416شيخُ الإسلام ابن تيمية - مقابلةُ السيئات بالحسنات: 6 يقول الشيخ الطبيب المرض بضدّه؛ فيؤمر المؤمن بأن يصلح نفسه، وذلك بشيئين: بفعل الحسنات، وترك السيئات، مع وجود ما ينفي الحسنات ويقتضي السيئات، وهذه أربعة أنواع. ويؤمر- أيضًا- بإصلاح غيرْه بهذه الأنواع الأربعة بحسب قدرته وإمكانه، قال تعالى: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ .)1(»]3-1﴾ﭟ ﭠ - الصبر على فعل الحسن وترك السيئ:7 يقول ابن تيمية في ذلك الصبر على فعل الأذى وعلى ما يقال؛ والصبر على ما يصيبه من المكاره، والصبر عن البطر عند النعم، وغير ذلك من أنواع الصبر. ولا يمكن للعبد أن يصبر إن لم يكن له ما يطمئن به ويتنعم به ويغتذي به وهو اليقين؛ كما في (يا أيها الناس، أنه قال:ﷺ، عن النبي - رضي الله عنه -الحديث الذي رواه أبو بكر الصديق .)2( »سلوا الله اليقين والعافية؛ فإنه لم يعط أحد بعد اليقين خيرًا من العافية فسلوهما ا - معرفةُ الإنسان ربّه معرفة جيدة ومعرفة صفاته وأسمائه: 8 تخرج الإنسان من عبودية النفس وهواها وطاعتها- عز وجل - إنّ العبودية الحقة لله الشرّ إلى عبودية الله وحده وطاعته واجتناب نواهيه، فيثمر فيها الخير والعدل والصلاح. يقول شيخُ الإسلام نفسه، إن حصل له رضي، وإن لم يحصل له سخط، فهذا عبد ما يهواه من ذلك، وهو رقيق له؛ إذ الرق والعبودية في الحقيقة هو رق القلب وعبوديته، فما استرق القلب واستعبده فهو عبده، ولهذا يقال: ).152/28 الفتاوى،)1( .)153/28 الفتاوى،)2(
عدد الصفحات ٤١٦وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 417 )1(العبد حر ما قنع والحر عبد ما طمع وقال القائل: )2(أطعت مطامعي فاستعبدتني ولو أني قنعت لكنت حرًّا ويقال: الطمع غلّ في العنق، قيدٌ في الرجل، فإذا زال الغلّ من العنق زال القيد من الرجل، أنه قال: الطمع فقر، واليأس غنى، وإنّ أحدكم إذا يئس مِن tويروى عن عمر بن الخطاب شيء استغنى عنه. وهذا أمر يجده الإنسان من نفسه؛ فإن الأمر الذي ييأس منه لا يطلبه ولا يطمع به، ولا يبق قلبه فقيرًا إليه، ولا إلى مَن يفعله، وأما إذا طمع في أمر من الأمور ورجاه تعلق قلبه به فصار فقيرًا إلى حصوله؛ وإلى مَن يظنّ أنه سبب في حصوله، وهذا في المال والجاه والصور وغير ذلك، ﴾ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀﮁ ﮂ ﮃقال الخليل - عليه السلام-: ﴿ ]17[ فالعبد لا بدّ له من رزق، وهو محتاج إلى ذلك، فإذا طلب رزقه من الله صار عبدًا لله فقيرًا .)3(إليه، وإن طلبه من مخلوق صار عبدًا لذلك المخلوق فقيرًا إليه ويقول في موضع آخر عرف العبودية المتعلقة بربوبية الله، وهذا العبد يسأل ربه ويتضرّع إليه ويتوكل عليه، لكن قدْ يطيع أمره، وقد يعصيه، وقد يعبده مع ذلك، وقد يعبد الشيطان والأصنام، ومثل هذه العبودية ﭩ لا تفرق بين أهل الجنة وأهل النار، ولا يصير بها الرجل مؤمنًا، كما قال الله- تعالى: ﴿ ] 106﴾ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ خالقهم ورازقهم، وهم يعبدون غيره، قال تعالى: ﴿ ).79 المستطرف في كلّ فن مستظرف، ص )1( .)267 روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار، ص)2( .)182/10 الفتاوى،)3(
