193 ويعترف الباحثون في العلوم الاجتماعية بأن ديناميات الجماعة سلا ذو حدين في الجماعات البؤرية، بإعتبارهم أهم مصدر قوة لتشجيع النقاش بين المبحوثين من ناحية، وأخطر تهديد لمناقشة القضايا مناقشة مفتوحة من جانب المبحوثين من ناحية أخرى . وعندما يصل الأمر إلى تحليل بيانات الجماعة البؤرية ينظر نفس هؤلاء الباحثين إلى ما يطلق عليه " تأثير الجماعة " Group Effect نظرة سلبية، بإعتبار أن هذا التأث يمثل تهديداً لصحة وجهات نظر المبحوثين وخبراتهم . ويشير الباحثون إلى صعوبة – بل وإستحالة – إنتزاع وجهات نظر الأفراد من وجهات نظر الجماعة، أي ظاهرة التفكير الجماعي Group Think ، وتلويث الإجابة الحقيقية للفرد(10) . ويمكن القول بلغة أخرى أنه في الوقت الذي يشعر فيه باحثو الجماعة البؤرية بالرغبة في فوائد التفاعل الجماعي في تشجيع إفصا المبحوثين عن المعلومات وتدفقها، فإن هؤلاء الباحثين يأسون على أن الجماعة قد تلوث وجهات نظر أعضائها . ويمكن أن يكشف تحليل التفاعل في الجماعة البؤرية عما يلي : 0) اللغة المشتركة حول الموضوع، والأمور المسلم بها، والأمور الأخرى التي تحتاج إ إيضا من المبحوثين . 0) المعتقدات والأوهام حول الموضوع الذي يشترك المبحوثين في منا قشته، و بعض هذه المعتقدات والأوهام أمور مسلم بها، وبعضها الآخر يتم تحديه . 3) مصادر المعلومات التي يلجأ إليها المبحوثون لتبرير وجهات نظرهم وخبراتهم وكيفية إستجابة الآخرين لها . 0) مصادر المعلومات وأنماطها التي تثير تغيراً في الرأس، وإعادة تفسير الخبرات 5) نبرة الصوت، واللغة، ودرجة المشاركة الوجدانية عندما يتحدث المبحوثون مع بعضهم البعض حول الموضوع (10) .
عدد الصفحات ١٩٣194 ومن مزايا الجماعات البؤرية أنها تستنبط المعلومات بطريقة تسمح للباحث تفسير أسباب بروز قضية ما . ونتيجة لذلك يمكن فهم الفجوة بين ما يقوله الأفراد ويفعلونه على نحو أفضل، والوصول إلى تفسيرات متعددة لإتجاهات المبحوثين وسلوكهم . ولا ينبغي الإقلال من فائدة بحوث الجماعة البؤرية للمبحوثين إذ أن فرصة الإنخراط في عمليات صنع القرار، وتقدير المبحوثين على أنهم خبراء ، وإتاحة الفرص لهم للعمل بالتعاون مع الباحثين – كل ذلك يمكن أن يمثل مصدر قوة لكثير من المبحوثين . وإذا كانت الجماعة تمارس نشاطها على نحو جيد، فإن ذلك من شأنه أن يؤدي إلى بناء جسور الثقة وزيادة مقدرة الجماعة – كوحدة وليست كأفراد – على إستكشاف الحلول لمشكلة معينة . وينبغي أن نعي أنه ليس بمقدور جميع المبحوثين أن يجنوا ثمار هذه الفوائد من الجماعة البؤرية، لأن هذه الجماعة يمكن أن تشكل مصدراً لتخويف بعض أعضائها الإنطوائيين أو الخجولين . وبالتالي لا يمكن للجماعة البؤرية أن تكون مصدر قوة لجميع المبحوثين، ويمكن لأدوات البحث الاجتماعي الأخرى أن تتيح هذه الفرصة للمبحوثين . ومع ذلك، إذا شارك المبحوثون مشاركة إيجابية في نشاط الجماعة، فإن بحوث الجماعة البؤرية تكون ذات طبيعة تطبيقية في الغالب، ويمكن إنجاز التمكين Empowerment بشكل واقعي ومن المزايا الأخرى للجماعات البؤرية أنها يمكن أن تجعل من المبحوثين مصدراً للتغير أثناء مقابلة الجماعة البؤرية أو بعدها . ففي بحث قام به " جوس ولينباش " (13) إكتسب المبحوثون شعوراً بالحرية من خلال التحدث وسط حشد من الأفراد ومن خلال تنمية علاقات مع الباحثين . وفي دراسة أخرى أجراها " سميث وزملاؤه " وجهت الدعوة للمرضى في المستشفى لإبداء وجهات نظرهم حول الخدمات التي تقدمها المستشفى، وأفكارهم بشأن تحسين هذه الخدمات . وفي هذا المثال حدثت تغيرات على المستوى الإداري كنتيجة مباروة لآراء المرضى .
