحث كأساس يستندان إليه في بحثه وما هي أهم فروضه ، وأن الدقة في قياس الأبعاد الحقيقية لأى مشكلة إنما تتوقف على دعامتين أساسيتين : الأولى : ماهية المشكلة موضوع البحث بحيث تظل باقية نقية في محتواها الإجتماعي أو البيولوجى أو النفسى وهكذا . الثانية : أن يجيد الباحث إجادة تامة استخدام المنهج التاريخى المقارن وهو آداة القياس العلمى الاجتماعي للتسلسل التاريخي للظاهرة من جهة ومعمل التجريب الذى يصدق إلى أبعد حد ممكن في مجال البحوث الاجتماعية الإنسانية من جهة أخرى أما أعماق المشكلة أو الظاهرة فنعنى بها هنا أشكال التفاعل وأنماط العلا قات والعمليات الاجتماعية في وضعها الدينامي الحركى التى تنبثق في مجالات النشاط بأشكاله وصوره المختلفة . (02)
عدد الصفحات ٥٠51 وهكذا تعتمد أبعاد تحديد مشكلة البحث على العناصر التالية- 0- عرض مشكلة البحث في عبارة واضحة وهذا يتطلب أن يكون الباحث قد فهم المشكلة بوضو وأن يعبر عنها بمفاهيم قليلة بقدر الإمكان وفي عبارة لا تنطوى على أخطاء لغوية وذلك حتى يتمكن كل فرد من قرائتها وفهمها أو حتى يسهل توصيل مضمونها إلى غيرهم من المهتمين ، وأن يبعد في ذلك عن التعبيرات غير المكتملة والتى لا معنى لها ، والتى تمس فقط المشكلة من بعيد أو قريب وأن يقوم بحذف الكلمات التى لا فائدة لها وأن يحرص على أن تكون العبارة موجزة ، لأن هذا الاختصار يجعلها أكثر حيوية ، وأن يختار كلماته بدقة ، وأن يحسن استخدام أدوات التوضيح اللغوى مثل الفصلة والنقطة والشرطة والأقواس وما إليها . 0- تقسيم المشكلة الأساسية إلى مشكلات فرعية : بمعنى أن تقسم المشكلة الأساسية إلى عناصر منطقية فرعية لأن هذا الأسلوب يمهد الطريق نحو حل المشكلة الأساسية للبحث كما تمكن هذه المشكلات الفرعية من النظر إلى المشكلة الرئيسية نظرة أكثر شمولية، ومن هنا كان من الضروري التعبير عن هذه المشكلة الفرعية بوضو ودقة ، ولعل أسلوب التعبير عن مثل هذه المشكلات في صورة سؤال يساعد الباحث على تركيز اهتمامه مباروة على الهدف من بحث هذه المشكلة الفرعية ، ومع هذا يحذر من التمادي في تفريع أو تقسيم المشكلة الرئيسية إلى أكثر من عدد محدود قد يصل إلى خمسة مشكلا ت ويستطيع الباحث تجنب هذا الأمر إذا تجنب الخلط بين مشكلات البحث وغيرها من المشكلات المنهجية والتى تعد بمثابة قرارات وإجراءات منهجية لازمة لإنجا مشروعه ، وذلك مثل ما هى أفضل طريقة لاختيار عينة البحث ؟ وما هو الحجم الذى يجب أن يكون عليه العينة الممثلة ؟ وما هى الأدوات التى يجب الاعتماد عليها في جمع البيانات ، وإذا استطاع الباحث أن يجمع كل مجموعة من المشكلات الفرعية في مشكلة فرعية واحدة وبطريقة منطقية استطاع أن يرسم حدود مشكلته ويوضح ما هى الحدود الدقيقة لها .
