وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 157 المبحثُ السّابع ألوانُ التفسير عند شيخ الإسلام تنوّع أسلوب شيخ الإسلام في تناوله للتفسير ما بين التفسير التحليلي للسورة وتناوله لآياتها ومعانيها ومفرداتها بالتحليل والتوضيح، وما بين تناوله للسورة تفسيرًا موضوعيًّا بأخذ السورة كيانًا متكاملاً يبنى آخرُها على أوّلها؛ فيذكر ما تتناوله السورة من موضوعات، وما تهدف إليه من مفاهيم، وسنذكر نماذج توضيحية على ذلك، أو تفسيرًا إجماليًّا. أوّلاً: التفسير التحليلي: تناول شيخُ الإسلام- رحمه الله- سورة الفاتحة والإخلاص والمعوذتين والّنور؛ تفسيرًا تحليليًّا. تناول الشيخُ- رحمه الله- سورة الفاتحة فبينّ فضلها، وقام بتفسير آياتها مفسًّا كلّ آية بمفردها، مُعطيًا لكلّ آية منها حقّها في التفسير، مبيّنًا معاني كلماتها، وموضّحًا علاقة الآيات ببعضها، مبيّنًا لدلالة الآية بأكملها. ومنهجُ شيخ الإسلام في أثناء تناولِه للتفسير التحليلي: هو أنْ يركز دائماً على ما أشْكِل فهمُه من المعاني، مُتتبعًا ذلك عن طريق ما يماثلها من كتابِ الله، ثمّ سنة الرسول ﷺ، ثمّ أقوال الصحابة، ثمّ التابعين، والتحليلات اللّغوية للكلمات، مخُتارًا أرجح الأقوال الدّالة على المعنى، ومفسًّا لكلّ المعاني التي أشْكِلت في تفسيرها على المفسين. ثانيًا: التفسير الموضوعي: تناول الشيخُ التفسيرَ لسور القرآن موضوعيًّا عن طريق المستويات الآتية: ـ تناوله له على مستوى السورة.1 ـ تناوله له على مستوى الكلمة أو الموضوع2 ـ تناوله له على مستوى القرآن3
عدد الصفحات ١٥٧158شيخُ الإسلام ابن تيمية أولاً: تناولُه له على مستوى السورة: يظهر ذلك واضحًا عند تناوله لقضيّتين أساسيّتين من خلال تفسير سورتي آل عمران والنساء، ولقد عني الشيخُ- رحمه الله- بهاتين القضيّتين عناية خاصّة، واحتلت كلّ منهما مكانةً هامّة في تراثه. ـ القضية الأولى هي: موقف سورة آل عمران من أهل الكتاب وخاصّة النصارى. 1 ـ القضية الثانية هي: موقف ابن تيمية من النّفس وطبيعتها، وأحوالها، وأمراضها وعلاجها2 في القضية الأولى، تناول شيخُ الإسلام موقفَ النّصارى من الإسلام ورسوله مِن خلال تفسيره لآيات سورة آل عمران، ولقد عني ابنُ تيمية في هذه القضية بجمع آراء فرَقِ النصارى القديم منها والحديث، وناقش دعواهم في طبيعة المسيح، وهل هي طبيعة لاهوتية، أو ناسوتية، أو هي مزيج من اللاهوت والناسوت، وتدلّ مناقشة ابن تيمية لآراء النصارى على خبرةٍ ودراية بأقوالهم وأصول آرائهم، فتناول أقوالهَم بالتحليل والمقارنة والنّقد، ويضع المقدّمات ليخرج منها بنتائج ما كانت تخطر على ذهن أحدٍ ما لم ينبئ بها ابنُ تيمية. كما ناقش دعواهم في أنّ المسيحيّة هي آخر الأديان السماوية نزولاً، وافتراؤهم على الحقّ بقولهم: إنّ محمدًا بُعث إلى العرب خاصّة، وتحريفهم الكلِم بقولهم: المسيح ابن الله، أو إنّ الله ثالث ثلاثة. ـ أمّا القضية الثالثة التي شغلت بقيّة هذا الجزء، فهي تلك الدراسة النفسيّة المتعمّقة التي قدّمها شيخُ 3 ﴾ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑالإسلام في تفسيره للآية الكريمة: ﴿ ]79[ فكان يجمع في الموقف الواحد بين الآية والحديث والأثر الوارد في النفس، كما يوضّح النتائج .)1(السيئة التي تترتب على ابتعاد النفس عن المنهج القرآني في السلوك والتربية ثانيًا: تناوله لبعض الموضوعات القرآنية تفسيرًا موضوعيًّا مثل: المحبة، التضمين، المثل، الفرقان، السنن، الباقيات الصالحات، الحسنة والسيئة. ).274،273 انظر: التفسير الدقيق، ص)1(
