المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

شيخ الإسلام بن تيمية و جهوده في تفسير القرآن الكريم تطبيقا على آيات السنن الربانية

وفاء عبد العظيم عبد الوهاب محمد

صفحة ٢٥ من ٢٨

400شيخُ الإسلام ابن تيمية المبحثُ التّاسع والعشرون سنّةُ الله في إهلاك الأمم في الأمم والجماعات سننًا جارية لا تتخلّف ولا تتبدّل، ومن هذه السنن عز وجل -إنّ لله - سنّته في الإهلاك، والمرادُ بالإهلاك هنا: التساقط والنّفاد والدمار، يقول شيخُ الإسلام موضّحًا هذه السنّة أنّ المعاصي سببُ المصائب؛ فسيئات المصائب والجزاء من سيئات الأعمال. وأنّ الطاعة سببُ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ النعمة فإحسان العمل سبب لإحسان الله، قال تعالى: ﴿ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﴾، وقال تعالى: ﴿ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﴾، وقال تعالى: ﴿ﰐ ﰑ ﯽ ﯾ ﯿ ]155﴾ﮯ ﮰ ﮱﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﭩ ﭪ ]165﴾ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ]34﴾ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰﯱ ﯲ ]48﴾ﯕ ﯖ ]33﴾ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ وقد أخبر- سبحانه- بما عاقب به أهلَ السيئات من الأمم، كـ: قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مدين وقوم فرعون في الدنيا، وأخبر بما يعاقبهم به في الآخرة، ولهذا ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ قال مؤمن آل فرعون: ﴿ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ] 33-30﴾ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ]33﴾ﯚ ﯛﯜ ﯝ ﯞ ﯟتعالى: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ] 101﴾ﮄ ﮅ

عدد الصفحات ٤٠٠

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 401 ﴾ إلى قولهﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ]21﴾ﭘ ﭙ .)1(»]16-10﴾ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﴿ ومِن هنا يتّضح لنا أنّ سنّة الله- تعالى- في إهلاك الأمم ماضية لكلّ مَن وقع في أسباب الهلاك. منهجُ القرآن الكريم في تناوله لإهلاك الأمم: ولقد وضّح شيخُ الإسلام هذه السنّة، ثمّ عرض منهج القرآن في تناوله لهلاك الأمم؛ فذكر أنّ القرآن عدّد صور ذكر هذه السنّة، فمرّة ذكر العقاب الدنيوي فقط، ومرّة ذكر العقاب الأخروي فقط، ومرّة ذكر العقاب الدنيوي مقرونًا بالآخروي، وقد يأتي العذاب الأخروي . - عز وجل -مقرونًا ببيان ثواب الأمم الطائعة لله يقول الشيخ- رحمه ا في الدنيا، وما أعدّه لهم في الآخرة، وقد يذكر في السورة وعد الآخرة فقط؛ إذ عذاب الآخرة أعظم؛ وثوابها أعظم؛ وهي دار القرار، وإنما يذكر ما يذكره من الثواب والعذاب في الدنيا . )2(تبعًا ثمّ عدّد شيخُ الإسلام الأمثلة التي توضّح هذا الكلام، أمّا ذكره للأمم التي تثاب أو التي ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ لها من الثواب والأجر فمثل قصة يوسف: ﴿ ﮆﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮝ ]57-56﴾ﮗ ﮘ ]27﴾ﮞ ﮟ ﮠﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﴾ ثمّ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ وأمّا ذكره لعقوبة الدنيا والآخرة ففي سورة: ﴿ ﯺ ﯻ ﯼ ﴾ فذكر القيامة مطلقًا، ثمّ قال: ﴿ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ قال: ﴿ ).138/28 الفتاوى،)1( .)139/28 مجموع الفتاوى،)2(

عدد الصفحات ٤٠١

402شيخُ الإسلام ابن تيمية ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﴾ إلى قوله: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜﯽ ﯾ ﴾ إلى قـوله تعالى: ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎﮏ ﮐ﴾، ثمّ ذكـر المبدأ والمعاد مفصلاً فقال: ﴿ ﮇ ﮈ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ﴿ ﴾ إلى آخر ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ السورة. ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ وكذلك ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﴾.ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﭮ كذلك ﴾ إلى تمام ما ذكره من أمر الجنة ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ والنار. وكذلك في سورة القلم؛ ذكر قصة أهل البستان الذين منعوا حقّ أموالهم، وما عاقبهم به، ﴾.ﯚ ﯛﯜ ﯝ ﯞ ﯟﯠ ﯡ ﯢ ﯣثمّ قال: ﴿ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ كذلك ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥﮦ ﮧ ﮨﮩ ﮪ ﮫ ﴾.ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ﴾، ثمّ قال: ﴿ ﮬ وكذلك في سورة وكذلك كذلك .)1(ذلك ممّا ) وما بعدها بتصرف يسير.139/28 الفتاوى،)1(