عدد الصفحات ٥١52 3- توضيح المسلمات تستند القضية التى تعبر عن مشكلة البحث ومشكلاته الفرعية إلى مجموعة من المسلمات الأساسية ، والتى بدونها لا يكون لهذه المشكلات وجود ، والمسلمات postulates هى ما يفترضه الباحث جدلاً دون ما حاجة إلى برهنة أو دليل وأن معرفة ما يسلم به الباحث يعد أمراً أساسياً لمتابعة سير العمل ، وتقييم ما يرتبه على هذه المسلمات من نتائج . 0- تعريف المفاهيمConcepts : والمفهوم من الناحية الفلسفية صورة من صور انعكاس العالم على عقل الإنسان ، وبمساعدة هذه المفهوم أو التصور يكون بالإمكان معرفة جوهر الظواهر ، ومعرفة العمليات التى تساعد في تعميم مظاهرها الأساسية والمفهوم ليس استاتيكياً ثابتاً وإنما هو دينامياً يلخص على أساس من الوقائع ، النتائج التى يتم التوصل إليها ، وتأتى ديناميته من تأثره بالوقائع ، كما أنه يربط الكلمات والاصطلاحات بأهداف موضوعات محددة ، تجعل بالإمكان تحديد المعانى المحددة ، ولكى يكون المفهوم علمياً يجب أ ن يستند على رؤية افتراضية حول الموضوعات التى تشير إليها ، ويجب أن تتوافر فيه بعض الشروط كما أشار فلاديميرلينين كوجود الإرتباط المتبادل بينه وبين غيره من المفهومات داخل النظرية والمرونة وأن يكون تحركاً وليس جامداً وأن يكون نسبياً وليس حتمياً بطريقة فجة ، والمفهوم في جوهره تصور لمجرد لوقائع تم ملاحظتها أو كما يقول ديفيد ماكليلاند Mac cle lland هو تمثيل مختصر لحقائق متغايرة ومتنوعة ، وإذا كان المفهوم تصور للوقائع التى تم ملاحظتها فهذا لا ينفى إمكانية تصوره لوقائع مستقبلية وصور لحقائق قادمة أى قدر من التنبؤ . والباحث عندما يتسخدم المفهومات العلمية عليه أن يعرف اصطلاحتها ويترجمها إلى وقائع يمكن ملاحظتها وهذا ما يسميه البعض بالتعريفات الاجرائية . (32) أى أن التعريف الإجرائي يتمثل في عملية تعيين الأبعاد التى يمكن قياسها
عدد الصفحات ٥٢53 وملاحظتها في التعرف ع ما يشير إلى المصطلح أو المفهوم المحدد بحيث إذا أمكن تقديم تعريف إجرائي واضح يمكن التوصل إلى نتائج وبالتالى يسهل التحقق من فروضنا . أما التعريفات الاسمية تستخدم في الحالات التى تكون فيها الكلمة المقصودة مرادفة لتعبيرات معينة أخرى أولها معانى مستقرة بالفعل مثال ذلك تعريف التجاذب الشخصى على أنه ما يؤدي إلى الاقتراب بين الأشخاص وفي هذا النوع من التعريفات يمكن إبدال المصطلحات المعرفة بالكلمة المحددة ويتميز هذا النوع من التعريفات بأنه يمدنا بطريقة اختزالية في الاتصال وللتقليل من اللجوء إلى التعريف الإجرائي في البحث ، والتغلب على مشكلاته ، ولربط المتغيرات المجردة بالواقع موضوع الملاحظة يمكن استخدام المؤروات indicators حيث تحدد مثلاً لمفهوم القيادةleader ship أبعاداً عديدة منها الوضع الأعلى والسمعة والقدرة على اتخاذ القرارات والمشاركة الاجتماعية ولما كان من الصعب تحديد كل هذه الأبعاد بطريقة إجرائية يكتفى الباحث باختيار مؤرو منها أو أكثر للدلالة على المفهوم حتى يسهل عليه ربطه بالملاحظة ويجرى دراسته على أساس علمى ، هذا ويعتمد اختيار واستخدام المؤروات على توافر البيانات ، وإحتمال الحصول على أنواع معينة ، وعلى النظرية التى توجه البحث . (30) 5- الفروض نوعها ورووطهاHypotheses الفرض العلمى هو تصور محدد لارتباط بين الوقائع ويكون الفرض دالاً أو ذا معنى بالنسبة لمشكلة من المشكلات لو أنه عبر بطريقة محدودة عن أساليب الارتباط بين نوع أو أكثر من الوقائع ولكى يصوغ الباحث فروض بحثه عليه أن يراعى عدداً من الشروط التى يجب توافرها في الفرض أبرزها :- 0- أن يصاغ الفرض بطريقة تسمح بإقامة استدلالات في ضوئه وبالتالى يمكن الوصول إلى قرار بما إذا كان هذا الفرض يفسر أو لا يفسر الحقائق والوقائع موضوع الدراسة ولهذه الصياغة جانبين : - " الوضو والدقة القائمة على المنطق والتكنيكات الرياضية وأن يشير كل اصطلا فيه إلى إجراء تجريبي حتى يكون بالإمكان إخضاع الفرض للاختبار التجريبي .