عدد الصفحات ١٥٨وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 159 وتناوله لهذه الموضوعات تفسيرًا موضوعيًّا قد سبق الحديث عنها، وفي هذا الموضع نذكر مثالاً يوضّح ذلك المعنى ويؤكّده من خلال تناوله لموضوع (الحسنة والسيئة). ]79﴾ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑقال تعالى: ﴿ بينّ الشيخُ معنى الحسنة والسيئة من خلال تفسيره لهذه الآية تفسيرًا موضوعيًّا موضّحًا تلك المعاني من خلال ذكْره للآيات القرآنية واستنباط المعاني منها، ومؤكّدًا لذلك بأقوال المفسّين، ووضّح أنّ الحسنة تعني النّعمة والنصر والعمل الحسن، والسيئة تعني المصيبة والهزيمة والفعل السيئ، وبينّ المقابلة بين النعمة والابتلاء، والطاعة والمعصية، وبينّ أنّ الحسنة تعقبها حسنة، وأنّ السيئة تعقبها سيئة. أمّا تناوله للتفسير الموضوعي على مستوى الكلمة، فيظهر من خلال تناوله لكلمة ﴿ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯﭰ ﭱ ﴾ في الآية الكريمة: ﴿ﭤ ]19-18...﴾ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﴾ مِن خلال أقوال المفسين، وجمع الآيات التي تحوي هذه ﭤفتتبّع معنى كلمة ﴿ الكلمة، وبيان دلالتها من خلال ما ذكر من الآيات، ثمّ ذكر بعض الأحاديث التي تضمّنت هذه اللفظة فبيّنت معناها، ثمّ ذكر مراتب الشهادة، ثمّ تحدّث عن كيفية هذه الشهادة، وأنها تارة بالقول وتارة بالفعل، وأنها مرّة عن طريق السمع ومرّة عن طريق البصر، فالسمع عن طريق الأنبياء، والبصر عن طريق رؤية الكون، وما خلق الله من الأنفس والأشياء، وقد تكون .)1(الشهادة علماً في قلوب العلماء التفسير الإجمالي: ظهر التفسيرُ الإجمالي لسور القرآن الكريم واضحًا عند الشيخ، وذلك من خلال تناوله لسورة البقرة؛ حيث أجمل الشيخ ما تضمّنته السورة من أحداثٍ ومعانٍ في بداية تفسيره للسورة، بعد ذلك قامَ بتفسير ما أشْكِل من الآيات ففسّها تفسيرًا تحليليًّا، وأيضًا في سورة مريم، يقول شيخُ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله: وقد ذكرتُ في مواضع ما اشتملت عليه ).290-285 التفسير الدقيق، ص)1(
عدد الصفحات ١٥٩160شيخُ الإسلام ابن تيمية أصول العلم وقواعد الدين: إنّ الله- تعالى- افتتحها بذكر كتابه الهادي للمتقين، فوصف حالَ أهل الهدى ثمّ الكافرين ثمّ المنافقين، فهذه إلى عبادته وحده، ثمّ ذكر دلائل ذلك من فرْش الأرض وبناء السماء وإنزال الماء وإخراج الثمار رزقًا للعباد، ثمّ مرّر بثّه في العالم من الخلْق والأمر، ثمّ ذكر تعليم آدم الأسماء وإسجاد الملائكة له لما شرّفه من العلم، فإنّ هذا تقرير لجنس ما بُعث به محمد ﷺ من الهدى ودين الحق، فقصّ جنسَ دعوة الأنبياء، ثمّ انتقل إلى خطاب بني إسرائيل وقصة موسى معهم، وضمّن ذلك تقرير نبوته إذْ هو قرين محمد، فذكر آدم الذي هو أوّل، وموسى الذي هو نظيره، وهمُا اللّذان احتجّا، وموسى قتل نفسًا فغفرَ له، وآدم أكلَ من الشجرة فتاب عليه، وكان في قصّة موسى ردٌّ على الصابئة ونحوهم ممّن يقرّ بجنس النبوات ولا يوجب اتّباع ما جاءوا به، وقد يتأوّلون أخبار الأنبياء، وفيها ردّ على أهل وتقرير نبوته، وذكر حال مَن ﷺالكتاب بما تضمّنه ذلك من الأمر بالإيمان بما جاء به محمد عدل عن النبوة إلى السّحر، وذكر النسخ الذي ينكره بعضهم، وذكر النصارى وأنّ الأمّتين لن يرضوا حتى يتّبع ملّتهم، كلّ هذا في تقرير أصول الدين من الوحدانية والرسالة، ثمّ أخذ- سبحانه- في بيان شرائع الإسلام على ملّة إبراهيم، فذكر إبراهيم الذي هو إمام، وذكر البيت الذي بتعظيمه يتميّز أهل الإسلام عماّ سواهم، وذكر استقباله وقرّر ذلك، فإنه شعار الملّة بين «أهلها وغيرهم، ولهذا يقال: (أهل القبلة)، كما يقال .ذبيحتنا؛ فهو المسلم وذكر من المناسك ما يختصّ بالمكان؛ وذلك أنّ الحج له مكان وزمان، والعمرة لها مكان فقط، والعكوف والركوع والسجود شرعَ فيه ولا يتقيّد به لا بمكان ولا بزمان، لكنّ الصلاة تتقيّد باستقباله، فذكر- سبحانه- هذه الأنواعَ الخمسة من العكوف والصلاة والطواف والعمرة والحج، والطواف يختصّ بمكان فقط، ثمّ أتبع ذلك ما يتعلّق بالبيت مِن الطواف بالجبَلين، وأنه لا جناح فيه جوابًا لما كان عليه الأنصار في الجاهلية من كراهة الطواف بهما لأجل إهْلالهم لمَناة، وجوابًا لقوم توقّفوا عن الطواف بهما.
