المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

شيخ الإسلام بن تيمية و جهوده في تفسير القرآن الكريم تطبيقا على آيات السنن الربانية

وفاء عبد العظيم عبد الوهاب محمد

صفحة ٩ من ٢٨

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 141 ا إذا تعدّدت طرقها المراسيل هي الغالب على المنقول في التفسير، وهي صحيحة قطعًـ أنّ 3 واتفاقًا بغير قصدوخلتْ عن المواطأة قصدًا ومعلوم أنّ المنقول في التفسير أكثره كالمنقول في المغازي والملاحم، «يقول شيخ الإسلام ولهذا قال الإمام أحمد: ثلاثة أمور ليس لها إسناد: التفسير والملاحم والمغازي، ويرى أنه ليس لها أيّ أصل أي بالإسناد؛ لأنّ الغالب عليها المراسيل، والمراسيل إذا تعدّدت طرقها وخلت ، وبينّ طرق معرفة المراسيل »عن المواطأة قصدًا أو الاتفاق بغير قصد؛ كانت صحيحة قطعًا .)1(والأمارات التي تعرف بها يجوز العدول عن تفسير الصحابة والتابعين إلى ما يخالفه.ـ لا4 يقول شيخ الإسلام ما يخالف ذلك؛ كان مخطئًا، بل مبتدعًا، وإن كان مجتهدًا مغفورًا له خطؤه .ـ لا يجوز إحداث قولٍ جديد في مسألة تنازع فيها السلف 5 ومن باب التأكيد نكرّر أنه من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك كان مخطئًا في ذلك، بل مبتدعًا، وإن كان مجتهدًا يغفر له خطؤه، فالمقصودُ بيان طرق العلم وأدلّتهم وطرق الصواب، ونحن نعلم أنّ القرآن قرأه الصحابة والتابعون وتابعوهم، وأنهم كانوا أعلمَ بتفسيره ومعانيه، كما أنهّم أعلمُ بالحقّ الذي بعث الله به رسوله ﷺ فمَن خالف قولهَم وفسّ القرآن بخلاف تفسيرهم؛ فقد أخطأ في الدليل والمدلول جميعًا ـ أنّ الأخبار الإسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد. 6 در من مصادر التفسير، ورتبتها متأخّرة عماّ سبق من مصادر، فوضّح أنهّا هي مصـ أنّ اللغة 7 المرجع إذا اختلف التابعون ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن، أو السنة، أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة في .)2(ذلك ).349،446/13 الفتاوى،)1( .)370/13 الفتاوى،)2(

عدد الصفحات ١٤١

142شيخُ الإسلام ابن تيمية سير بمجرّد الرأي حرام، يقول- رحمه ا ـ التف 8 .)1(فَحَرام ويدلّ كلامًه على أنّ المراد بالرأي الرأي المحض الذي لا يستند إلى علم، وهو الذي يحصل به الخطأ في التفسير، وذلك مِن جهتين: إحداهما: أن يعتقد معاني، ثمّ يريد حمل ألفاظ القرآن الكريم عليها، والثانية أن يفس القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده مَن كان مِن الناطقين بلغة .)2(العرب بكلامه مِن غير نظر إلى المتكلم بالقرآن المنزّل عليه والمخاطب به ـ دوام التفكّر في معاني القرآن والتدبر في ألفاظه، والحذر من الحجب المانعة من فهم القرآن. 9 يدعو شيخ الإسلام المسلمين أنْ يتدبّروا القرآن، ولا يشغلوا أنفسهم بحروفه شغلاً يُبعدهم عن تدبّره مثل: التجويد ووجوه الإعراب، وأنْ يجاهدوا أنفسهم عن كلّ ما يشغلهم عنْ هذا التدبّر من الألغاز أو الأحاجي أو الانشغال بمذهب بعينه. فهكذا عنده مَن يفْهم القرآن هو الذي يظلّ دائمَ التفكير والتدبّر لمعانيه وألفاظه واستغنائه بمعاني القرآن وحُكمه عن غيره من كلام الناس، وإذا سمع شيئًا من كلام الناس وعلومهم .)3(عرَضَه على القرآن، فإنْ شهدَ له بالتزكية قَبِله وإلاّ ردّه .)4(ـ ليس في القرآن مجاز10 ـ لا شيء في القرآن لا يعرف معناه، والمتشابه نسبي. تحدّث شيخ الإسلام عن هذه القاعدة 11 أثناء حديثه عن المُحكم والمتشابه مبينًا أنّ الله - عز وجل - قد بينّ جميع القرآن لنبيه ﷺ، وأنّ هناك كثيرًا من الدلائل من الكتاب والسنة تبين ذلك، وأنّ الفهم والتدبر لكتاب الله ممُكن ومتاح، وليس فيه ما لا يُفهم، وأنّ الراسخين في العلم من الصحابة والسلف كانوا ).370/13 الفتاوى،)1( )، وانظر 45 اختيارات ابن تيمية في التفسير ومنهجه في الترجيح، د/ محمد بن زيدان الهندي، ص )2( .)356/13الفتاوى، ).50/16 انظر: الفتاوى،)3( .)374،351/6 الفتاوى،)4(