عدد الصفحات ٤٠٢

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 403 صورُ هلاكِ الأمم في القرآن الكريم ، وذكر الله تفصيلاً لهذا الهلاك حتى - عز وجل -تنوّعت صور الهلاك للأمم في كتاب الله تكون أحوالهم عبرة لمن يأتي بعدهم، فلا يصدر منهم ما يكون سببًا لهلاكهم، كما كانت الأمم ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ البائدة، ومن هذه الأمم: ثمود حيث أهلكهم الله بالصيحة، قال تعالى: ﴿ ] 9﴾ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ الكتاب العزيز، يخبر الله- سبحانه- عن إهلاك المخالفين للرسل ونجاة أتباع المرسلين؛ ولهذا يذكر- سبحانه- في سورة الشعراء قصّة موسى وإبراهيم ونوح وعاد وثمود ولوط وشعيب، ﭿ ﮀ ﮁ ويذكر لكلّ نبي إهلاكه لمكذبيهم، والنجاة لهم ولأتباعهم، ثمّ يختم القصة بقوله: ﴿ ﴾، فختم القصة باسمين من أسمائه ﮂﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ تقتضيها تلك الصفة ﴿وهو العزيز الرحيم﴾ فانتقم من أعدائه بعزّته وأنجى رسله وأتباعهم . )1(برحمته ويقول شيخُ الإسلام- رحمه الله- موضّحًا هذا التنوع ذنوبهم وجرائمهم، فعذّب قوم عاد بالريح الشديدة العاتية التي لا يقوم لها شيء، وعذّب قوم لوط بأنواع من العذاب لم يعذب بها أمّة غيرهم، فجمع لهم بين الهلاك والرّجم بالحجارة من السماء وطمس الأبصار وقلب ديارهم عليهم؛ بأن جعل عاليها سافلها والخسف بهم إلى أسفل سافلين، وعذّب قوم شعيب بالنار التي أحرقتهم وأحرقت تلك الأموال التي اكتسبوها بالظلم والعدوان، وأمّا ثمود فأهلكهم بالصيحة فماتوا في الحال. فإذا كان هذا عذابه لهؤلاء وذنبهم مع الشرك عقر الناقة التي جعلها الله آية لهم، فمَن انتهك محارم الله واستخفّ بأوامره ونواهيه وعقر عباده وسفك دماءهم كان أشدّ عذابًا. ومَن اعتبر أحوال العالم قديماً وحديثًا، وما يعاقب به مَن يسعى في الأرض بالفساد وسفك الدماء بغير حقّ وأقام الفتن واستهان بحرمات الله علم أنّ النجاة في الدنيا والآخرة للذين آمنوا .)2(وكانوا يتقون ).98/19 الفتاوى،)1( )250/16 الفتاوى،)2(

عدد الصفحات ٤٠٣

404شيخُ الإسلام ابن تيمية مِن أسباب هلاك الأمم: تنوّعت أسبابُ هلاك الأمم في القرآن الكريم، ومنها: - الشرك والذنوب.1 مخالفة الرسل وتكذيبهم- 2 الظلم بشتى صوره وأنواعه- 3 الفساد بألوانه المتعدّدة - 4 الانحراف عن منهج ا- 5 لقد ارتبطت كلّ أمّة من الأمم التي أهلكها الله بذنبٍ لم يسبق أحد إليه غيرها، وجمعوا مع ذلك الشرك، ]15﴾ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ والتكبر والتوسع في الدنيا وشدة البطش، وقولهم: ﴿ أصحاب مدين مع الشرك الظلم في الأموال، وفي قوم فرعون الفساد في الأرض والعلو؛ لذلك كان عذابهم على ذنوبهم من جنس أعمالهم. ويذكر شيخُ الإسلام أسباب الهلاك بصورة أكثر تفصيلاً في موضع آخر فيقول الله علينا أخبار الأمم المكذّبة للرسل، وما صارت إليه عاقبتهم، وأبقى آثارهم وديارهم عبرةً لمَن بعدهم وموعظة، وكذلك مسخ من مسخ قردة وخنازير لمخالفتهم لأنبيائهم، وكذلك من خسف به، وأرسل عليه الحجارة من السماء وأغرقه في اليم، وأرسل عليه الصيحة، وأخذه بأنواع العقوبات، وإنما ذلك بسبب مخالفتهم للرسل وإعراضهم عماّ جاءوا به، واتخاذهم أولياء من دونه. وهذه سنتُه- سبحانه- فيمَن خالف رسله وأعرض عماّ جاءوا به واتبع غير سبيلهم؛ ولهذا أبقى الله- سبحانه- آثار المكذبين لنعتبر بها ونتّعظ؛ لئلاّ نفعل كما فعلوا فيصيبنا ما أصابهم. ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ كما قال تعالى: ﴿ ] 35،34﴾ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ

عدد الصفحات ٤٠٤

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 405 ﴾ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆﮇ ﮈ ﮉ ﴿ ﴾، وقال- ﮈ ﮉ] 138-136 ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯتعالى- في مدائن قوم لوط: ﴿ ]76-74﴾ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ .9﴾. الروم ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ تعالى: ﴿ وهذا كثيرٌ في الكتاب العزيز يخبر الله- سبحانه- عن إهلاك المخالفين للرسل، ونجاة أتباع المرسلين؛ ولهذا يذكر- سبحانه- في سورة الشعراء قصة موسى وإبراهيم ونوح وعاد وثمود ولوط وشعيب، ويذكر لكلّ نبي إهلاكه لمكذبيهم، والنجاة لهم ولأتباعهم، ثمّ يختم القصة ﴾، فختم القصة ﭿ ﮀ ﮁ ﮂﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍبقوله: ﴿ ﴾ فانتقم من أعدائه بعزته، وأنجى ﮌ ﮍباسمين من أسمائه تقتضيها تلك الصفة وهو ﴿ .)1(رسله وأتباعهم برحمته ومن سنّته- تعالى- أنه لا يعذّبُ إلاّ بذنب: يرى الشيخ أنّ هذا مِن سنن الله- تعالى- في إهلاك الأمم فيقول ﴾ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑموضعٍ أنّ الله لم يهلك أحدًا ولم يعذّبه إلاّ بذنب، فقال هنا: ﴿ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅﰆ ]79[ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ]165﴾ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﮭ ﮮ ﴾، وقال- تعالى- في سورة الشورى- أيضًا: ﴿ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﯠ ﯡ ﯢ ] 48﴾ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ .)2(»]50﴾ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ *** ).98/19 الفتاوى،)1( .)424/14 الفتاوى،)2(

عدد الصفحات ٤٠٥

406شيخُ الإسلام ابن تيمية المبحثُ الثّلاثون سنّةُ الله في بقاء الأمم المقصود ببقاء الأمم هو التّمكين لها في الأرض ونجاتها ممّا حلّ بالأمم الماضية من العذاب، وتحوي في طيّاتها البركة والنماء والاستمرار، كما يعني الاستخلاف في الأرض، قال ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ تعالى: ﴿ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅﮆ ﮇ ]55﴾ﮈ ﮉ ﮊ ﮋﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗﯘ ﴿ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ]128﴾ﯙ ﯚ ]105﴾ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ وإذا تتبّعنا الآيات القرآنية الكريمة وجدنا بوضوح أنهّا تدلّ على أن الله- تعالى- له في بقاء الأمم وفنائها سننٌ ثابتة لا تتغيرّ ولا تتبدّل، وتتّبع شيخ الإسلام هذه الآيات الكريمة وغيرها، وتناول السّننية فيها فيما نعرضه في الصفحات الآتية: أسبابُ بقاء الأمم: عرض شيخُ الإسلام سنةَ الله في بقاء الأمم مبينًا ذلك بمقابلتها بأسباب الهلاك، فذكرَ ، وقوم إبراهيم، وذكر - عليه السلام-مثالين للأمم التي أراد لها البقاء والخير مثل: قوم يوسف ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ الآيات؛ ففي قصة يوسف - عليه السلام - ذكر قوله تعا ﮃ ﮄ ﮅ ﮆﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ] 57-56﴾ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ] 148﴾ﯿ ﴾ﯻﯼ ﯽ ﯾ ﯿﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ]42،41 .)1(﴾ﮥ ﮦ ).140/28 الفتاوى،)1(