عدد الصفحات ١٦٠وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 161 وجاء ذكرُ الطواف بعد العبادات المتعلّقة بالبيت، بل وبالقلوب والأبدان والأموال بعدما أمروا به مِن الاستعانة بالصّبر والصّلاة اللّذين لا يقوم الدين إلاّ بهما، وكلّ ذلك مفتاح الجهاد والمؤسّس على الصبر؛ لأن ذلك مِن تمام أمر البيت؛ لأنّ أهل الملك لا يخالفون فيه، فلا يقوم أمرُ البيت إلاّ بالجهاد عنه، وذكر الصبر على المشروع والمنْذور، وبين ما أنعمَ به على هذه الأمّة من البشرى للصابرين، فإنها أعطيت ما لم تعطَ الأمم قبلها، فكان ذلك مِن خصائصها وشعائرها كالعبادات المتعلّقة بالبيت، ولهذا يُقرن بين الحجّ والجهاد لدخول كلّ منهما في سبيل الله، فأمّا الحجّ من سبيل «الجهاد فهو أعظم سبيل الله بالنصّ والإجماع، ولذلك الحجّ في الأصحّ كما قال ا فبينّ أنّ هذا معروف عند أهل الكتاب بذمّه لكاتم العلم، ثمّ ذكر أنه لا يقبل دينًا غير ذلك، ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ] 22﴾ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ففي أوّلها: ﴿ ]165﴾ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ لينتهي عن قصد الأنداد المُضاهية له ولبيته من الأصنام والقبور ونحْو ذلك، ووحّد نفسه قبل ]163﴾ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇذلك وأنه ﴿ الآيات، ثمّ ذكر الحلال والحرام، وأطلق الأمر في المطاعم؛ لأنّ رسول الله ﷺ بُعث بالحنيفية وشعارها وهو البيت، وذكر سماحتَها في الأحوال المباحة، وفي الدّماء ما شرعته من القصاص ومن أخذ الدّية، ثمّ ذكر العبادات المتعلّقة بالزمان، فذكر الوصيةَ المتعلّقة بالموت، ثمّ الصيام المتعلّق برمضان، وما يتّصل به من الاعتكاف؛ ذكَرَه في عبادات المكان وعبادات الزمان فإنه يختصّ بالمسجد وبالزمان استحبابًا أو وجوبًا بوقت الصيام، ووسطه أولاً بين الطواف والصّلاة؛ لأنّ الطواف يختصّ بالمسجد الحرام، والصّلاة تشرع في جميع الأرض، والعكوف بينهما، ثمّ أتبع ذلك بالنهي عن أكلِ الأموال بالباطل، وأخبر أنّ المُحرّم نوعان: ـ نوع لِعَينِه كالميتة. 1 ـ نوع لكسبه كالربا والمغصوب2
عدد الصفحات ١٦١162شيخُ الإسلام ابن تيمية فأتْبع المعنى الثابت بالمحرم الثابت تحريمه لعينه، وذكرَ في أثناء عبادات الزمان المنتقل، ]190...﴾ الآيةﮮ ﮯ ﮰالحرام المنتقل، ولهذا أتبعه بقوله تعالى: ﴿ أعلامٌ للعبادات الزمنيّة، وذكر أنه جعلها مواقيتَ للناس في أمر دينهم ودنياهم؛ لأنّ البيت يحجّه الملائكة والجن، فكان هذا- أيضًا- في أنّ الحج مؤقتٌ بالزمان كأنه مؤقت بالبيْت المكاني، ولهذا ذكر بعد هذا من أحكام الحجّ ما يختصّ بالزمان، مع أنّ المكان مِن تمام الحج والعمرة. وذكر المُحْصر، وذكر تقديم الإحْلال المتعلّق بالمال وهو الهدي على الإحلال المتعلّق بالنفس وهو الحلق، وأن المتحلّل يخرج من إحرامه فيحلّ بالأسهل فالأسهل، وهنا كان آخر ما يحلّ عين الوطء؛ فإنه أعظمُ المحظورات، ولا يفسد النّسك بمحظور سواه. وذكر التمتّع بالعمرة إلى الحج؛ لتعلّقه بالزمان مع المكان، فإنه لا يكون متمتعًا حتى يحرمَ بالعمرة في أشهُر الحج، وحتى لا يكون أهلُه حاضري المسجد الحرام- وهو الأفقي- فإنه الذي يظهر التمتّع في حقّه لترفّهه بسقوط أحدِ السفرين عنه، أمّا الذي هو حاضرٌ فسيان عنده تمتّع أو اعْتمر قبل أشهر الحج، ثمّ ذكرَ وقت الحج وأنه أشهرٌ معلومات، وذكرَ الإحرام والوقوف ﴾ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ بعرفة ومزدلفة؛ فإنّ هذا مختصّ بزمان ومكان؛ ولهذا قال: ﴿ ]197 ومِن فرض قبله خالف السنة فإمّا أن يلزمه ما التزمه كالنّذر- إذْ ليس فيه نقضٌ للمشروع، وليس كمَن صلى قبل الوقت، وإمّا أن يلزم الإحرام ويسقط الحج ويكون معتمرًا، وهذان قولان مشهوران. ثمّ أمرَ عند قضاء المناسك بذكره، وقضاؤها- والله أعلم- قضاءُ التفث والإحلال؛ ولهذا ] 203﴾ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ قال بعد ذلك: ﴿ العبادات الزمانية المكانية. وذكر أنّ البرّ ليس أنْ يشقي الرجلُ نفسَه، ويفعل ما لا فائدة فيه مِن كوْنه يبرز للسماء فلا يستظلّ بسقف بيته حتى إذا أراد دخولَ بيته لا يأتيه إلاّ مِن ظهره، فأخبر أنّ الهلال الذي جعل