عدد الصفحات ١٤٢

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 143 على علمٍ بفهْم المتشابه كـ: مجاهد ومحمد بن جعفر والربيع بن أنس، ونقلوا ذلك عن ابن .)1(عباس أنه قال: أنا مِن الراسخين الذين يعلمون تأويله ـ ومن المواد التي تعدّ مِن أصول التفسير، وكان شيخ الإسلام عالمًا فذًّا في ذلك هو علم 12 الترجيح خاصّة في تفسير القرآن، ولقد كتبت عنه رسالة علمية في ذلك بعنوان ابن تيمية في التفسير ومنهجه في الترجيح البحث متّسعٌ لعرض ذلك، وستجد في هذا البحث صيغًا وأساليبَ الترجيح وأوْجهَه عند شيخ الإسلام. ـ قدّم شيخ الإسلام ابن تيمية قواعدَ وأسسًا للتفسير ولفهم القرآن، كتب فيها كثيرٌ من 13 »القواعد الحِسان من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية «العلماء، ومِن هذه الكتب كتاب لمحمد بن العزيز المسند. ومِن هذه القواعد: ـ ألفاظ الكتاب والسنة إذا عُرف تفسيرها من جهة النبي ﷺ لم يحتجْ إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة أو غيرهم. ـ مِن عادة السّلف في تفسيرهم أن يذكروا بعضَ صفات المفس من الأسماء أو بعض أنواعه، ولا ينافي ذلك ثبوت بقية الصفات للمسمى، بل قد يكونان متلازمينْ ولا دخول لبقية الأنواع فيه. ـ ما دلّ عليه السّياق هو ظاهر الخطاب، فلا يكون من موارد النزاع. ـ الصريح يقضي على الظاهر ويبينّ معناه. ـ يجوز أن تفسّ إحدى الآيتين بظاهر الأخرى، ويصرف الكلام عن ظاهره وإن سمي تأويلاً وصرفًا عن الظاهر؛ وذلك لدلالة القرآن عليه. )، استفدت من كتاب اختيارات ابن تيمية في 273-272/13)،397،390/16 انظر: الفتاوى،) 1( التفسير ومنهجه في الترجيح في استخراج هذه العنا

عدد الصفحات ١٤٣

144شيخُ الإسلام ابن تيمية ـ استعمال القرآن لفظًا في معنى لا يقتضي أنّ ذلك اللفظ لا يحتمل غير ذلك المعنى. ـ زيادة اللّفظ في القرآن لزيادة المعنى، وقوة اللّفظ لقوة المعنى. ـ الكلام إذا اجتمع فيه شرطٌ وقسم، وقد تقدّم القسم؛ سدّ جوابُ القسم مسَدّ جواب الشرط. ـ الأصل إقرار الكلام على نظمه وترتيبه، لا تغيير ترتيبه. ـ حذف المضاف إليه يقارنه قرائن، فلا بدّ أنْ يكون مع الكلام قرينة تبينّ ذلك. ـ القراءة الشاذّة تجري مجرى الخبر الواحد. ـ العطف يقتضي مغايرةً بين المعطوف والمعطوف عليه مع اشتراكهما في الحكم الذي ذكر لهما. ـ العطف تارة يكون لتغاير الذّوات، وتارة لتغاير الصفات. ـ المعطوف إذا تقدّم اسماً كان عطفه على الغريب أولى، كما أنّ عوْد الضمير إلى القريب أولى، إلاّ إذا كان هناك دليل يقتضي العطف على البعيد. ـ الضمير يعودُ إلى الغريب إذا لم يكن هناك دليل على خلاف ذلك. ـ الضمير يجبُ عوْدُه إلى جميع ما تقدّم ذكره، فإن تضرّر عوده إلى الجميع؛ أعيدَ إلى أقرب المذْكورين، أو إلى دليل تعْيينه. ـ أنّ المفسة التي تأتي بفعل من معنى القول لا من لفظه. ***

