وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 125 يقول شيخُ الإسلام ابن تيمية في ذلك: إنّ الأقوال الواردة في هذه المسألة تبلغ سبعة أو أكثر. وقام بتوضيح كلّ طريقة على حدَة، والردّ على آرائهم، وتفنيدها، وإظهار الصحيح والخطأ. وذكر بعد ذلك أنّ مسألة القرآن قد كثر فيها اضطراب الناس، وغالبهم يقصد وجهًا من الحقّ، ويعزبُ عنهم وجهٌ آخر. وذكر أنّ أصحّ الأقوال وأشدّها هي أقوال الصحابة والأئمة والتابعين الذين لهم في الأمّة لسان صدق، وأنّ كلامهم يطابق صحيح المعقول وصحيح المنقول، وذكر شيخ الإسلام أنّ هذه الخلافات تعود إلى إطلاقات لفظية لا إلى معانٍ عقلية، وأحسن الناس طريقةً مَن كان إطلاقه موافقًا للإطلاقات الشرعية والمعاني التي يقصدها معان صحيحة تطابق الشرع والعقل. ووضّح- رحمه الله- أنّ منشأ النزاع بين المسلمين في هذا الباب أنّ المتكلمين من الجهمية والمعتزلة سلكوا في إثبات حدوث العالم وإثبات الصانع طريقًا مبتدعة في الشرع، مضطربةً في العقل، وأوجبوها، وزعموا أنّه لا يمكن معرفة الصانع إلاّ بها، وتلك الطريق فيها مقدّمات مجملة لها نتائج مجُملة، فخلط كثير من سالكيها في مقْصود الشارع ومُقتضى العقل، فلم يفهموا ما جاءت به من نصوص نبوية، ولم يحرّروا ما اقتضته الدّلائل العقلية، وذلك أنهم قالوا: لم يمكن معرفة الصانع إلاّ بإثبات حدوث العالم، ولا يمكن إثبات حدوث العالم إلاّ بإثبات حدوث الأجسام. أنّ القرآن الذي أنزله الله على “ووضّح شيخُ الإسلام أنّ الذي يجب على المسلمين اتباعه هو عبده ورسوله كلامُ الله- تعالى، وأنّه منزّل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، فإنّه قرآن كريم في كتابٍ مكنون لا يمسّه إلاّ المطهرون.. ويجب عليهم أنْ يلزموا سنة رسول الله ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وما تنازعت فيه الأمّة وتفرّقت إن استطاع أن
عدد الصفحات ١٢٥126شيخُ الإسلام ابن تيمية يفصل النزاع بالعلم والعدل والاستمساك بالجُمل الثابتة بالنصّ والإجماع، وأعرض عن الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعًا، فإنّ مواضع التفرقة والاختلاف عامتها تصدر عن اتّباع الظّن، وما .)1(تهوى الأنفس، ولقد جاءهم من ربهّم الهدى التّبيان في نزول القرآن: وضّح شيخُ الإسلام في هذه الرسالة أنّ هناك أخطاءً في تفسير النزول، ووضّح أنّ النزول في كتاب الله ثلاثة أنواع: - نزول مقيّد بأنه منه.1 - نزول من السماء2 - نزول مُطلق 3 ووضّح أنّ كثيرًا من الناس فسّوا النزول في مواضع من القرآن بغير معناه المعروف؛ لاشتباه المعنى في تلك المواضع، وصار ذلك حجّة لمَن فسّ نزول القرآن بتفسير أهل البدع. وهذه الرسالة من أبواب علوم القرآن، ولكن طريق التناول من باب التفسير الموضوعي؛ لأنه تتبّع الموضوع مؤكدًا ذلك بآيات القرآن شارحًا لها. وذكر أمثلةً على أنواع النزول منها: النزول المقيد بأنه منه، وهو لم يرد إلاّ في القرآن، قال تعالى: ﯰ ]114﴾ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ﴿ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ] 102﴾ﯽ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ]18﴾ﭘﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ]43﴾ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ]69﴾ﯜ وأمّا المُطلق ففي مواضع من إنزال السكينة، ومن إنزال الميزان، وإنزال الحديد. ) بتصرف.234-162/12 مجموع الفتاوى)1(