عدد الصفحات ١٦٢وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 163 ميقاتًا للحجّ شرع مثل هذا، وإنّما تضمّن شرع التقوى، ثمّ ذكر بعد ذلك ما يتعلّق بأحكام النكاح والوالدات، وما يتعلّق بالأموال والصدقات والربا والدّيون وغير ذلك، ثمّ ختمها بالدّعاء العظيم المتضمّن وضع الآصار والأغلال والعفو والمغفرة والرحمة وطلب النّصر على . )1(القوم الكافرين الذين هُم أعداء ما شرعه مِن الدين في كتابه المب التفسيرُ الإجمالي لسورة مريم: يقول شيخُ الإسلام- رحمه الله: سورة مريم مضمونهُا تحقيقُ عبادة الله وحده، وأنّ خواصّ الخلق هُم عباده، فكلّ كرامة ودرجة رفيعة في هذه الإضافة، وتضمّنت الردّ على الغالين الذين زادوا في النّسبة إلى الله حتى نسبوا إليه عيسى بطريق الولادة، والردّ على المفرّطين في تحقيق العبادة وما فيها مِن الكرامة وجحدوا نعمَ الله التي أنعم بها على عباده المُصطفين. ] 2﴾ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ افتتحها بقوله: ﴿ ]30﴾ﮊ ﮋ ﮌوموهبته له يحيى، ثمّ قصّة مريم وابنها وقوله: ﴿ على الغلاة في المسيح، وعلى الجفاة النافين عنه ما أنعم الله به عليه، ثمّ أمر نبيّه بذكر إبراهيم وما دعا إليه من عبادة الله وحدَه، ونهيه إيّاه عن عبادة الشيطان وموهبته له إسحاق ويعقوب، وأنّه جعل له لسانَ صدق عليًّا، وهو الثناءُ الحسن، وأخبر عن يحيى وعيسى وإبراهيم ببرّ الوالدين مع التوحيد، وذكر موسى وموهبته له أخاه هارون نبيًّا كما وهب يحيى لزكريا وعيسى لمريم وإسحاق لإبراهيم. فهذه السورةُ سورة المواهب، وهي ما وهبَه الله لأنبيائه من الذريّة الطيبة والعمل الصالح ]58﴾ﮐ ﮑ ﮒ ﮓوالعلم النافع، ثمّ ذكر ذرية آدم لأجل إدريس ﴿ ومِن ذرية إبراهيم وإسرائيل إلى آخر القصّة. ثمّ ذكر حال منكري المعاد، وحال مَن جعل له الأولاد وقرنَ بينهما، ثمّ ذكر إقسامَه حشدَهم والشياطين وإحضارَهم حول جهنم.. ) بتصرف.199-195 راجع: التفسير الدقيق، من ص)1(
عدد الصفحات ١٦٣164شيخُ الإسلام ابن تيمية ثمّ ذكر حالَ الذين قالوا: اتخّذ الرحمن ولدًا، فنفى الولادةَ عن نفسه، وردّ على مَن أثبتها، . )1(]96﴾ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚوأثبتَ المودةَ ردًّا على مَن أنكرها؛ فقال: ﴿ خلاصةٌ واستنتاج: وبعدَ هذه الرحلة، يمكننا أن نقول: بلغت منزلةُ ابن تيمية في التفسير منزلاً رائعًا وبهَرَ علماء عصره بفهمه لكتاب الله، وقدرته على تفسيره تفسيرًا يجعل القرآن منهج حياة للناس جميعًا ينظمها ويجدّدها، ويصلح ما فسد منها، ويطوّرها إلى الأفضل والأحسن. لقد كان- رحمه الله- على وعي كبيرٍ بمقاصد القرآن الكريم، فحمل لواءَ التبليغ للناس .- رضي الله عنهم -مقتديًا برسول الأنام- عليه الصلاة والسلام- والسلف الصالح اهتمّ شيخُ الإسلام بالتفسير خاصّة، ولمَ لا.. وقد أجاد كلّ أدواته التي توصّله إلى الفهم الجيد والاستنباط السليم مِن كتاب الله؛ فغزارةُ علومه التي تحدّثنا عنها قبلاً تشهد له بذلك. اهتمّ شيخُ الإسلام بالأقوال الصحيحة المنقولة عبرْ السلف بأسانيدها الصحيحة غالبًا دونَ غيرها، فبرعَ في التصانيف التي كتبها في التفسير حتى يقال: إنهّا كانت أكثرَ من ثلاثين مجلدًا، وأنّه بشهادة الكثير من العلماء كان إمامًا في التفسير. لقد كانت ثقافتُه التفسيرية يضربُ بها الأمثال؛ فقد كان يقرأ في الآية الواحدة مائة وعشرين تفسيرًا. لقد كتب عنه الكثيرُ من العلماء، وكان نموذجًا ومثالاً للدارسين من الأقدمين والمحدثين. كان لابن تيمية- رحمه الله- طرقًا متعدّدة في التفسير: ـ التفسير التحليلي مثل1 ـ التفسير الموضوعي مثل2 ) وما بعدها بتصرف يس183 انظر: التفسير الدقيق، ص)1(
