17 أ- بحوث الاستشراف الاجتماعي : ويعنى هذا النوع من البحوث استشراف أبعاد المستقبل من خلال مناقشة بدائل مصير مجتمع ما ، أو ظاهرة أو جماعة ما أو طبقة ما ، وسواء كانت الدراسة لبنية المجتمع في كليتها أو لأحد أبعادها ففي الحالتين نحن بحاجة لدراسة التفاعلات والعلاقات الجدلية بين مكونات هذه البنية الاجتماعية وبين غيرها من عوالم تشاركها المرحلة التاريخية ، ووحدة المصالح وصراعها ، سواء كانت هذه العوالم طبيعية أو نظماً إقليمية أو دولية وهدف هذا النوع من البحوث هو أن يكون للمجتمع أو الطبقة إرادة في اقترا استراتيجيات وسياسات حاضرة ومستقبلية تسهم في تحويل الإمكانات بالقوة إلى إمكانات بالفعل ، كما أن هذا النوع من البحوث يجعلنا أكثر استبصاراً بصناعة مستقبل مجتمعاتنا . ب- البحوث التقويمية ودراسات الجدوى الاجتماعية : وتشير عملية التقويم إلى تقدير الأهمية النسبية لبنود الاختلافات والتباين بين مميزات وعيوب الخطط ، وغالباً ما يقتصر على وصف المقترحات التخطيطية وإصدار أحكام على أسسها ، ومقدار الاتساق الداخلى بين هذه المقترحات أما عملية التقويم فهي عملية شمولية بالتصور وبالتناول فهى تشمل تقويم الإطار الفكرى والأيديولوجى للخطة ، أو المشروع المبنى ومقارنته بغيره من البدائل والممكنات المتاحة في اللحظة الزمانية نفسها ، فإذا أردنا تقويم جدوى الانفتا الإقتصادي فيجب علينا أن نقارنه بفلسفات وتو جهات تنموية أخرى كالاعتماد على الذات مثلاً ، كما يشمل التقويم إطار التحليل والقياس المستخدم في المقارنة ويحمل رؤية تاريخية زمنية معينة ، فالجمهور أو الجماعة المستهدفة من التخطيط يقتضى التقويم الشمولى لتوجه هذا المشروع إليها تحليلاً وتوقعاً للآثار والمصاحبات التى سيحدثها المشروع فيها عبر الزمن الكلى ، وليس بالاستفادة إلى نقطة زمنية واحدة ، قد تكون الآثار بعدها سلبية ،
عدد الصفحات ١٧18 كما يشتمل التقويم على إبراز الجدوى الاجتماعية للمشروع من منظور الفلسفة والتوجه التنمويتين . (7) ثالثاً: أهداف البحث الاجتماعي يسعى البح ث الاجتماعي العلمى إلى تحقيق هدف أو أكثر من الأهداف التالية : أ- الوصف : ويعنى الوصف رصد وتسجيل ما نلاحظه من الأشياء والوقائع والظواهر وما ندركه بينها من علاقات متبادلة ، وتصنيفها وترتيبها وإكتشاف الارتباط بينها ، أى أنه كشف دلالات المعطيات الحسية بالاعتماد على الملاحظة والتجربة ، ودراسة ما بينهما من علاقات متبادلة ، ويلاحظ أن الوصف يعتمد أساساً على المدركات الحسبة ، ولكنه ينطوى مع ذلك على عمليات عقلية يتفاوت تعقيدها كتصنيف الأشياء وتصنيف خصائصها أو بيان العلاقات فيها وتحديد مدى ما بينها من ارتباط وكشف دلالتها . ب- التفسير : والتفسير هو محاولة الكشف عن أسباب وقوع الظواهر و الأحداث، ويفترض في التفسير الإيمان بمبدأ العلية الذى يربط بين الأسباب والنتائج ، ويعتمد التفسير على العقل بدرجة أكبر من الوصف الذى يعتمد أساساً على الحواس والملاحظة والتجربة ، فإذا كان الوصف هو كشف الدلالات الظاهرة في المعطيات الحسية فإن التفسير هو كشف الد لالات التى تتجاوز تلك المعطيات وإذا كان الوصف يمدنا بخبرات ومعلومات عن الظواهر والأحداث ، فإن التفسير يحول تلك الخبرات والمعلومات إلى فروض تخضع للاختبار التجريبي .
