المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

شيخ الإسلام بن تيمية و جهوده في تفسير القرآن الكريم تطبيقا على آيات السنن الربانية

وفاء عبد العظيم عبد الوهاب محمد

صفحة ٣ من ٢٨

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 43 ّن مضى عن الأتراب، وحصل على الوعد المبشرّ بالسلامة منها: أنه شيخ قد شاب وانفرد عم أنه شاب في الإسلام، فهي له نور يوم القيامة. في كلّ شدة. : ما هو في عرف العوام أنه العدّة، ومفزعهم إليه ومنها قد سلم من شرّ الشباب وجهله، فهو على ومنها: أنه شيخ الإسلام بسلوكه طريقةِ أهله؛ في فرضه ونفله.السنّة ، وتبرك الناس بحياته، فوجوده فيهم الغاية.ومنها: شيخ الإسلام بالنسبة إلى درجة الولاية عند الجهابذة النقاد، والمعلوم عند أئمة الإسناد أنّ مشايخ الإسلام ومنها: أنه معناه المعروف ، الذين تقدّموا ﷺ النبي والأئمة الأعلام هُم المتبعون لكتاب الله - عز وجل - المقتفون لسنة ، وأسباب نزوله وناسخه ومنسوخه، والأخذ بالآيات بمعرفة أحكام القرآن ووجوه قراءاته ِ ما تقدّم، ، قد أحكموا مِن لغة العرب ما أعانهم على علم المُحكمات والإيمان بالمتشابهات يلزم مِن ذلك اعتقادًا ً كما يجب به العمل اعتمادًا وإيمانًا بما وعلموا بالسنة نقلاً وإسنادًا وعملا بما من الكتاب والسنة، قائمين بما فرض الله عليهم، مُتمسكين واستنباطًا للأصول والفروع ، خائفين من عثرة اللّسان، لا يدّعون ساقه الله من ذلك إليهم، متواضعين لله العظيم الشأن َن كان بهذه المنزلة يفرحون بالتبجيل، عالمين أنّ الذين أوتوا من العلم قليل، فم العصمة، ولا له: شيخ الإسلام.حكم بأنه إمام، واستحقّ أن يقال به هذه الصفات جميعها خيرَ تمثيل، لذلك استحقّ هذا فهذا هو شيخ الإسلام، وقد تمثّلت .)1( الكريماللقب :(((نشأته وأسرته• دمشق المحروسة. حرّان إلى أن بلغَ سبع سنين، ثمّ انتقل إلى نشأ ابن تيمية في ) عن القول الجلي، للعلامة سيد صفي الدين الحنفي، ط: دار لينة للنشر، دمنهور، 449 الردّ الوافر، ص )1( م )، وابن تيمية حياته وعصره وآراؤه الفقهية، محمد أبو زهرة، ط: دار الفكر 16 انظر: الأعلام العلية، ص)2( .)17م القاهرة، ص1991العربي،

عدد الصفحات ٤٣

44شيخُ الإسلام ابن تيمية وأجداده وإخوانه، وكثير من أعمامه كانوا من العلماء نشأ في بيت علمٍ وفقْه ودين، وأبوه المشاهير. في دراسته، مع أنّ له كان ابن تيمية حنبليًّا بنشأته وأسرته، وثقافته الفقهية وميله لقد .اختيارات من غير مذهب أحمد والوعظ والإرشاد، وقد ذاع كان والد ابن تيمية- رحمه الله- له كرسي للدراسة والتعليم ، وصل دمشق، وتولى مشيخة دار الحديث السكرية، وبها كان سكنهصيتُه وفضله بمجرّد أن والقدرة على البيان، وثبات الجنان، ولقد وتربى ولدُه تقي الدين بها، وكان يتميز بقوة الحافظة تيمية هذه الصفات.ورث شيخ الإسلام ابن حافلاً في مجلّدات عالمًا وخطيبًا وواعظًا، وجمع تفسيرًا للقرآن )1(وكان عمّه فخر الدين وقد أخذ ابن الجوزي خطيب بغداد وواعظها، وحلّ محلّه في الوعظ، ضِخام، وقد تخرج عن ابن تيمية العلم عنه. وكبار علمائه، يقول من أئمة المذهب الحنبلي )2(ه أبو البركات مجدّ الدين وأيضًا كان جدّ وأصوله، مجد الدين معدوم النظير في زمانه، رأسًا في الفقه الإمام الذهبي مادحًا له: كان الشيخ معرفة القرآن والتفسير، صنّف التصانيف، واشتهر بارعًا في الحديث ومعانيه، له اليدُ الطولى في .)3( الديانة، كبير الشأن صيته، كان فريد زمانه في معرفة المذاهب، مفرط الذكاء، متينوبَعُد هو محمد بن الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن تيمية الحراني، الحنبلي، مفس وخطيب وواعظ، كان )1( هـ، ومن كتبه: التفسير الكبير، ويقع في عدّة 622هـ، وتوفي عام542شيخ حرّان وخطيبها، ولد في حرّان )، 260/18مجلدات، وتخليص المطلب في تلخيص المذهب، وترغيب القاصد. انظر الوافي بالوفيات، ).113/6والأعلام، هو مجد الدين عبد السلام بن عبد الله بن الخضر بن محمد بن تيمية الحراني أبو البركات مجد الدين، فقيه )2( هـ، وحدث بالحجاز والعراق والشام ثمّ ببلده حرّان، وتوفي بها 590حنبلي محدّث مفسّ، ولد بحران عام هـ، كان فرد زمانه في معرفة المذهب الحنبلي، من كتبه: تفسير القرآن العظيم، وهو جدّ الإمام ابن 652عام ).6/4)، والأعلام،274/1تيمية. راجع: فوات الوفيات، هـ- 1422)، ط: أولى،49 انظر: شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رجل الإصلاح والدعوة للعليمي، ص) 3( م، بيروت، لبنان2002