عدد الصفحات ٤١٧418شيخُ الإسلام ابن تيمية ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ]25﴾ﯛ ﯜ ﯚ ﯛ ﯜﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ .)1(»]89-84﴾ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂﰃ ﰄ ﰅ ﰆ وهذه المعرفة وحدها لا تكفي لإصلاح النفس، ولا بدّ للإنسان مِن أن يعرف ربه معرفة الألوهية، يقول شيخ الإسلام به مِن الحقيقة الدينية التي هي عبادته المتعلقة بألوهيته وطاعة أمره وأمر رسوله؛ كان من جنس إبليس وأهل النار. فإن ظنّ مع ذلك أنه من خواص أولياء الله وأهل المعرفة والتحقيق، الذين سقط عنهم الأمر والنهي الشرعيان؛ كان من أشر أهل الكفر والإلحاد. ومَن ظنّ أنّ الخَضرَِ وغيره سقط عنهم الأمر لمشاهدة الإرادة ونحو ذلك، كان قوله هذا من شرّ أقوال الكافرين بالله ورسوله، حتى يدخل في النوع الثاني من معنى العبد، وهو العبد بمعنى العابد، فيكون عابدًا لله، لا يعبد إلاّ إياه، فيطيع أمره وأمر رسله، ويوالي أولياءه المؤمنين المتقين، ويعادي أعداءه. وهذه العبادة متعلّقة بالإلهية لله- تعالى، ولهذا كان عنوان التوحيد: لا إله إلاّ الله، بخلاف مَن يقرّ بربوبيته ولا يعبده، أو يعبد معه إلهًا آخر. فالإله هو الذي يألهه القلب بكمال الحب والتعظيم والإجلال والإكرام والخوف والرجاء ونحو ذلك، وهذه العبادة هي التي يحبها الله ويرضاها، وبها وصف المصطفين مِن عباده، وبها .)2(بعث رسله ولكن، كيف تكون العبادةُ التي تحقّق للإنسان سعادة الدنيا والآخرة؟ يوضّح شيخُ الإسلام- رحمه الله- العبادة بقوله من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة؛ فـ: الصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق الحديث ).52 العبودية، ص)1( .)54 العبودية، ص)2(
عدد الصفحات ٤١٨وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 419 وأداء الأمانة وبرّ الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد للكفار والمنافقين والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم والدعاء والذكر والقراءة وأمثال ذلك من العبادة. وكذلك حبّ الله ورسوله، وخشية الله والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، وأمثال ذلك؛ هي من العبادة لله. وذلك أنّ العبادة لله هي الغاية المحبوبة له والمرضية له التي خَلق الخلق لها، كما قال الله- ]56﴾ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸتعالى: ﴿ ﴾ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲوبها أرسل جميع الرسل كما قال نوح لقومه: ﴿ .)1(»]59 « ما حرّمه، والدين ما شرعه.. فعلينا أن نصدّق بخبره، ونطيع أمره، ونعبد الله بما شرع، لا نعبده بغير ذلك من الأهواء والظنون والبدع، ففي الأولى أن لا نعبد إلاّ إيّاه- سبحانه، وفي الثانية أن .)2(نعبده بما شرع لنا أمّا معرفة الله بأسمائه وصفاته فقد بينّ شيخُ الإسلام أن طريقة سلف الأمّة وأئمتها إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل. وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه، ومع إثبات ما أثبته من الصفات من غير إلحاد، لا ﭳ في أسمائه ولا في آياته؛ فإنّ الله ذمّ الذين يلحدون في أسمائه وآياته، كما قال الله- تعالى: ﴿ ﴾ﭴ ﭵ ﭶ ﭷﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ إثباتًا بلا تشبيه، ]180 ﴾ﭧ ﭡ ﭢ ﭣﭤ ﭥ ﭦ وتنزيهًا بلا تعطيل، كما قال الله- تعالى: ﴿ ]11 .)44 العبودية، ص)1( .)170)، والعبودية، ص365/1 مجموع الفتاوى،)2(
عدد الصفحات ٤١٩420شيخُ الإسلام ابن تيمية إنّ الإيمان بالله - سبحانه وتعالى - وتوحيده في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته على نحو ما وصفت ليؤثر في النفس تأثيرًا عميقًا، إن هذه العقيدة تنفذ إلى باطن الإنسان وأعماق نفسه؛ فتغيرّ محاور الثقل في النفس، وتجعلها كلها لله. فالإنسانُ عندما يؤمن بأنّ هناك إلهًا واحدًا هو الخالق وهو الرازق، وهو الذي بيده ملكوت كلّ شيء، ويؤمن إيمانًا لا يخالجه شك أنه وحده الذي يستحق العبادة لا أحد سواه، فعندما يتحرّر الإنسان من كلّ الأرباب الزائفة، يتحرّر من إله الشهوة، يتحرّر من إله المادة، يتحرّر من إله الطاغوت، يتحرّر من كلّ شيء، فعبودية الإنسان لربه هي مصدر عزته وحريته؛ فإنّ الإنسان بطبعه وفطرته لا بدّ له من إلهٍ يؤلهّه، فإذا جعل الله هو إلهه، فإنّ الآلهة الأخرى تنجاب وتزول من نفسه، وإذا لم يفرد الله بالألوهية ولم يؤمن به فلا بدّ أن يعبد شيئًا ما فيعبد الدرهم والدينار والخميصة والقطيفة، ويعبد الجنس، يعبد الشهوة، يعبد الشجر، يعبد الحجر، يعبد الإنسان، يعبد شيئًا ما؛ لأن الإنسان فلا بدّ لكلّ عبدٍ مِن مراد محبوب هو منتهى حبه وإرادته، فمن لم يكن الله معبوده ومنتهى حبه وإرادته، بل استكبر عن ذلك، فلا بدّ أن له مرادًا محبوبًا يستعبده غير الله، فيكون عبدًا لذلك المراد المحبوب، إمّا المال وإمّا الجاه وإمّا الصور، وإمّا ما يتخذه إلهًا من دون الله كـ: الشمس .)1(والقمر والكواكب، أو غير ذلك ممّا عبد من دون ا « لله ما يمنعه عن محبة غيره؛ إذ ليس عند القلب السليم أحلى ولا ألذ ولا أطيبَ ولا أسرّ و أنعم من حلاوة الإيمان المتضمن عبوديته لله، ومحبته له، وإخلاص الدين له، وذلك يقتضي انجذاب القلب إلى الله، فيصير القلب منيبًا إلى الله، خائفًا منه، راغبًا راهبًا، كما قال تعالى: ] 33﴾ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﴿ ﯥ ﯦ حصول مرغوبه، فلا يكون عبد الله ومحبّه إلاّ بين خوف ورجاء، كما قال تعالى: ﴿ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ]57﴾ﯶ ﯷ ).112-111 العبودية لابن تيمية، ص)1(
عدد الصفحات ٤٢٠وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 421 وإذا كان العبد مخلصًا لله اجتباه ربّه، فأحيا قلبه، واجتذبه إليه، فينصرف عنه ما يضاد ذلك من السوء والفحشاء، ويخاف من حصول ضد ذلك، بخلاف القلب الذي لم يخلص لله؛ فإن فيه طلبًا وإرادة وحبًّا مطلقًا، فيهوى ما يسنح له، ويتشبث بما يهواه، كالغصن أيّ نسيمٍ مرّ به؛ عطفه وأماله، فتارة تجتذبه الصور المحرمة وغير المحرمة، فيبقى أسيرًا عبدًا لمن لو اتخذه هو عبدًا له لكان ذلك عيبًا ونقصًا وذمًّا. وتارة يجتذبه الشرف والرئاسة فترضيه الكلمة وتغضبه الكلمة، ويستعبده من يثني عليه ولو بالباطل، ويعادي مَن يذمّه ولو بالحق. وتارة يستعبده الدرهم والدينار، وأمثال ذلك من الأمور التي تستعبد القلوب، والقلوب تهواها، فيتّخذ إلهه هواه ويتّبع هواه بغير هدى من الله، ومن لم يكن خالصًا لله عبدًا له قد صار قلبه معبدًا لربّه وحده لا شريك له بحيث يكون الله أحب إليه من كلّ ما سواه، ويكون ذليلاً له خاضعًا، وإلا استعبدته الكائنات، واستولت على قلبه الشياطين، فكان من الغاوين إخوان الشياطين، وصار فيه من السوء والفحشاء ما لا يعلمه إلاّ الله. وهذا أمر ضروري لا حيلة فيه؛ فالقلب إن لم يكن حنيفًا مقبلاً على الله، معرضًا عماّ سواه، ﯔ ﯕ ﯖ ﯗﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞﯟ ﯠ وإلاّ كان مشركًا، قال تعالى: ﴿ ﯡ ﯢ ﯣﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ . )1(»]32-30﴾ﯽ ﯾﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ من هذا التحليل النفسي الرائع لابن تيمية، ندرك تمامًا أن الإيمان بالله طريق الحرية، وأن .)2(الكفر بالله والإشراك به طريق العبودية والاستعباد لمن لا يستحق العبادة ).142-111 العبودية، ص)1( -60/2 السنن الإلهية في الحياة الإنسانية وأثر الإيمان بها في العقيدة والسلوك، د/ شريف الشيخ صالح،)2( .)61