عدد الصفحات ١٨19 جـ- الوصول إلى معارف وحقائق جديدة : حيث يهدف العالم من بحثه الوصول إلى حقائق علمية جديدة إما عن الكون الذى يعيش فيه وظواهره المختلفة وإما عن خصائص الأعداد والأشكال ، وإما عن المجتمع الذى نعيش فيه والظواهر الاجتماعية والثقافية التى قد تميزه عن أى مجتمع آخر مثل الظواهر الاقتصادية والاجتماعية والدينية . د- التنبؤ : ويعنى التنبؤ استنتاج حقائق و وقائع جديدة ممكنة الحدوث في المستقبل من الحقائق التى وصلنا إليها وعبرنا عنها بالقوانين العلمية ، أى الاستفادة من القوانين والحقائق التى يوصلنا إليها في التنبؤ بالمستقبل، وكلما كان القانون أكثر عمومية أمكن التنبؤ بحالات أكثر ، وكلما كان القانون أكثر احتمالاً ، وأقرب إلى الواقع كان التنب ؤ صحيحاً أو ذا احتمال أكبر . هـ- التحكم : ويعنى التحكم إيجاد الظروف والشروط المحددة التى تتحقق فيها ظاهرة معينة للحصول على الظاهرة في الوقت الذى نريد والمكان الذى يختار ، وقد يعنى منع حدوث الظاهرة بمنع حدوث الظروف التى تحدث فيها ، كما قد يعنى التحكم السيطرة على القوى الطبيعية وتسخيرها لخدمة الإنسان ، وذلك بعد أن تعرف القوانين المتحكمة فيها ، ويلاحظ أن التحكم قد يكون فعلياً ، وقد يكون فرضياً حين يتعذر بناء الظاهرة بصورة عملية . و- التطبيق العملي : أى أن البحث العلمى يهدف إلى تحويل المبدأ الذى عبر عنه تولوستوى العلم من أجل العلم إلى أن العلم في خدمة المجتمع لأن كل شىء يقدر بفائدته أو منفعته أو بماله من استخدام أو تطبيق ، ولم يقتصر هذا الاتجاه على الأشياء المادية بل تعداها إلى الأفكار والمعانى العقلية .
عدد الصفحات ١٩20 ن- أن حل المشاكل الإنسانية والعلمية : وتمثل حل مشاكل المجتمع الهدف الأخير من البحث الاجتماعي ، وهذه المشاكل قد تنشأ عن الظروف الطبيعية كالجفاف والتصحر وقد تنشأ عن المجتمع البشرى كالانفجار السكانى وأزمة المساكن وتفشى الأمراض والأوبئة وزيادة الجريمة وغيرها وبالتالى فالعلماء يحاولون إيجاد حلول ملائمة للمشاكل التى تعترض طرق التقدم أو التى تهدد حياته البشرية أو التى تقلل من رفاهية الإنسان وسعادته أو حتى التى تهدد بانقراض بعض الأنواع الحيوانية والنباتية . (2) رابعاً : تصميم البحث واستراتيجيتهResearch Design تشير عملية تصميم البحث إلى الخطة الاستراتيجية لمشروع أو برنامج البحث ، متضمنة الإطار العام والملامح الرئيسية لما سيتم إنجازه من عمل بما فيها الطرق المستخدمة في جمع البيانات وتحليلها ، مع توضيح مدى ملاءمة وكفاءة تلك الاستراتيجية في تحقيق الأهداف الخاصة بالدراسة ، وما إذا كانت قضايا الدراسة ذات توجه نظرى أم تطبيقي ، ومن ثم فإن تصميم البحث يتضمن عملية كفاية الخطة نفسها واختيار نمط الدراسة الملائم من بين البدائل المتاحة وحجمها النسبي وما إذا كانت ستعمد إلى استخدام ثلاث أدوات بحث مع التوفيق بين كل هذه الخطط وبين الموارد المتاحة والجدول الزمني . (2) ويقترب من هذا المعنى التعريف الذى وضعه ميشيل مان بأن تصميم البحث يتضمن الخطة المتعلقة بشريحة من البحث الأمبريقى محددة الطريقة التى ينبغي إتباعها في جمع المادة وتحليلها لاختبار الفروض الناشئة عن نظرية ما أو لتطوير تأملات دقيقة في المشكلة التى تجرى دراستها ، وتجمع الخطة بين الصلة الوثيقة بالمشكلة والاقتصاد في إجراءات البحث ، ومرحلة التصميم هى أكثر الأدوار حسماً في العملية البحثية ، وقد يشتمل تصميم معين على التجربة experiment أو المسح الاجتماعيsocial survey أو الملاحظة بالمشاركة أو أى تو ليفه مركبة من أكثر من إجراء منهجي . (02)