عدد الصفحات ٤٤

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 45 حدث بالحجاز والشام والعراق وبلدة حرّان، وصنف قال الحافظ الشريف عزّ الدين والحديثمن أعيان العلماء وأكابر الفضلاء ببلده، وبيته مشهور بالعلم والدين ودرس، وكان الدين عبد الحليم، والحافظ عبد أخذ عنه العلمَ جماعةٌ من العلماء أشهرهم ابنه شهاب المؤمن الدمياطي، وآخرون. وله المصنّفات: كتاب الأحكام الكبرى، وكتاب المنتقى من أحاديث الأحكام، له من ثمّ حفيده أبو العباس تقي الدين. المسودة في الأصول، والتي زاد فيه ولده شهاب الدين، وخمسين وستمائة تعالى- يومَ عيد الفطر بعد صلاة الجمعة من سنة اثنتين توفيّ- رحمه الله .)1(بحرّان، ودفن بظاهرها ، واقتصاد في المأكل والملبس، رحمه الله تعالى- في تصوّن تام، وعفاف وتألّه – نشأ ابن تيمية .)2(ًا ناسكًا صوّامًا قوّامًا برًّا بوالديه، تقيًّا عابد إنه نشأ في دمشق أتمّ إنشاء وأزْكاه، هـ749يقول الحافظ عمر بن علي البزار المتوف سنة ودلائل العناية أحسنَ النبات وأوفاه، وكانت مخايل النجابة عليه في صغره لائحة، وأنبته الله مُستغرق الأوقات في الجدّ والاجتهاد، وختم القرآن فيه واضحة، ثمّ ذكر أنه منذ صغره كان مع ملازمته مجالس الذكر ثمّ اشتغل بحفظ الحديث والفقه والعربية حتى برع في ذلك، صغيرًا، غير شيخ من ذوي الروايات الصحيحة العالية.والآثار، ولقد سمع غير كتاب على وجامع )5(ومسلم )4( وصحيح البخاري )3(الإسلام الكبار كـ: مسند أحمد أمّا دواوين ).18 انظر: مقدمة الجامع لسيرة شيخ الإسلام، الشيخ بكر أبو زيد، ص)1( الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون، محمد عز الدين شمس، وعلي بن محمد العمران،)2( هـ،1422،2إشراف وتقديم الدكتور بكر أبو زيد، ط: مؤسسة الراجحي، دار علم الفوائد، ط ).19ص هـ ببغداد. 241، توفي عام164 هو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل، ولد)3( هـ256، وتوفي عام194 محمد بن إسماعيل البخاري، ولد عام)4( هـ261 هـ، وتوفي عام204 مسلم بن الحجاج القشيري، ولد عام)5(

عدد الصفحات ٤٥

46شيخُ الإسلام ابن تيمية فإنه- رحمه ؛)5( والدارقطني)4( وابن ماجه)3( والنسائي)2( وسنن أبي داود السجستا)1(الترمذي عدّة مرات.الله ورضي عنهم وعنه- سمع كلّ واحدٍ منها .)6( بين الصحيحوأوّل كتاب حفظه في الحديث العلم إلاّ وقف عليه. وقلّ كتاب من فنون يستمع لشيء- بسعة الحفظ، وإبطاء النسيان، لم يكن يقف على شيء أو وكأنّ الله قد خصّه ه وسائره، ا بلفظه أو معناه، وكان العلم كأنه اختلط بلحمه ودمِغالبًا- إلاّ ويبقى على خاطره، إمّ راية التامّة والنقد والقدم له شعارًا ودثارًا، لم يزل آباؤه أهل الدّ فإنه لم يكن له مستعارًا، بل كان أمره لأعلام السعادة، الله له ما خرق بمثله العادة، ووفّقه في جميع الراسخة في الفضل، لكن جمع بقوله: ﷺنبينا اتّفق كلّ ذي عقل سليم أنه ممّن عنى وجعل مآثره لإمامته من أكبر شهادة، حتى ؛ فلقد أحيا الله به ما كان )7(سنة مَن يجدّد لهذه الأمّة أمر دينها « .)8(، والحمد لله رب العا من شرائع الدين، وجعله حجّة على أهل عصره أجمعين قد درس ُقبلة على العلم محبّة له، ولعلّ بيئته لشيخ الإسلام ابن تيمية نفسًا صافية زكيّة م لقد هيّأ الله الكتّاب، وحفظ القرآن وهو أكبر الحوافز على ذلك؛ لذلك تعلّم الخطّ والحساب في كانت من التفسير والحديث والفقه والأصول والعربية والتاريخ والجبر في الصغر، أتقن العلومَ من وعلم أهل الكتابين والملل الأخرى، وعلم أهل البدع وغيرها؛ وهووالمقابلة والمنطق والهيئة ، وفهِمَ كتاب سيبويه في أيام، وفي الحديث ابن بضع عشرة سنة، حتى إنه حذق العربية في أيام منقطع النظير.والتفسير كان هـ.279 هـ، وتوفي ببلده ترمذ200 هو الإمام محمد بن عيسى الترمذي، ولد عام)1( هـ275 هـ، ومات عام202 أبو داوود سليمان بن الأشعث، ولد عام)2( هـ303، وتوفي عام215 أحمد بن علي النسائي، ولد عام)3( هـ273، وتوفي عام209 ابن ماجه هو محمد بن يزيد بن ماجه، ولد)4( هـ385، وتوفي عام306 هو الإمام علي بن عمر الدارقطني، ولد عام)5( هـ488، وتوفي عام420 هو محمد بن فلوح، ولد عام)6( )، وقال الألباني: صحيح109/4 سنن أبي داود،)7( .)19-16 الأعلام العلية، ص)8(