عدد الصفحات ٤٢١422شيخُ الإسلام ابن تيمية هو أفضل الطرق وأهمها للحصول على التغيير، وهذه - عز وجل -وأنّ طريق العبودية لله . - عز وجل -هي سنّته، فلا يصلح فرد ولا أمّة إلاّ إذا تغيرّ حالهم إلى العبودية الحقة لله وهذا ما يؤكّده العلاّمة الصادق عرجون، وهو أن الله- تعا النعيم أو البؤس إلاّ اذا أحدثوا لأنفسهم حالاً غيروا به ما كانوا عليه من الخير والهدى، فعاثوا ف الشر والفساد، أو ما كانوا عليه من الطغيان والإفساد، فثابوا إلى الخير، وأنابوا إلى ربهم ﯔ ﯕ تائبين، والله- تعالى- أخبر أنه فطر الناس على الخير والهدى، فقال جلَّ شأنه: ﴿ ﴾، فإذا ﯖ ﯗﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣﯤ ﯥ ﯦ ﯧ غير الناس فطرة الله بسوء تصرفهم، وانحدروا مع الشيطان إلى مزالق الشر والفساد ف عقائدهم وتفكيرهم وسلوكهم الاجتماعي؛ أنزل الله بهم عقابه، وأذاقهم عذابه الشديد؛ ليتذكروا ما كانوا عليه من خير وهدى، علّهم يعودون إلى إصلاح أحوالهم، فيرفع الله عنهم بأسه وشدة وطأته، فإذا عادوا إلى الشرّ والفساد عاد الله عليهم ببطشه وانتقامه، وهكذا تقتضي سنّة الله وعدله أنْ يجزي الإحسان إحسانًا، والسوء عقابًا وعذابًا، فإن أحسن الناس كان إحسانهم لأنفسهم؛ لأنهم يجنون ثماره نعماً ورحمة، وإن أساءوا فعواقب إساءتهم راجعة إليهم، لا يضرّون .)1(إلاّ أنفسهم *** ).28 سنن الله في المجتمع، ص)1(
عدد الصفحات ٤٢٢وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 423 المبحثُ الثّاني والثلاثون التّوازنُ عند شيخ الإسلام ابن تيمية تعريفُ التوازن: وزن: وزن الشيء، أي: رجح، ويروى بيت الأعشى: وإن يستضافوا إلى حكمة يضاف إلى عادل قد وزن وقد وزن وزانة: إذا كان مثبتًا، وقال أبو سعيد: أوزن نفسه على الأمر وأوزنها: إذا وطّن .)1(نفسه من الميزان، أي: العدل، وأيضًا وزن الشيء، أي: قدره والمقصود من التوازن: إعطاء كلّ أمر من الأمور قدره المستحق له دون تقصير أو نقص، مع الموازنة بينه وبين الأمور الأخرى. التّوازنُ سنّة إلهية: إنّ كلّ ما في الكون يدلّ على هذا التوازن، فلا يطغى شيء على شيء، فكلّ نواميس الكون تسير بنظام وبتوازن في العمل والوقف، لا تزيد ولا تنقص إلاّ بأمر الله وتدبيره. ونجدُ هذا التوازن في كلّ الجوانب حتى في الألوان والأشكال والتعدّد، ولقد تحدّث العلماءُ كثيرًا عن هذه الظاهرة بما يعرف بالتوازن البيئي للكائنات، وهي- أيضًا- نلاحظها في شرائع الله وأحكامه، نجد منهجًا وسطًا متوازنًا في كلّ الأحكام والأوامر والأخلاقيات والقوانين، ﯷ ﯸ ﯹ ] 143﴾ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ قال تعالى: ﴿ ]67﴾ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ويعرّف العلاّمةُ الشيخ الصادق عرجون- رحمه الله- التوازنَ بأنه سنّة هذا الكون وسمته المميزة فيقول ).16،15)، الجزء206،205 انظر: لسان العرب، باب وزن، ص)1(
عدد الصفحات ٤٢٣424شيخُ الإسلام ابن تيمية أدار فلك نظامه الإلهي البديع، وهذا التوازن هو العدل الذى قامت به السموات والأرض، وهو الحقّ الذي خلقت به الحياة. ومن أبرع ما عبرّ به البيان القرآني عن سنة الله العامة في الكون ما لقّن الله- تعالى- كليمَه في جوانب التعنت الفرعوني؛ إذ يقول حاكيًا للسؤال والجواب في - عليه السلام -موسى ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ أوجز أسلوب إعجازي ﴿ ﴾ بيان لسنّته- تعالى- في توازن ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ]50-49﴾ﰖ ﴾ بيان لسنة ﰕ ﰖعناصر كلّ مخلوق، توازنًا جرى على تقدير مُنسّق محُكم، والتعبير بقوله: ﴿ الله- تعالى- في توازن التمكين الذي أوتيه كلّ مخلوق في طرائق عيشه وضوابط حياته، فإعطاء الله- تعالى- كلّ شيء في الوجود تقديره