عدد الصفحات ٢٠21 أى أن البحث يحتاج إلى خطة وإجراء منظم ومخطط هذا فضلاً عن مفهومات يستعين بها في التعبير عن مشكلته بوضو وفروض يلتمس بها وجهة فيجمع وقائع تحتاج في النهاية إلى تفسير إستناداً إلى نظرية واضحة ونشير إلى مثال توضيحى لذلك من ميدان العمارة ، فإذا كانت رغبة لإقامة بناء معمارى وليكن مسجداً أو مستشفى أو حتى عمارة سكنية فإن أول شىء يكون مطلوباً لإقامة هذا البناء هو توفر التصميم الذى يمكن على أساسه إخراج هذا البناء إلى حيز الوجود ، وعادة ما يقوم المهندس المعماري بوضع التصميم المناسب مع البناء المطلوب الذى يضم كافة الاعتبارات اللازمة لإقامة هذا البناء من حيث الشكل والحجم، والمساحة ، وعدد الأدوار ، وتوزيع الغرف على الأدوار والفتحات والمداخل والمساقط وما إليها بحيث لا تواجه عملية تنفيذه عقبة لم تكن في الحسبان ، وهذا معناه أن التصميم Design عبارة عن خطة يتصورها الشخص وتنطوى على عناصر وإجراءات لازمة للوصول إلى الهدف من هذا التصميم وتأخذ في اعتبارها كافة الاحتمالات التى قد تحول دون الوصول إلى هذا الهدف عند التنفيذ . وهذا يعنى أنه قبل أن نجرى البحث ضرورة رسم خطة تشتمل على مجموعة قرارات مثل : - - ما الذى تدور حوله الدراسة وما هي نوع البيانات المطلوبة ؟ - لماذا تجرى الدراسة ؟ - وأين يمكن أن نجد البيانات المطلوبة ؟ - وأى المجالات سوف تطبق الدراسة ؟ - وأى فترة زمنية ستجرى الدراسة ؟ - وما مقدار المادة أو كم عدد الحالات المطلوبة ؟ - ما هى أسس اختيار الحالات التى سندرسها ؟ - وأى طرق جمع البيانات ستأخذ بها ؟
عدد الصفحات ٢١22 أى أن عملية التصميم تأخذ في اعتبارها ماذا ، وأين ، ومتى ، وكم وبأى الوسائل المتاحة إلخ . بحيث يفهم من ذلك كله أنه إذا توقعنا كل ما تحتاجه مشكلة البحث وأمكن لنا أن نقرر ما سنفعله مسبقاً بشأنها فإننا بذلك سنريد من فرصتنا في التحكم في عملية إجراء البحث . (00) وهكذا يعتبر التصميم بمثابة التخطيط المنسق والمنطقي والموجه لمراحل البحث أو هو الخطة الشاملة لتتابع الخطوات التى يقصد الباحث إتمامها أو إنجازها لكى يحقق مجموعة أهداف بحثه ، إذ يعين هذا التصميم منهج البحث والطرق التى يختارها الباحث في بحثه إلى جانب الإطار النظرى الذى يستند إليه البحث فضلاً عن كل الخطوات الإدارية اللازمة لتنفيذ هذا التصميم ، كما تنطوى مسودة التصميم على توقع للطرق البديلة التى يحتمل اللجوء إليها في تنفيذ بعض خطوات البحث أى أنه وصف تفصيلي لقرارات الباحث وأسباب كل قرار منها والتى يتخيرها استنادا إلى المعايير العلمية . وفي هذا الصدد يعرف راسل آكوف Ackoff نموذجاً مثالياً لتصميم البحث الاجتماعي بادئاً بتساؤل يتعلق : ما معنى كلمة تصميم؟ ويرى أنها كلمة تعنى الإنشاءات أو إقامة البناء وإذا كان لدينا إطاراً أو تصوراً لهذا البناء فإن هذا التصور هو في حد ذاته تصميم لخطة يتبعها الباحث ، ويجب أن يكون البحث مصمماً بطريقة منهجية بمعنى توضيح المدى الذى على أساسه يكون البحث مخططاً قبل ذلك ، وبمعنى توضيح المدى الذى عنده يصبح منهج وأسلوب إجراء البحث مقيماً أو قابلاً للتقييم ، وإذا وضع هذا التصميم في نموذج رمزى فبالإمكان تسميته بنموذج البحث Research Model . وينبغي أن يتض من التصميم المنهجي النموذجى للبحث محددات أساسية لظروف وإجراءات البحث ، وهذا يتضمن إيجاد حل أو إجابة لبعض الأسئلة مثل ماذا سوف أفعل ؟ ولمن ؟ وتحت أية ظروف ؟ ولأى شىء سيتركز نظري ؟ وبمعنى آخر فإن تصميم البحث يتطلب بعض المظاهر مثل : 0- موضوع أو موضوعات احظة .