عدد الصفحات ١٢٦وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 127 وبينّ في تناوله لهذه الأنواع خطأ أهل الكلام الذين أولوا النزول بأنه الخلق، أو بمعنى الإعلام والإفهام، ووضّح أنّ كلمة النزول هي الكلمة الموافقة للغة العرب، وهي التي جاء . )1(بها القرآن قاعدةٌ في القرآن وكلام الله: لقد تحدّث ابن تيمية عنْ هذه القاعدة، مبيِّنا أنّ الأمّة قد اختلفت في كتاب الله - عز وجل -؛ وذلك لأنّ الأمّة أخذت تدخل في دائرة الهوى والظنون، لذلك ظهرت فيهم الفرق الباطلة مثل: الجهمية المشتقة من الصابئة، وكان هذا الاختلاف نوعينْ: - اختلاف في التنزيل، وهذا هو الأعظم، وهو الذي ذمّه الله - عز وجل - في كتابه، وهو 1 اختلاف الحقّ الواجب الإيمان به، والذي لا يؤمن بالكتاب كله أو يؤمن ببعض ويكفر ببعض يعدُّ كافرًا آثماً. - اختلاف في التأويل. 2 ولكنّ المقصود في هذه الرسالة الاختلافُ الأول ولقد ذكر أمثلة كثيرة من قصص الأنبياء والأمم السابقة عن اليهود والنصارى والصحابة تبينّ جهود الأقوام الماضية التي آمنت ببعض الرسل وكفرت بآخرين، أو آمنت ببعض الكتب وكفرت بأخرى، وفي هذه الأمّة الضلالات المبتدعة من الإيمان ببعض الكتاب والكفر بالبعض الآخر، أو ببعض صفات التكليم والرسالة والنبوة دون بعض، وذلك إمّا في التنزيل أو في .)2(التأويل، وهذه القاعدة من علوم القرآن، وتناول الشيخ فيها من التفسير الموضوعي أنزلها الله على آدم: الأحرفُ التي سئل شيخُ الإسلام عن رجلينْ تجادلا في الأحرف التي أنزلها الله على آدم، فقال أحدُهما: إنها قديمة ليس لها مبتدأ، وشكلها ونقطها محدث. ) بتصرف.258-246/12 مجموع الفتاوى)1( ) بتصرف يس37-6/12 مجموع الفتاوى)2(
عدد الصفحات ١٢٧128شيخُ الإسلام ابن تيمية فقال الآخر: ليست بكلام الله، وهي مخلوقة بشكلها ونقطها، والقديم هو الله، وكلامه منه بدأ وإليه يعود، ومنزل غير مخلوق، ولكنه كتب بها. وسئل: أيهما أصوب قولاً وأصحّ اعتقادًا؟ فأجاب: الحمدُ لله رب العالمين، أصل هذه المسألة هو معرفة كلام الله- تعالى، ومذهب سلف الأمّة وأئمتها من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين كالأئمة الأربعة وغيرهم ما دلّ عليه الكتاب والسنة، وهو الذي يوافق الأدلة العقلية الصريحة أنّ القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، فهو المتكلم بالقرآن والتوراة والإنجيل وغير ذلك من كلامه ليس ذلك مخلوقًا منفصلاً عنه، وهو-سبحانه- يتكلّم بمشيئته وقدرته، فكلامه قائم بذاته ليس مخلوقًا بائنًا عنه. وقال أيضًا: إنّ كلام الله لا نهاية له. ووضّح- أيضًا- أقوال السلف بالتفصيل، مع توضيح الآراء المخالفة لهم، وبيان خطئهم في ذلك. ووضّح أسباب تنازع الناس في الحروف الموجودة في كلام الآدميّين، أمّا الأحرف التي أنزلها الله على آدم فقد أورد في ذلك كلام ابن جرير الطبري ونحوه، وفنّد آراءهم في ذلك، وقال: لقد علّم الله آدمَ الأسماء كلها، وأنطقه بالكلام المنظوم، أمّا تعلّم حروف مقطّعة فهو لا ينفع، ولكن هذه الحروف جعلت للمبتدئين في تعلم القراءة، وما ذكر في ذلك من أحاديث .)1(فهي واهية الأسانيد طريقةُ شيخ الإسلام ابن تيمية في التفسير: كان لشيخ الإسلام ابن تيمية أسلوبٌ خاص به في التفسير ميّزه عن غيره من المفسّين، جوهره أنّ التفسير وسيلة رائعة لهداية الناس إلى منهج الله، وترى هذا الهدف واضحًا من ).117-37/12 مجموع الفتاوى)1(