عدد الصفحات ٤٠٦

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 407 ونلمح ممّا سبق أهم الصفات التي ساعدت تلك الأمم على البقاء من: التقوى والعمل الصالح والصبر على الابتلاء، وحسن توكلهم على الله تعالى. ولقد ذكر شيخُ الإسلام أسبابَ هلاك الأمم بعد استعراضه لفضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأسبابها وشروطها وفضلها، وبينّ أنها وسيلة للقضاء على الذنوب التي هي السبب الأساس لهلاك الأمم، ممّا يفهم ضمنًا أنّ من أسباب بقاء الأمم التي وضّح الشيخ الأخذ بالأمر بالمعـروف والنهي عن المنكر فهـو سببٌ من أسباب خيرية هذه الأمّة المحمـدية؛ لقوله تعالى: .. ﴾؛ لذلك ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﴿ .- عز وجل -يستبين لنا أنّ من أسباب بقاء الأمم الأعمال الصالحة والإيمان بالله وكما جاء سابقًا العدل وترك الظلم؛ حيث ذكر شيخُ الإسلام أن الله يبقى مع الأمّة العادلة ولو كانت كافرة، ويهلك الأمم الظالمة ولو كانت مؤمنة، من خلال الآيات التي ذكرها في قصة يوسف وقصة إبراهيم- عليهما السلام- نجد أنّ من أسباب بقاء الأمم تتمثل: في الأخذ ، وصفة الإحسان التي وصفت بها هذه الأمم.- عز وجل -بالصبر وحسن التوكل على الله كما كان من صفات الأمم الهالكة عدم الإيمان بالله، واقتراف المعاصي والسيئات، والشح والطغيان والظلم، وممّا ذكر شيخ الإسلام في هلاك الأمم في موضع آخر الشح حيث ذكر كما في الصحيحﷺ حديث النبي .)1(فبخلوا، وأمرهم بالظلم فظلموا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا ومن أسباب البقاء- أيضًا: التقوى يقول شيخ الإسلام عاقبة، والعاقبة وإن كانت في الآخرة فتكون في الدنيا- أيضًا؛ كما قال- تعالى- لمّا ذكر قصة ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋﮌ ﮍ نوح ونجاته بالسفينة: ﴿ ، 48﴾ﮦﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﴾ إلى قوله: ﴿ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ .)2(»]49 *** .)144/28 الفتاوى،)1( .)163/28 الفتاوى،)2(

عدد الصفحات ٤٠٧

408شيخُ الإسلام ابن تيمية المبحثُ الحادي والثلاثون سنّةُ الله في التغيير معنى التغيير: غيرّ بمعنى: بدّل، وتغيرّ الشيء عن حاله: تحوّل، وغيره: حوّله وبدله، كأنه جعله غير ما ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞﭟ كان، وفي التنزيل العزيز: ﴿ ]53﴾ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ الاسم من التغيير، وغير الدهر أحواله المتغيرة، وورد في حديث الاستسقاء .)1(حال إلى حال، وانتقالها من الصلاح إلى الفساد واستعمل القرآن كلمةَ التغيير بمعنى الدلالة على الانتقال من المعنى الإيجابي إلى المعنى السلبي، ومن النعمة إلى النقمة، ومن الأمن إلى إنزال العقوبة، وذلك في الآيات المتحدّثة عن ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ عالم الشهادة الذي هو موطن التكليف والعمل، ومنه قوله تعالى: ﴿ ]59﴾ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﯩ ﯪ ﯫﯬ ﯭ ﯮ ﯯﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶﯷ ﯸ وقوله تعالى: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞﭟ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ]53،52﴾ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ إنّ تغيرّ المجتمعات والأمم من حالٍ إلى حال ظاهرة مشاهدة يشهد لها التاريخ، ويؤكّدها الواقع الذي نعيشه؛ فالمجتمعات لا تبقى على حال واحدة، بل دائمة التغير من حالٍ إلى حال. وتأتي للدّلالة على الانتقال من المعنى السلبي إلى المعنى الإيجابي، ومن دفع النّقمة إلى جلب النعمة، ومن إنزال العقوبة إلى طلب الأمن، وذلك في الآيات المتحدّثة عن عالم الغيب، الذي ).107/11 لسان العرب لابن منظور،)1(