الملائم لمكانه مِن نظام الكون، وتوجيه الله- تعالى- لكلّ مخلوقٍ بمقتضى خلقته الخاصّة التي فطره الله- تعالى- عليها، لكي يُعْطى ما أريد منه في الحركة الكونية الدائبة هو سنّة التوازن الكوني العام التي يقوم عليها صلاحه وبقاؤه في نظامه .)1(الإلهي البديع وهناك توازنٌ واضح بين الكون والشريعة قد أشار إليه الأستاذ سيد قطب- رحمه الله- فيقول وبحقيقة الكون الذي يعيش فيه الإنسان، وبطبيعة النواميس التي تحكمه وتحكم الكينونة الإنسانية.. ومِن ثمّ لا يفرط في شيء من أمور هذه الحياة، ولا يقع فيه ولا ينشأ عنه أي تصادم مدمّر بين أنواع النشاط الإنساني، ولا أي تصادم مدمّر بين هذا النشاط والنواميس الكونية، إنّما يقع التوازن والاعتدال والتوافق والتناسق.. الأمرُ الذي لا يتوافر أبدًا لمنهج من صنع الإنسان الذي لا يعلم إلاّ ظاهرًا من الأمر، وإلاّ الجانب المكشوف في فترة زمنية معينة، ولا يسلم منهج يبتدعه من آثار الجهل الإنساني، ولا ).17،16 سنن الله في المجتمع من خلال القرآن الكريم، ص)1(
عدد الصفحات ٤٢٤وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 425 يخلو من التصادم المدمّر بين بعض ألوان النشاط، وبعض الهزّات العنيفة الناشئة عن هذا .)1(التصادم وبهذا يتّضح لنا توازن الكون كلّه الذي يتماشى مع الشريعة الربانية الهادية، وهكذا ندرك .)2(أنه لا يشذّ عن التوازن إلاّ مخالفٌ للكون أو معاند للشريعة وهكذا نجد أن هذا التوازن البديع في هذا الكون ملحوظ في كلّ الجوانب، فلا يعلو أمرٌ على أمر، فسبحانه يمسك السموات أن تقع على الأرض إلاّ بإذنه، كما أنه- سبحانه- هو الذي يقدر الأرزاق ويوزعها على كلّ الكائنات؛ حتى تبقى الحياة على هذه الأرض وتعمر على النحو الذي أراده الله لها. ثمّ جعل شريعته للبشر حاكمة عليهم ومهيمنة؛ حتى يكونوا جزءًا من هذا الكون المنظّم المتوازن، فلا يحدث الخلل الذي يفسد هذا الكون، ويصبح الكلّ في فلك واحد يرتّل تسبيحة واحدة له- سبحانه. ﮨ ويقول شيخُ الإسلام مشيرًا إلى هذه السنة الإلهية في أثناء تفسيره لقوله تعالى: ﴿ ﴾ بتشديد الدّال فاحتمل أن يكون من القدر ﮩ« :] 3﴾ﮩ ﮪ .)3(والقضاء، واحتمل أن يكون من التقدير والموازنة بين الأشياء والتوازن هو أحد معاني الوسطية والاعتدال، وتجلت الوسطية، أي « :]18﴾ﭮ ﭯﭰ شيخ الإسلام ابن تيمية في تفسيره لقوله تعالى: ﴿ الاستقامة والاعتدال متلازمان، فمن كان قوله وعمله بالقسط كان مستقيماً، ومَن كان قوله وعمله مستقيماً كان قائماً بالقسط. ولهذا أمرنا الله- سبحانه- أن نسأله أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم من: النبيّين والصديقين والشهداء والصالحين، وصراطهم هو العدل والميزان؛ ليقوم الناس ).890/2 في ظلال القرآن، سيد قطب،)1( .)201 وسطية الإسلام ودور العلماء في إبرازها، د/ أكرم كساب، ص)2( .)146/16 الفتاوى،)3(
عدد الصفحات ٤٢٥426شيخُ الإسلام ابن تيمية بالقسط، والصراط المستقيم هو العمل بطاعته وترك معاصيه؛ فالمعاصي كلها ظلم مناقض .)1(للعدل مخالف للقيام بالقسط والعدل، والله- سبحانه- أعلم ولقد تحدّث شيخ الإسلام في مواضع مختلفة من كتاباته شارحًا هذه السنة ومعززًا لها، فهو يذكر أنّ التوازن روحٌ تسي في هذه الأمّة في كلّ أمورها الخلقية والتشريعية والعقائدية، فلقد لنا منهجًا وسطيًا متوازنًا في كلّ شيء لا يجنح إلى اليمين ولا إلى اليسار، - عز وجل -جعل الله بل جاء متناسبًا مع حياة البشر وطبيعتهم التي جبلهم الله عليها، ملائماً لحياتهم وظروفهم. ومِن هذه المواضع التي ذكرها شيخُ الإسلام- رحمه الله- قوله بخصائص ميّزه بها على جميع الأنبياء