عدد الصفحات ١٢٨وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 129 خلال كتاباته في التفسير، فهو يأخذك بكلّ جوارحك مع هذه المعاني المستنبطة من السورة ليوصلك إلى أسمى معاني الهدايات القرآنية. كما ميّز شيخ الإسلام في تفسيره طريقته في تعامله مع النصوص، يقول الشيخ أبو عبد الله بن الرشيق وكان من أخصّ أصحاب شيخ الإسلام وأكثرهم كتابة لعلمه وحرصًا على كتب الشيخ- رحمه الله- نقولُ السلف مجرّدة عن الاستدلال على جميع القرآن، وكتب في «جمَْعه أوّله قطعة كبيرة بالاستدلال، ورأيت له سورًا وآيات يفسّها ويقول في بعضها: كتبته للتذكّر، ونحو ذلك. ثمّ لمّا حُبس في آخر عمره كتبت له أنْ يكتب على جميع القرآن تفسيرًا مرتبًا على السور. فكتب يقول: إنّ القرآن فيه ما هو بينٌّ بنفسه، وفيه ما قد بيّنه المفسون في غير كتاب، ولكن بعض الآيات أشكل تفسيرها على جماعة من العلماء، فربما يطالع الإنسان عليها عدّة كتب ولا يتبينّ له تفسيرها، وربما كتب المصنف الواحد في آية تفسيرًا ويفس غيرها بنظيره، فقصدت تفسير تلك الآيات بالدليل؛ لأنه أهمّ من غيره، وإذا تبينّ معنى آية تبينّ معاني نظائرها. وقال: قد فتح الله عليّ في هذه المرّة من معاني القرآن ومن أصول العلم بأشياء كان كثيرٌ من .)1(»العلماء يتمنّونها، وندمت على تضْييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن وهكذا نرى مِن هذا الكلام أنّ شيخ الإسلام- رحمه الله- كانت له طريقتُه المميزة عن غيره، التي جعلته يبلغ في التفسير مبلغًا عظيماً، بهر علماء عصره بهذا الفهم الرّائع لكتاب الله، واختصاصه بتفسير ما أشكل من الآيات وتبيينها للناس، ملتزمًا في ذلك بما ورد عن السلف الصالح من أقوال في هذه الآيات، منسقًا وشارحًا لهذه الآيات، ومرجّحًا لبعضها على بعض، في ترتيبٍ يخطف الأذهان، مستخدمًا ثقافته الكبيرة في اللغة العربية في توضيح المعاني المترادفة، مُستشهدًا بالشعر والنحو في ترجيح بعض هذه الأقوال على بعض، مبينًا بالدليل لماذا اختار هذا القول وأسباب الاختيار، مسندًا كلّ قول إلى صاحبه، في أمانةٍ علمية رائعة، فكان في طريقته نموذجًا لكلّ مَن جاء بعدَه مِن العلماء والمفسين. ).43 العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، ص)1(
عدد الصفحات ١٢٩130شيخُ الإسلام ابن تيمية كما يتّضح لنا أنه لم يكتب تفسيرًا مرتبًا من أول القرآن إلى آخره بالطريقة المعتادة عند كثيرٍ من المفسين، ولكنه اتخذ منهجًا خاصًّا في تناوله لتفسير القرآن، يظهر ذلك من خلال ردّه على أحد تلاميذه حين سأله أن يكتب تفسيرًا كاملاً للقرآن الكريم، فهو اعتنى بتفسير ما خفي على الناس، وترك ما لا يحتاج إلى تفسير. ***