عدد الصفحات ٥٣54 0- يجب أن يقدم الفرض إجابة مقصودة للمشكلة المراد بحثها وذلك حتى لا ينحرف الفرض منا إلى غير ما هو مقصود منه . 3- أن يحوى قدراً من التبؤ بالملاحظات بمعنى أن يحدد الفرض ومصاحباته قبل محاولة التحقق منه ، كما أنه لكى يكون قادراً على إثراء نفسه يجب أن يخص نوعاً من الارتباط أو العلاقة بين الوقائع من نوع آخر . 0- أن يكون الفرض قابلاً للاختبار العلمى ويمكن للباحث أن يستنبط فروض بحثه من عدة مصادر منها :- أ- النظرية العلمية ، خاصة النظريات التى تنطبق عليها الشروط الواردة من حيث احتوائها على التصورات والقضايا والمشروعات التفسيرية . ب- نتائج الدراسات والبحوث السابقة التى توصل إليها باحثون آخرون . جـ- النظريات الفلسفية المختلفة التى تلفت نظر الباحثين في العلوم المتخصصة إلى قضايا وعلاقات وار تباطات يمكن صوغها في شكل فروض علمية . د- خبرة الباحث وخياله العلمي وإطلاعه على الكتابات التاريخية والأدبية ، وهذا يشكل جانب الإبداع الإنساني في البحث العلمي . وإذا كان الفرض العلمى يحوى غالباً علاقة محددة بين متغيرين أحدهما مستقل والآخر تابع ، فإن المتغير variable كيف يعبر عنه بمقدار وكمية قد تزيد أو تنقص وقد تستمر أو لا تستمر ، والمتغير المستقل هو الذى يفترض فيه التأثير في المتغير التابع أو المعتمد ، وهناك متغيرات وسيطة intervening وهى عبارة عن المتغيرات التى ترتبط وظيفياً بالمتغير السابق واللاحق أو هى التى تمثل تعبيراً في شكل مكثف للعلاقة بين رووط وظروف الضبط التجريبي وبين المتغير التابع أو المعتمد . (30) والفرض نوعان أ- فرض تجريبي توصى به الملاحظات والتجارب ويتحقق بالملاحظات والتجارب ، وهذا النوع من الفروض يعبر عن علاقة ثابتة بين ظاهرتين وإذا أيدته التجر بة يصير قانوناً يفسر مجموعة من الظواهر .