عدد الصفحات ٤٦

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 47 سن السابعة عشرة من عمره، أي: سنة لقد ناظر واستدلّ وهو دونَ البلوغ، وأفتى في أبيه في المدرسة ؛ بعد موت681 في الحادية والعشرين من عمره، أي: سنةهـ، ودرّس 677 .هـ683/1/2السكرية، وتولىّ مشيختها يوم الاثن سنة، واستمر سنين هـ، أي: وهو ابن ثلاثين691/2/10بدأ يدرّس بالجامع الأموي مُتطاولة. آلتْ هـ، أي: وعمره إحدى وثلاثون سنة، وبعد عودته من الحج692 حجّ مرّة واحدة سنة إليه الإمامةُ في العلم والدين. ، والقاهرة والإسكندرية وفي سجونهما.ونشر العلم في دمشق هـ.695/8/17 الأربعاءدرّس بالمدرسة الحنبلية في يوم هـ، ثمّ عـاد إلى دمشق، 700 مرّتين سنة أوّل رحـلاته إلى مصر في القاهـرة والإسكنـدرية وسبـع جمع، أي: إلى سنة هـ، وكـانت إقـامته بها نحـو سبع سنين704 إلى مصر سنةثمّ رجـع ّها بين سجـون القاهرة والإسكندرية. هـ، متنقلاً في جل 712 .)1(ُ سبع عشرة سنة بدأ في التأليف وهو ابن مسائل ابن تيمية-: وكان يقضي منه العجب إذا ذكر مسألة من يقول الذهبي- واصفًا فضل فيه، فإنني ما رأيت أحدًا أسرع الخلاف واستدلّ ورجّح يحقّ له الاجتهاد؛ لاجتماع شروطه .)2( لمتون الأحاديث الدّالة على المسألة التي يوردها، ولا أشدّ استحضارًا انتزاعًا للآيات صفاته الخِلقية:• ه إلى شحمة أذنيه، كأنّ عينيه أسودَ الشعر واللّحية، قليل الشّيب، شَعْرُ كان الشيخ أبيض، ا، سريع الرجال، بعيدَ ما بين المنكبين، جهْوَري الصوت، فصيحً لسانان ناطقان، ربعة من كان المنتهى في فرط الشجاعة والسماحة القراءة، تعتريه حدة، ثمّ يقهرها بحلم وصفح، وإليه . )3(وقوة الذكاء ).20-19 مقدمة الجامع، ص)1( .)23 ثلاث تراجم نفيسة للأئمة الأعلام، ص)2( .)23-22 ذيل تاريخ الإسلام، ص)3(

عدد الصفحات ٤٧

48شيخُ الإسلام ابن تيمية يرمق، ويمدّ النظر إليه، ولا متوسطًا في لباسه وهيئته، لا يلبس فاخرَ الثياب بحيث « ًا حالَ لابسها، وهيئته كغالب الناس ومتوسطهم، ولم يكن يلزم نوع أطمارًا ولا غليظة تشهر .)1( كان يلبس ما اتّفق وحصلواحدًا من اللّباس، فلا يلبس غيره، بل .)2( الله - عز وجل - ذكاء مفرطًا، وقوة حافظة، وسرعة إدراك وقد وهبه صفاته الأخلاقية:• شيخنا الفاضل ابن تيمية، وذلك لما خصّه الله كتب كثيرٌ من المؤرخين والعلماء عن صفات أزمنة أخرى كثيرة. من صفات جعلته آيةً من آيات الله في زمانه، وفي به على العلم والتعلم وعلو الهمة في كلّ مناحي لقد كان في نجابته وذكائه وأخلاقه وإقباله بصورة إجماليّة مثل: محمد الأمثال. ولقد كتب كثيرٌ من العلماء عن أخلاقه إمّا الخير؛ مضربَ ن تامّ وعفاف هـ؛ حيث ذكر أنه نشأ في تصوّ744الحنبلي المتوفّ سنة بن أحمد بن عبد الهادي ا بوالديه تقيًّا ورعًا يزلْ على ذلك خلفًا صالحًا سلفيًّا برًّ وتألّه واقتصاد في الملبس والمأكل، ولم الله في سائر في كلّ أمر وعلى كلّ حال، رجّاعًا إلى صوّامًا قوّامًا ذاكرًا لله- تعالى- عابدًا ناسكًا، الله، وأوامره ونواهيه، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، الأحوال والقضايا، وقّافًا عند حدود من المطالعة، ولا تملّ من الانشغال، ولا تكلّ من البحث، نفسُه لا تشبع من العلم، ولا تُروَى أبوابٌ، أبوابه إلاّ أن يُفتح له من ذلك الباب وقلّ أن يدخل في علمٍ من العلوم في بابٍ من يحضر المدارس والمحافل في صغره، ويتكلّم ويستدرك أشياء في العلم على حذّاق أهله، وكان وله نحو سبع عشرة سنة، ويأتي بما يتحيرّ منه أعيانُ البلد في العلم، وأفتى ويناظر ويفهم الكبار، وحجّ سنة في ذلك الوقت، ودرّس وله نحو إحدى وعشرين سنة، وشرع في الجمْع والتأليف إليه الإمامة في العلم والعمل، والزّهد إحدى وتسعين، وله ثلاثون سنة، ورجع وقد انتهت هـ، 1381،1 ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية لمحمد كرد علي- رئيس المجمع العلمي العربي بدمشق، ط) 1( ) لابن 390)، وفوات الوفيات، ص 18، دمشق في كتابه كنوز الأجداد ص 1391)،2دمشق ص ).53شاكر الكتبي، والأعلام العلية، ص ).20)، والعقود الدرية، ص18)، وترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية، ص154/1 الدرر الكامنة،)2(