والمرسلين، وجعل له شرعة ومنهاجًا، rوتعالى- محمدًا أفضل شرعة وأكمل منهاج مبين. كما جعل أمّته خير أمّة أُخرجت للناس، هداهم الله بكتابه ورسوله لما اختلفوا فيه من الحقّ قبلهم، وجعلهم وسطًا عدلاً خيارًا. فهُم وسط في توحيد الله وأسمائه وصفاته، وفي الإيمان برسله وكتبه وشرائع دينه، من الأمر والنهي والحلال والحرام، فأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر، وأحلّ لهم الطيّبات وحرّم عليهم الخبائث. لم يحرّم عليهم شيئًا من الطيبات كما حرم على اليهود، ولم يحلّ لهم شيئًا من الخبائث كما استحلتها النصارى. ولم يضيّق عليهم باب الطهارة والنجاسة كما ضيّق على اليهود، ولم يرفع عنهم طهارة الحدث والخبث كما رفعته النصارى، فلا يوجبون الطهارة من الجنابة ولا الوضوء للصلاة ولا اجتناب النجاسة في الصلاة، بل يعدّ كثير من عبادهم مباشرة النجاسات من أنواع القرب والطاعات، حتى يقال في فضائل الراهب: (له أربعون سنة ما مسّ الماء)، ولهذا تركوا الختان مع أنه شرع إبراهيم الخليل- عليه الصلاة السلام- وأتباعه. ).179/14 الفتاوى،)1(
عدد الصفحات ٤٢٦وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 427 واليهود عندهم إذا حاضت المرأة لا يؤاكلونها ولا يشاربونها، ولا يقعدون معها في بيت واحد، والنصارى لا يحرّمون وطء الحائض. وكان اليهود لا يرون إزالة النجاسة، بل إذا أصاب ثوبَ أحدٍ منهم قرضه بالمقراض، .)1(والنصارى ليس عندهم شيء نجس يحرم أكله أو تحرم الصلاة معه ويقول في موضع آخر مؤكدًا على التوازن الذي حبى الله به هذه الأمّة بالشريعة الكاملة العادلة، وجعل أمّتَه عدلاً خيارًا لا ينحرفون إلى هذا الطرف ولا إلى هذا ﷺ الطرف، بل يشتدون على أعداء الله، ويلينون لأولياء الله، ويستعملون العفو والصفح فيما كان .)2(»لنفوسهم، ويستعملون الانتصار والعقوبة فيما كان حقًّا كما بينّ أنّ المسلمين وسط ومتوازنون عن غيرهم من الأمم في تعاملهم مع أحكام الله - عز وجل وشريعته، وأيضًا في عقيدتهم مع أحكام الله وشريعته، وأيضًا في عقيدتهم في الله وعبوديتهم له، فيقول- رحمه ا- الناسخ لأجل شرعه المنسوخ كما فعلت اليهود، ولا غيروا شيئًا من شرعه المحكم، ولا ابتدعوا شرعًا لم يأذن به الله كما فعلت النصارى، ولا غلوا في الأنبياء والصالحين كغلو النصارى، ولا بخسوهم حقوقهم كفعل اليهود، ولا جعلوا الخالق- سبحانه- متّصفًا بخصائص المخلوق ونقائضه ومعايبه من: الفقر والبخل والعجز كفعل اليهود، ولا المخلوق متّصفًا بخصائص الخالق- سبحانه- التي ليس كمثله فيها شيء كفعل النصارى، ولم يستكبروا عن عبادته كفعل اليهود، ولا أشركوا بعبادته أحدًا كفعل النصارى. وأهل السنة والجماعة في الإسلام كأهل الإسلام في أهل الملل؛ فهم وسط في باب صفات بين أهل الجحد والتعطيل، وبين أهل التشبيه والتمثيل، يصفون الله بما وصف - عز وجل -الله به نفسه، وبما وصفه به رسله من غير تعطيل ولا تمثيل إثباتًا لصفات الكمال، وتنزيهًا له عن أن ).70،69،68/1 الجواب الصحيح،)1( .)83/5 الجواب الصحيح،)2(
عدد الصفحات ٤٢٧428شيخُ الإسلام ابن تيمية ﭡ ﭢ يكون له فيها أنداد وأمثال، إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل، كما قال تعالى: ﴿ .)1(»﴾ﭥ ﭦ ﭧ﴾ ردّ على الممثلة، ﴿ ﭣ وأيضًا نجد شيخ الإسلام يطبق هذه السنة في حياته وفي تعامله مع خصومه، فيتجلى ذلك واضحًا في موقفه مع التصوف والصوفية، حيث يقول- رحمه ا إذا رأى المتصوفة والمتعبدة لا يراهم شيئًا، ولا يعدهم إلاّ جهالاً ضلالاً، ولا يعتقد في طريقهم من العلم والهدى شيئًا، وترى كثيرًا من المتصوفة والمتفقرة لا يرى الشريعة والعلم