عدد الصفحات ٤٠٨

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 409 ﭜ ﭝ ﭞ ﭟﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ هو موطن الحساب والجزاء، مثل قوله تعالى: ﴿ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ]53َ﴾ﭸ ﭹ ﭺﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ وخلاصة مفهوم التغيير في القرآن يدلّ على الانتقال الكلي من المحمود إلى المذموم، ومن الأمن إلى العقوبة، وهذا التغيير هو التغيير الجذري الذي هو من باب العقوبة، أمّا التغيير ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼﯽ النسبي (الإصلاح) فجاء في قوله تعالى: ﴿ في قولهﷺ ] 88ُ﴾ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ .)1(الأخلاق وإذا كان هذا التغير ظاهرة اجتماعية ملموسة، فإن هذا التغيير لا بدّ له من قانون يضبطه، وسنة يسير عليها، فلا يمضي جزافًا، ويخبط خبط عشواء! فهذا الكون له سنن تضبطه، وله جعل لكل شيء تعالىقوانين تحكمه، فلا يتغير من حال إلى حال إلاّ وفق سنة من سنن الله؛ فالله ]49﴾ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ قدرًا، وكل شيء عنده بمقدار، كما قال- عزّ مِن قائل: ﴿ فأبانَ- سبحانه- في هذه الآية سنتَه العامّة الشاملة لكلّ ما خلق، فنظام تحديد مقادير العناصر والصفات نظام مطرد في كلّ ما خلق الله، وهو نظام لا استثناء فيه. ]2﴾ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ قال سبحانه: ﴿ العامّة في الخلق التي سبق أن أعلنها في سورة القمر، وأضاف هنا الإشارة إلى الإحكام والدّقة ﴾، وأضاف أنّ عمليات الخلق متلاحقة بإحكام ﯯ ﯰ التّامة والتقدير إذ قال هنا: ﴿ ﴾، وإذا كان ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ التقدير كما هي مبدوءة بإحكام التقدير، كما في سورة القمر ﴿ كلّ شيء عند الله بمقدار، وقد جعل لكلّ شيء قدرًا، وخلق كلّ شيء فقدره تقديرًا، فأي تغيير في مقادير الأجزاء والعناصر والشروط لشيء ما، عماّ هي عليه عند الله وفي سنته التي أبانها ) بتصرف، والحديث في السنن الكبرى 42-40 التغيير وبناء الأمّة الوسط، د/ المثنى عبد الفتاح، ص )1( .)323/10للبيهقي،

عدد الصفحات ٤٠٩

410شيخُ الإسلام ابن تيمية لنا، أو مـا خلق الله أو جعله؛ ينتج تغييرًا في صفـات ذلك الشيء وآثـاره، مصداقًا لقولـه ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟﯠ ﯡ تعالى: ﴿ ﯩ ﯪ ﯫﯬ ﯭ ﯮ ﯯﯰ ] 11﴾ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ]53-52﴾ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ الآيتين يقرّر- سبحانه- سنّة من سننه، وهي أنه يغيرّ ما بالقوم نتيجةَ تغييرهم لما في نفوسهم، وقد وضع ذلك في صيغة قانون ثابت لا يتخلف ولا يحابي ولا يظلم، تترتّب مشيئة الله بالبشر على تصرف هؤلاء البشر، وأن تنفذ فيهم سنته بناءً على تعرضهم لهذه .)1(السنة بسلوكهم ولقد اهتمّ شيخُ الإسلام- رحمه الله- بالتغير الذي يصيب الناس سواء كان حسنًا أو سيئًا، ويبينّ الطرق والمناهج التي يجب على الناس سلوكها لحدوث التغيير الحسن الذي يجعلهم في ، فيمنحهم السعادة والهناء في الدنيا، ثمّ النجاة والجنة في الآخرة. - عز وجل -رضى الله ووضّح في كثيرٍ مِن كتبه أحوال النفس وكيفية التعامل معها، وكان ذلك واضحًا في سننِ الله في الأنفس عند شيخ الإسلام ابن تيمية؛ حيث التغيير لا يكون تغييرًا إلاّ إذا عالج خلجاتِ النفس ودقائقها، ووضح وسائل التغيير، وأهميته في حياة الناس، وسنوضّح ذلك: - تعريف التغيير:1 « الحوادث؛ فإن الناس لا يقولون للشمس والقمر والكواكب إذا تحركت: إنهّا قد تغيرّت، و يقولون للإنسان إذا تكلم ومشى: إنه تغير، ولا يقولون إذا طاف وصلى وأمر ونهى وركب: إنه تغير، إذا كان ذلك عادته، بل إنما يقولون: تغير لمَن استحال مِن صفة إلى صفة؛ كالشمس إذا زال نورها ظاهرًا لا يقال: إنها تغيرت، فإذا اصفرت قيل: تغيرت. ).8-5/2 السنن الإلهية في الحياة الإنسانية،)1(