عدد الصفحات ٤٨

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 49 والتواضع والحلم والأنَاة والجلالة والمهابة والأمر بالمعروف والنهيوالورع والشجاعة والكرم إلى الله وشدّة المنكر، مع الصدق والأمانة والصيانة وحُسن القصد والإخلاص والابتهال عن ك بالأثر والدعاء إلى الله، وحسن الأخلاق، ونفْع الخلق الخوف منه، ودوام المراقبة له، والتمسّ والإحسان. وشجى في حلوق أهلِ الأهواء والمبتدعين، وكان- رحمه الله- سيفًا مسلولاً على المخالفين، .)1(بمثله الأعصارببيان الحقّ ونصرة الدين، طنّت بذكره الأمصار، وضنّت وإمامًا قائماً ، كما الله في ذكائه ونجابته وإقباله على العلم والتعلّم والحفظلقد كان ابنُ تيمية آيةً من آيات الكثيرون عن أخلاقه الرائعة التي لا كان- رحمه الله- مضربَ الأمثال في أخلاقه. ولقد كتب أخلاقه التي اشتُهر بها قيل عنه في هذه الدّراسة، وتلك نبذة قصيرة عن نستطيع الإلمامَ بكلّ ما :بين الناس، ومِن ذلك الرّبّانية: • جعل عبادته لربّه حبًّا شديدًا يملك عليه نفسَه؛ حيث كان ابن تيمية محبًّا لله - عز وجل - ا على تلاوة القرآن بالعبادة بكلّ أنواعها، خاليًا بربّه، ضارعًا مواظبً محورَ حياته، فتراه مُنشغلاً النّهارية والليلية.الكريم، محُافظًا على العبادات ه: كان إذا ذهب الليل وحضر مع الناس بدأ بصلاة يقول البزار- رحمه الله- واصفًا صلاتَ بالصلاة تكاد تنخلعُ القلوب لهيبة إتيانه الفجر يأتي بسنّتها قبل إتيانه إليهم، وكان إذا أحرمَ قرأ يمدّ في الصلاة ترتعدُ أعضاؤه، تمُيله يمنة ويسة، وكان إذا بتكبيرة الإحرام، فإذا دخل أكمل ، وكان ركوعه وسجوده وانتصابُه عنهما مِن ﷺالله قراءته مدًّا كما صحّ في قراءة رسول للتشهد الأوّل خفّة شديدة، ويجهر بالتسليمة ما ورد في صلاة الفرائض، وكان يخفّف جلوسه .)2(على الله - عز وجليسمع كلّ مَن حضر، فإذا فرغ من صلاته أثنى الأولى حتى ).248 مختصر طبقات علماء الحديث، محمد أحمد عبد الهادي الحنبلي، ص)1( .)37،36 الأعلام العلية،)2(

عدد الصفحات ٤٩

50شيخُ الإسلام ابن تيمية ، والدعاء له وللمسلمين ﷺ بعد كلّ صلاة بالمأثور عن النبي وكان حريصًا على الدّعاء ، لا يكلّمه أحدٌ ولا يتكلّم مع أحدٍ من ثمّ يأخذ في تلاوةِ أوراده بعد صلاة الفجر بذكر الله ّ بجنازة شيّعها، ويمرّ على الناس يسلّم الناس حتى ترتفع الشمس، ثمّ يذهب إلى المنزل، فإذا مر إفتاء الناس وقضاء حوائجهم ّد أحوالهم، ثمّ يعود إلى مسجده فلا يزال تارة في عليهم ويتفق ّ يعود إلى ، ثمّ يتطوّع لقراءة مؤلفاته حتى يصليّ العشاء، ثم حتى صلاةِ الظهر، ثمّ يصلي المغرب في طوالَ وقته يوحّده ويستغفره، وكان دائماً يعود المرضى العلم مرة أخرى، فلا يزال ذاكرًا لله َه ما بين العلم والعبادة وخدمة الناس، كلّ أسبوع، خاصّة بالمارستان، وهكذا يقضي نهاره وليل .)1( أبدًا ذكره وإفادتهم، ولا ينسى حيث كان هدفه ابن تيمية كانت له شخصيةٌ نظيفة من الأنانية وحبّ الذات؛ إنّنا نجد أنّ العقيدة للآخرين، فكان سعيُه دائماً لإعلاء شأن الدين وتصحيح في الحياة تعلّمَ الدين وتعليمَه وما كان هذا الأمر ليتحقّق لو كان للدنيا لدى الناس، وتنظيفها ممّا علق بها من الشوائب، نادرة تميّزت بالجَلَد في حياته، ويضاف إلى الإخلاص والتفاني في خدمة الدين شجاعةٌ نصيبٌ أينما وجِد، وكذلك ابن تيمية ليتردّد لحظة واحدة في إعطاء الدّروس والصبر، لذلك لم يكنِ ، وكان ﷺيكنِ الموضوع، ما دام في الشريعة واتباعًا لسنة المصطفى التدخّل في النقاش مهْما في الحروب حين يتطلّب الأمر مثل ذلك، كما حدث في اشتراكه يجاهد آمرًا ومأمورًا في سبيل الله .)2(ضدّ التتار في أكثر المواقع :فقرٌ وإيثار • مع ذلك يتصدّق بالقليل والكثير، حتى كان - رحمه الله - تاركًا للدّنيا فقيرًا فيها، وكان وأعطاها للفقير، وكان يتصدّق بقوته ْ شيئًا يتصدّق به؛ نزع بعض ثيابه المحتاج إليها إذا لم يجد على الغرباء وطلبة رغيفين، مؤثرًا بذلك على نفسه، وكان أكثر تصدّقه وطعامه ولو برغيف أو .)3( لهم ولغيرهم من المحتاجالعلم الفقراء، مِن الفقهاء والقراء، ومساعدته ).83)، والكواكب الدرية، ص41-39 الأعلام العلية، ص)1( )، وما بعدها85 ابن تيمية حياته وعصره، محمد أبو زهرة، ص)2( .)50-48 الأعلام العلية، ص)3(

