المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

شيخ الإسلام بن تيمية و جهوده في تفسير القرآن الكريم تطبيقا على آيات السنن الربانية

وفاء عبد العظيم عبد الوهاب محمد

صفحة ٢٤ من ٢٨

384شيخُ الإسلام ابن تيمية الناس إلى رشدهم وتنبيههم إلى مواطن الخير والسبق، وهذه رحمة الله بعباده وتكريمه لهم، يقول شيخُ الإسلام في هذه السنة مبينًا قدرها ونهي، ولا بدّ أن يأمر وينهى حتى لو أنّه وحده لكان يأمر نفسه وينهاها؛ إمّا بمعروف وإمّا ]53﴾ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙبمنكر؛ كما قال تعالى: ﴿ وإرادته؛ والنهي طلب الترك وإرادته، ولا بدّ لكلّ حي من إرادة وطلب في نفسه يقتضي بهما فعل نفسه، ويقتضي بهما فعل غيره إذا أمكن ذلك؛ فإن الإنسان حي يتحرك بإرادته، وبنو آدم لا يعيشون إلاّ باجتماع بعضهم مع بعض، وإذا اجتمع اثنان فصاعدًا فلا بدّ أن يكون بينهما ائتمار بأمر وتناهٍ عن أمر؛ ولهذا كان أقلّ الجماعة في الصلاة اثنين؛ كما قيل: الاثنان فما فوقهما جماعة؛ لكن لما كان ذلك اشتراكًا في مجرد الصلاة حصل باثنين أحدهما إمام والآخر مأموم، كما قال ، )1( لمالك بن الحويرث وصاحبه: (إذا حضرت الصلاة فأذّنا وأقيما؛ وليؤمّكما أكبركﷺالنبي (لا يحلّ لثلاثة يكونون قال: ﷺوكانا متقاربين في القراءة، وأمّا الأمور العادية ففي السنن أنه »)2(في سفر إلاّ أمروا عليهم أحدهم وهذا كما أن كلّ بشر فإنه حي متحرك بإرادته همام حارث فمن لم تكن نيته صالحة وعمله عملاً صالحًا لوجه الله، وإلاّ كان عملاً فاسدًا أو لغير وجه الله وهو الباطل، كما قال تعالى: ﴿ ﭑ ﭒ ]4﴾ﮣ ﮤ ﮥ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ]1﴾ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈﮉ ﮊ ﴾ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ]39﴾ﮋ ﮌ ]23[ وقد أمـر الله في كتابه بطاعته وطاعة رسوله وطاعة أولي الأمر من المؤمنين، كما قال تعا ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﴿ »]59﴾ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ).132/1 صحيح البخاري،)1( .)227/11 مسند أحمد،)2(