عدد الصفحات ١٩٤195 وعلى الرغم من أن بحوث الجماعة البؤرية تتمتع بمزايا عديدة، إلا لها مثالب شأنها في ذلك شأن جميع أساليب البحث الاجتماعي . ويمكن التغلب على بعض هذه المثالب بالتخطيط السليم، إلا أن بعضها الآخر يصعب تفاديه ويصبح لصيقاً بهذه الأداة . إذ تقل سيطرة الباحث على البيانات التي يحصل عليها مقارنة بالدراسات الكمية أو المقابلات الفردية . وهنا يستوجب على الباحث أن يتيح الفرصة للمبحوثين للتحدث مع بعضهم البعض، وتوجيه الأسئلة والتعبير عن شكوكهم وآرائهم ، مما يجعل سيطرة الباحث على التفاعل محدودة بدلاً من توجيه المبحوثين للتركيز على موضوع البحث . وتعد بحوث الجماعة البؤرية – بطبيعتها – بحوثاً مفتوحة، ولا يمكن أن تعتمد على الأسئلة المغلقة إعتماداً مطلقاً . ومن الخطأ أن نفترض أن الأفر اد في الجماعة المحورية يعبرون عن وجهات نظرهم الفردية المحضة، حيث أنهم يتكلمون في سياق معين، وفي إطار ثقافة بعينها، ولذلك يصعب على الباحث في بعض الأحيان أن يحدد وجهة نظر الفرد بشكل واضح . وهذه أيضاً إحدى مثالب الجماعات البؤرية . ومن الناحية العملية يمكن أن يكون حشد الجماعات البؤرية أمراً صعباً . وقد لا يكون سهلاً إختيار عينة ممثلة، وربما لا تتيح هذه الجماعات فرصة مشاركة بعض المبحوثين الإنطوائيين أو الخجولين، والذين لديهم مشكلات في الإتصال، أو المبحوثين الذين يندرجون تحت " الفئات الخاصة " (10) . ك أن أسلوب مناقشة الجماعة البؤرية قد لا يشجع بعض الأفراد على الثقة في الآخرين نتيجة الإدلاء بمعلومات تتسم بالحساسية والخصوصية . وفي مثل هذه الحالات يفضل إستخدام المقابلات الشخصية أو الإعتماد على دليل المقابلة جنباً إلى جنب مع الجماعات البؤرية . وأخيراً ربما يشعر بعض المبحوثين أن الجماعة البؤرية تنقصها السرية التامة، لأن المعلومات التي يدلون بها يتم تداولها بين الآخرين في الجماعة .
عدد الصفحات ١٩٥196 التنظيم العملي للجماعات البؤرية يتطلب تنظيم مقابلات الجماعة البؤرية قدر أكبر من التخطيط مقارنة بالأنواع الأخرى للمقابلة، نظراً لأن حشد جماعة من الأفراد يمكن أن يكون عملية صعبة، كما أن تدبير مكان مناسب وأدوات ملائمة لتسجيل المقابلة يتطلب وقتاً أطول . ويوصي الباحثون بأن يكون عدد الأفراد في الجماعة البؤرية من ستة إلى عشرة، غير أن بعض الباحثين قاموا بإجراء دراساتهم على جماعة مكونة من خمسة عشر فرداً، أو جماعة مكونة من أربعة أفراد فقط . وقد يختلف عدد الجماعات البؤرية أيضاً، فبعض الدراسات عقدت لقاءاً واحداً فقط كل جماعة من الجماعات البؤرية المتعدة، وشمت دراسات أخرى قابلت نفس الجماعة عدة مرات . ويمكن أن تستمر مقابلة الجماعة البؤرية من ساعة إلى ساعتين . ويمكن أن تساعد الأماكن الحيادية في تجنب التحيز عند عقد اللقاء في مباني الروابط أو الجمعيات الخاصة . وبدلاً من ذلك يمكن عقد لقاءات الجماعة البؤرية في عدة أماكن ( مثلاً في منازل الأفراد، أو المباني المؤجرة، أو في المكان الذي يلتقي فيه الأفراد الذين لا يشكلون جماعة منظمة ) . ولا يبدو من السهل دوماً تحديد أنسب المبحوثين في الجماعة البؤرية . فإذا كانت الجماعة غير متجانسة بدرجة شديدة من زاوية النوع أو الطبقة أو من زاوية الأشخاص المتخصصين أو العاديين – فإن التباين بين المبحوثين يمكن أن يترك أثراً و اضحاً على آرائهم . وعلى العكس من ذلك إذا كانت الجماعة متجانسة في خصائص معينة، فإنه لا يمكن الكشف عن الآراء والخبرات المتباينة . ويحتا ج المبحوثين إلى الش عور بالإرتيا مع بعضهم بعض . ومن المؤكد أن مقابلة مبحوثين يتشابهون في الخصائص أو في مستويات الفهم لموضوع ما يكون أكثر تشجيعاً للباحث من مقابلة مبحوثين بينهم قدر كبير من التباين . وبمجرد أن يستقر الباحث على نوعية المبحوثين، فإن ثمة تحدياً ثانياً يجابهه يتمثل في حشدهم لإجراء المقابلة لأن ذلك قد يستغرق منه وقتاً طويلاً خاصة إذا كان موضوع البحث لا يحقق لهم منافع مباروة أو لا يكون مشوقاً لهم .