عدد الصفحات ٥٠

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 51 التواضع• ه الصغيرُ تيمية - رحمه الله - لا يبخلُ بمجلسه على أحد؛ فكان يحضر مجلسَ كان الشيخ ابن الناس، وكان يتواضع للكبير والصغيروالكبير والعبدُ والحرّ، والأنثى والذكر؛ فهو عامّ لجميع ا وكان يخدمه بنفسِه ويُعينه على قضاء حاجته، جبرً والجليل والحقير والغني الصالح والفقير، لقلبه وتقرّبًا إلى الله بذلك. وسعة الصدر حتى يُفهِمَهم الله- لا يسأم مِن الفتوى، ويقابل الناس بالبَشاشة كان- رحمه الكرسي ويدعُ صدرَ فقد كان متواضعًا في جميع أحواله، فكان يجلس تحت ما يسألون عنه، .)1(المجالس إذا مِن حسن الأخلاق والمبالغة في التواضع بحيث إنه كان يقول عنه البزار: وأظهر لي النّسخة، ولا يدع أحدًا منّا يحملها، وكنت خرجنا مِن منزله بقصد القراءة يحملُ هو بنفسه : لو حملته على رأسي لكان ينبغي، ألا أحمل أعتذر إليه من ذلك خوفًا من سوء الأدب، فيقول .)2( كلام رسول اما فيه الدنيا:زهدُه وتقاعدُه عن • عاش حياته منذ صغره لهدفٍ محدّد، وهو إذا تأمّلنا حياة هذا الشيخ الجليل لوجدنا أنه في الدّنيا، العالمين، والسعي للدار الآخرة، ولقد جعله هذا الهدف غير راغب إرضاء ربّ له والده لتحفّزه على فمنذ أنْ كان صبيًّا رافضًا للجائزة التي جعلها ومُتحرّرًا من عبوديتها له، كان شيخًا اشتُهر في أهل زمانه أنه إنّه لا يأخذ على القرآن أجرًا، إلى أنْ حفظ كتاب الله، قائلاً: ع عنه رغبتُه في زوجةٍ حسناء أو دارٍ الناس وأكملُهم في رفض فضول الدنيا، فلم يُسمَ أزهدُ غيرُه، بل سعى إليه الأمراءُ بستان أو عقار، ولا سعى للرئاسات وأبواب الملوك كما يسعى أو .)3(وفضلهوالملوك والتجار خاضعين لقوله ).51،50 الأعلام العلية، ص)1( .)52 الأعلام العلية، ص)2( .)84)، والكواكب الدرية، ص46،45 الأعلام العلية، ص)3(

عدد الصفحات ٥١

52شيخُ الإسلام ابن تيمية ورعُه وكرمُه: • ٍ ولا تجارة، الورع، فما خالط الناسَ في بيعٍ ولا شراء، ولا معاملة كان - رحمه الله - غايةً في ناظرًا مباشرًا لحال وقف، ولم يكن يقبل جراية ولا مشاركة ولا زراعة، ولا عمارة، ولا كان متاعًا كان مدّخرًا دينارًا ولا درهمًا، ولا ولا صلة لنفسه من سلطان ولا أمير ولا تاجر، ولا حياته وميراثه بعد وفاته - رحمه الله - العلمَ اقتداءً بسيد ولا طعامًا، وإنما كانت بضاعته مدّة .ﷺالمرسلين يسأله شيئًا يقدرُ فهو له سجيّة، فقد كان لا يردّ مَن أمّا عن كرمه، فقد كان مجَبولاً على الكرم؛ ًا ليس عنده ثياب ولا كتب ولا غير ذلك، وإذا سأله فقيرٌ شيئ عليه من دراهم ولا دنانير ولا ًّ، َ عمامتَه نصفين لمَن لم يجدْه مُعتما يدعْه يذهب بلا شيء، بل ربّما قسَم أعطاه أي شيء مِن لباسه ولم .)1( كائنًا ما كانواعتمَّ هو بالنصف الآخر، لقد كان جوادًا بالميسور أحدًا من كتاب إخلاص العمل لله - عز وجل -، وهو- أيضًا- كان لا يمنع وهذا مِن أبلغ والعلم، بدراهم كثيرة، وكان ينكر على مَن يمنع الناسَ الكتبَ ينتفع به أو مصحفٍ قد اشتراه .)2(ه ويرضاهفسُبحان الموفّق إلى العمل الصالح الذي يحبّ قوّةُ قلبه وشجاعتُه: • رأيت أحدًا أثبت جأشًا : كان - رحمه الله - مِن أشجع الناس وأقواهم قلبًا، مايقول البزار ولسانه ويدِه، ولا يخاف في جهاد العدو منه، كان يجاهد في سبيل الله بقلبهمنه، ولا أعظمَ عناء في جهادٍ يكون إذا حضر مع عسكر المسلمينτ غيرُ واحدٍ أنّ الشيخ في الله لومةَ لائم، وأخبر شجّعه وثبّته وبشرّه، مِن بعضهم هلعًا أو رقّة أو جبانة بينهم واقيتَهم، وقطبَ نباتهم، إنْ رأى السّكينة، والغنيمة، وبينّ له فضلَ الجهاد والمجاهدين وإنزالَ الله عليهم ووعدَه بالنصر والظفر العدو، كأعظم الشجعان، ويقوم كأثْبَت الفرسان ويكبروكان إذا ركب الخيل يتحنّك ويجول في .)3( الفَتك، ويخوض فيهم خوضَ رجلٍ لا يخاف الموت تكبيرًا أنكى في العدو مِن كثير مِن ).86،85)، والكواكب الدرية، ص44-42 الأعلام العلية، ص)1( .)66-63 الأعلام العلية، ص)2( .)68،67 الأعلام العلية، ص)3(