عدد الصفحات ١٦٤وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 165 ـ كتابات في علوم القرآن مثل3 ـ المتشابه مثل4 ـ أصول التفسير مثل5 لقد كان لشيخ الإسلام طريقتُه الخاصّة لكلّ ما يعرض له من قضايا في كتاب الله، وهي الرجوع للكتاب (القرآن الكريم)، فهو يفسّ بعضه بعضًا، ثمّ السنة النبوية وأقوال الصحابة والتابعين الذين لهم لسانُ صدق، ويرى أنّ ذلك يحلّ النزاعات والتفرق في الأمّة، ولا يمكن للأمّة أن تجتمع على ضلالة، مستعملاً المقارنات والترجيح لبعض الأقوال على بعض، ، كما أنه اهتمّ ρومستعملاً للعقل أحيانًا المعتمد على ما فهمه من لغة العرب وأحاديث النبي بالأسانيد اهتمامًا بالغًا، محاولاً إسناد كلّ قول إلى صاحبه في أمانةٍ علمية تامّة. كما أنه اهتمّ بمُشكل القرآن فلم تكنْ غايته كتابةَ التفسير لكتاب الله مرتبًا حسب سور القرآن تفسيرًا تحليليًّا لآياته، ولكنه اعتبرَ القرآن الكريم كتابًا لهداية البشر، فأخذ يتبع فيه القضايا والموضوعات، رابطًا بين سوره وآياته. تعدّدت مصادرُ شيخ الإسلام في تفسير القرآن، وتأتي كالآتي بالترتيب: القرآن، ثمّ السنّة النبوية، أقوال الصحابة، وما أجمع عليه التابعون، ثمّ ما يرجّحه هو معتمدًا على بلاغته وفهمه للغة العرب، أو على كتب التفسير. كما كان لابن تيمية أثرٌ بالغ على مَن جاء بعده مِن المفسّين، وذلك مِن طريقة تفسيره وأصالة نهجه وتراثه وكتبه. لقد وضع شيخُ الإسلام أصولاً للتفسير في كتابه التفسير عنده على مراتب: فالقرآن أولاً، ثمّ السنة، ثمّ أقوال الصحابة والتابعين. أين رقم واحد هنا؟! وما العنوان الرئيس لهذا التصنيف؟! - الاكتفاء بالحديث النبوي في حال وجوده.2
عدد الصفحات ١٦٥166شيخُ الإسلام ابن تيمية ـ أنّ المراسيل صحيحة إذا تعدّدت طرقها. 3 ـ أنه لا يجوز العدول عن أقوال الصحابة والتابعين إلى ما يخالفها4 ـ لا يجوز إحداث قول جديد في مسألة تنازع فيها السلف5 ـ أنّ الإسرائيليات للاستشهاد لا للاعتقاد 6 ـ أنّ اللغة مصدر من مصادر التفسير، ورتبتها متأخّرة عماّ سبق من مصادر 7 ـ أنه ليس في القرآن مجاز، وأنه لا شيء في القرآن لا يعرف معناه، والمتشابه نسبي، وأنّ الصحابة 8 والتابعين كان لهم علمٌ بالمتشابه، وأنّ الصحابة وضعوا قواعد لفهمه وتفسيره اهتمّ شيخ الإسلام بعلوم القرآن، ووضع مبدأً للتعامل مع الإسرائيليات أنها للاستشهاد لا للاعتقاد، فتناول الإسرائيليات وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه. المتشابه عند ابن تيمية ما لا نصل إلى معرفة معناه، وهذا أمرٌ نسبي، فإذا عرف المعنى أصبح محكماً، وهي مثل الأمور الغيبيات التي لم تحدّث بعْد، وستفس أحداثها يومَ القيامة. لقد تعدّدت وجوه إعجاز القرآن الكريم جملة وتفصيلاً، وتنوّعت أساليب شيخ الإسلام في التفسير ما بين التفسير التحليلي والتفسير الموضوعي والتفسير الإجمالي، وكان رائعًا وافيًّا منوعًا في أنواعه كلّها، وكان التحليلي مثل سورة الفاتحة والإخلاص والمعوذتين، والإجمالي كتفسيره لسورة البقرة وسورة مريم، والموضوعي كان على مستوى السورة، وذلك من خلال قضية آل الكتاب، النفس الإنسانية، وذلك من خلال سورتي: آل عمران والنساء، وعلى مستوى الموضوع مثل: المحبة والتضحية والمثل والفرقان والسنن والباقيات الصالحات.