عدد الصفحات ١٣٠وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 131 المبحثُ الثّالث منهجُ شيخ الإسلام ابن تيمية في التفسير كتبَ كثيرٌ من العلماء في هذا المنهج وفصّلوا فيه، وأوضحوا مميزاته وخصائصه، ولم يتركوا شيئًا لم يقوموا بتحليله والإفادة منه؛ لأنّ هذا المنهج كان نبراسًا وطريقًا لغيره مِن المفسّين، فهو منهجٌ يربط الإنسان بذلك الخير العميم الذي استقى منه العالم هداياته، وتلك القرون التي هي خيرُ القرون التي مرّت عليها البشرية. كان سلفيًّا في تفسيره، لا يعدو منهاج السلف، وكان منهاجه «يقول الإمام محمد أبو زهرة من كلّ الوجوه آراء السلف دائماً لا يتجاوزها إلى غيرها، ولا يعدوها قيد أنملة، وحيثما وجد فكرًا سلفيًّا ليس في الآثار ما يناقضه اعتبره شيخ الإسلام في موضعها لا يتجاوزها إلى غير .)1(»سبيلها؛ لأن سبيلهم سبيل المؤمنين، وشرع رب العا ونلاحظ في منهج ابن تيمية في التفسير أنه يرى أنّ النبي ﷺ بينَّ القرآن كله، ولم يترك فيه جزءًا يحتاج إلى بيان لم يبيّنه، ولا جزءًا يحتاج إلى تفصيل لم يفصله، ولا مجملاً يحتاج إلى توضيح لم يوضحه؛ لأنّ هذا جزء من الإيمان بالقرآن؛ لأن الله - عز وجل - قد أمر النبي بتبليغ الناس .)2(ما نزل إليهم ماتُ العامّة لمنهج شيخ الإسلام ابن تيمية في التفسير: السّ كتب الكثيرُ من العلماء والباحثين حول منهاج شيخ الإسلام ابن تيمية في التفسير، ونستطيع أن نُجمل تلك السماتِ في النقاط الآتية: ـ التركيز على المُشكل في التفسير.1 الاستنباطـ دقّة2 .)182 ابن تيمية، ص)1( .)29 مقدمة التفسير لابن تيمية، ص)2(
عدد الصفحات ١٣١132شيخُ الإسلام ابن تيمية ـ تحليل المعاني.3 ـ موضوعيّة المناقشة4 لل وتمييزهاـ إيراد العِ5 ـ العناية بأقوال السلف6 ـ المقارنة بين تفاسير النظائر7 تأصيل الأقوال وبيان منشئهاـ 8 ة في الآيات المقصودة بالتفسـ ذكر الأقوال في المسائل الخلافيّ9 كان حرَّ التفكير، عليه فكرٌ مُعين يتعصّب له ويجمد عليه، بل ـ عدم التعصّب، فلم يسيطر 10 نشأته إلاّ الكتاب والسنة وآثار السلف الصالح، ولقد كان في خلع نفسه مِن كلّ ما يقيده الإسلامية كلها، ثمّ حلّق في مصادرها؛ فهو حنبليًّا، ولكنه ما إن شبّ حتى درس المذاهب ّ رأي، ومِن أين جاء. يعرف كل .(1(المنهجُ الخاصّ لشيخ الإسلام ابن تيمية في التفس أمّا منهج شيخ الإسلام الخاصّ في التفسير فيمكن أن نراه في النقاط الآتية: ـ تفسير القرآن بالقرآن:1 إنّ أصحّ الطرق في ذلك أن يفسّ القرآن بالقرآن؛ ف «يقول شيخ الإسلام في هذا المعنى .»أجمْلَ في مكانٍ فإنه قد فسّ في موضع آخر، وما اختُصر من مكان فقد بُسط في مكان آخر ومِن هذا الكلام يتّضح لنا رؤية شيخ الإسلام من أنّ القرآن الكريم يفسّ بعضه بعضًا، بيانًا وتفصيلاً وإجمالاً، والأمثلةُ على ذلك كثيرة. ـ تفسير القرآن بالسنة:( فإنْ أعياك ذلك- أي: التفسير بالقرآن- فعليك بالسنّة؛ «ويبينّ الإمامُ هذا المعنى بقوله .»فإنها شارحة للقرآن وموضّحة ) وما بعدها.363/13 راجع في هذا مقدّمة شيخ الإسلام في أصول التفسير، ومجموع الفتاوى، )1(
عدد الصفحات ١٣٢وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 133 ويفهم مِن هذا أنّ السنة شارحة للقرآن، وهي- أيضًا- وحيٌ من الله- تعالى- لنبيه، وقد ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ أعطاه الله تفصيلَ وبيان القرآن الكريم بقوله: ﴿ ]44النحل﴾ﭭ ﭮ ﭯ ـ أقوال الصحابة:3 وإذا لم نجد التفسير في القرآن«ويبينّ- رحمه الله- منزلةَ قول الصحابي من التفسير فيقول ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة؛ فإنهم أدرى بذلك؛ لما شاهدوه مِن القرائن والأحوال التي اختصّوا بها، ولما لهُم من الفهْم التامّ، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، لا سيّما علماؤهم وكبراؤهم، كـ: الأئمة الأربعة، والخلفاء الراشدين، والأئمة المهديّين، مثل: عبد .»