عدد الصفحات ٥٢

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 53 لا يخاف السلاطين، فكان يذهب إليهم وينصحهموطرفًا مِن شجاعته- أيضًا- أنه كان وأيضًا- في موقفه مع أو تردّد، ومِن ذلك موقفه مع السطان غازان، ويسألهم دون خوف .)1(يشهدُ له بذلك السلطان الملك الناصر محمد ما - عز وجل -:قوّتُه في مرضاة الله • الله والصبر على الشدائد والثبات على الحقّ ما شهدَ كان للشيخ من القوة والجَلَد في مرضاة ٍ لا يحيد لحظةً عن رؤية الحقّ والجهاد في جميعُ علماء وأهل زمانه، وعرف عنه أنه كان ذا نظر به الرئاسة، وكثر ، فكرهه بعضُ الناس وحقد عليه وحسده ضعافُ النفوس وطلاّب سبيل الله عن قول ّ ولا يخاف في الله لومة لائم، ولا يُثْنيه الواشون به عند السلاطين؛ لأنه كان يقول الحق دبُرَه فرارًا، ولقد ًا وأعصارًا وسنين وشهورًا، ولم يوَلهّم الحقّ تحاسد أو عداء، ولقد سُجن أزمان ْارًا، فجعل الله حفظه منهم له مرارًا وأوْسعوا حيلَهم عليه إعلانًا وإسر قصد أعداؤه الفتكَ به الله له فضيلة وزينة، وظهر له يوم موته ما ًا، ولقد ظنّوا أنّ في حبْسه شينة؛ فجعل شعارًا ودثار بقرب أجلِه ألبسه الفراغَ عن الخلق للقدوم على رآه وادُّه أقرّ به عينه؛ فإنّ الله- تعالى- لعلمه لو .)2(ّ وعزيمة غير جريرةٍ ولا جريمة، بل على قوّة في الحق ّ أجمل حُلَلِه، كوْنه حُبس على الحق شيء؛ في حرصها على العلم، وفي حرصها على طاعة إنّ شخصية ابن تيمية لعجيبةٌ في كلّ كلّها، فكان لها أنْ تسمو والدار الآخرة، وفي حرصها على النّيل والظفر بدرجات الفضائل الله، الله بكلّ ما يزيدها ولا ينتقصها. إلى أعلى، وأنْ يهبها للإسلام والمسلمين.الفراسةَ والكرامة، وجعله حجّة عصره، وشيخًا رائعًا لقد وهبَهُ الله ن وقائعهم، ويعوّلون عَلَيْهِ البعيد عَنهُ كَانُوا يرسلون إليه بالاستفتاء عَ « بأجوبته المسدّدة، ويبرهن على الحقّ من أقوال كشف ما التبس عَلَيهم حكمه، فيشفي غلّتهم فيِ لترك الهوى أذعَنَ ذُو بَصيرَة وتقوى ممَّن قد وفق ة، حتَّى إِذا وقف عَليها كلّ محقّ العلماء المقيدَ ).67 الأعلام العلية، ص)1( .)77،76 الأعلام العلية، ص)2(

عدد الصفحات ٥٣

54شيخُ الإسلام ابن تيمية وقته مخُالفَته في حقّه المَشهور يكون مَدلولها، وإنْ سمع عَن أحدٍ مِن أهل بقبولها، وَبان لَه حقّ .)1(الشرور والاشتغال بترّهات الغرورممَّن قد ظهر عليه للخاصّة وللعامّة فعل ّة:شخصيتُه السياسي • إلاّ إذا نصبَ عينيه أنّ حال الأمّة لن يكون صالحًا عاش ابن تيمية حياتَه كلّها وهو يضع دار حول هذا الهدف، ًا من الأدْران والبدع، ولعلّ محور حياته كلّها تمسّك بشرع الله نقيًّا خالي ّ بالنظرة الشمولية للإسلام، فهو قولٌ وعمل، وحياة اجتماعية ودينية ولن يتحقّق هذا الهدف إلا تلاصق تامّ، وتمازُج رهيبٌ بين وسياسية لا انفصام بين هذه الجوانب ولا اختلاف، بل هناك والسهر. إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمّى جميع الجوانب كالجسد الواحد ، ولعلّ أهمّ المواقف التي جعلت لذلك اهتمّ شيخ الإسلام بالحياة السياسية كما اهتمّ بغيرها تاركًا بلدته وتأثيرها في حياة الناس موقفُه عندما خرج مع والديهابن تيمية يعي معنى السياسة من هوْل يهتمّون فيها بمنازلهم وأموالهم، خرجوا حرصًا على حياتهم (حرّان) التي تربّى بها، لا ، في الطريق، كما أنه رأى فزعَ الناس وهروبهم إلى دمشق التتار ووحشيتهم، وهُم يعانون المشقّة ً فأخذ يقودُ الجحافل لقتالهم، لقد كان يراهم فكَرِهَ التتارَ وكرهَ الغزاة والظالمين، ثمّ استوى رجلا تخرج الشعوب التي يهضمون ً ظالمين يجب قتالهم حتى يتوبوا أو يقدر عليهم قضاؤهم حتىبُغاة .)2( فسادًا في الأرض حقوقَها من تحت سلطانهم، ويعيثون عليه ّة منذ سنة ستّ وتسعين وستمائة، وبدأ تعويل الأمّة وظهرتْ شخصية ابن تيمية الفعلي الأمْر بنفسه، واجتمع بنائبه، وتوجّه بعد ذلك في دفع أعدائها عنها في نوبة غازان، فقام بأعباء ، واستصرخ بأركان الدّولة، وحضّهم على الدّيار المصرية لمّا اشتدّ الأمر بالشام من المغول إلى على ذلك، إلى بعد أيام على دمشق، وظهر اهتمامه بجهاد التتار وتحريضه الأمراءالجهاد، ثمّ عاد ).79 السابق، ص)1( ) بتصرف18 ابن تيمية حياته وعصره، ص)2(