عدد الصفحات ٥٤55 ب- فرض نظرى وهو الذى يستنتج من مجموعة من القوانين والنظريات والآراء بالتأمل والاستقراء وهذا الفرض لا يتحقق بالتجربة بشكل مبارو حتى إذا كنا في مجال العلوم التجريبية لأنه ليس نتيجة ملاحظات وتجارب بل نتيجة تأملات و استقراءات لا تقوم على الواقع مباروة . ويشترط في الفروض ما يلي : (33) 0- الوضو والإيجاز يجب أن يكون الفرض روحاً واضحاً موجزاً للمشكلة وحلها أو تفسيراً واضحاً موجزاً . 0- الشمول والربط ، لابد من أن يفسر الفرض أكبر عدد من الظواهر التى يربط بينها أو أكبر عدد من الوقائع التى تدخل تحت القوانين التى يربط بينها . 3- قابلية الاختبار ، كما يجب أن يكون الفرض قائلاً للتحقق والاختبار وذلك هو ما يميزه عن الفروض والتخمينات الفلسفية والأحكام القيمية والأخلاقية . 0- الخلو من التناقض ، يجب ألا يحتوى الفرض على تناقض بأجزاءه فالفرض المتناقض مستحيل فلا نجد ما يؤديده في الواقع . 5- عدم التأثر بالقيم . حيث يستلزم عدم تأثر الفرض بالقيم التى يؤمن بها الباحث أو القيم السائدة في المجتمع . 1- التحديد ، يجب أن يكون الفرض محدداً وليس عاماً وذلك يستدعى توضيح العلاقات بين المتغيرات التى تدخل في الفرض ، ويلاحظ أن العلوم الاجتماعية لا يمكن أن تغفل فيها متغير الزمان أو متغير المكان ومتغير وحدة التحليل . 7- توافر وسائل اختياره ، يجب أن تكون جميع وسائل اختيار الفرض متوافرة لدى الباحث مثل أدوات الرصد والقياس والتحليل . 2- عدم وحدانية الفرض ، يجب آلا يكون الفرض وحيداً بل يجب أن يكون للفرض بدائل Alternatives ، وهي فروض ممكنة أخرى بحيث تتحول من فرض إ فرض حتى نصل إلى فرض صحيح .
عدد الصفحات ٥٥56 وهكذا يتضح أن الفرض ليس مجرد عبارة تخضع للاختبار وإنما هو تقرير عن علاقة بين متغير أو أكثر ، فالعلاقة إشكالية أى ليست محل اتفاق عام أو يحيط بها بعض الغموض ينطلق من واقعة ملاحظة ويمكن أن يوضع في الاختبار فإذا ثبت صحته تحول إلى نظرية وإذا تأكد خطأه طرحناه . (30) والفرض الجيد هو الذى يرتبط بالنظريات السابقة أو السائدة إما بالاستمرار أو بالمناقضة وهو أيضاً الفرض الخصب أ ى الذى يوحى بأفكار هامه سواء ثبتت صحته بالاختبار الأمبريقي أو لم تتوافر أدلة كافية على صحته . 5- التحليل والتركيب والتحليل Analysis كلمة يونانية معناها فك كل مركب إلى أجزائه ويقابلها الفلسفة التركيب الذى يعنى بناء كل من أجزائه ، وعلى ذلك فالتحليل في العلم وإن كان يستند إلى المعنى السابق فهو فى جوهره يعنى تصنيف مكونات الظاهرة أو الوقائع التى تم جمعها عنها، وتتبدى أهمية التصنيف في عبارة هوايت هيد الشهيرة بأنه نصف الطريق إلى الحقيقة ، وإذا كان التحليل يعنى تقسيم الظاهرة المعقدة وتصنيفها إلى الأجزاء التى تكونها ، فهذا جدير بتوضيح جوهر الظاهرة وبنائها ، لأن توضيح مكوناتها وتحديد عناصرها يمكن الباحث من فصل العناصر الجوهرية وتمييزها عن تلك العرضية ويحدد العناصر المطردة ويميزها عن الطارئة ويحدد العناصر الأساسية ويميزها عن الفرعية وبالتالى معرفة العلاقات القائمة بين الأجزاء المختلفة للظاهرة أو المشكلة . وإذا كان التصنيف العلمي له فئات أساسية والتى تعد فئات للتحليل فتحديدها يعتمد على النظرية التى توجه البحث ، وعلى فروض البحث وأهدافه ونوعية المجتمع الذى يتعامل معه الباحث ، وثمة رووط لابد من مراعاتها عند وضع فئات التحليل سواء كان التحليل كيفياً أم كمياً كتحليل المضمون أو التحليل الإحصائي ولعل من أهم هذه الشروط :