الله بن مسعود.. والحبر البحر عبد الله بن عباس ابن عمّ رسول الله ترجمان القرآن ـ الرجوع إلى أقوال التابعين:4 كما يرى شيخُ الإسلام أنّ الرجوع إلى أقوال التابعين يكون في مرتبة رابعة بعد القرآن والسنة وأقوال الصحابة، وخصّ بالذّكر من هؤلاء التابعين مَن اهتمّوا بتفسير القرآن مثل: مجاهد بن جبر؛ فإنه كان آيةً في التفسير، وسعيد بن جبير، وعكرمة مولى ابن عباس، وعطاء بن رباح، والحسن البصري، ومسوق، والأجدع، وسعيد بن المسيب، وأبي العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، والضحاك بن مزاحم. وهكذا يظهر واضحًا من هذا المنهج ترتيب هذه المقامات، فلا يتأتّى لأحدٍ أن ينتقل مِن مرحلةٍ إلى أخرى حتى يستوفي هذه المرحلة. ***
عدد الصفحات ١٣٣134شيخُ الإسلام ابن تيمية المبحثُ الرّابع مصادرُ شيخ الإسلام ابن تيمية في التفسير اعتمد شيخُ الإسلام على القرآن في تفسيره للقرآن، وأوْلى اهتمامًا بالغًا بالسنة النبوية المطهّرة، وأقوال الصحابة، وما أجمع عليه التابعون، وهو يمتلك بلاغة وعلماً رائعًا في اللّغة، ومع ذلك اعتمدَ على بعض كتبِ التفسير، ومن هذه الكتب: تفسيره اثنتين وعشرين مرّة. هـ)، وقد ورد ذكره في372ـ تفسير ابن أبي حاتم1 ورد ذكره أربع عشرة مرّة هـ)، وقد 516ـ تفسير البغوي2 هـ)، وقد ورد ذكره ستّ مرّات 310( ـ تفسير ابن جرير الطبري3 هـ)، وقد ورد ذكره خمس مرّات 427ـ تفسير الثعلب4 )، وقد ورد ذكره مرّة هـ127ـ تفسير السدي5 هـ)، وقد ورد ذكره مرّة واحدة 197ـ تفسير وكيع بن الجراح6 هـ)، وقد ورد ذكره مرّت 211( ـ تفسير عبد الرازق7 مرّت هـ) 216ـ تفسير سنيد8 ّة واحدة ـ تفسير إسحاق بن راهويه، وقد ورد ذكره مر9 مرّة واحدة هـ)، وقد ورد ذكره241ـ تفسير أحمد بن حنبل10 ّة واحدة هـ)، وقد ورد ذكره مر245ـ تفسير دحيم11 مرّت هـ)، وقد ورد ذكره249ـ تفسير عبد بن حميد12 مرّة واحدة هـ)، وقد ورد ذكره276ـ تفسير بقي بن مخلد13 ذكره مرّة واحدة هـ)، وقد ورد307ـ تفسير أبي يعلى الموص14
عدد الصفحات ١٣٤وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 135 هـ)، وقد ورد ذكره مرّة واحدة 362العزيزـ تفسير أبي بكر بن عبد 15 هـ)، وقد ورد ذكره مرّة واحدة 369 الشيخ الأصبهاـ تفسير أبي16 ة واحدةهـ)، وقد ورد ذكره مرّ 310تفسير أبي بكر بن المنذرـ 17 ّة واحدة هـ)، وقد ورد ذكره مر410ـ تفسير ابن مردويه18 منه مرّة واحدة ـ كتاب التفسير من صحيح البخاري، وقد نقل 19 وقد كان رجوع شيخ الإسلام ابن تيمية إلى هذه الكتب يتمّ إمّا بالنقل المباشر، أو الإشارة .)1(إليها، أو بعزْو الأقوال إليها، ومع التعقيب بالنقد أو التوضيح *** راجع في ذلك اختيارات ابن تيمية في التفسير ومنهجه في الترجيح، د/ محمد بن زيلعي هندي.)1(
عدد الصفحات ١٣٥136شيخُ الإسلام ابن تيمية المبحثُ الخامس أثرُ شيخ الإسلام ابن تيمية على مَن جاء بعده مِن المفسرين سبق أنْ تناولنا الحديثَ عن سيرة شيخ الإسلام ومسيرته، وما قاله العلماء عنه، وإشادتهم بتفسيره وفهمه للقرآن الكريم، وغزارة علمه؛ حيث إنّه قرأ كتب المفسّين واستوعبها سواءً بالمأثور أو الرأي، بالإضافة إلى ثقافته الواسعة العالية في اللغة وعلومها، وعلمه بالقراءات، ومعرفته بتفاسير الصحابة، وفهمهم للقرآن، بالإضافة إلى فهْم التابعين، ثمّ موهبته الربّانية وذكائه الفطري وحُسن تدبره لكتاب الله، كلّ تلك الأسباب مع حُسن صلته بالله، كلّ ذلك أدى إلى عطاء ابن تيمية عطاءً مميزًا، فخلف لنا مِن بين ما خلّف تفسيرًا ممُيزًا عن غيره، فهو ليس هاضماً لما قرأه واستوعبه، بل ناقدًا محلّلاً ذا رأي خاص، يبينّ خطأ المخطئين في الآراء، ويفنّد هذه الآراء ويصحّحها، مُستندًا في كلّ ذلك إلى الأدلة من القرآن والسنة واللغة، وكل ذلك بأسلوب سهل وعذب يفيدُ منه الجميع، ولا غرْو في ذلك فهو مصبوغ بروح عالم ارتبط .)1(بأخلاق الصالحين وروح الدعاة المصلح تعدّدت أوْجه تأثير ابن تيمية فيمَن جاء بعده مِن المفسين مِن هذه الأوجه: .ـ أصالة المنهج1 ـ الفكر الخالي من التقليد2 ـ كتبه وتراثه التفسيري الرائع3 ولعلّنا نوضّح هذا ببعض البيان في ا أولاً: أصالةُ منهج ابن تيمية في التفسير: وضعَ ابن تيمية في التفسير منهجًا جديدًا كان له أثرٌ بارز فيمَن جاء بعده؛ فهو مجدّد في التفسير بحقّ؛ حيث إنه جدّد وأحيا ما كان عليه السلف بوضعه هذه الأسس وهذا المنهج، في الوقت الذي ابتعد فيه كثيرٌ من المفسين عن هذا المنهج، كما ظهر في التفسير كثيرٌ من البدع ممّا ) بتصرّف كبير. 37 انظر: على ساحل ابن تيمية، ص)1(
عدد الصفحات ١٣٦وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 137 جعل الحاجة قائمة للتأكيد على هذه الأسس والدعوة إليها، ممّا حمل ابن تيمية على ترسيخ تلك الأسس والدعوة إلى العمل بها. ومِن أسس التجديد في منهج ابن تيمية: ـ الرجوع إلى المصادر الأصلية.1 كيفية التعامل مع الإسرائيلياتـ بيان2 التفسـ التحذير من الاتجاه المنحرف في 3 ـ اهتمامه بما تدعو الحاجة إلى تفسيره4 أثرُ ذلك على المفسرين أثرُ ابن تيمية على كثيرٍ من المفسين بمنهجه في التفسير، ومن هؤلاء الذين تأثروا به العلامة ابن كثير، الذي قال فيه الشيخ الذهبي: فلم نرَ مِن المفسين رجلاً كان له من قوّة النقد للمأثورات وتمييز جيادها من زيوفها مثل ما كانَ لابن كثير- رحمه الله. وقال عنه الدكتور محمد أبو شهبة، وهو يتحدّث عن تفسيره: من خصائص هذا التفسير العظيم أنه يعتبر نسيجًا وحدَه في التّنبيه على الإسرائيليات والموضوعات في التفسير، وقد تأثّر في هذا بشيخه الإمام ابن تيمية. ولم يقتصر هذا الأثر على ابن كثير وحدَه؛ لأن مَن جاء بعد ابن كثير ممّن أعرض عن ، والشيخ محمد حسين )3( ورشيد رضا )2( والآلو )1(الإسرائيليات وانتقدها كالشوكا .)5(، وغيرهم، وقد تأثّروا بهذا المنهج الذي رسمه ابن تيمية وطبقه ابن كث)4(الذهبي م في صنعاء، 1839هـ1250م، وتوفي سنة1759هـ1173 محمد بن علي بن محمد الشوكاني، ولد سنة) 1( .102 /2راجع البدر الطالع هـ 1270م ببغداد، وتوفي عام1802هـ1217 شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي، ولد)2( .64 /1م. له روح المعاني في التفسير. راجع طبقات المفسين1857 هو محمد رشيد السيد رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين، من رواد الإصلاح الإسلامي،) 3( وما74 /1هـ، المعجم الجامع في تراجم العلماء وطلبة العلم المعاصرين،1358له تفسير المنار، توفي عام بعدها. .هـ1398 هو العلامة المفسّ صاحب التفسير والمفسون، توفي سنة )4( انظر: أسس التجديد في منهج ابن تيمية في التفسير، د/ فرقان إسماعيل، بحث مطبوع في مجلة جامعة) 5( .)2005/21دمشق للعلوم الاقتصادية القانونية،