عدد الصفحات ٥٤

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 55 سنة اثتنين وسبعمائة، واجتماعه) 1( وقعة شقحبأن ورد الخبر بانصرافهم، وقيامه المحمود في الحلّ والعقد، وتحريضهم على الجهاد. بالخليفة والسلطان، وأرباب سنة أربع وسبعمائة لقتال الكسوانيّين واستئصال شأفتهم.ثمّ توجّهه في آخر بحضرة نائب للمخالفين في سنة خمس وسبعمائة في المجالس التي عقدت لهثمّ مناظرته .)2( إلى قوله طائعين ومُكرَه السلطنة الأفرم، وظهوره عليهم بالحجّة والبرهان، ورجوعهم لا تنكر، ودلّ أنه في ُه في انتصار دولة المماليك على التتار اليدَ الطولى التي لقد كان دور نظره، وما سمع ّين إمامٌ عظيم، وأنّ الدين لا ينفصل عن السياسة في السياسة كما هو في الد صوتٌ مثل صوته في إحقاق الحقّ ونصرة سلطان الإسلام، ولم لأحدٍ من علماء الدّين في عصره الأسرى من النصارى واليهود فقال: إنهم ذمّتنا يرضَ يوم عقد الصلح مع التتار أن يتخلىّ عن .)3(ّ من إرجاعهم إلى ديارهم ولا بد مخُتلقين الأسبابَ من ًا مِن لجوء المخالفين له في الرأي إلى الحكام لقد عانى ابن تيمية كثير ّات حتى توفي وهو في سجنه- رحمه وحقدًا، وتسبّبوا في سجْنه عدّة مر أجل المَساس به حسدًا ، فواجههم إلاّ لأنه رفض استمرارَ المجتمع في البدع، واستمراءهم للخرافات الله- وما ذلك ّحًا رأي السلف والسنة والصحابة - رضي الله بالردّ والحجّة، مُستعينًا بالله - عز وجل - موض ُ ، ولعلّ مسألة شدّ الرحال إلى قبور الأنبياء والأولياء والصالحين خير عنهم - في هذه الآراء دليلٍ على ذلك. محُتسبًا بالعلم والمعرفة، وزاخرًا بالجهاد بشتّى صنوفه، صابرًا لقد عاش الشيخ عمرًا حافلا خيرَ والحياة؛ فرحمَهُ الله رحمةً واسعة، وجزاه عنِ الإسلام والمسلمين حياتَه لها، مُفعمة بالنّور الجزاء. ميلاً وكانت بها معركة بين التتار وأهل الشام. 25 شقحب: قرية في جنوب غرب دمشق تبعد عنها)1( .)23-21 ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية، ص)2( .)33،32 السابق، ص)3(

عدد الصفحات ٥٥

56شيخُ الإسلام ابن تيمية المبحثُ الثّاني عصرُ ابن تيمية فيه، فقد يؤدي فسادُ العصر إلى فساد الرّجل، للعصر تأثيرًا بالغًا على العالم الذي تربّى إنّ ي في الإصلاح، وكثرة الشرّ يكون التأثير عكسيًّا، فكثرة الفساد تحمل على التفكير الجدّ وقد في نفس المصلح لنشر الخير، وقد تكون من الدوافع المهمّة التي تبثّ تحمل على حفْز العزائم حياته، تيمية مع عصره، فقد نفذت روحه ممّا درس في اقتلاعَ الشرّ ومحاربته، وهذا هو حال ابن ينابيع الشرّع الأولى، وكنوز السنة النبوية وما عكف عليه في كهولته وشيخوخته من الرجوع إلى الإسلام من النور عليه سلف المؤمنين، فاستطاع أن يقارن بين ما درس من المشرفة، وما كان العصر، والفساد الشديد في كلّ نواحي الحياة، يرى الساطع وبين هذا الظلام الدامي في هذا ا وانقسامًا، يرى في الماضي حكماً صالحًا، عزًّا واتحادًا، ويرى في عصره ذلاًّ وانكسارً في الإسلام ا، وقد أكل القوي الضعيف، وأمور المسلمين شورى بينهم، ويرى في حاضره استبدادًا وطغيانً وقد ه، لذا تقدّم شيخ الإسلام ابن تيمية ليصلح ويداوي، واستمرأ الحاكم لحمَ المحكوم ومالَ وكبار التابعين، فكانت آراؤه العلمية وجد الدواء في كتاب الله وسنة رسوله، وأعمالِ الصحابة به؛ لوجدت أنّ شت عن البواعث التي بعثته على الجهر بكلّ ما جهر دواءً لهذا العصر، ولو فتّ .)1(أهل العصر في العمل أو الفكر أو فيهما معًا الباعث على المجاهرة عيبٌ في الزمان، وفساد تيمية من خلال الحالات الآتية:ويمكن أنْ نتناول ملامح العصر الذي عاش فيه ابن الحالة السياسيّة:• ، يحكمها ُ في هذا العصر (السابع والثامن من الهجرة) إلى دويلاتٍ صغيرة انقسم الناس بدخول الجيوش العثمانية، ولقد كانت مجموعةٌ من المماليك، جاءوا بعد الدولة الأيوبيّة، وانتهت أشدّها، وكانت المنازعات على المصالح والمنافع تبلغ ذروتها، المنافسة بين هؤلاء الحكام على )، ط: دار الفكر، 105 انظر: ابن تيمية، حياته وعصره وآراؤه الفقهية، للعلامة محمد أبي زهرة، ص )1( م1991