عدد الصفحات ٢٢23 0- البيئة أو البيئات التى ستتم الملاحظة خلالها 3- الدافع أو الدوافع إلى الملاحظة 0- الاستجابة أو الاستجابات الملحوظة وينتهى أكوف إلى أن خطوات تصميم البحث هي : أ- اختيار المفهومات الوثيقة الصلة بالموضوع ، وهنا يجب أن نحدد محكات الصلة بالموضوع ، ومحكات التعريف ومضمون مختلف التعريفات المستخدمة . ب- ثبات أو تغير المتغيرات الحتمية المستخدمة وهذا يتطلب تحديد علاقة السببية والإرتباط بين المتغيرات . جـ- تحديد المتغيرات الكمية والمتغيرات الكيفية ، وهذا يتطلب تحديد بعض المقاييس والمعالجات الإحصائية ، كما يتطلب تصنيف البيانات والقيم المستخدمة . ومع أن هناك عديداً من التحليلات الناضجة لعملية البحث إلا أن آكوف يتفهم البحث بمنظور مخالف ، حيث يرى أن الباحث الاجتماعي يهتم بالتفاعلات التى تحدث بين الأفراد والجماعات والبيئات بمعنى أنه يذهب إلى صياغة مفاهيم البحث على أنها عملية اتصال ويضع لذلك رسماً كروكياً لنموذج تصميم البحث من وجهة نظره عندما يحاول البحث حل مشكلة معينة . ويلاحظ أنه يوجد أربع نوعيات لأولئك الذين يتصلون بعملية البحث وأول هذه النوعيات " جمهور البحث " أو الذين يستفيدون من إجرائه ، وقد يكون المستفيد هو الباحث نفسه عندما يوجه بحثه لهدف علمي أو نظري فقط . أما ثانى هذه النوعيات فيتمثل في الباحث المتخصص أو العالم scientist كذلك يشترك في الاتصال بالبحث " جامع البيانات " أو القائم بالملاحظة observer ، وتنتهى هذه النوعيات " بموضوع " الملاحظة مثل الظواهر والجماعات والاتساق والنظم الاجتماعية التى تخضع للملاحظة .
عدد الصفحات ٢٣24 ومن ناحية أخرى فإن كل من أولئك الذين يتصلون بعملية البحث يقوم ببعض الإجراءات المحددة ، حيث يقوم جمهور البحث بتقبل المشكلة وإحالتها إلى الباحث المتخصص الذى يقوم بتدريب الملاحظين والإ رواف عليهم ، ويقوم جامعوا البيانات باستشارة حوافز ودوافع كامنة في موضوع الملاحظة الذى يعطى بالتالى استجابات يقوم جامعوا البيانات بنقلها وتسجيلها وتنويبها وتنتهى الإجراءات عند الباحث المتخصص الذى يصنع التقارير ويعرض النتائج . كذلك فإن حل مشكلة البحث يمر بعد د من الخطوات والمراحل ، إذ يبدأ بوجود المشكلة أو الشعور بها ، وهذا الخطوة تتمثل لدى جمهور البحث أو الباحث الراغب في دراسة موضوع معين ثم تصاغ المشكلة ويوضع تصميم للبحث ويخطط له ، وهذه الخطوة يقوم بها الباحث المتخصص أو العالم ، وتتمثل الخطوة الثالثة في التحر ك والانتقال نحو البيئة التى ستجرى الملاحظات من خلالها ، ويقوم بهذه الخطوة جامعوا البيانات الذين يقومون أيضاً بتسجيل الاستجابات والمعطيات والوقائع ليقوم الباحث المتخصص بمعالجتها لينتهي ببعض الاستخلاصات العملية والتطبيقية التى يجد فيها جمهور البحث إمكانية الا ختيار – من مخت لف الأساليب – لحل المشكلة . (00) وعلى هذا يمكن القول بأن تصميم البحث كما تقول بولين يونجpouline young يتضمن ما ي 0- مصادر البيانات أو المعلومات 0- نوع الدراسة وطبيعتها 3- موضوعات الدراسة ومجالاتها 0- الإطار الإجتماعي والثقاللدراسة . 5- المجال الجغرافى للدراسة 1- الإطار الزمني لإجراء الدراسة 7- أبعاد الدراسة ومحكاتها