عدد الصفحات ١٤٤

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 145 المبحثُ السّادس شيخُ الإسلام ابن تيمية وعلومُ القرآن لقد تحدّث شيخُ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- في كثيرٍ من قضايا علوم القرآن، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: ـ المحكم والمتشابه.1 ـ الوجوه والنظائر2 ـ الناسخ والمنسوخ3 ـ الفرق بين التأويل والتفس4 ـ أقسام القرآن5 ـ قضية الاختلاف في التفس6 ـ حكم التفسير بالأحاديث الإسرائيلية7 ـ القراءات في القرآن8 ـ تحزيب القرآن9 ـ التضمين في القرآن10 ـ أسباب النزول11 ـ حديث الآحاد12 ـ قضية إعجاز القرآن13 ـ قاعدة في فضائل القرآن14 ـ قضية الحقيقة والمجاز15 ـ الأمثال في القرآن16

عدد الصفحات ١٤٥

146شيخُ الإسلام ابن تيمية ولعلّ مقدّمات شيخ الإسلام في فهم القرآن التي كتبت كمقدمة تفسيره في كتاب التفسير الدقيق وكتاب التفسير الكبير أكبرُ دليل على مهارة شيخ الإسلام بهذا العلم، ولا مكان لذكر كلّ ما قدّمه في هذا المبحث، ولكن نذكر نبذة مختصرة عن هذه المفاهيم؛ حتى يكون القارئ قادرًا على فهْم هذه الأبواب، واستيعاب ما قدّمه الشيخ- رحمه الله. أولاً: معرفتُه بأسباب النزول: تحدّث شيخ الإسلام عن أسباب النزول مبيّنًا أولاً معنى أسباب النزول، فيقول- رحمه الله: « .)1(كأسباب النزول المذكورة في التفسير كقولهم: إنّ آية الظهار نزلت في أوس بن الصامت تحدّث- أيضًا- عن حكم أسباب النزول، فيقول: فالذين قالوا ذلك لم يقصدوا أنّ حكم الآية مختصّ بأولئك الأعيان دون غيرهم، فإنّ هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل على الإطلاق، والناس وإنْ تنازعوا في اللّفظ العام الوارد على سببٍ هل يختصّ بسببه أم لا؟ فلم يقل أحدٌ من علماء المسلمين: إنّ عمومات الكتاب والسنة تختصّ بالشخص المعين، وإنّما غاية ما يقال: إنهّا تختصّ بنوعِ ذلك الشخص، فيعمّ ما يشبهه، ولا يكون العموم فيها بحسب اللّفظ، والآية التي لها سببٌ معينّ إن كانت أمرًا فهي متناولة لذلك الشخص، ولغيره ممّن كان بمنزلته، وإن كانت .)2(خبرًا بمدح أو ذمّ فهي متناولة لذلك الشخص وغيره ممّن كان بمنزلته أيضًا وتحدّث- أيضًا- عنْ أهمية معرفة أسباب النزول، يقول- رحمه الله: « كان أصحّ قول الفقهاء: إنه إذا لم يعرفْ ما نواه الحالف رجع إلى سبب يمينه، وما هيّجها، .)3(وآثارها ).338/13 انظر: الفتاوى،)1( .)339/13 انظر: الفتاوى،)2( .)339/13 انظر: الفتاوى،)3(

عدد الصفحات ١٤٦

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 147 حكمُ التّفسير بالأحاديث الإسرائيلية بلّغوا عني ولو ذكر شيخُ الإسلام ابن تيمية عن أقاويل أهل الكتاب حديثَ النبي ﷺ رواه آية، وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومَن كذب علي متعمدًا فليتبوّأ مقعده من النار فبينّ أنّ هذه الأحاديث التي بها أخبار أهل الكتاب هي )1(البخاري عن عبد الله بن عمرو، للاستشهاد لا الاعتقاد، وذكر أنّ هذه الأحاديث على ثلاثةِ أقسام: أحدهما: ما علمنا صحّته ممّا بأيدينا ممّا يشهد له بالصدق، فذلك صحيح. وثانيهما: ما علمنا كذبه بما عندنا ممّا يخالفه. والثالث: ما هو مسكوتٌ عنه، لا مِن هذا القبيل ولا مِن هذا القبيل، فلا نؤمن به ولا .)2(نكذّبه، وتجوز حكايته لما تقدّم، وغالب ذلك ممّا لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني أدبُ الخلاف عند ابن تيمية: يقول- رحمه الله- مبيّنًا كيفية التعامل مع الخلاف وأنْ تنبّه على الصحيح منها وتبطل الباطل، وتذكر فائدة الخلاف وثمرته؛ لئلاّ يطول النزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته، فتشتغل به عن الأهمّ فالأهم. فأمّا مَن حكى خلافًا في مسألةٍ ولم يستوعب أقوالَ الناس فيها فهو ناقص؛ إذْ قد يكون الصواب في الذي تركه. أو يحكي الخلاف ويطلقه ولا ينبّه على الصحيح من الأقوال، فهو ناقص أيضًا. فإنْ صحّح غير الصحيح عامدًا فقد تعمّد الكذب، أو جاهلاً فقد أخطأ، وكذلك مَن نصّب الخلافَ فيما لا فائدة تحته، أو حكى أقوالاً متعدّدة لفظًا ويرجع حاصلها إلى قولٍ أو قولين معنى، .)3(فقد ضيع الزمان، وتكثّر بما ليس بصحيح، فهو كلابسِ ثوبيْ زور، والله الموفق للصّواب ).170 /4 صحيح البخاري)1( ) وما بعدها366/13 انظر: الفتاوى،)2( .)368/13 الفتاوى،)3(