عدد الصفحات ٤١٠

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 411 وكذلك الإنسان إذا مرض أو تغيرّ جسمه بجوع أو تعب قيل: قد تغير، وكذلك إذا تغيرّ خلقه ودينه مثل أن يكون فاجرًا فينقلب ويصير بارًّا، أو يكون بارًّا فينقلب فاجرًا فإنه يقال: قد تغيرّ. متغيرًا لمّا رأى منه أثر الجوع، ولم يزل يراه يركع ﷺوفي الحديث: رأيت وجهَ رسول الله ويسجد. فلم يسمّ حركته تغيرًا، وكذلك يقال: فلان قد تغير على فلان إذا صار يبغضه بعد المحبّة، فإذا كان ثابتًا على مودّته لم يسمّ هشته إليه وخطابه له تغيرًا، وإذا جرى على عادته في أقواله ﴾، ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖوأفعاله فلا يقال: إنه قد تغير، قال الله- تعالى: ﴿ ومعلوم أنهم إذا كانوا على عادتهم الموجودة يقولون ويفعلون ما هو خير لم يكونوا قد غيروا ما بأنفسهم، فإذا انتقلوا عن ذلك فاستبدلوا بقصد الخير قصد الشر، وباعتقاد الحقّ اعتقاد الباطل قيل: قد غيروا ما بأنفسهم، مثل مَن كان يحبّ الله ورسوله والدار الآخرة فتغيرّ قلبُه وصار لا .)1(يحبّ الله ورسوله والدار الآخرة، فهذا قد غيرّ ما في نفسه - أنواع التغيير:( إنّ التغيير الذي يحدثه اللهُ بالأمم على ضرَبينْ: تغيير من نعمة إلى النقمة، كما دلّت عليه آيتا الأنفال والرعد؛ حيث وردتا في سياق تغيير النعمة إلى نقمة، وزادت على ذلك آية سورة ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ الأنفال بما فيه من التصريح بهذا المعنى؛ حيث قال الله- تعالى: ﴿ ﴾.ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ وتغييرٌ من النقمة إلى النعمة، ويدل عليه آية سورة الرعد: ﴿ ﴾؛ حيث وردت في التغيير بصورة عامة، أي: من كلا الجانبين إلى الآخر، فكلمة ﯔ ﯕ ﯖ ﴾ الواردة في هذه الآية تفيد العموم. ﯕ﴿ ويشهد لذلك واقع الأمم؛ فكم من أمّة كانت في نقمة فغير الله ما بها من نقمة إلى نعمة حين غيرّوا ما بأنفسهم، فالعرب قبل الإسلام كانوا أمّة ذليلة لا أحد يحفل بهم فأعزّهم الله ).250-249/6 الفتاوى،)1(