عدد الصفحات ٢٤25 2- محكات اختبار المعطيات 2- أدوات جمع البيانات أى أن تصميم البحث عبارة عن تخطيط وتنظيم منطقي يوجه البحث ، ويقوم هذا التصميم على ترجمة البراد ايم scientific paradigim العلمى إلى إجراءات طرق بحثية مختلفة ، وهذا يتطلب الوقوف على الإمكانيات المتاحة ، والوقت الملائم ، والمعطيات الميسرة ، وإمكانية الحصول عليها . وكلما تقدمت الدراسة فإن هناك مظاهر جديدة وعلاقات جديدة بين المعطيات والبيانات ، وهذا يقتضى ضرور ة تغير الخطة وفقا لمتطلبات الظروف الجديدة . (03) ومن هنا طرحت ما يسمى باستراتيجية البحثResearch Strategy حيث تزايد استخدام استراتيجية البحث بين المشتغلين بالبحث الإجتماعي أخيراً لأنهم قد وجدوا أنه من المفيد للباحث أن يشبه البحث العلمى بمعركة ضد المجهول ولأنه من شأن هذا التشبيه أن يوحى بسلسلة من التشبيهات الجزئية التى تعود على البحث بفائدة كبيرة ، من ذلك مثلاً حشد جميع مصادر المعلومات التى تمس جبهة البحث وإعداد الأدوات اللازمة والتركيز على قطاع محدود في الميدان ، والالتفاف حول مناطق المقاومة بدلاً من الإصرار على مواجهتها من الزاوية العسيرة ، وعندما يفلح الباحث في أن يفتح ثغرة في جبهة المقاومة يحسن به أن يسرع بالتقدم إلى رقعة فسيحة مؤ ثراً التوسع في البداية ، على أن يأتى التعمق في مرحلة تالية ، وهذا صحيح في البحوث البحته والتطبيقية على السواء ، ومن خلال الإطار العام لهذه التشبيهات يميز البعض بين نوعين من الخطط يضطر الباحث عادة إلى استخدامها في البحث الواحد في الموضع الملا ئم وهي :
عدد الصفحات ٢٥26 أ- الخطط الاستراتيجية بعيدة المدى : وهى التى تحدد المراحل الكبرى للبحث والمعالم الرئيسة لنوع المعلومات المطلوبة في كل مرحلة ، ونوع الأدوات اللازمة لجمع هذه المعلومات ونوع التحليلات الكمية أو الكيفية التى سوف تجرى عليها هذه الخطط الاستراتيجية يشترط فيها أن تحدد منذ البداية تحديداً واضحاً ، مع قسط من المرونة يسمح باستحداث قرارات وتوجيهات تمس التفاصيل دون الجوهر. ب- الخطط التكتيكية : فهى تنشأ لمواجهة مواقف لم تكن متوقعة والتصرف فيها بما يناسبها ولا يتعارض مع جوهر الخطة الاستراتيجية والأصل في الخطط التكتيكية المرونة وحسن التصرف في اللحظة الحرج ة على ضوء خبرات الباحث السابقة والقدرة على ابتكار الحلول المسبوقة . (00) لكن الذى تجدر الإشارة إليه أن هناك خلطاً بين ما يعرف بالمنهج أو الاستراتيجية العامة ، وبين ما يعرف بالطريقة أو تكتيك البحث من ناحية وأدواته من ناحية أخرى ، في بعض مؤلفات البحث الاجتماعي ، لذا نشير إلى النقاط التالية لتوضيح هذه الحقائق :- - أن المنهج يعتبر بمثابة الاستراتيجية العامة أو الخطة العامة التى يرسمها الباحث لكى يتمكن من حل مشكلة بحثه أو تحقيق هدفه أو هو الاستراتيجية التى تعتمد على مجموعة من الأسس والقواعد والخطوات التى يستفا د منها فى تحقيق أهداف البحث والعمل العلمي ، ولقد أمكن التمييز في المنهج بين عدد من الأنواع في مقدمتها المنهج التجريبي والمنهج التاريخي ، ويدرس المنهج التجريبي الظواهر الحاضرة أو الراهنة ويحاول التوصل إلى القوانين العامة أو العلاقات الثابتة بين الأشياء أو يعتمد في ذلك على الملاحظة والقياس والتجربة ويقوم على التعميم ، ويصوغ قوانينه في صورة رياضية ،