عدد الصفحات ١٤٧

148شيخُ الإسلام ابن تيمية نزولُ القرآن على سبعة أحرف: تحدّث شيخ الإسلام عن هذه القضية موضّحًا المراد بهذه السبعة، وهل هذه القراءات المنسوبة إلى نافع وعاصم وغيرهما هي الأحرف السبعة أو واحد منها، والسبب الذي أوجب الاختلاف بين القراء فيما احتمله خطّ المصحف، وهل تجوز القراءة برواية الأعمش وابن محُيْصِن وغيرهما من القراءات الشاذّة أم لا؟ وإذا جازت القراءة بها فهل تجوز الصّلاة بها أم .)1(لا؟ وتحدّث عن جميع القراءات وكوْنها سنّة أو بدعة، وهل جمُعت على عهد رسول الله ﷺ، .)2(وهل لجامعها ثواب على مَن قرأ برواية أم لا؟ ما أصحّ التفاسير في نظره؟ يقول شيخُ الإسلام ابن تيمية الطبري؛ فإنه يذكر مقالات السّلف بالأسانيد الثابتة، وليس فيه بدعة، ولا ينقل عن المتّهمين، ، والتفاسير غير المأثورة بالأسانيد كثيرة كـ: تفسير عبد الرازق، )3(كمقاتل بن بكير والكلبي .)7(، وإسحاق بن راهويه)6(، وأحمد بن حنبل)5(، وابن أبي قتيبة)4(وعبد بن حميد، ووكيع ) وما بعدها.389/13 الفتاوى،)1( .)404/13 الفتاوى،)2( هو العلامة الإخباري أبو النضر محمد بن السائب بن بشر الكلبي المفس، شيعي متروك الحديث، تو) 3( .248 /6 هـ بالكوفة. انظر: سير أعلام النبلاء246عام هو الإمام الحافظ وكيع بن الجراح بن مليح بن عدي بن غراس الرؤاسي الكوفي، محدث العراق، توفي سنة )4( .141 /9هـ. سير أعلام النبلاء196 هـ، ولي قضاء213 هو أحمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة بن مسلم الدينوري البغدادي، مولود عام) 5( .21 /1هـ انظر: الديباج المذهب322مصر، ومِن أهمّ كتبه عيون الأخبار، وتوفي عام هـ، 164 هو إمام أهل السنة أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني الزهري، فقيه محدّث، ولد عام )6( .29 /2، طبقات الشافعية195 /11هـ ببغداد، راجع سير أعلام النبلاء241وتوفي عام هو إسحق بن راهوية الحنظلي التميمي، أحدُ أئمة المسلمين وعلماء الدين، فقيهٌ، حافظ، اشتهر بالورع )7( هـ، راجع سير أعلام238هـ بنيسابور، وتوفي عام161والزّهد والصدق، لقّب بشيخ المشرق، ولد عام .54 /2، طبقات الحنابلة544 /13النبلاء