عدد الصفحات ١٩٦197 ويمكن حشد هؤلاء المبحوثين إما بالإعتماد على مهارة الباحث أو بالإستعانة بالإخباريين، أو باللجوء إلى الدعاية والحملات الإعلانية، أو من خلال شبكات العلاقات الاجتماعية القائمة . كما يمكن تقديم حوافز للمبحوثين تحقيقاً لهذا الغرض . دور الباحث : ما أن ينجح الباحث في ترتيب عقد اللقاء مع الميحوثين ، يصبح دوره في غاية الأهمية، إذ أن عليه أن يقدم تفسيرات واضحة للهدف من اللقاء مع الجماعة المحورية ، ويساعد الأفراد على الشعور بالإرتيا ، وييسر التفاعل بين أعضاء الجماعة . وينبغي على الباحث أثناء اللقاء أن يشجع على الجدل والحوار بطر أسئلة مفتوحة إستنباط التباين بين المبحوثين في وجهات نظرهم المتعلقة بموضوع البحث . وفي بعض الأحيان يحتاج الباحث إلى التعمق في تفاصيل الموضوع، أو القفز سريعاً من فكرة إلى أخرى عندما ينتابه الشعور بأن الحوار يبعد عن موضوع البحث أو أن هذا الحوار وصل إلى إستنتاج لا قيمة له . وعلى الباحث أن يحرص على تركيز النقاش على موضوع اللقاء، وقد يضطر عمداً في بعض الأحيان إلى توجيه الحوار إلى الموضوع الأصلي، كما أن عليه يتأكد أن كل مبحوث قد أتيحت له الفرصة للحديث . ويجب على الباحثين أن لا يبدوا مواقفهم على رأي معين حتى يتحاشى تحيزه لبعض المبحوثين . كما ينبغي على الباحث تجنب طر آر ائه الشخصية حتى لا يؤثر على المبحوثين بالإنحياز لموقف أو رأي معين . ولما كان دور الباحث دوراً مهماً، فإن عليه أن يتمتع بمهارات طيبة في مجال العلاقات بين الأشخاص، إلى جانب بعض السمات الشخصية كحسن الإصغاء و الموضوعية والقدرة على التكيف . وهذه السمات تزيد ثقة المبحوثين في الباحث وتشجع على إجراء حوار مفتو ومثير .
عدد الصفحات ١٩٧198 وأخيراً ينبغي التأكيد على أن سيطرة الباحث وتوجيهه للقاء مع الجماعة المحورية يتوقف على أهداف البحث وشخصية الباحث . وإذا إشترك باحثان أو أكثر في إدارة اللقاء مع هذه الجماعة ، فيجب ترتيب الأدوار بحيث يتولى أحد الباحثين إجراء الحوار مع المبحوثين، ويضطلع الثاني بتسجيل البيانات والإرواف على وسيلة تسجيل المعلومات خلال اللقاء، وهذا يتطلب نوعاً من التنسيق بين الباحثين من أجل توزيع مناسب للأدوار والمسئوليات بما يؤدي إلى تحقيق اللقاء لأغراضه . القضايا الأخلاقية : تتشابه الإعتبارات الأخلاقية المتصلة بالجماعات البؤرية مع مثيلاتها بالنسبة للأدوات الأخرى للبحث الإجتماعي (15) . إذ ينبغي على الباحث عند إختيار المبحوث وحشدهم أن يحيطهم علماً بكافة المعلومات حول الهدف من مشاركتهم وجدواها، ويجب توخي الأمانة وتعريف المبحوثين بالجماعة وموضوع البحث، وعدم ممارسة ضغوط عليهم كي يتحدثوا في اللقاء . ومن القضايا الأخلاقية التي يجب أخذها بعين الأعتبار في حالة الجماعات البؤرية التعامل مع البيانات الحساسة والسرية نظراً لوجود أكثر من مشارك في الجماعة . ويجب على الباحث أن يوضح للمبحوثين منذ البداية أن آرائهم سوف يطلع عليها الأعضاء الآخرون في الجماعة إضافة إلى الباحث نفسه . ويحتاج المبحوثون إلى تبصيرهم بالمحافظة على سرية ما تداوله اللقاء، وتقع لدى الباحث أيضاً مسئولية عدم إفشاء البيانات خارج نطاق الجماعة .