عدد الصفحات ١٦٦الفصلُ الثّالث جهودُ شيخ الإسلام في علم السنن الربّانية (الجانبُ التّأصيلي)
عدد الصفحات ١٦٧وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 169 المبحثُ الأوّل روافدُ علمِ السنّة عند شيخ الإسلام- رحمه الله لعلم السّنن مؤهّلات ومواهب يجب أن تتوفّر للأفراد الذين يستطيعون إيجادها واستنباطها مِن آيات الله الكونيّة المقروءة والمنظورة. البشرَ مؤهّلات فطرية لكي يكتشفوا بها قوانينه الربانيّة، - عز وجل - ولقد أعطى الله ويفيدوا منها، ويسخّروها حتى يعمروا هذا الكون، ويكون الإنسان خليفتَه في أرضه، فسبحانه وتعالى أعطى الإنسان السمعَ والبصر والعقل والفؤاد، وجعل هذه الحواس مسئولةً مسئوليّة كبيرة عن اكتشاف هذه الآيات الكونية التي تحكم الكون، وكذلك السّنن الاجتماعية التي تحكم الأفرادَ والجماعات وأفعالهم وسلوكهم في الحياة، وما يكونون عليه مِن أحوال، وما يترتّب على ذلك من نتائج كـ: الرّفاهية، أو الضيق في العيش، والسّعادة والشقاء، والعزّ والذل، والرقي والتخلف، والقوة والضعف، ونحْو ذلك من الأمور الاجتماعية. وما يصيبهم في الآخرة مِن عذاب ونعيم لها- أيضًا- مؤهّلات تساعد الإنسان على إيجادها وفهمها فهماً عميقًا، ومنها أنّه لا بدّ للإنسان أن يكون دارسًا للتاريخ ولأحوال الأممِ السّابقة، وملماًّ بالقصص القرآنية، ودارسًا للشريعة الإسلامية، وملماًّ بالسنة النبوية الشريفة. والواعي المتأمّل لسيرة النبي ﷺ يلمح معرفتَه الجيدة للسنن الإلهية وتطبيقه لها في كلّ مكالات الحياة، فقد كان ﷺ حريصًا على الأخذِ بالأسباب في كلّ شأنٍ سواء أكان خاصًّا أو عامًّا، وأكثر ما يدلّ على ذلك تخطيطه الجيّد لأمْر الهجرة، وتنظيمه لأمْر الحرب وأخذه بأسباب النصر، ولقد كان ﷺ يختار الرجالَ في الشئون المختلفة طبقًا لمؤهّلاتهم التي تساعدهم على اجتياز الأعمال، ثمّ يتابعهم ويساندهم ويحاسبهم ويكافؤهم؛ فكان كلّ أمرِه تخطيطًا وتنظيماً، وله المعرفة البالغة بما يصلحُ المجتمعات وينظمها ويوحّدها وكان خبرُه في تنظيم المجتمع المدني خيرَ دليلٍ على ذلك، ونجده ﷺ في مجال التربية يربيّ أصحابه على تحمّل المسئولية والإيجابية
عدد الصفحات ١٦٩170شيخُ الإسلام ابن تيمية «تجاه المجتمع ويمثّل لهم ذلك بمجتمع السفينة في قوله فيها، كمثل قومٍ استهموا على سفينة، فأصاب بعضُهم أعلاها وأصاب بعضُهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إنْ أرادوا الماء مرّوا على مَن فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذِ مَن فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا وهلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوْا ونجوا . تصويرٌ دقيق لسنن الله تعالى في الأجسام والمجتمعات، فإذا كانت السفينة يحكمها )1(جميعً قانونُ الطفو فإنّ المجتمع يحكمه قانونُ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. «وكقوله . )2(عضوٌ تداعى له سائرُ الجسد بالحمّى والسهر . )3( « وكقوله ومِن أروع ما يدلّ على حرص الرسول على تعلّم أصحابه وأمّته إدراك السنن الإلهية قولُه لزياد بن لبيد: بعد أنْ ذكر شيئًا وقال: وذلك عند ذهاب العلم، قلنا: يا رسولَ الله، وكيف يذهب العلمُ ونحن نقرأ القرآن ونقرؤه أبناءنا، وأبناؤنا يقرءونه أبناءهم إلى يوم القيامة؟ فقال: « .)4( يقرءون التوراة والإنجيل ولا ينتفعون ممّا فيهما بشيء وهذا الحديثُ الشريف يوضّح إرشاد الرسول لأصحابه إلى أمرِ السّنن التي تعمّ الجميع وتمضي بلا استثناء، وفي هذا إجابةٌ عن السؤال الحائر على شفاه المسلمين: كيف يكونون مسلمين وتظلّ أحوالهم بهذا التخلّف والتأخّر والجمود؟ وقد صاغ شوقي ذلك في قوله: صحيح البخاري، كتاب الشركة، باب (هل يقرع في القسمة والاستهام فيه). والترمذي، كتاب الفتن. )1( وأحمد (أول مسند الكوفيّ .1999/4 مسلم)2( صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب (تشبيك الأصابع في المسجد وغيره). ومسلم، كتاب البر والصلاة)3( والآداب . 76 ص2 ذكره ابن كثير، جـ)4(
عدد الصفحات ١٧٠وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 171 مُرسل َوقل يا رسولَ الله يا خير أبثّك ما تدري مِن الحسات شعوبُك في شرق البلاد وغربها كأصحاب كهفٍ في عميق سُبات بأيْمانهم نـــوران ذكــرٌ وسنّة فما بالهُم في حالك الظلمات؟!! ارتفاعَ المعارف والثقافة من الكتب «فليس المراد من قولهﷺ والرؤوس؛ بل ارتفاع الارتباط بينها وبين السّنن الكونية وإحسان التعامل بهذا العلم مع تلك السّنن. والصحابةُ الكرام بدوْرهم كانوا على علمٍ ووعي بهذه السّنن، ومِن أبرز الذين ظهرت في حياتهم وأقوالهم هذه السّنن عمرُ بن الخطاب - رضي الله عنه - الذي قال عنه ابنُ مسعود «عندما مات . )2 )1(علم الفتيا والأحكام، إنّما أريد العلم بالله تعا لذلك نجد أنّ شيخَ الإسلام ابن تيمية كان يتمتّع بكثيرٍ من هذه المؤهّلات التي جعلتْه عميقًا في معرفة السّنن الإلهية، ومحاولته توظيفها، ودعوة الناس للعمل بها، ومنها: أولاً: مكوّنات شخصية ابن تيمية- رحمه الله: لكلّ إنسان شخصيته التي شاركت في إعدادها العديدُ من العوامل، - عز وجل - وهب الله ومِن هذه العوامل: الوالدين والبيئة، وقد تكونُ هذه العوامل معلماً واعيًا، أو كتابًا هادفًا يكون عاملاً رئيسًا في تكوين شخصية الإنسان، وقد امتلك شيخُ الإسلام ابن تيمية شخصية قويّة مميّزة جعلته عالمًا مميزًا في مجاله العلمي والدعوي، ولقد كان لهذه الشخصيّة مكوناتٌ، منها: مواهبه الفطرية التي وهبها الله له، ومنها: ما تلقّاه عن معلّميه، أو كتبٍ قرأها، أو حياته وما انصرف إليه، وعصره الذي عاش فيه سواء كان ما أفاده فيه بطريق الإيمان بأن تغذّى من عناصره . 23/1، وانظر الإحياء115 /4 تفسير المنار، جـ)1( .)31 راجع: مفهوم السنن الربانية، د/ رمضان خميس الغريب، ط: مكتبة الشروق، ط: ثانية، ص)2(
عدد الصفحات ١٧١172شيخُ الإسلام ابن تيمية ووجهته ودفعته، أو كانت استفادتُه مِن مقاومة ما فيه، فأرهقت قواه وشدّت عوده، فضرب .)1(على أوتاره ضربًا عنيفًا، فإنّ العالم ذا الشخصيّة القوية يستفيد مِن عصره سلبًا أو إيجابًا ويمكن تلخيص أهمّ هذه الصفات التي أهّلته لمعرفة علم السنة فيما يأتي: - التأمّل والعمق: 1 - رحمهاتصف ابنُ تيمية- رحمه الله- بأنه كان متأمّلاً ومفكّرًا ومدقّقًا في الأمور، يدرس المسائل متعمّقًا فيها، بل ربّما قضى الليالي متفكّرًا في مسألةٍ واحدة حتى يحلّ الله - مغلقها، وينتهي إلى الأمر الجازم فيها، وكان يتأمّل الآيات والأحاديث وقضايا العقل، ويوازن، ويعايش