عدد الصفحات ٥٦57 0- أن يكون معيار إقامة الفئات الخاصة بالتحليل واحداً بقدر الإمكان 0- أن تكون الفئات شاملة بمعنى أنه يمكن تصنيف البيانات في إحدى الفئات 3- أن تكونكل فئة جامعة مانعة بقدر الإمكان . وهناك جانب آخر هام في عملية التحليل وهو ذلك الذى يتعلق بتعيين وحدة التحليل unit of analysis مثل التمييز بين وحدات التحليل الصغرى Micro ووحدات التحليل الكبرىMacro Analysis كما أن مسألة وحدة التحليل تتجدد وفقاً لنوعية العلم ففى علم الاجتماع وحدة التحليل الأساسية هى الجماعة بينما في علم النفس الفرد ، فضلاً عن نوعية التخصص ذاته تبعاً للنظرية التى يتبناها الباحث فمثلاً في المادية التاريخية وحدة التحليل هى الطبقة الاجتماعية وفي نظرية الفعل لبارسوتر يتمثل في تحليل الفعل الاجتماعي التى تركز على عناصر هذا الفعل الذى يتضمن فاعلاً وغاية وموقفاً اجتماعيا ، وإجمالاً تتحدد وحدات التحليل وفقاً للإطار المرجعى الذى يرتكز عليه الباحث في دراسته . (35) أما التركيب فهو عكس التحليل وهو الانتقال من البسيط إلى المعقد ، ومن المطلق إلى النسبي ومن الأسباب إلى النتائج ، فالعلماء لابد وأن يقوموا بتركيب ابتداءً من الأمور البسيطة التى وصلوا إليها ، وذلك إما ليحصلوا على المركب الأصلى الذى قاموا بتحليله وبذلك يتأكد لهم صحة التحليل الذى قاموا به ، وإما ليحصلوا على مركب جديد يتلافي عيوب المركب الأصلى ، أو يتخلص مما به من شوائب أو من أمور ضارة أو غير مفيدة ، ويتركب من بعض عناصر المركب الأصلى ليؤدي غرضاً معيناً . والتركيب هو الذى يسمح لنا بالوصول إلى القوانين العامة ، وذلك بتجميع الجزئيات والوصول بها إلى تعميم بعض إدراك التشابه والتجانس بينهما على الرغم من أنها تبدو لنا مختلفة وغير متجانسة ولولا التركيب لما استطعنا أن نتنبأ بالنتائج المترتبة على أسباب معينة .
عدد الصفحات ٥٧58 أى أن التحليل والتركيب عمليتان متكاملتان ومتعاونتان ، فالتحليل وسيلة للوصول إلى هدف هو التركيب ، والتركيب اختبار لصحة التحليل أو هو الثمرة التى نجنيها من التحليل ، وإذا كان التحليل وسيلة للكشف عن الأسباب والعناصر والتركيبات المجهولة ، فإن التركيب هو الذى يمدنا ببرهان على صحة ما وصلنا إليه . من هنا يتبين لنا أن الباحث يعتمد على عمليات فكرية في الوصول إلى حقائقه فهو يقوم بتحليل وتركيب يعتمد عليهما بدرجات متفاوتة ، في كل عمل يقوم به سواء كان يبحث في العلوم الرياضية أو الفيريقية أو الإنسانية ، فنحن في جميع العلوم إما أن ننتقل من النتائج إلى المبادىء أو من المركب إلى البسيط انتقالا تراجعياً تصاعدياً وهذا هو التحليل ، وإما ننتقل من المبادىء إلى النتائج ومن البسيط إلى المركب انت قالا تقدمياً هابطاً ، وهذا هو التركيب (31) ، واستخدام إحدى العمليتين يعتمد على المعلوم بالنسبة لنا الذى ننتقل منه إلى المجهول وعلى تكوين عقلنا الذى يدرك هذا المعلوم فيحكم بأنه بسيط أو به مركب وعلى ذلك يركب أو يحلل ، وعلى الهدف من نش اطنا العقلي ، فهدف من يقوم بالاكتشاف غير هدف من يقوم بالبرهنة وعلى وجهة نظرنا فما يسميه بعضهم تحليلاً يسميه آخرون تركيباً فهناك من يسمى الاستقراء تركيباً والاستنباط تحليلاً وهناك من يرى العكس . وعلى كل حال فنحن نقوم بالتحليل والتركيب لنصل إلى المبادىء أو إلى النتائج ونعرفها معرفة أجود وقد نقوم بهما معاً وأن بدرجات متفاوته حسب طبيعة العقل وحسب الموضوع المدروس . 1- التفس وللتفسير وظيفتان أولهما نظرية وتتمثل في أنه يخلع معنى على الواقع أو جانب معين منه يظل بدونه غامضاً وغير مفهوم وعلى سبيل المثال ، التفسير الاجتماعي هو وحده القادر على أن يبرز لنا كيف تؤدي ظروف متماثلة إلى نتائج متغايرة في حين تؤدي ظروف تبدو متباينة إلى نتائج متماثلة .