عدد الصفحات ١٩٨199 ونخلص من هذه المناقشة التفصيلية لمنهجية الجعة البؤرية إلى أن الباحثين الذين إعتمدوا عليها وجدوا فيها أداة وأعدة للبحث الاجتماعي مقارنة بغيرها من الأدوات، ومن ثم فإن بحوث الجماعة البؤرية يمكن أن تكون مصدر قوة للمبحوثين، وتحدياً مثيراً للباحثين الاجتماعيين الذين يرغبون في طرق الموضوعات التي تستحوذ على إهتمامهم بمنظور مختلف . نماذج من الدراسات السابقة : أتيح للباحثين الإطلاع على إحدى وعشرين دراسة سابقة إعتمد بعضها في جمع البيانات الميدانية على الجماعة البؤرية، في حين جمع بعضها الآخر بين الجماعة البؤرية والأدوات الأخرى لجمع البيانات الكيفية مثل المقابلات المتعمقة . ولا يتسع المجال هنا لعرض كل دراسة من هذه الدراسات السابقة على حدة ، ولذلك إخترنا نماذج من تلك الدراسات . وجاء هذا الإختيار مستنداً على تنوع المجال الجغرافي للدراسة ما بين دول عربية ( مصر، تونس ) وآسيوية ( تايلاند، فيتنام، الفلبين، أندونيسيا، بنجلاديش ) وأفريقية ( زامبيا ) بالإضافة إلى ( بيرو ) في أمريكا الجنوبية . وبناء على ذلك نعرض فيما يلي لخمس دراسات أجريت في مصر وتونس وتايلاند وزامبيا وبيرو . (0) إدراك وجهة نظر النساء عن الإجهاض في م(11) : أجريت هذه الدراسة لإستقصاء إدراك النساء عن الإجهاض في مصر . وقد إستخدمت الدراسة المقابلات المتعمقة مع المريضات الخاضعات للعلاج في المستشفيات، والمجموعات البؤرية مع المستفيدات من خدمات تنظيم الأسرة، والنساء اللاتي لا تستخدمن وسائل منع الحمل . ومن ثم إستخدمت الدراسة نوعين من البيانات الكيفية بين شهري مايو ويونيو 0225 :
عدد الصفحات ١٩٩200 أ- مقابلات متعمقة تمت مع (30) إمرأة أحلن إلى المستشفى بسبب مضاعفات ما بعد الإجهاض . وإستعانت الدراسة بمريضات في مستشفى في القاهرة وأخرى في المنيا، حيث استخدم إستبيان شبه مقنن في إجراء المقابلة معهن بحيث تم حثهن على وصف تجربتهن (رفضت إحدى النساء إجراء مقابلة معها) . ب- بيانات ذات طبيعة أكثر معيارية عن طريق المناقشات ضمن مجموعات بؤرية مع مجموعتين تتكون كل منها من خمس إلى سبع نساء ممن يترددن على عيادات تنظيم الأسرة إما في نفس المستشفى كمريضات ما بعد الإجهاض، أو في مستشفى آخر قريبة منها . كما عقدت مناقشة أخرى مع مجموعة من نفس الحجم من نساء أخريات في المناطق الريفية لا يستخدمن وسائل تنظيم الأسرة ولسن حوامل . ويمكن تلخيص أبرز نتائج هذه الدراسة فيما يلي : أ - على الرغم من الحساسية الشديدة تجاه موضوع الإجهاض في مصر، فقد إتضح أنه من بين نساء الإحدى والثلاثين تسببت سبع منهن في إحداث الإجهاض عمداً، ومن المحتمل أن تكون (02) منهن قد تسببن في إحداثه، ويعتقد أن00) منهن قد أجهضن طبيعياً . ب- وصفت النساء أجسادهن بأنها كانت في حالة إضطراب متزايد بصرف النظر عما إذا كان الإجهاض تلقائياً أو متعمداً، وشعرت النساء بهذه الحالة الفسيولوجية الحادة التي كان من أعراضها الأولى الآلام الشديدة في الجسم كله، أما المصدر الأساسي للألم فكان الظهر وبالتحديد أسفله . كما شعرت أيضاً بالألم في الصدر والقلب والمعدة والثديين . وتعبر إحدى المبحوثات عن هذا الألم بقولها : " أنا حاسه إن جسمي مكسر حتت حتى مش قادرة أنام، ومش قادرة أقعد، وحاسه إن فيه وجع جامد كل ما بتحرك . أنا عارفة إني حاخد وقت لحد الألم ما يرو . ده أكثر وجع أنا حسيت بيه لغاية دلوقتي " .