عدد الصفحات ٤١١

412شيخُ الإسلام ابن تيمية بالإسلام، كما قال عمر ا : - عز وجل- حدّثه عن ربّه فقال ﷺ، أنّ الرسول - رضي الله عنه -وعن علي وعزتي وجلالي وارتفاعي فوق عرشي، ما من أهل قرية، ولا من أهل بيت، ولا رجل باد كانوا على ما كرهت من معصيتي، ثمّ تحولوا عنها إلى ما أحببت من طاعتي إلاّ تحوّلت لهم عماّ يكرهون من عذابي إلى ما يحبّون من رحمتي وتغيير الله ما بالقوم من نقمةٍ إلى نعمة ومن شرّ إلى خير قد يكون إذا غيروا جميعًا ما بأنفسهم، وقد يكون هذا التغيير مرهونًا بفئةٍ منهم تصلح ما بأنفسها وتستجيب لهدي ربهّا، فيكون صلاح هذه الفئة طريقًا لصلاح المجتمع كله حيث يمكنهم من هذا الإصلاح، ويهيئ نفوس الناس إلى قبول ما يدعون إليه من خير وصلاح. والنّصّ يفيد أن بإمكان قوم أن يبقوا في عزٍّ ونعمة من الله، ويقول في ذلك الشيخ المراغي: « فما دامت هذه الشئون ثابتة لهم متمكنة فيهم كانت تلك النعم ثابتة لهم، والله لا ينتزعها بغ .)1(ظلم ولا جرم يقول شيخُ الإسلام: التغيير نوعان الذمّ والعقاب. والثاني: أن يغيرّوا الإيمان الذي في قلوبهم بضدّه من الريب والشك والبغض، ويعزموا على ترك فعل ما أمر الله به ورسوله، فيستحقون العذاب هنا على ترك المأمور، وهناك على فعل المحظور. وكذلك ما في النفس ممّا يناقض محبة الله والتوكل عليه والإخلاص له والشكر له يعاقب عليه؛ لأنّ هذه الأمور كلها واجبة، فإذا خلي القلب عنها واتصف بأضدادها؛ استحقّ العذاب .)2(على ترك هذه الواجبات ).14/2 السنن الإلهية في الحياة الإنسانية،)1( .)109/14 الفتاوى،)2(

عدد الصفحات ٤١٢

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 413 منهجُ شيخِ الإسلام ابن تيمية في التغي لعلّ أهمّ ملامح المنهج التغييري والإصلاحي لدى شيخ الإسلام يتلخّص في النقاط الآتية: ﴾، لذلك ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ- إصلاح النفس، يقول الله- تعالى: ﴿1 اهتمّ الشيخ بمعرفة النفس الإنسانية وخصائصها وأمراضها، وبينّ ذلك ووضّحه في كث من كتاباته؛ لأنّ بها مناط التغيير، ولا يكون إلاّ عن طريقها كما وضّحت الآية؛ فوضح .)1(أنواعها وصفاتها :- عز وجل -الاستعانة بالله - 2 يقول شيخُ الإسلام- رحمه ا ﯦ ﯧﯨ قلبه ولا يزيغه، ويثبته على الهدى والتقوى، ولا يتبع الهوى، كما قال تعالى: ﴿ ﯩ ﯪ ﯫﯬ ﯭ ﯮ ﯯﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷﯸ ﯹ ﯺ »]15﴾ﯻﯼ ﯽ ﯾ ﯿ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:3 يرى شيخُ الإسلام أنّ القيام بهذا الحقّ هو أهم وسائل التغيير؛ فإن النفس مجبولةٌ على أنها لو رأت غيرها يهتمّ بالخير وكان في نفسها ذلك الخير ضعيفًا؛ قويت لما رأت مَن يقوم بنفس فعلها، ويثبتها عليه، وقد سبق الحديث عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الشيخ. - الإصلاح عن طريق دعوة الناس إلى الخير:4 وضع شيخُ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- منهاجًا لدعوة الناس إلى الخير ليظهر فيه فهمَه لنفوس الناس، وطرق إصلاحها، ويظهر ذلك جليًّا في إظهاره كيفية التعامل مع الناس عندما ندعوهم إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، فذكر شيخ الإسلام- رحمه الله- أنّ التعامل مع ).148-147،21/28 انظر: (مصنفات النفس) الفتاوى،)1(