عدد الصفحات ١٤٨

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 149 تحدّث شيخُ الإسلام عن أسلمِ التفاسير من البدعة والأحاديث الضعيفة، وذكر أنّ هو أوّلهُا؛ لأنّه مختصر من تفس )1(« والبدعَ التي فيه، وحذف منه أشياء أخرى ، وهو أخبر منه بالعربية، لكنّ الثعلبي فيه سلامةٌ من )3( فإنه تلميذ الثعلبي)2(وأمّا الواحدي البدع، وإنْ ذكرها تقليدًا لغيره، وتفسيره وتفسير الواحدي البسيط والوسيط والوجيز فيها فوائدُ كثيرة، وفيها كثيرٌ من المنقولات الباطلة وغيرها. وأمّا الزمخشري فتفسيره محشوّ بالبدعة، وعلى طريقة المعتزلة من إنكار الصفات والرؤية والقول بخلق القرآن، وأنكر أنّ الله مريد للكائنات وخالق لأفعال العباد، وغير ذلك من أصول المعتزلة. خيرٌ منه بكثير وأقربُ إلى طريقة أهل الكتاب والسنة وأبعدُ عن البدع، )4(وتفسير القرطبي وإنْ كان كلّ من هذه الكتب لا بدّ أنْ يشتمل على ما ينقد، لكنْ يجب العدل بينها وإعطاء كلّ ذي حقّ حقّه. هو أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد الفراء البغوي، ويلقب بركن الدين ومحيي السنة، له معالم التنزيل )1( .439 /19هـ، راجع سير أعلام النبلاء516المعروف بتفسير البغوي ومصابح السنة، توفي عام هو أبو الحسن علي بن أحمد بن علي الواحدي النيسابوري الشافعي، هو عالم بالتفسير وأسباب النزول )2( والعربية والتاريخ، له تفاسير الوسيط والبسيط والوجيز، وهو مؤرخ ومفسّ ولغوي وأديب، توفي عام .147،146 /3هـ. راجع العبر في أخبار من غ468 هو أبو إسحق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي النيسابوري، المفسّ المشهور، له تفسير الكشف والبيان )3( .307 /7. والوافي بالوفيات79 /1هـ. وفيات الأعيان427عن تفسير القرآن، وتوفي عام هو محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي القرطبي، ولد بالأندلس، صاحب الجامع )4( هـ، وتوفي عام598لأحكام القرآن والتذكرة في أحوال الموتى وشئون الآخرة، كان إمامًا عالمًا، ولد عام .69 /1، والديباج المذهب334 /8هـ، راجع شذرات الذهب671

عدد الصفحات ١٤٩

150شيخُ الإسلام ابن تيمية خيرٌ مِن تفسير الزمخشري، وأصحّ نقلاً وبحثًا، وأبعدُ عن البدع، )1(وتفسيرُ ابن عطية وإنِ اشتمل على بعضها، بل هو خيرٌ منه بكثير، بل لعلّه أرجح هذه التفاسير، لكنّ تفسير ابن أصحّ من هذه كلّها. )2(جرير .)3(وثمّ تفاسير أخرى كثيرة جدًّا كـ: تفسير ابن الجوزي والماوردي المحكم والمتشابه: وضّح شيخُ الإسلام ابن تيمية معنى المحكم ومعنى المتشابه، وذلك أثناء حديثه عن قوله ]7﴾ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣتعالى: ﴿ ذلك: إنّ المحكم من الآيات هو: الذي ليس فيه تشابه على أحد. وأمّا المتشابهات ففيها قولان: أحدهما: أنها آياتٌ بعينها تتشابه على كلّ الناس، والثاني- ووضحَ أنّه الصحيح- أنّ التشابه أمرٌ نسبي، فقد يتشابه عند هذا ما لا يتشابه عند غيره. ووضّح كيفية التعامل مع المتشابه بأنّ هذا المتشابه إذا عرف معناه أصبح محكماً. وذكر- أيضًا- أنّ المحكم هو الذي لا يحتمل إلاّ أمرًا واحدًا مثل: الأمر والنهي، والمتشابه ﴾ أنه مثل معرفة ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ كـ: الوعد والوعيد. ووضّح معنى قوله تعالى: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ الساعة فإنّنا نعلم حقيقتها ولكن لا نعلم وقتَها، وأنّ معنى قوله تعالى: ﴿ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ هو الإمام الحافظ الناقد المجود أبو بكر غالب بن عبد الرحمن بن غالب بن تمام بن عطية المحاربي الأندلسي )1( هـ، ومِن أهمّ مؤلفاته تفسير المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، 480الغرناطي المالكي، ولد عام .48 /6، الوافي بالوفيات586 /19 هـ، راجع سير أعلام النبلاء518توفي سنة ، وتوفي 224 هو الإمام محمد بن محمد بن محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الطبري، ولد عام) 2( هـ، من أهمّ مؤلفاته جامع البيان عن تأويل آي القرآن، وله تاريخ الأمم والملوك، راجع تهذيب 320عام .98 /1الأسماء واللغات للنووي ) وما بعدها بتصرف.385/13 انظر: الفتاوى،)3(