عدد الصفحات ٢٠٠201 وتبدو هذه الآلام أكثر وضوحاً بين النساء الفقيرات (خاصة الريفيات) لأن حالتهن الجسدية ضعيفة أصلاً بسبب قلة الغذاء وعبء العمل " إحنا أجسامنا تعبانة من الأول، والسقط بيأثر جامد على صحتنا . والدم اللي بيرو من الست بيخليها أضعف من الأول وبيجيب أنيميا . و عشان كده الست لازم تستريح عشان ترجع لها صحتها " . ج- بعد أن تمر النساء بتجربة الإجهاض يواجهن العودة الوشيكة إلى الحياة الطبيعية والحاجة إلى إستعادة الشعور بالتوازن الجسدي . ومما هو جدير بالذكر أن النساء اللاتي إشتركن في المجموعات البؤرية ممن مررن بتجربة ا لإ جهاض عبرن عن خوفهن من إستخدام وسائل منع الحمل خلال فترة النقاهة بعد الإجهاض، وشعرن أن أجسادهم قد إضطربت إضطراباً شديداً من جراء الإجهاض، وعبرن عن حاجاتهن القوية إلى إستعادة التوازن الطبيعي : " في الفترة دي الست بتكون سخنة بعد السقط . لكن بعد أربعين يوم تقدر تاخد وسائل منع الحمل، يا إما هاتحمل " . وكانت الحاجة إلى العودة إلى العمل الذي يتطلب قوة بدنية وقدرة على تحمل مسئوليات رعاية الأطفال من أهم ما أثار مخاوف وقلق مريضات ما بعد الإجهاض في الريف والحضر على حد سواء : " عشان ترجع لحالتها الطبيعية لازم الست تاكل مضبوط ، ويكون عندها مكان تستريح فيه، إزاي أجيب ده كله في بلدنا، في الريف لازم الستات تشتغل جامد ولازم ندي كل اللي نقدر عليه لولادنا " . وعلى الرغم من فهم النساء لضرورة إستعادة صحتهن البدنية ، إلا أن هذه المخاوف تعزز " ثقافة الصمت والإحتمال " التي تشجع النساء على إحتمال العلة بدلاً من التماس الرعاية الصحية .
عدد الصفحات ٢٠١202 د- أكدت المبحوثات أن أزواجهن وأسرهن غير قادرين على تقديم العون لهن في تحمل الأعباء البدنية وتفهم ظروفهن العاطفية والنفسية . وإعتقد كثير من النساء أن أزواجهن لا يستطيعون في الحقيقة القيام بدور نشيط لتقديم وسائل الراحة لهن والتخفيف عنهن، لأن الإجهاض مسألة تخص النساء فقط ، يضاف إلى ذلك أن المعايير الثقافية في مصر تحدد دوراً بسيطاً للغاية لما يمكن أن يقوم به الر جال في مساعدة النساء في أعمالهن . لذلك لا ترى النساء إحتمالاً لأن يكون أزواجهن سنداً لهن في أعمالهن . وقد عبرت النساء عن خوفهن من أن يشك أهل الزوج في قدرتهن على الحمل والولادة بعد الإجهاض . هـ- تصارعت مواقف النساء المشتركات في الدراسة حول الإجهاض من المنظور الديني، وإنقسمن إلى فريقين أولهما يرى أن الإجهاض ليس بالضرورة مشيئة الله : " كله في أيد ربنا "، " ربنا كان عايز كده "، " العمل ده من عند ربنا " . وفي المقابل عبرت النساء المشتركات في المجموعات البؤرية عن إعتقادهت بأن الإجهاض المتعمد فيه تعطيل آ ثم للقدر الذي إختاره الله، وأن النساء اللاتي تجهضن أنفسهن يتعرضن لغضب الله وعقابه . " الناس حاتفضل تضايق الست اللي سقطت ... حايقولوا لها زي ماتكون قتلت رو .... وحايقولوا لها إن ده ذنب كبير " . 0- معارف وإتجاهات الشباب التونسي في مجالات الصحة الإنجابية(17) : تعد هذه الدراسة جزءاً من البرنامج البحثي الــذي تقــوم بــه جامعة الدول العربية حول أبعاد الصحة الإنجابية في الدول العربية، وتمثل – أساساً – البعد النوعي Qualitative لدراسة معارف وإتجاهات وسلوك الشباب المتكامل مع المسح بالإستبيان الذي يقوم به " المشروع العربي لصحة الأسرة " . وفي هذا الإطار تستهدف هذه الدراسة الكيفية توفير معلومات تفيد في إعداد إستمارة المسح بالإستبيان (الإحصائي)، وذلك ببلورة الأبعاد ذات الأو لوية .