شيئًا، بل يرى أن المتمسك بها منقطعًا عن الله، وأنه ليس عند أهلها ممّا ينفع عند الله شيئًا. وإنّما الصواب أنّ ما جاء به الكتاب والسنة من هذا وهذا حقّ، وما خالف الكتاب والسنة .)2(من هذا وهذا باطل وأيضًا في تعامله مع الرافضة حيث يقول لكن ليسوا في ذلك مثل غيرهم من أهل الأهواء؛ فالمعتزلة أعقل منهم وأعلم وأدْيَن، والكذب والفجور فيهم أقلّ منه في الرافضة، والزيدية من الشيعة خير منهم أقرب إلى الصدق والعدل .)3(»والعلم، وليس في أهل الأهواء أصدق ولا أعبد من الخوارج ويقول- أيضًا بلاد الكفار فأسلم على يديه خلق كثير، وانتفعوا بذلك وصاروا مسلمين مبتدعين، وهو خيرٌ من أن يكونوا كفارًا، وكذلك بعض الملوك قد يغزو غزوًا يظلم فيه المسلمين والكفار ويكون .)4(»آثماً بذلك، ومع هذا فيحصل به نفع خلق كثير كانوا كفارًا فصاروا مسلم ).71/1 الجواب الصحيح،)1( )، وراجع: كتاب وسطية الإسلام ودور10 اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، ص) 2( ) وما بعدها183العلماء في إبرازها، ص ).157/5 منهاج السنة النبوية لابن تيمية،)3( ،2، مؤسسة علوم القرآن، دمشق، ط 1)، ت: محمد السيد الجليند، جـ 143/2 دقائق التفسير، )4( هـ1204
عدد الصفحات ٤٢٨وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 429 أيضًا- تحقّق التوازن في اختياراته العلمية والعملية، وقد عدّ ابن تيمية تحقّق الوسط الاختيارات العلمية ممّا وقع بين الفقهاء من خلاف فقال جميع مواردها بين القادر والعاجز، والمفرط، والمعتدي، ومن ليس بمفرط ولا معتد. والتفريق بينهما أصل عظيم معتمد، وهو الوسط الذي عليه الأمّة الوسط، وبه يظهر العدل بين القولين المتباينينْ. وقد تأمّلت ما شاءَ اللهُ من المسائل التي يتباين فيها النزاع نفيًا وإثباتًا حتى تصير مشابهة لمسائل الأهواء، وما يتعصب له الطوائف من الأقوال؛ كمسائل الطرائق المذكورة في الخلاف بين أبي حنيفة والشافعي وبين الأئمة الأربعة، وغير هذه المسائل؛ فوجدت كثيرًا منها يعود الصواب فيه إلى الوسط؛ كمسألة إزالة النجاسة بغير الماء، ومسألة القضاء بالنكول، وإخراج القيم في الزكاة، والصلاة في أول الوقت، والقراءة خلف الإمام، ومسألة تعيين النية وتبييتها، وبيع الأعيان الغائبة، واجتناب النجاسة في الصلاة، ومسائل الشركة كـ: شركة الأبدان والوجوه والمفاوضة، ومسألة صفة القاضي. وكذلك هو الأصل المعتمد في المسائل الخبرية العلمية التي تسمى مسائل الأصول، أو .)1(أصول الدين، أو أصول الكلام، يقع فيها اتباع الظن وما تهوى الأنفس وقد قرّرنا- أيضًا- ما دلّ عليه الكتاب والسنة فيها وفي غيرها من الفرق بين المؤمن باطنًا وظاهرًا، وبين المنافق الزنديق المؤمن ظاهرًا لا باطنًا، وأن المؤمنين قد عُفي لهم عن الخطأ والنسيان، ثمّ غالب الخلاف المتباين فيها يعود الحقّ فيه إلى القول الوسط في مسائل التوحيد والصفات، ومسائل القدر والعدل، ومسائل الأسماء والأحكام، ومسائل الإيمان والإسلام، ومسائل الوعد والوعيد، ومسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والخروج على الأمراء ومذاهبهم، أو موافقتهم على طاعة الله؛ فأمرهم ونهيهم بحسب الإمكان والامتناع عن الخروج .)2(والفتن، وأمثال هذه الأهواء ).142،141/21 الفتاوى،)1( .)142،141/21 الفتاوى،)2(