عدد الصفحات ١٥٠

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 151 ] 53،52...﴾ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﴾: مجيء ما أخبر القرآن بوقوعه من القيامة ﭣوبيّنه بحيث لا يشتبه، وأمّا المقصود بـ﴿ .)1(وأشراطها كـ: الدّابة، ويأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها وغيرها الوجوه والنّظائر: عرّف شيخُ الإسلام ابن تيمية الوجوهَ والنظائر، فقال: الأسماء المشتركة في اللفظ هي من « وصنّفوا كتب وقد ظنّ بعضُ أصحابنا المصنّفين في ذلك أنّ الوجوه والنظائر جميعًا في الأسماء المشتركة، فهي نظائر باعتبار اللفظ، ووجوه باعتبار المعنى، وليس الأمر على ما قاله، بل كلامهم صريح فيما .)2(قلناه لمَن تأمّله الناسخ والمنسوخ: يقول شيخُ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- وذلك أثناء حديثه عن تفسير قوله تعالى: ﴿ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﴾، يقول: في قوله تعالى: ﴿ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣﯤ ] 52﴾ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ شرعه الله. يقول: إن الله قد جعل المحكم مقابل المتشابه تارة، ومقابل المنسوخ تارة أخرى، والمنسوخ يدخل في اصطلاح السلف- العام: كلّ ظاهر ترك ظاهره لمعارض راجح كتخصيص العام وتقييد المطلق؛ فإن هذا متشابه لأنه يحتمل معنيين، فيدخل فيه المجمل فإنه متشابه، وإحكامه رفع ما يتوهّم فيه من المعنى الذي ليس بمراد، وكذلك ما رفع حكمه، فإن في ذلك جميعه نسخًا لما يلقيه الشيطان في معاني القرآن، ولهذا كانوا يقولون: هل عرفت الناسخ من المنسوخ؟ فإن ) بتصرف.278) وما بعدها، ص134/13 انظر: الفتاوى،)1( ) وما بعدها276/13 انظر: الفتاوى،)2(

عدد الصفحات ١٥١

152شيخُ الإسلام ابن تيمية عرف الناسخ عرف المحكم، وعلى هذا فيصح أن يقال: المحكم والمنسوخ كما يقال المحكم .)1(والمتشابه الحقيقة والمجاز: تحدّث شيخُ الاسلام- رحمه الله- عن الحقيقة والمجاز، وأجاب عن أسئلةِ بعض الناس في ذلك، وتناقش مع بعضهم في هذه المسائل، وذكر في ذلك أنّ الله - عز وجل - إذا وصف نفسه بصفةٍ أو وصفه بها رسولُه أو وصفه بها المؤمنون الذين اتّفق المسلمون على هدايتهم ودرايتهم فصرفها عن ظاهرها اللائق بجلال الله- سبحانه- وحقيقتها المفهومة منها إلى باطن يخالف الظاهر ومجاز ينافي الحقيقة؛ لا بدّ من أربعة أشياء: أحدهما: أنّ ذلك اللفظ مستعمَل بالمعنى المجازي؛ لأن الكتاب والسنة وكلام السلف جاء باللسان العربي، ولا يجوز أنْ يراد بشيء منه خلاف لسان العرب، أو خلاف الألسنة كلّها، فلا بدّ أن يكون ذلك المعنى المجازي ما يراد به اللفظ، وإلاّ فيمكن كلّ مُبطل أنْ يفسّ أي لفظ بأي معنى سنَح، وإنْ لم يكن له أصلٌ في اللغة. والثاني: أنْ يكون معه دليل يوجب صرفَ اللفظ عن حقيقته إلى مجاز، وإلاّ فإذا كان يستعمل في معنى بطريق الحقيقة وفي معنى بطرق المجاز لم يجزْ حمله على المجازي بغير دليلٍ يوجب الصرف بإجماع العقلاء، ثمّ إنِ ادّعى وجوب صرفه عن الحقيقة فلا بدّ له من دليلٍ قاطع عقلي أو سمعي يوجب الصرف، وإنِ ادّعى ظهور صرفه عن الحقيقة فلا بدّ من دليلٍ مرجّح للحمل على المجاز. الصارف- عن معارض، وإلاّ فإذا قام دليلٌ قرآني – الثالث: أنه لا بدّ أن يسلم ذلك الدليل أو إيماني يبينّ أنّ الحقيقة مرادة امْتنع تركها، ثمّ إن كان هذا الدليل نصًّا قاطعًا لم يلتفتْ إلى نقيضه، وإن كان ظاهرًا فلا بدّ من الترجيح. الرابع: أنّ الرسول ﷺ إذا تكلّم بكلام وأراد به خلافَ ظاهره وضدّ حقيقته؛ فلا بدّ أن يبينّ للأمّة أنه لم يردْ حقيقته، وأنه أراد مجازَه سواء عيّنه أو لم يعيّنه، لاسيّما في الخطاب العلمي الذي ).273،272/13 انظر: الفتاوى،)1(