عدد الصفحات ٥٨59 وثانيهما عملية تطبيقية وتترتب على الوظيفة الأولى وتكمن في أنه من الممكن التعامل الأكفأ مع الواقع . والعمل البحثى الحق هو عمل فنى إبداعي بمعنى ما ، أى أنه ليس مجرد تنفيذ أعمى سلبى آلى لمجموعة من التعليمات واحترام لبعض القواعد وإنما هو جهد خلاق تستعمل فيه الخبرة والذكاء والخيال في بلورة الإشكالية ، وتصور أسلوب سليم لبحثها واتخاذ القرارات للتنفيذ ، ولكن هذا لا يعنى بحال من الأحوال عدم الالتزام بأصول منهج البحث العلمى أو التفريط في الوفاء بمتطلباته واحترام منطقة ، والتحدى الحقيقى يكمن في التوفيق بين النزعة إلى الإبداع من جهة ، وضرورة الالتزام بقواعد عامة يتفق عليها من جهة أخرى . وتوجد ثلاثة مستويات للتفسير أمام الباحث لتفسير الظواهر الاجتماعية هي :- 0- التفسير الطبيعي أو العضوى ومن أمثلته تفسير نظام الأسرة بأنه ترتيب لإشباع الحاجة الجنسية للإنسان ورعاية النشىء مادياً واجتماعياً . 0- التفسير النفسى ومن أبسط نماذجه تفسير مستوى التحصيل الدراسى بعامل الذكاء العام والقدرات الخاصة ، مفهومه على أنها استعدادات فطرية أو فطرية في الجانب الأكبر منها أو تفسير السلوك الإستهلاكي على أساس حسابات المكسب والخسارة وحدها . 3- التفسير الاجتماعى الحضارى ومن صوره تفسير دور كايم الكلاسيكي للانتحار بعقة الفرد بالجماعة أو ما أسماه هو حالة التكامل الاجتماعي . (37
عدد الصفحات ٥٩60 مراجع الفصل (1 )جوردن مارشممال ، مو مموعة علا اتجتما ، ا لد الثالث ، تراة محمد محى الدين تر رين ، المشرتر القومي للااة ، ا للإ اسعلى للثقافة ، القاهرة ، 7111 ، ص1141. (1 )على جلبى ، تصم ا البحث اتجتماعي ، مرجع ابق ، ص 41-14 . (1 )عادل الهوارى ، مناهج البحث اتجتماعي ، مرجع ابق ، ص ص21-29 . (1 )مصمممم فى لقى عبمد الجواد ، تراعاد معماصممممرة في نظريمة علا اتجتما ، ماجا ، م بوعاد مركز البحوث ترالدرا مماد اتجتماع ة ، كل ة اادا، ، جامعة القاهرة ، 7117 ، ص 711-712 . (1 )على جلبى ، تصم ا البحث اتجتماعي ، مرجع ابق ، ص42-11 . (1 )المرجع السابق ، ص11-14 . (1 )غريب د أدد ، مرجع ابق ، ص99 . (1 )عبد البا ط عبد المع ى ، مرجع ابق ، ص11 . (1 )على جلبى ، مرجع ابق ، ص21-21 . (1 )عبد البا ط عبدالمع ى ، مرجع ابق ، ص 11-14 . (1 )عادل الهوارى ، مرجع ابق ، ص117-111 . (1) على جلبى انظر في ه ا الصدد - Dalton M, Men who Manage : in Book : Socialogistes at work, N.y. Basic Books, 1964 , pp. 52-54. (1 )عبد البا ط عبد المع ى ، مرجع ابق ، ص11-19 . (1 )عادل الهوارى ، مرجع ابق ، ص111-114 . (1 )عادل الهوارى ، مرجع ابق ، ص171 .