عدد الصفحات ٤٢٩430شيخُ الإسلام ابن تيمية وهكذا نجد أنّ شيخَ الإسلام- رحمه الله- جعل سنة الله في التوازن بين الأمور منهجًا له في حياته كلها، فهو يوازن بين الأهداف المختلفة في حياته قدر الطاقة، فلا يطغى هدف على هدف، فهو العالم الحافظ المجاهد صاحب التصانيف، المسلم الواعي بقضايا الأمّة لسائر المسلمين في كلّ أمور حياتهم، منصف مع مخالفيه، متوازن في اختياراتهم العلمية والفقهية. السّننُ الاجتماعية لدى ابن تيمية: والمقصود بالسنن الاجتماعية أنها السنن التي تحكم الجماعات والمجتمعات الإنسانية وتنظّمها، وبدونها تحدّث الفوضى للأمم، فيكون ذلك سببًا في فشلها وتأخرها، أو هلاكها كما حدث في أمم عاد وثمود وغيرها؛ القرآنية التي بثها الله في آيات هذا الكتاب المبين نظامًا اجتماعيًّا مترابطًا إلى جانب سنن الله العامة في الكون، التي تصوّر فلسفة القرآن في فهم الحياة، كما تصوّر حكمته في نعوت الكمال لله- تعالى- خالق الحياة، وفلسفة القرآن تجعل من الكون كله حقيقة واحدة طوى فيها خالقها دلائل وجوده، وبراهين وحدانيته، وآيات قدرته وعلمه وحكمته، ووكل إلى العقل البشرى تكليفًا وتشريفًا الكشف عن هذه الدلائل والبراهين بما أودع فيه من قوة إدراكية غائصة، وبما أمدّه به من عون في تهديه إليها، وهذا المعنى هو خلاصة وعد الله- تعالى- لهذا العقل بالكشف ﴾ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ عن آيات الله- تعالى: ﴿ .)1(»]53[ لقد بينّ شيخُ الإسلام- رحمه الله- من خلال حديثه عن مفهوم العبادة أن العبادة الحقة ، وتنظيم علاقته - عز وجل - لا تكون إلاّ بإعمار الكون عن طريق تنظيم علاقته بالخالق بالمخلوقين وبالكون الذي يعيش فيه، وسنوضّح ذلك: أولاً العبادة الدينية: تنظم علاقة المسلم بالخالق، وعلاقاته بالأفراد والجماعات والأمم من حوله، فالعبادة الدينية لها مظهران: مظهر تعبدي ومظهر اجتماعي. ).7 سنن الله في المجتمع، ص)1(
عدد الصفحات ٤٣٠وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 431 وتطبيق هذه العبادة بمظهر تعبدي يقتضي تعليم الفرد وتدريبه على تنظيم علاقته بالخالق، وهو ميدان علوم التوحيد وأصول الدين. أمّا تطبيق هذه العبادة بمفهومها الاجتماعي فيقتضي تعليم الجماعة وتدريبها على الفضائل الاجتماعية، وهو ميدان علوم الشريعة. أمّا العبادة الكونية: معناها الخضوع لتدبير الله وتصريفه، وتدبير الله وتصريفه يتمثل في القوانين التي تنظم الكائنات ومظاهر الاجتماع والحياة، وبهذا الاعتبار فالمخلوقون كلهم عباد الله من الأبرار والفجار والمؤمنين والكفار وأهل الجنة والنار؛ لأنهم كلهم خاضعون لقوانين الله، ولا يخرجون عن مشيئته وقدرته، والألوان وما فيها كلها عباد الله؛ لأنها لا تخرج عن قوانينه في الحركة والسكون. وفي كافة الأحوال فهو- سبحانه- رب العوالم والخوالق ومصرّف أمورها لا غيره ولا مالك ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ سواه، اعترف الناس بذلك أو أنكروه، وسواء علموا ذلك أو جهلوه ﴿ ]83﴾ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ وتحقيق العبادة الكونية يقتضي البحث عن أسرار الأكوان المحيطة، واكتشاف قوانينها، وتدريب المتعلم على كيفية التعامل مع الأكوان واستغلالها حسب القوانين التي فطرها الله عليها طبقًا لها، وهذا هو ميدان العلوم الطبيعية؛ فهذا الكون المحيط كتاب كبير يحتوي على آيات الآفاق التي تدلّ على وحدانية الله، وإحكام المخلوقات بالشكل الذي هي عليه يكشف عن علم الله، وإبداع أنواع المحدثات تظهر قدرة الله، وما يجري فيه من أحوال وأحداث في حياة الأفراد والأمم وبقية المخلوقات ترشد إلى فعل الله المتيقن، والنعيم الذي يزخر به الكون يدلّ على سعة رحمة الله. وهذه علوم وأسرار إذا عرفها الإنسان وشهدها بسمعه وبصره وقلبه أدرك ضرورة العبادة . )1(التي يجب أن يعبد بها ).1/1) وما بعدها، وانظر: الفتاوى، توحيد الألوهية،102 الفكر التربوي عند ابن تيمية، ص)1(
عدد الصفحات ٤٣١