عدد الصفحات ٢٠٢203 كما ترمي هذه الدراسة إلى توفير معلومات حول الأبعاد التفصيلية للمعارف والإتجاهات والسلوك، وحول خلفية هذه الأبعاد ومحدداتها الاجتماعية والنفسية والقيم الثقافية، بما يفيد في تحليل الظواهر بصفة عامة ونتائج مسح الشباب (في إطار مسح صحة الأسرة) بشكل خاص ، وذلك بالإعتماد على المقابلات البؤرية الجماعية (FGD s )Focus Group Discussion . ومن إيجابيات المقابلات البؤرية – بإعتبارها مقابلات تعتمد على الحوار الصريح والمعمق مع أفراد محدودين (حوالي 02 أفراد في كل مقابلة) حول موضوعات محددة – أنها تمكن من مع رفة إتجاهات الشباب بدرجة أكثر توسعاً وعمقاً من الدراسات الإحصائية، حيث تسمح بالمداخلات المطولة حول موضوع أو إخر وبعرض التجارب الفردية والجماعية، بما يسمح – في نفس الوقت – بمعرفة خصائص الظاهرة ومعرفة أبعاد مهمة حول عملية حدوثها . كما تسمـح هـذه المقابـلات بمعرفة إقتراحات الشباب لمعالجة القضايا المطروحة . نوعية الجماعات المدروسة : العينات من أهم إيجابيات منهجية المقابلات البؤرية الجماعية هو تمكينها من المقارنة بين الفئات المتباينة، وتزداد أهمية هذه المنهجية النسبة لهذه الدراسة؛ بإعتبار أن فئة الشباب تتميز بتعدد نماذجها وفئاتها الفرعية Subgroups ، وتباين وتمايز كل فئة من هذه الفئات عن غيرها .
عدد الصفحات ٢٠٣204 لذلك فقد شملت المقابلات 03) فئة من المراهقين والشباب في المدينة (العاصمة تونس) وفي الريف (ريف شيبه بولاية المهدية )، ومن الذكور والإناث ، وهذه الفئات هي : تلامذة من أحياء مختلفة، طلبة جامعيون، عمال وعاملات بمصانع، عاطلون عن العمل، عمال بقطاع البناء . أهم نتائج المقابلات البؤرية الجماعية : أ - فيما يتعلق بعلامات البلوغ تعرفت كافة فئات المراهقين والشباب – ذ كوراً وإناثاً – على غالب هذه العلامات التي تخصهم والتي تخص الجنس الأخر كذلك . وتشمل هذه المعرفة الأبعاد الفسيولوجية وكذلك الاجتماعية السلوكية . وأسهمت غالب الفئات في الحديث حول هذا البعد من نواحي إنعاكاساته النفسية والسلوكية بالخصوص مستعملين في ذلك تعبيرات ومصطلحات شديدة الدقة والثراء، معبرين عن معاناتهم من إزدواجية في الحالة النفسية المتمثلة في سعادتهم بحدوث التحول نحو النضج من ناحية يقابله ضعف فهم لهذا التحول ومترتباته من قبل المحيط الاجتماعي من ناحية أخرى، مؤكدين – ذكوراً وإناثاً – ومن كافة الفئات – سوء تفهم الآباء لسلوك أبنائهم كما أكدت النتائج عدم معرفة غالب فئات الإناث بالدورة الشهرية قبل وقوعها (أو في تفاصيلها) مما جعل ردود أفعالهن سلبية كالبكاء والفزع ، وذلك رغم إعتبار علاقاتهن بأمهاتهن متواصلة نسبياً أو – على الأقل – أقل سلبية عن العلاقة مع الأب، هذا في حين تكون ردود فعل الشباب ومحيطهم الاجتماعي أكثر إيجابية إزاء تحولات البلوغ لدى الذكور . ب- حول العلاقات بالجنس الآخر والعلاقات الجنسية تفيد تصريحات المشاركين أنه رغم الإهتمام الواضح لدى الشباب بالجنس الآخر والتفكير القوي والصريح – في العديد من الأحيان – في الرغبة الجنسية وكيفية تلبيتها، غير أنه يبدو أن الممارسات الجنسية الفعلية تختلف من فئة لأخى . ففي حين تبدو عالية الإنتشار نسبياً بين أوساط معينة من الشباب، تبدو على عكس ذلك بين أوساط أخرى كالفتيات في الريف .