عدد الصفحات ١٣٧138شيخُ الإسلام ابن تيمية وظهر تأثّرُ المفسين بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية في التفسير واضحًا، خاصّة من خلال مقدّمته في التفسير؛ حيث اعتمد الحافظُ ابن كثير في مقدّمة تفسيره المشهورة في بيانه لأحسن صاحب البرهان في علوم )1(طُرق التفسير على مقدّمة التفسير لابن تيمية، وأفاد منها الزرك القرآن، وكثيرًا ما نَقل منها بالحرف دون أن يعْزو إليه أو ينسب إليه. بمقدّمة ابن تيمية؛ فقام بتلخيص فصول هذه الرسالة في كتابه )2(وتأثر- أيضًا- السيوطي الإتقان وهو (أوجه الاختلاف في التفسير وأسبابها)، تحت عنوان: معرفة شروط المفس وآدابه، ، ممّا يدلّ على إعجابه بما كتبَه في باب »وهو كلام نفيس جدًّا «وأثنى على هذا الفصل بقوله التفسير بالرأي وطبقات المفسين. ، في كتابه (الثقافة الإسلامية) )3(وممّن لخّص هذه المقدّمة- أيضًا- الشيخ محمد راغب الطباخ بعد أن أعجب بها وأثنى عليها. رسالته هذه فيضٌ من «وكذلك الشيخ محمد بهجت البيطار أعجب بها وأثنى عليها قائلاً بحره، قد أملاها مِن فؤاده، وقد أودعها لآلئه ودرَرَه، فهي تُريكَ صفحةً ناصعة من دراسة سلفنا للقرآن وفهمه، وتهديك لحلّ بعض مشكلات التفسير ومصطلحاته، وتدلّك على أهدى المفسين، وأفضل كتبهم، وتحذّرك عماّ انتحلوا لأنفسهم من عقائد وأصولٍ بَنَوا تفاسيرهم .»عليها، وردّوا كلام الله وسنة رسوله إليها تأثرُ المفسرّين بفكر شيخ الإسلام ابن تيمية: بمدرسةِ ابن تيمية إلى حدٍّ ما في دعوته إلى تحرير العقل والفكر من )4(تأثّر الشيخ محمد عبده التقليد، وإلى فهْم الدين عن طريق السلف قبل ظهور الخلاف، وإلى الرجوع في جمُلة أصوله إلى هـ، وأهمّ 745 هو الإمام محمد بن بهادر بن عبد الله المصري الزركشي الشافعي الإمام العلاّمة، ولد عام )1( .334 /6، شذرات الذهب479 /1هـ الدرر الكامنة794كتبه البرهان في علوم القرآن، هـ، وهو صاحب الإتقان في علوم القرآن وطبقات 849 هو عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد، ولد سنة) 2( هـ911المفسين، وغيره من الكتب، توفي عام هو محمد راغب بن محمود بن هاشم الطباخ من أهل حلب الشهباء، حفظ المتون وتفقّه ودرس في كلية )3( الشريعة في حلب، مِن أهمّ تصانيفه في الدروس الدينية، إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء، راجع الأعلام .72 /11، الموسوعة الفقهية305 /9. معجم المؤلف359 /6للزرك م، وتوفي 1849هـ1266 هو محمد عبد بن حسن خير الله، رائد الإصلاح في العصر الحديث، ولد عام) 4( .323 /1 م. راجع المعجم الجامع في ترادم العلماء1905هـ ،1323عام
عدد الصفحات ١٣٨وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 139 الكتاب والسنة حتى ترجع الأمور الاعتقادية والتعبدية إلى ما كانت عليه في عهد السلف ب .)1(زيادة ولا نقصان كما انتفع الشيخُ رشيد رضا بكتب الشيخ وتلميذه ابن القيم- رحمهما الله، وذكر أنه لمْ يطمئن قلبُه بمذهب السلف تفصيلاً إلاّ بممارسة هذه الكتب، وظلّ يعتزّ بقراءة هذه الكتب وبآراء الشيخين، ويستشهد بهما، وينقل عنهما طيلةَ حياته. من كتب الشيخ، )2(وكثيرًا ما نقل صاحبُ محاسن التأويل الشيخ جمال الدين القاسمي هل «واستشهد بآرائه حتى إنه عقد في مقدّمة تفسيره في الجزء الأول فصلاً كاملاً تحتَ عنوان بما لا يقلّ عن ثلاثين صفحة من الحجم المتوسّط، فنقله بتمامِه من كتاب »في القرآن مجاز أم لا؟ الإيمان لابن تيمية. والإمام الشوكاني تأثّر- أيضًا- بكتب ابن تيمية وأفاد منها، وبالغ في الثناء عليه، قال عنه وما أظنّ أنه سمع الزمان ما بين عصري الرّجلين بما يشبههما أو « :)3(وعنِ ابن حزم الأندل .)4(»يقار كما لا يخفى على أحدٍ من الدارسين لسيرة شيخ الإسلام تأثّر تلميذه ابن القيم به، ويظهر ذلك في مواضع مختلفة من كُتبه، فمِن ذلك ما قاله ابن القيم- رحمه الله- عند تفسيره لقوله وكان شيخ « :]45﴾ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ تعالى: ﴿ والصحيح أنّ معنى الآية أنّ الصلاة فيها «الإسلام أبو العباس- قدّس الله روحه- يقول ).10،9/1 انظر: تفسير المنار،)1( م،1866هـ،1283 هو جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي، العلامة المفس، ولد عام) 2( أحد روّاد النهضة العلمية الحديثة ببلاد الشام حفظها الله، له التفسير المعروف وقواعد التحديث، توفي عام .32م1م. التأريخ والوفيات1914هـ ،1332 هـ، هو أحد أئمة الإسلام384 هو علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب الأندلسي القرطبي، ولد عام)3( هـ. راجع طبقات456في الأندلس، له كتاب المحلى وغيره من الكتب التي تقارب أربعمائة كتابًا، توفي عام .88 /1الحفاظ ) بتصرف.183-181 انظر: ابن تيمية وجهوده في التفسير وعلوم القرآن، إبراهيم خليل بركة، ص)4(
عدد الصفحات ١٣٩140شيخُ الإسلام ابن تيمية مقصودان عظيمان، وأحدهما أعظم من الآخر؛ فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي مشتملة .)1(»على ذكر الله تعالى، وما فيها من ذكر الله أعظم مِن نهيها عن الفحشاء والمنكر علاقةُ شيخ الإسلام بعلم أصول التفسير: لعلّ أفضل ما قدّمه شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- في هذا العلم هو تخْصيص كتاب في هذا العلم، وهو (مقدّمة في أصول التفسير)، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن سبب لقد سألني بعضُ الإخوان أنْ أكتب له مقدّمة تتضمّن بعض القواعد «حديثه في هذا العلم الكلية، تعينه على فهم القرآن، ومعرفة تفسيره ومعانيه، والتمييز في منقول ذلك ومعقوله بين .»الحقّ وأنواع الأباطيل، والتنبيه على الدليل الفاصل بين الأقاويل فجاء جوابُه عنها برسالةٍ عظيمة في هذا الباب، وقد ذكرت مقدّمته هذه موضوعات عامة وتفصيلية. أمّا العامّة فهي: الرسول ﷺ ألفاظَ القرآن ومعانيه للصحابة. ـ بيان 1 في التفسير وأنواعه، وأنّ سبب الاختلاف من جهة ـ اختلاف الصحابة والتابعين وأتباعهم 2 جهة الاستدلالالمنقول ومن ـ بيان طرق التفسير.3 ـ بيان التفسير بالرأي4 لقد بنى شيخ الإسلام ابن تيمية تفسيره على أصول، أهمّها القرآن بالسنة، ثمّ وضعَ مراتب للتفسير، وهي أنها على الترتيب: القرآن بالقرآن، تفسير ـ أنه 1 التابعتفسير القرآن بأقوال الصحابة، ثمّ التفسير بأقوال وممّا ينبغي أنْ يعلم أنّ « :ـ الاكتفاء بالتفسير النبوي في حالة وجوده، قال شيخ الإسلام 2 إلى أقوال أهل لم يحتج في ذلكﷺ عرف تفسيره من جهة النبي تفسير القرآن والحديث إذا .)2(اللغة... ولا غيرهم ).437 انظر: شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رجل الإصلاح والدعوة، إبراهيم محمد العلي، ص)1( .)369-363/13 ابن القاسم،1 مقدّمة في أصول التفسير، الفتاوى، ط )2(
عدد الصفحات ١٤٠