عدد الصفحات ٦٠61 الفصل الثالث الخطة التمهيدية للبحث الاجتماعي
عدد الصفحات ٦١62 0- مدخل 0- طبيعة المخطط التمهيدي ومهامه 3- أهمية الخطة وهدفها 0- بناء الخطة التمهيديةومكوناتها . 5- الاعتبارات الإدارية المطلوب توافرها في خطة البحث التمهيدية 0- مدخل إن عملية إعداد خطة تمهيدية لتنفيذ البحث في مجال الدراسات الاجتماعية عملية غاية في الأهمية تتطلب استخدام الخيال الاجتماعي وتحديد الأفكار وتنظيمها وترتيبها بشكل منطقى وتحديد الأهداف ودقة اختيار طرق البحث والعينة وأحكام العلاقة المنطقية بين المقدمات والنتائج ، والباحث الذى يقوم بإجراء بحث ما يخطط له ، ويتبع خطوات منهجية صارمة لكن أثناء عملية التنفيذ توجد مرونة في تعديل بعض الخطوات طبقاً لما يطرأ من تغيرات وظروف ميدانية بشرط أنها لا تخل بالخطة العامة التى يسير عليها البحث ، فكل خطوة من خطوات البحث تحتاج من الباحث اتخاذ قرارات معينة تؤثر بدورها على موضوعية النتائج والخطوات التى تتبعها . وكل خطوات وجوانب البحث ينظر إليها على أنها خيوط أساسية تترابط سوياً لإعداد البحث في أفضل صو رة وهذه الخطوات تتطلب تحديد المشرف والإمكانات ، والمجال ، والوقت ، والهدف من إجراء البحث وتحديد مشكلة البحث والفروض أو التساؤلات وطرائق البحث وأساليبه والعينة وعمليات التحليل والتفسير ثم كتابة التقرير النهائي للبحث . والباحث الناجح هو الذى يستطيع أن يحدد خطة بحثه تحديداً واضحاً ودقيقاً ليحصل على أدق النتائج وأقربها إلى الموضوعية ، وأبعدها إلى التحيز والخطأ . وتمر عملية الخطة التمهيدية بمرحلتين :
عدد الصفحات ٦٢63 المرحلة الأولى : وضع الخطة التمهيدية التى تحتاجها الدراسة والمرحلة الأخرى تنفيذ هذه الخطة عملياً ومتابعة تنفيذها ومن هنا يأتى هذا الفصل ليحاول إلقاء الضوء على طبيعة الخطة التمهيدية ومهامها ، وأهمية الخطة وهدفها ، ثم كيفية بناء الخطة ومكوناتها . أولاً : طبيعة المخطط التمهيدي ومهامه : تمثل مفهومات خطة البحث Research proposal أوResearch plan مشروع البحث أو مسودة البحث أو الخطة التمهيدية للبحث بمثابة مسميات واحدة ومترادفة عرفت في تراث العلوم الاجتماعية بخطة البحث التمهيدية ، وعندما يقوم الباحث بوضع الخطة التمهيدية للبحث فإنه في هذا يكون مقدماً على القيام بعملية تصميم لهذا البحث ، ومن ثم فإن الحديث عن الخطة التمهيدية للبحث ، لا تنفصل عن عملية تصميمه. وتعتبر الخطة التمهيدية بمثابة التخطيط المنسق و المنطقى والموجه لمراحل البحث ، وقد ينظر إلى الخطة باعتبارها تطبيقاً إجرائياً للمنهج العلمى ، إذ يعين هذا التخطيط منهج البحث والطرق