عدد الصفحات ٢٦27 أما المنهج التاريخي فهو الذى يدرس ظواهر الماضى ويقوم الباحث بالتنقيب عنها وثائق التاريخ ، فهى ظواهر لا تقع مباروة تحت الملاحظة ولا تفكر مطلقاً غير نمط واحد ، وإنما يقوم الباحث بجمع الوثائق حولها ويحاول التحقق منها ويعتمد على طريقة التحليل والتركيب العقليين وذلك كله بهدف البحث عن العلاقات السببية بين الحوادث الماضية . - تعتبر طريقة البحث بمثابة إحدى قواعد المنهج بإعتباره مجموعة قواعد أو هى الوسيلة التى تنفذ بها المنهج كخطة عامة أو هي التكتيك الذى نطبق به المنهج باعتباره استراتيجية ، فإذا كان المنهج التاريخي في دراسته لظواهر الماضى يحاول تحقيق هدفه من خلال تحليل الوثائق والسجلات المتوافرة عن الماضى حول هذه الظواهر ، فإن تحليل الوثائق والسجلات تعتبر بمثابة الطريقة أو التكتيك الذي يطبق به المنهج التاريخي استراتيجيته . - هناك في نطاق البحث الاجتماعي أنواع متعددة ومتباينة من طرق البحث الاجتماعي منها ، القياس الاجتماعي ، والمسح الاجتماعي، ودراسة الحالة ، وتحليل الوثائق ، وتحليل المضمون ، والطريقة الاسقاطية لكل واحد منها استخداماتها ومتطلباتها وخصائصها وعيوبها . يجب أن يكون البحث مستوعباً للدروس التى تلقاها في هذا الصدد حتى يستطيع أن ينتقى منها ما يتناسب مع التصميم المنهجى الذى يتفق والموضوع الذى يختاره للبحث . - تعتبر آداة البحث بمثابة الوسيلة التى يلجأ إليها الباحث للحصول على المعلومات للحصول على المعلومات والبيانات التى يتطلبها بحثه ، فقد يستعين الباحث في هذا الصدد بالملاحظة أو بالمقابلات الشخصية أو الاستبيان ولكن عليه في هذا الاستخدام أن يتذكر تلك الدروس المستفيضة التى تلقاها حول طبيعة كل أداة ومتطلباتها واستخداماتها ومميزاتها وعيوبها وحول العوامل التى تتدخل في اختيار الأداة المناسبة لموضوع بحثه أما متطلبات تصميم أداة جمع البيانات ووضع البناء المناسب لها فهذا أمر له رووطه المنهجية المحددة . (05)
عدد الصفحات ٢٧28 خامساً : النظرية والبحث الإجتماعي لاشك أن النظرية تحتل مكانة هامة في البحث العلمي ، ولا نغالى إذا قلنا أنها لا تقل أهمية عن المنهج العلمى نفسه ، حيث أن كثيراً من البحوث الاجتماعية تبدأ بالنظرية لتعود إليها ثانية في نهاية البحث . ونظراً لهذه الأهمية – فقد أولاها الكثير من الباحثين اهتماماتهم بالتعريف والتوضيح والتحليل وإلقاء كثير من الأضواء على وظيفتها في البحث العلمى ، فلقد عرفت النظرية بوصفها " نسق من المعرفة الشخصية التعميمية ، وتفسير للجوانب المختلفة للواقع دائماً ترتبط بأشياء ومصطلحات أخرى مع أنها تختلف عن التطبيق والممارسة لأن جوهرها يهتم بإعادة صوغ الواقع صوغاً عقلياً ، وإذا كانت كل نظرية نسقاً أو إطار فكرياً ، فهى نسق معقد ، فالنظريات الفيزيقية مثلاً يمكن لنا أن نميز ما بين جزأين أو مكونين ، الحسابات الصورية كالرياضيات والرموز المنطقية والقواعد . الخ ، والتفسير الأساسى الجوهرى كالمقولات والفئات والقوانين والقواعد وما إلى ذلك . وإذا كان التعريف السابق تعريفاً يكاد يكون وصفياً وليس تحليلاً بمعنى أنه يشير إلى أن للنظرية مكونات ، دون توضيح ماهية هذه المكونات ، ويشير إلى وظيفتها التفسيرية ، وكأن ليس لها سوى هذه الوظيفة فقط لكن يمكن الوصول إلى تعريف أكثر شمولية للنظرية بوصفها " إطار أو نسق فكري متسق حول ظاهرة أو مجموعة من الظاهرات المتجانسة تقريباً ، وتحوى تصورات ووصف وتحليل وتفسير لهذه الظاهرات ، فهذا يعنى أنها تتألف من مفهومات وتصورات للظاهرات ، وتصنيف لمكوناتها وتصور لما بين هذه المكونات من علاقات، وما قد توجد من علا قات وارتباطات بين الظاهرة وما عداها من ظاهرات، وصوغ كل هذا في قضايا ممكنة ومحتملة قابلة للاختبار والإثبات والتعديل على أن هذا التعريف يمكن أن يتضح أكثر في ظل تحديد أهم رووط بناء النظرية العلمية على النحو التالي :- 0- الإيجاز : بمعنى أن تكون النظرية العلمية موجزة في التعبير عن الحقائق التى تشتمل عليها ، وفي بيان الغرض الذى وضعته من أجله .