عدد الصفحات ٥٦

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 57 لسلطان الخلافة في بغداد؛ يتسلّطون على الضعفاء من عامّة الشعب، غير خاضعين وأخذوا خلفاء بني بالقدر الذي تستطيع فيه إخضاع هؤلاء الحكام لها، وذلك لضعفلأنهّا لم تكن قويّة ، فقد خرج عن بني العباس بلادُ العباس وانشغالهم بالشهوات وجمع الأموال في أكثر الأوقات ذرية عبد الرحمن بن معاوية، والدولة الفاطمية بعضُ مَن بقي مِن بني أمية مِن المغرب، ملَكَها بلاد المعرب، وبلاد الشام، وبلاد الحرمين، وكذلك خرجت خراسان وماببلاد مصر، وبعض يبقَ للخليفة فيهم إلاّ بغداد وبعض بلاد وراء النهر، وتداولتها الملوك دولاً بعدَ دولٍ حتى لم خلفاء بني العباس عبد دولة الفاطميّين قريبًا من ثلاثمائة سنة، وكان آخر العراق، واستمرت .)1(الله المعتصم والذين أقبلوا من هذا الانقسام والضّعف إلى طمع أعداء الإسلام من التتار - أدى 2 فسادًا، يقول ابن الأثير في ذلك الشرق، والفرنجة من الغرب يعيثون في البلاد أحدٌ من الأمم. والمسلمون في تلك الأزمان بمصائب لم يبْتَلِ بها الإسلامُ من المشرق ففعلوا الأفعال التي يستعظمها كلّ مَن منها: ظهور التتار- قبّحهم الله، أقبلوا بها.سمع مصر وغيرها أنْ يملكوها، ومنها: خروج الفرنج من المغرب إلى الشام، ومقصدهم ديار لولا لطف الله- تعالى- ونصره عليهم. .)2(ومنها: أنّ السيف بينهم مسلول والفتنة قائمة فقالأشارَ ابن تيمية إلى أسباب هذه الحروب الصليبية في كتاباته، ولقد النّصارى الرسول؛ سُلّطَت عليهم الأعداء، فخرجت الرّوم والبدع والفجور المخالف لدين أخذوا بيت وأخذوا الثغور الشاميّة شيئًا فشيئًا، إلى أنْ إلى الشام والجزيرة مرّة بعد مرّة، المقدس... ).239/13 البداية والنهاية،)1( .)33/9 الكامل في التاريخ،)2(

عدد الصفحات ٥٧

58شيخُ الإسلام ابن تيمية أهلُ الشام بأسوأ حال، بين الكفار النصارى وبعد هذا بمدّة حاصروا دمشق، وكان .)1(والمنافقين الملاحدة يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما « :ﷺولعلّ خيرَ ما يوصف به هذا العصر قولُ النبي غثاء كغثاء السيل، يجعل الوهن في قصعتهمتداعى القومُ على .)2(قلوب عدوكم بحبكم الدنيا وكراهيتكم الموتقلوبكم، وينزع الرعب من أيًّا ما كان لونهم، بل كان مِن أيضًا، في هذا العصر موالاة أهل الذمّة للأعداء - يظهر، 3 تيمية واصفًا تحزّب هذا العدو مِن مغولٍ رق الإسلامية مَن يمهّد السبيل للتتار؛ يقول ابن الفِ من أجناس المرتدّة مِن نصارى الأرض وغيرهم مِن أنواع الترك ومِن فرس مستعرب ونحوهم الدار واصطلام هذا العدو بجانب ديار المسلمين، ومقصودُهُم الاستيلاءُ على وغيرهم .)3(أهلها وميّزه عن باقي التتار في هذا العصر مظهرٌ بارز، لوَّن هذا العصر - لقد كان لوحشيّة 4 واصفًا المصائب التي جرتْ على الأمّة الإسلامية، يقول ابن الأثير العصور؛ لأنه كان مِن أفظع كارهًا معرضًا عن ذكْر هذه الحادثة؛ استعظامًا لها، وحشيّة التتار يسهل عليه أن يكتبَ نعي رِجْلاً وأؤخّر أخرى، فمَن الذي لذكْرها، وها أنا ذا أقدّم إليها ني، ويا ليتني متّ قبل يهون عليه ذكرُ ذلك، فيا ليتَ أمّي لم تلدْ الإسلام والمسلمين، ومَن الذي وأنا متوقّف، ورأيت أن ا! إلى أن حثّني جماعةٌ من الأصدقاء على تسطيرها هذا وكنتُ نسيًا منسيًّ .)4(اتركَ ذلك لا يجدي نفعً ).173/13 الفتاوى،)1( )،281/24)، وجامع الأحاديث لجلال الدين السيوطي،297/7 شعب الإيمان، لأبي بكر البيهقي،) 2( )، وقال الهيثمى: رجاله رجال الصحيح غير أحمد بن يحيى291/8وأخرجه البزار كما ف مجمع الزوائد، ).1880)، رقم215/2الأودي وهو ثقة، وأخرجه الطبراني، ).44/28 الفتاوى،)3( .)399/10 الكامل في التاريخ،)4(

عدد الصفحات ٥٨