عدد الصفحات ١٥٢

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 153 جعل القرآن نورًا وهدًى - تعالى - أريد منهم فيه الاعتقاد والعلم دونَ عمل الجوارح؛ فإنه وبيانًا للناس وشفاءً لما في الصدور، وأرسل الرسل ليبيّنوا للناس ما أنزل إليهم، وليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، ولئلاّ يكون على الله حجة بعد الرسل. ويتابع شيخُ الإسلام الكلامَ في هذا الموضوع مُبينًا أنّ النبي ﷺ يستحيل عليه هو والصحابة أنْ يذكروا شيئًا يراد به خلافه دون قرينة توضّح ذلك، أو يكون قاصدًا بكلامه كلامًا لا يفهمه سوى خاصّة الناس أو أفراد منهم؛ فلقد جاء للناس كافّة على اختلاف صفاتهم وعقولهم. وتناول- أيضًا- شيخُ الإسلام في هذا الموضوع تأويلَ الصفات وحملَ الكلام على غير معناه الحقيقي، والمعنى الحقيقي للصّفة أوضح وأبْينَ، مثل صفة اليدِ لله - عز وجل -، وقد أوّلها بعضهم بالقوّة والقدرة، يذكر شيخ الإسلام كثيرًا من الأدلة التي تناقش هذه الأقوال، ويوضّح أنّ الله - عز وجل - له يدٌ ولكنه منزّه عن أنْ يشبه أحدًا مِن خلقه، وهو ما جاء بالسنة ويدلّ عليه العقل، وذكر كثيرًا من هذه الأدلة التي تؤكّد هذا القول. وجاءت هذه الرسالة في الحقيقة والمجاز- أيضًا- في الجزء العشرين من كتاب الفتاوى، وتحدّث عن الذين قالوا بهذا التقسيم، وهُم مِن المعتزلة وغيرهم، ونفى أقوالَ بعض الناس مِن أنّ الأصوليين هُم مَن قالوا بذلك، وذكر بأنّ مَن اعتقد أنّ المجتهدين المشهورين وغيرهم مِن أئمّة السلف قسّموا الكلام إلى حقيقة ومجاز؛ كان جاهلاً بهم، وأنه- أيضًا- مَن قال: إنّ ذلك في كلام العرب توقيفًا، أو مَن ظنّ أنّه من كلام الأئمة المتأخّرين؛ كان هذا مِن جهْله، ومَن قال بهذا التقسيم ليس فيهم إمام فنّ مِن فنون الإسلام لا التفسير ولا الفقه ولا الحديث ولا اللّغة ولا النحو، بل أئمّة النحو لم يقسموا تقسيم هؤلاء. إعجاز القرآن: تحدّث شيخُ الإسلام ابن تيمية عن إعجاز القرآن، وأنه المعجزة التي أنزلها الله على محمد ﷺ كما أنزل المعجزات على الأنبياء- عليهم السلام- من قبْل، فيقول- رحمه الله- في ذلك: القرآنُ كلام الله، وفيه الدعوة والحجّة، فله به اختصاصٌ على غيره، كما ثبت عنه في الصّحيح أنه قال:

عدد الصفحات ١٥٣

154شيخُ الإسلام ابن تيمية « .)1(وحيًا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة وجوهُ إعجاز القرآن: تعدّدت وجوه إعجاز القرآن كما ذكر شيخُ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- جمُلةً وتفصيلاً. أمّا الجُملة: فإنه قد علمت الخاصّة والعامّة من عامّة الأمم، علماً متواترًا أنه هو الذي أتى بهذا القرآن، وتواترت بذلك كلّ الأخبار أعظم مِن تواترها بخبر كلّ أحدٍ من الأنبياء والملوك والفلاسفة وغيرهم. وأمّا التّفصيل: فإن القـرآن نفسَه فيه تحدّي الأمم بالمعارضـة أن يأتوا بمثله، قال تعالى: ]34﴾ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﴿ ] 14﴾ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ بسورة واحدة ﴿ التحدي في مكة، ثمّ تحدّاهم- أيضًا- في المدينة بعد الهجرة، فقال تعالى في سورة البقرة، وهي ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ سورة مدنية: ﴿ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ]23﴾ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ]24﴾ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﭜ ﭝ وهذا التحدّي- أيضًا- يضمّ العامّ والخاصّ، قال تعالى في سورة الإسراء: ﴿ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ]88﴾ﭮ ﭯ يقول شيخُ الإسلام- رحمه الله: فعلم بأمره أن يخبرَ بالخبر جميعَ الخلق معجزًا لهم، قاطعًا بأنهّم إذا اجتمعوا كلّهم لا يأتون بمثل هذا القرآن ولو تظاهروا وتعاونوا على ذلك، وهذا التحدي ).152 التفسير الدقيق، مقدمات في فهم القرآن الكريم، ص)1(