عدد الصفحات ٢٨29 0- الشمول : بمعنى أن تشتمل بقدر الإمكان على جمع الحقائق الفرعية التى تنطوى عليها ، وأن تفسير أكبر عدد من الظاهرات . 3- الانفراد : وهذا يعنى أنه يجب أن تنفرد النظرية بتفسير الحقائق التى تشتمل عليها " فوجود نظرية أخرى تفسر نفس الحقائق التى تفسرها النظرية الأولى بضعف الأهمية العلمية للنظرية . 0- القدرة على التنبؤ : بمعنى أن النظرية التى يجب أن تساعد على التنبؤ بما قد يحدث للظاهرات قبل حدوثها فإذا ظهر أن هذه التنبؤات صحيحة از دادت النظرية قوة ويقيناً . (01) ومن هنا تمارس النظرية تأثيراً ملزما ً على البحث بأن تحدد أو تطر المشكلات التى تحتاج لبحث ، وتبرز الموضوعات الهامة عن غيرها وتقود البحث نحو العلاقات المؤكدة ، وتقود نتائج هذه البحوث بدورها إلى اختبار النظريات واقترا مشكلات جديدة تدعو إلى صياغة مشروعات نظرية جديدة ، وهكذا تتشابك النظرية والبحث والحقيقة الأمبريقية في نسيج من العمل توجه فيه النظرية البحث ، ويقوم البحث بالكشف عن الحقائق وعزلها كما تؤثر الحقائق في النظرية ويتمثل ثمار التفاعل هذا في أنه يعد بمثابة الوسيلة التى من خلالها يتطور أو ينمو العلم الأمبريقى. وهكذا تؤثر النظرية في البحث من عدة وجوه ، إذ تعمل النظرية على توجيه دوائر البحث نحو الموضوعات المثمرة ، وتضفى المغزى والدلالة على النتائج ، كما تساعد توجيهاتها وتعميماتها ومفاهيمها على تنمية وتطوير البحث من ناحية أخرى . (07) وقد حدد كل من بول هات وويليام جودGood and Hatt دور النظرية في عملية البحث بشكل أكثر تحديداً فيما يلي : (02) أ- تحديد أنواع البيانات الأساسية التى يمكن تجريدها . ب- أن النظرية تقدم إطاراً تصورياً conceptual frame يمكن من خلاله تنظيم وتنسيق وتصنيف البيانات وتوضيح ارتباطات الظاهرة مجال الدراسة . جـ- أن النظرية تعمل على تلخيص وإيجاز الحقائق للوصول إلى التعميمات الميدانية وانساق التصميم .
عدد الصفحات ٢٩30 د- أن النظرية تساعد في الوصول إلى التنبؤ بالحقائق . و- وأخيراً تعمل النظرية على سد الثغرات والفجوات بين المعارف العلمية . سادساً : بعض الاعتبارات والمشكلات العامة : في الواقع أن مشكلات تصميم البحوث لا تقتصر على منهج معين من المناهج أو على مرحلة واحدة من مراحل البحث ، وإنما كل منهج علمى ينطوى على مشكلاته الخاصة بالتصميم ، وكل بحث تواجهه ظروف خاصة يتعين الالتفات إليها عند تخطيط إجراء البحث ، ولقد لوحظ في الوقت الحاضر عند عمل مشروعات بحثية Research projects والتى توضع لكى نتناول مشكلة كبرى ذات جوانب فرعية ويخصص لها الوقت والميزانية اللازمة لتغطية عدد من الموضوعات وتستخدم مناهج وأدوات بحث متعددة أصبحت هذه البحوث وبخاصة البحوث الممولة مشكلات جديدة في التصميم والتخطيط ، حيث تطر مشكلة التكامل بين مجموعة الفروض ، والتكامل بين عدد من الدراسات الفرعية وتمثل مسألة التكامل هذه متطلباً ضرورياً حتى تخرج الدراسة متصلة حلقاتها ومعتمدة على المدخل البينى الشامل Inter disciplinary approach ويمكن هنا أن نلخص بعض الاعتبارات والمشكلات العام ة التى يجب مراعاتها عند تصميم البحث على النحو التالي : - 0- التصميم هو تخطيط البحث وبرنامج تنفيذه ويمثل مطلباً أساسياً لأى نوع من البحوث العلمية ، ولا يمكن وصف تصميم البحث بأنه علمى أو غير علمى وإنما نقول أن تصميماً ملائماً أو غير ملائم ، وتؤثر اعتبارات معينة في عملية التصميم مثل درجة الدقة المطلوبة في الدراسة ، ونوع البرهان الذى نريده ، وطبيعة المعلومات المطلوبة . 0- ضرورة مراعاة توافر بدائل الفروض في عملية التصميم لكى تتعدد التفسيرات التى تنطوى عليها الدراسة ، وتحقيق فوائد علمية أوسع مما لو اقتصرت الدراسة على فرض وحيد فقط .