عدد الصفحات ٢٠٤205 وفي حين يعتبرها البعض من الشباب – خاصة الأعلى مستوى من الناحية التعليمية في العادة – سلوكاً عادياً وطبيعياً، يرى فيها البعض الآخر سلوكاً شاذاً أو منبوذاً اجتماعياً، وهذا يدعو إلى الأخذ بالاعتبار لهذه النسبية والتدقيق فيها . ورغم وعي الشباب عامة بخطورة إنعكاسات العلاقات الجنسية غير الآمنة ومعرفتهم بعدد من الأمراض المنقولة – وبخاصة مرض نقص المناعة " الإيدز " -، غير أن العديد من الشباب – وبخاصة الشباب الطلابي وكذلك العمالي – صرحوا أنهم وزملاءهم عادة لا يأخذون حذرهم عند إقامة العلاقات الجنسية . ويعود ذلك في رأيهم – لثلاثة أسباب رئيسية هي : أنهم لا يثقون في فعالية الواقي الذكري، وأن هذا الواقي يحد من التمتع بعلاقة طبيعية، وأن العلاقات الشبابية عادة ما تتم في ظروف لا تسمح بالتفكير بأخذ الحذر اللازم. ج- حول ظاهرة إرتفاع سن الزواج تفيد إجابات المشاركين – من ناحية– أنهم يتطلعون إلى الزواج في سن أبكر من مثيله لدى الجيل المتزوج، كما تفيد – من ناحية أخرى – أن أسباب التأخر في الزواج يعود ليس فقط لأسباب مادية وإرتفاع تكاليف الزواج، بل كذلك للتطور القيمي والاجتماعي، وقد يرتبط بمفهوم الأسرة والعلاقة الزوجية بشكل عام الحاصل بالمجتمع التونسي ككل . 3- دراسة أنتوني براموالارتانا وزملائه عن نسق المعايوالزواج في تايلاند (12) : يذهب معدو هذه الدراسة في المقدمة إلى أن الدخول إلى الزواج والخروج منه يعدان بمثابة أحداث على درجة كبيرة من الأهمية سواء على المستوى الفردي أو على مستوى الجماعة التي ينتسب إليها الفرد . كما يعد الزواج ذي أهمية من الناحية الديموجرافية مادام أن عملية الإنجاب تحدث في إطاره . ونظراً للأهمية الاجتماعية للزواج، نجد أن المعايير والاتجاهات التي تحكم الزواج تترسخ بعمق في ثقافة المجتمع أو ثقافاته الفرعية، وترتبط كذلك بالنظم المجتمعية الأخرى .
عدد الصفحات ٢٠٥206 وإستناداً إلى ما سبق تسعى هذه الدراسة إلى الكشف عن المعايير التي تحكم توقيت الزواج في تايلاند إعتماداً على بيانات كيفية حول الاتجاهات والمعتقدات التي تتعلق بالسن الملائم عند الزواج بين الرجال والنساء، وهي بيانات تم جمعها من خلال مناقشات الجماعة البؤرية . وتوضح النتائج أن هناك إتفاقاً بين المشاركين في هذه المناقشات الجماعية على أن المرأة ينبغي أن تتزوج في بداية العشرينات من عمرها، خاصة عندما تبلغ 02 عاماً، وأن الرجل ينبغي أن يتزوج في منتصف العشرينات من عمره خاصة عندما يبلغ 05 عاماً وتتطابق هذه الآراء مع الأعمار الفعلية للزواج بين الرجال والنساء في تايلاند، حيث بلغ متوسط العمر عند الزواج الأول حوالي 00 عاماً بين النساء، وتراو هذا المتوسط بين 00 ،05 عاماً بين الرجال وترتبط هذه الاتجاهات نحو السن عند الزواج الأول بعدة أسباب منها بلوغ الأنثى السن الملائم ة التي تستطيع عندها تحمل أعباء الحمل والولادة ومسئوليات الحياة الزوجية . هذا عن النساء، أما عن الرجال فإن أبرز العوامل التي تحدد السن عند الزواج بينهم فهي الإنتهاء من أداء الخدمة العسكرية، والحاجة إلى الاستعدادات المادية التي تساعـد على بدء الحياة الزوجية . ومما يلفت النظر أن هذه النتائج تشابهت حسب المناطق الجغرافية، وبين الأجيال المختلفة، وبين الذكور والإناث، إلى جانب الجماعات الدينية من مسلمين وبوذيين .