عدد الصفحات ١٥٤

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 155 والدّعاء هو لجميع الخلق، وهذا قد سمعه كلّ مَن سمع القرآن، وعرفه الخاصّ والعام، وعلم .)1(مع ذلك أنهّم لم يعارضوه ولا أتوا بسورة مثله يقول شيخُ الإسلام- رحمه الله: وكوْن القرآن أنه معجزة ليس هو من جهة فصاحتِه وبلاغته فقط، أو نظمِه وأسلوبه فقط، ولا من جهة إخباره بالغيب فقط، ولا من جهة صرف الدواعي عن معارضته فقط، ولا من جهة سلب قدرتهم على معارضته فقط؛ بل هو آية بيّنة معجزة من وجوه متعدّدة، من جهة اللفظ ومن جهة النظم ومن جهة بلاغته في دلالة اللّفظ على المعنى، ومن جهة معانيه التي أمر بها، ومعانيه التي أخبر بها عن الله- تعالى- وأسمائه وصفاته وملائكته وغير ذلك، ومن جهة معانيه التي أخبر بها عن الغيب الماضي وعن الغيب المستقبل، ومن جهة ما أخبر به عن المعاد، ومن جهة ما بين فيه من الدلائل اليقينية والأقيسة العقلية التي هي ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ الأمثال المضروبة، كما قال تعالى: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ]89﴾ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ .)2(]54﴾ﭗ ﭘ ﭙﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ أمّا الدّليل التفصيلي فيقال: نفسُ نظم القرآن وأسلوبه عجيبٌ بديع، ليس مِن جنس أساليب الكلام المعروفة، ولم يأت أحدٌ بنظير هذا الأسلوب؛ فإنه ليس من جنس الشعر ولا الرّجز ولا الرسائل ولا الخطابة، ولا نظمه نظم شيء من كلام الناس؛ عربهِم وعجمِهم. ونفسُ فصاحة القرآن وبلاغته هذا عجيبٌ خارقٌ للعادة، ليس له نظير في كلام جميع الخلق، وبسط هذا وتفصيله طويل، يعْرفه من له نظر وتدبّر. ونفسُ ما أخبر به القرآن في بابِ توحيد الله وأسمائه وصفاته أمرٌ عجيب خارقٌ للعادة، لم يوجد مثل ذلك في كلام بشرٍ؛ لا نبي ولا غير نبي. ) بتصرف.154،153 التفسير الدقيق، ص)1( .)155 دقائق التفسير الجامع لتفسير الإمام ابن تيمية، مقدمات في فهم القرآن، ص)2(

عدد الصفحات ١٥٥

156شيخُ الإسلام ابن تيمية وكذلك ما أخبر به عن الملائكةِ والعرش والكرسي والجنّ وخلق آدم وغير ذلك، ونفس ما أمرَ به القرآن من الدّين والشرائع كذلك، ونفس ما أخبر به من الأمثال وبيّنَه مِن الدّلائل هو- أيضًا- كذلك. ومن تدبّر ما صنفه جميعُ العقلاء في العلوم الإلهية والخلقية والسياسيّة وجد بينه وبين ما جاء في الكتب الإلهية: التوراة والإنجيل والزبور وصحف الأنبياء، وجد بين ذلك وبين القرآن من التفاوت أعظم ممّا بين لفظه ونظمه، وبين سائر ألفاظ العرب ونظمهم. فالإعجازُ في معناه أعظمُ وأكثر مِن الإعجاز في لفظه، وجميعُ عقلاء بني آدم عاجزون عن .)1(الإتيان بمثل معانيه، أعظم مِن عجز العرب عنِ الإتيان بمثل لفْظه وما كتبته في هذا المبحث هو القليلُ جدًّا بالنسبة لما قدّمه شيخ الإسلام- رحمه الله، ولا مجالَ في هذا المبحث أنْ أذكر كلّ التفاصيل، ولكنْ أردت فقط أن أشير إلى هذه العلاقة. ولقد كُتب كثيرٌ من الرسائل والكتب حول هذه المعاني لمَن أراد أن يضع يدَه حول كلّ هذه التفاصيل، ومنها: المقدّمات في فهم القرآن التي كُتبت كمقدّمة لما قدّمه في التفسير في كتابي التفسير الكبير والتفسير الدّقيق، وأيضًا كتاب إعجاز القرآن الكريم عند شيخ الإسلام لمحمد بن عبد العزيز العواجي، مقدّمة التفسير بها كلّ ما كتبه شيخ الإسلام من مقدّمات فهم القرآن. *** ).292،115 انظر: كتاب إعجاز القرآن عند شيخ الإسلام، محمد بن عبد العزيز العواجي، ص)1(

عدد الصفحات ١٥٦