التى يختار الباحث استخدامها في بحثه إ لى جانب المنطلق النظري أو الخلفية النظرية التى يستند إليها البحث علاوة على الخطوات الإدارية اللازمة لتنفيذ مسودة البحث ، كما تنطوى الخطة على توقع الطرق البديلة التى يحتمل اللجوء إليها في تنفيذ بعض خطوات البحث . (32) وثمة مهمتنا أساسيتان لهذا التخطيطالتمهيدي هما : - المهمة الأولى : يساعد التخطيط الباحث على فهم الأفكار فهماً أوضح وترتيبها ترتيباً منطقياً ، وتنظيم العلاقات بينها ويستند تصنيف هذه الأفكار ووضع الأفكار المتماثلة جنباً إلى جنب ثم تحديد الأهمية النسبية لمجموعة الأفكار ومن ثم تحديد الأفكار الأكثر أهمية ثم يليها الأفكار المهمة ، وتوضع القضايا الأقل أهمية في المرتبة الثالثة ثم القضايا الثانوية ،
عدد الصفحات ٦٣64 وإذا ما نجح الباحث في ترتيب الأفكار والقضايا في المرحلة التمهيدية للكتابة وكان هذا الترتيب دقيقاً ومنطقياً فسيزيد هذا الترتيب المنظم من فهم الباحث لمو ضوع بحثه ويتعين أن تترابط الأفكار سوياً في شكل منطقى . المهمة الأخرى إذا كانت المهمة الأولى ترتبط بالباحث ، فالمهمة الثانية ترتبط بالقارىء ، إذ يعطى التصور الأولى للقارىء إطلالة سريعة عن العمل المقروء ، ويقدم له فكرة موجزة عن نقاط الباحث والعلاقات بينها ، إذ توضح الخطة التمهيدية أهداف البحث ، وبرهان الكاتب على أهمية هذه الأهداف ويساعد وضو المخطط التمهيدي وتكامله على استمرار الباحث في عمله بلا صعوبات أو مفاجئات . (32) والسؤال الذى يطر نفسه هو كيف نضع مخططاً تمهيدياً للبحث ؟ ولاشك أن الإجابة على هذا التساؤل تتطلب منا دراسة الخطوات والمراحل الإجرائية التى يمر بها البحث منذ أن يبدأ فكرة إلى أن ينتهى في تقرير نهائى متكامل ، فكأن خطة تصميم البحث وتنفيذها هي أساساً مسألة تتعلق بتطبيق القواعد الأساسية للمنهج العلمى على مشكلة معينة بالذات ، ومع ذلك فإن إجراء بحث يحتاج إلى أكثر من مجرد السير مع القواعد العامة للمنهج العلمى خطوة خطوة ، فينما يكون من الضروري أن نفهم المبادىء الرئيسية إلا أن القيام الفعلي بإجراء بحث يثير مشكلات نوعية بحاجة إلى إيجاد حلول لها . أى أن خطة البحث تتضمن اتخاذ القرارات عن طريق الباحث أو الهيئة القائمة على البحث ، في كل خطوة تمر بها هذه العملية ، ومثل هذه القرارات أبرزها هى نوع من التوفيق بين المتطلبات الدقيقة للمنهج العلمى والظروف الواقعية المتصلة بموقف البحث ذاته ، وعلى هذا فالبحث هو مشروع إجتماعي تفرض عليه الضغوط لا من متطلبات المنهج العلمى فحسب بل ترجع هذه الضغوط أيضاً إلى البناء المعياري للعلم . (02)
عدد الصفحات ٦٤