عدد الصفحات ٤١٣

414شيخُ الإسلام ابن تيمية الناس لا بدّ أن يكون طبقًا لطبيعتهم ونفوسهم، معلّلاً ذلك بأنّ مِن الناس مَن إذا نصحته يترك ما لديه من الفضل إلى ما هو أفضل منه، لا يستطيع أن يفعل الأفضل ولا ما هو أفضل منه. ويرى- أيضًا- أنّ مِن الناس مَن يضرّ إذا سلك طريقًا من سبل السلام الإسلامية أن يرى غيره أفضل منها؛ لأنه يتشوّف إلى الأفضل، فلا يقدر عليه، والمفضول يعرض عنه. لذلك فإنّه ليس من مصلحته أن يعرف أفضل من طريقته، إذا كان يترك طريقته ولا يسلك تلك، فليس- أيضًا- مِن الحقّ أنْ يعتقد أنّ طريقته أفضل من غيرها، بل مصلحته أنْ يسلك تلك الطريقة المفضية إلى رحمة الله- تعالى. ويبينّ في ذلك أنّ النصيحة أو هذا العمل الدعوي مبني على أربعة أصول في معالجة النفس: الأول: معرفة مراتب الحقّ والباطل والحسنات والسيئات والخير والشر؛ ليعرف خير الخيرين وشرّ الشرّين. والثاني: معرفة ما يجب من ذلك وما لا يجب، وما يستحبّ من ذلك وما لا يستحب. الثالث: معرفة شروط الوجوب والاستحباب من الإمكان والعجز، وأن الوجوب والاستحباب قد يكون مشروطًا بإمكان العلم والقدرة. والرابع: معرفة أصناف المخاطبين وأعيانهم؛ ليؤمر كلّ شخص بما يصلحه، أو بما هو أصلح ، وينهى بما ينفع نهيه عنه، ولا يؤمر بخير يوقعه فيما هو شرّ من ﷺله من طاعة الله ورسوله .))1((المنهي عنه مع الاستغناء عنه - المبادرةُ بفعل الطاعات وترك السيئات:5 يقول شيخُ الإسلام والعبادات، وهذه الأمور ممّا تعظم بها المحنة على المؤمنين؛ فإنهم يحتاجون إلى شيئينْ: إلى دفع الفتنة التي ابتلي بها نظراؤهم من فتنة الدين والدنيا عن نفوسهم مع قيام المقتضي لها؛ فإن معهم ) بتصرف.433/14 انظر: مجموع الفتاوى،)1(

عدد الصفحات ٤١٤

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 415 نفوسًا وشياطين كما مع غيرهم، فمع وجود ذلك من نظرائهم يقوى المقتضي عندهم، كما هو الواقع؛ فيقوى الداعي الذي في نفس الإنسان وشيطانه، وما يحصل من الداعي بفعل الغير والنظير. فكم ممّن لم يردْ خيرًا ولا شرًّا حتى رأى غيره- لا سيما إن كان نظيره- يفعله ففعله؛ فإنّ الناس كأسراب القطا؛ مجبولون على تشبه بعضهم ببعض. : (مَن ﷺولهذا كان المبتدئ بالخير والشرّ له مثلُ مَن تبعه من الأجر والوزر، كما قال النبي سنّ سنة حسنة فله أجرها وأجر مَن عمل بها إلى يوم القيامة مِن غير أن ينقص مِن أجورهم شيئًا، ومَن سنّ سنّة سيئة فعليه وزرها ووزر مَن عمل بها إلى يوم القيامة مِن غير أن ينقص مِن ؛ وذلك لاشتراكهم في الحقيقة، وإن حكم الشيء حكم نظيره، وشبه الشيء )1(أوزارهم شيئًا مُنجذب إليه، فإذا كان هذان داعيين قويين فكيف إذا انضمّ إليهما داعيان آخران؟ وذلك أنّ كثيرًا من أهل المنكر يحبّون من يوافقهم على ما هم فيه، ويبغضون مَن لا يوافقهم، وهذا ظاهرٌ في الديانات الفاسدة مِن موالاة كلّ قوم لموافقيهم، ومعاداتهم لمخالفيهم. وكذلك في أمور الدنيا والشهوات كثيرًا ما يختارون ويؤثرون من يشاركهم إمّا للمعاونة على ذلك كما في المتغلّبين من أهل الرّياسات وقطاع الطريق ونحوهم، وإمّا بالموافقة كما في المجتمعين على شرب الخمر؛ فإنهم يختارون أن يشرب كلّ من حضر عندهم، وإمّا لكراهتهم امتيازه عنهم بالخير، إمّا حسدًا له على ذلك؛ لئلاّ يعلو عليهم بذلك ويحمد دونهم، وإمّا لئلاّ يكون له عليهم حجة، وإمّا لخوفهم من معاقبته لهم بنفسه، أو بمَن يرفع ذلك إليهم؛ ولئلاّ ﮎ ﮏ ﮐ يكونوا تحت منَّتِه وخطره ونحو ذلك من الأسباب، قال الله- تعالى: ﴿ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ]109﴾ﮠ ﮡ ﮢﮣ ودت الزانية لو زنى - رضي الله عنه -] 89﴾ﮄ ﮅ .)2(النساء كلهن ).240 /9 شعب الإيمان،)1( .)151-149/28 الفتاوى،)2(

عدد الصفحات ٤١٥