عدد الصفحات ٣٠31 3- ليس هناك تصميم فريد ناجح وإنما يختلف التصميم أو التخطيط باختلاف الموضوع المدروس ، وباختلاف الباحثين ، وخبراتهم واهتماماتهم وتتنوع وتتعدل أيضاً وفقاُ للمراحل التى تمر بها عملية البحث بها ووفقاً للظروف والمواقف العملية التى تواجه الباحث أثناء إجراء بحثه من جهة أخرى . 0- توجد عوامل عديدة تتحكم في تصميم أو تخطيط البحث منها الوقت المخصص للدراسة والميزانية Budget وإمكانية الحصول على المعلومات ، ودرجة توافر بيانات رسمية ، وتدريب الباحثين الميدانيين ومعاونة الهيئات الرسمية وهذه العوامل يجب أن تؤخذ جميعاً في الاعتبار عند عملية التصميم. 5- ليس التصميم الذى يوضع نظرياً تصميماً نهائياً أو قاعدة عامة لا يمكن الانحراف عنها وإنما التصميم قد يتغير أو يتعدل في ضوء الاعتبارات الميدانية والظروف التى تستجد أثناء إجراء البحث . 1- أصبح من الشائع في الوقت الحالى استخدام مصطلح الاستراتيجية المنهجية Research strategy والتى يقصد بها كافة الطرق والأساليب والأدوات والإجراءات التى تتخذ من أجل تحقيق أهداف البحث ، حيث يحاول الباحث في مرحلة التصميم أن يستخدم أكثر من طريقة أو منهج في إجراء البحث بحيث يخدم كل منهج جانباً معيناً من جوانب المشكلة المطروحة كما أنه بالمثل يستخدم أكثر من أداة لجمع المعلومات بحيث تتوافر لدى الباحث المعلومات المناسبة لتحقيق أهداف الدراسة ، وقد يستخدم الباحث أكثر من عينة للحصول منها على المعلومات المناسبة أو يجرى البحث على مستويات متعددة رويطة أن يتم ذلك كله على أساس مراعاة الاتساق والتكامل المنهجي . ويمكن توضيح هذه الاستراتيجية مع بعض مشكلات التصميم من خلال نموذج لدراسة مصرية قام بها المؤلف جعل عنوانها " الأصول الاجتماعية للمستثمرين في الريف المصرى : دراسة ميدانية في محافظة الغربية . (02)
عدد الصفحات ٣١32 والهدف الرئيس من هذه الدراسة يتمثل في محاولة تقويم مدى كفاءة التصور النظرى الذى طوره الباحث من خلال تحليل نظرى لمفكرى نظرية التبعية في وصف وتشخيص مشكلات التراكم الرأسمالي في مصر فكأننا هنا نعرض للقارىء صورة واقعية حية ( للاستثمار ) والقوى الاجتماعية التى تتخذ قرارات الاستثمار ومعوقاته والمناخ الملائم لعملية الاستثمار وكيفية خلق قدرات إنتاجية تساعد على تطوير عملية الإنتاج في مصر ، والواقع أن أى دراسة ميدانية من هذا النوع تحتاج إلى الاستعانة باستراتيجية منهجية خاصة بحيث تلائم متطلبات التصور النظرى المستخدم من جهة وتتسق مع طبيعة الدراسة السوسيو اقتصادية من جهة أخرى ، في ضوء ذلك أجريت دراسة حالة متعمقة لمجموعة من المستثمرين في محافظة الغربية في قريتى نواج مركز طنطا وقرية سجين الكوم مركز قطور غربية ، ولقد كان الاختيار لهذين القريتين محكوماً بعدة اعتبارات فمنها أو لاً تمثل أحدهما قرية نموذجية على مستوى الجمهورية وهى قرية نواج التى تقع بالقرب من مدينة طنطا ، وقرية تقليدية تقع في مركز قطور وهما ثانياً يمارس أنشطة استثمارية في قطاعات إنتاجية مختلفة والتى ظهرت في عصر الانفتا الاقتصادي ثم فهما ثالثاً يعتبرا نموذجاً بنائياً ممثلا لكثير من القرى الريفية الأ خرى التى تتفق معهما في الأهداف والحجم ، بحيث يمكن أن تصدق نتائج دراستنا إلى حد ما على هذه النماذج . كما أخذت في اعتباري عند تصميم الإطار المنهجي لهذه الدراسة أن أحصل على بيانات ومعلومات تشمل عينة كبيرة الحجم نسبياً من القريتين من أرباب الأ سر بلغت (052) مفرده بوصفهم يمثلون كافة أنواع الاستثمار سواء الإنتاجي مثل القطاع الزراعي أو الإنتاج الحيواني أو الإنتاج المتصل بالقطاع الزراعي مثل مصانع الألبان أو مصانع العلف أو مضارب الأرز وغيرها أو الأنشطة التجارية مثل تجارة الماشية أ و تجارة الحبوب أو تجارة القطن وغيرها أو المحلات التجارية وأخيراً الأنشطة العقارية والخدمية وغيرها .
عدد الصفحات ٣٢