بفكرٍ مستقيم حتى ينبلج له الحقّ واضحًا، لذلك كان من أدقّ العلماء وأقدرهم على .)2(استنباط المعاني من الأحاديث وآيات القرآن الكريم ولقد جاء في الكواكب الدرية أيضًا مِن الألفاظ النبويّة والأخبار المرويّة، وإبراز الدّلائل منها على المسائل، وتبْيين مفهوم اللّفظ ومنطوقه، وإيضاح المخصّص للعام، والمقيّد للمطلق، والنّاسخ للمنسوخ، وتبيين ضوابطها ولوازمها وملزوماتها، وما يترتّب عليها، وما يحتاج فيها إليها ممّا لا يوصف، حتى كان إذا ذكرَ آية أو حديثًا وتبينّ معانيه وما أريد به؛ يعجب العالم الفطنُ من حُسن استنباطه، ويدهشه ما سمعه، أو وقفَ عليه منه، فلم يكن ابنُ تيمية حافظًا وداعيًا فقط، بل كان متعمّقًا لا يكتفي فيما يدرس بالنظرة الأولى، بل يردّد البصر ويسبر غوْرَ المسائل حتى يصل فيها إلى نتائج محقّقة، وما يصل إليه يُدهش العقول ويحيرّ الخصوم - حضور البديهة: ( وصف الكثيرُ مِن العلماء المعاصرين شيخَهم ابن تيمية بهذه الصفة، وأكّدوا ذلك، فهو دائماً يجيب على الأسئلة والمسائل بصورةٍ سريعة، ويسترسل في استحضار المعاني بطريقةٍ يعجبُ منها ) بتصرف.82 ابن تيمية حياته وعصره، لمحمد أبي زهرة، ص)1( .)84 ابن تيمية حياته وعصره ، لمحمد أبي زهرة، ص)2(
عدد الصفحات ١٧٢وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 173 السّامع، يقول أحدُ تلامذته أبو حفص البزّار أسرار العلوم وغوامض ولطائف ودقائق، وفنونًا، ونُقولَ العلماء، واستشهادًا بأشعار العرب، .)1(وهو مَع ذلك يجري كما يجري التيار، ويفيض كما يفيض البحر - الاستقلال الفكري: 3 ظهر الاستقلالُ الفكري لابن تيمية واضحًا من خلال منهجِه في التفسير؛ فهو لا يتبع مَن سبقَه في الآراء، ولكنّه يتتبّع الدّلائل حيث كانت في القرآن ثمّ السنة النبوية ثمّ أقوال الصحابة، ويأخذ أقوالَ المفسّين فيتفحّصها، ويرجّح أحد الأقوال عن الأخرى بمهارةٍ عجيبة، فهو مستقلّ الفكر لا يحكمه سوى القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة. يقول أبو حفص البزار في ذلك أحدًا أشدّ تعظيماً للرسول- عليه الصلاة والسلام- ولا أحرص على اتّباعه ونصرِْ ما جاء به منْه، حتى كان إذا أوردَ شيئًا من حديثه في مسألة، ويرى أنه لم ينسخه شيء غيره من حديثٍ يعمل به ويقضي ويفتي بمقتضاه، ولا يلتفت إلى قول غيره من المخلوقين كائنًا مَن كان، وإذا نظر المصنّف إليه بعينْ العدل يراه واقفًا مع الكتاب والسنة لا يميله عنهما قول أحدٍ كائنًا مَن كان، ولا يرقب في الأخذ بمعلومها أحدًا، ولا يخاف في ذلك أميرًا ولا سلطانًا ولا سيفًا، ولا .)2(يرجع عنهما لقوْل أحد، وهو متمسّك بالعروة الوثقى وهذه الصّفة لا بدّ منها لدارس السّنن الإلهية؛ لأنها تجعله قادرًا على فهْمها وتطبيقها، فهي حاكمةٌ عليه حيث هو لا يحيد عنها لأمرٍ آخر، فهو شديد الالتزام لما يفهمه ويقتنع به. - الإخلاصُ في طلب الحقّ، والطهارةُ من أدران الهوى: 4 العلمُ بالسّنن الإلهية نورٌ يقذفه الله في قلوب أحبّائه ومخلصيه، فيجعلهم أكثرَ فهماً وإدراكًا للحياة والأحياء، ويهبُهم حسًّا خاصًّا فيجعلهم يدركون به ما يخفى على الكثيرين، فيعتبرون ).28 الأعلام العلية، أبو حفص البزار، ص)1( .)78 الأعلام العلية، أبو حفص البزار، ص)2(
عدد الصفحات ١٧٣