عدد الصفحات ٢٠٦207 ويخلص معدو هذه الدراسة إلى القول بأن مناقشات الجماعة البؤرية– رغم مثالبها – أدت إلى فهم متعمق للاتجاهات والآراء المؤثرة في السلوك الزواجي . ويبدو أن هذه الأداة أكثر ملاءمة لدراسة المعايير التي تحكم السن عند الزواج في المجتمع التايلاندي مقارنة بالأدوات الأخرى لجمع البيانات الكيفية . 0- دراسة روتنبرج وزملائه عن القرارات المتعلقة بالإنجاب في زامبيا(12): نظراً لإنتشار مرض " الإيدز " في أفريقيا جنوبي الصحراء ، فقد تعرضت أعداد متزايدة من النساء في سن الإنجاب وأزواجهن للإصابة بهذا المرض . ويمكن لبرامج تنظيم الأسرة أن تخفض من إحتمالات هذه الإصابة . وفي عام 0227 قام معدو هذه الدراسة بإجراء بحث تضمن ثماني جماعات بؤرية بالإضافة إلى (03) مقابلة متعمقة مع النساء والرجال المصابات بهذا المرض في منطقة ندولا " بزامبيا، وهي منطقة ينتشر فيها مرض الإيدز بدرجة بالغة . وتوضح نتائج الدراسة أن عدم درايـة المبحوثيـن بأعـراض هذا المرض يجعل تأثيره على القرارات المتعلقة بالإنجاب وإستخدام وسائل منع الحمل تأثيراً ضعيفاً . وعلى العكس من ذلك تبين أن ظهور هذه العلامات أو الأعراض يدفع الرجال إلى إستخدام الواقي الذكري لمنع إنتقال العدوى . وذكرت النساء أنهن يخشين الحمل إذا ساورتهن الشكوك في الإصابة بمرض الإيدز مخافة إنتقال المرض إلى الجنين . وتضيف النساء أنهن يقمن بعمل إختبار للتأكد من الإصابة بهذا المرض من عدمه قبل إتخاذ قرار إنجاب الطفل . 5- دراســــة فـــــــورت عــــــــن الســــــــياق الاجتماعي للخصوبة وتنظيم الأسرة في بيرو (72): أجريت جلسات المناقشة الجماعية عامي0221/0227 مع مجموعة من النساء اللاتي يقمن في مدينتين تبعدان عن العاصمة .
عدد الصفحات ٢٠٧208 وتوضح النتائج أن تحكم النساء في الخصوبة يعوقه إنخفاض مكانتهن المجتمع بالإضافة إلى جهلهن بفسيولوجية الإنجاب . ومن العوامل الأخرى المؤثرة في هذا الصدد عدم إدراكهن لمفهوم التخطيط للمستقبل وضعف برامج تنظيم الأسرة . وعلى الرغم من إرتفاع نسبة النساء اللاتي يستخدمن وسائل حديثة لمنع الحمل، فإن نصف المبحوثات في هذه الدراسة يعتمدن على الوسائل التقليدية التي لها بعض الآثار الجانبية . وتكشف نتائج مناقشات الجماعة البؤرية عن وجود مخـاوف لدى النساء اللاتي يستخدمن الوسائل الحديثة لمنع الحمل من آثارها الجانبية، وهن يتشابهن في ذلك مع النساء اللاتي يستخدمن هذه الوسائل . والحقيقة أن النساء اللاتي يستعملن الوسائل الحديثة لمنع الحمل يلجأن إلى ذلك خشية حدوث حمل، وهو عامل أكثر أهمية من خوفهن من المرض أو الموت . وإذا كان نتائج المسو الديموجرافية قد أوضحت أن حجم الأسرة المفضل بين النساء في بيرو يبلغ ثلاثة أطفال، فإن مناقشات الجماعة البؤرية كشفت عن العوامل التي تشجع بعض النساء على تجاوز هذا العدد المفضل . إذ لا تزال وفيات الرضع عند مستويات مرتفعة . ونادراً ما يتناقش الزوجين في الحجم المثالي للأسرة في بداية حياتهما الزواجية وإذا كانت النساء يفضلن تأجيل الإنجاب لمدة عامين أو ثلاثة بعد الزواج، فإنهن يشعرن بضرورة إنجاب الأطفال حتى تكون الحياة الزوجية سعيدة . وتخشى النساء من عدم موافقة الأزواج على إستخدام الوسائل الحديثة لمنع الحمل؛ لأن تنظيم الأسرة يرتبط في أذهانهن بالخيانة الزوجية، ومن ثم تقوم الثقة بين الزوجين على إنجاب عدد كبير من الأطفال . وبالتالي يصبح تنظيم الأسرة في هذا السياق الاجتماعي وسيلة للحد من المواليد وليست وسيلة للمباعدة بين الولادات.
عدد الصفحات ٢٠٨