عدد الصفحات ٣٨٤

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 385 ووضّح معنى أولي الأمر فقال الناس؛ وذلك يشترك فيه أهل اليد والقدرة وأهل العلم والكلام؛ فلهذا كان أولو الأمر صنفين: العلماء، والأمراء. فإذا صلحوا صلحَ الناس وإذا فسدوا فسد الناس؛ كما قال أبو بكر للأحمسية لمّا سألته: ما بقاؤنا على هذا الأمر؟ قال: ما استقامت لكم - رضي الله عنه -الصديق أئمتكم، ويدخل فيهم الملوك والمشايخ وأهل الديوان؛ وكلّ مَن كان متبوعًا فإنّه من أولي الأمر، وعلى كلّ واحدٍ من هؤلاء أنْ يأمر بما أمر الله به، وينهى عماّ نهى عنه، وعلى كلّ واحدٍ ممّن عليه رضي الله عنه طاعته أنْ يطيعه في طاعة الله، ولا يطيعه في معصية الله، كما قال أبو بكر الصديق حين تولىّ أمر المسلمين وخطبهم؛ فقال في خطبته: أيهّا الناس، القوي فيكم الضعيف عندي حتى آخذَ منه الحقّ، والضعيف فيكم القوي عندي حتى آخذ له الحقّ، أطيعوني ما أطعت الله .)1(فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم أحوالُ الناس في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: يتنوّع الناس في قيامهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فنجد أنّ الناس (ثلاثة أقسام: قوم لا يقومون إلاّ في أهواء نفوسهم؛ فلا يرضون إلاّ بما يعطونه، ولا يغضبون إلاّ لما يحرمونه؛ فإذا أعطي أحدهم ما يشتهيه من الشهوات الحلال والحرام زال غضبه، وحصل رضاه، وصار الأمر الذي كان عنده منكرًا- ينهى عنه ويعاقب عليه، ويذمّ صاحبه ويغضب عليه- مرضيًّا عنده، وصار فاعلاً له وشريكًا فيه، ومعاونًا عليه، ومعاديًا لمَن نهى عنه وينكر عليه. وهذا غالبٌ في بني آدم يرى الإنسان ويسمع من ذلك ما لا يحصيه، وسببه: أنّ الإنسان ظلوم جهول؛ فلذلك لا يعدل، بل ربّما كان ظالمًا في الحالين يرى قومًا ينكرون على المتوليّ ظلمه لرعيته واعتداءه عليهم، فيرضى أولئك المنكرون ببعض الشيء فينقلبون أعوانًا له، وأحسن أحوالهم أن يسكتوا عن الإنكار عليه، وكذلك تراهم ينكرون على مَن يشرب الخمر ويزني ويسمع الملاهي حتى يدخلوا أحدهم معهم في ذلك، أو يرضوه ببعض ذلك، فتراه قد صار عونًا لهم. ).171،170/28 الفتاوى،)1(

عدد الصفحات ٣٨٥

386شيخُ الإسلام ابن تيمية وهؤلاء قد يعودون بإنكارهم إلى أقبح من الحال التي كانوا عليها، وقد يعودون إلى ما هو دون ذلك أو نظيره. وقوم يقومون ديانة صحيحة يكونون في ذلك مخلصين لله، مصلحين فيما عملوه، ويستقيم لهم ذلك حتى يصبروا على ما أوذوا. وهؤلاء هُم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهُم من خير أمّة أخرجت للناس: يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله. وقوم يجتمع فيهم هذا وهذا، وهُم غالب المؤمنين، فمَن فيه دين وله شهوة تجتمع في قلوبهم إرادة الطاعة وإرادة المعصية، وربما غلب هذا تارة وهذا تارة. وهذه القسمة الثلاثية كما قيل: الأنفس ثلاث: أمّارة، ومطمئنة، ولوّامة. فالأوّلون هُم أهل الأنفس الأمّارة التي تأمره بالسوء، والأوسطون هُم أهل النفوس ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ المطمئنة التي قيل فيها: ﴿ ]30-27﴾ﭮ ﭯ ﭰ .)1(تلوم عليه، وتتلون تارة كذا، وتارة كذا، وتخلط عملاً صالحًا وآخر سيئًا سنّةُ الله في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنهّا مصحوبةٌ بالابتلاء: إنّ الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر لا بدّ له من الابتلاء والمِحن ممّا يجعل المرء يتعرّض للفتنة، لذلك كان لا بدّ له من أخلاقيّات يلتزم بها حتى يستطيع أن يحمي نفسه من هذه الفتن، يقول شيخُ الإسلام مبيّنًا ذلك في أوقات المِحن والفتن الشديدة؛ فإنهم يحتاجون إلى صلاح نفوسهم، ودفع الذنوب عن نفوسهم عند المقتضي للفتنة عندهم، ويحتاجون- أيضًا- إلى أمْر غيرهم ونهيه بحسب قدرتهم، وكلّ مِن هذين الأمرين فيه من الصعوبة ما فيه، وإن كان يسيرًا على مَن يسّه الله عليه. ).148،147/28 الفتاوى،)1(

عدد الصفحات ٣٨٦

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 387 وهذا لأنّ الله أمر المؤمنين بالإيمان والعمل الصالح، وأمرهم بدعوة الناس وجهادهم ع ﭺ ﭻ ﭼ ﭽﭾ ﭿ ﮀ ﮁ الإيمان والعمل الصالح، كما قال الله- تعالى: ﴿ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﭥ ﭦ ﭧ ]41-40﴾ﮏ ﮐ ﮑﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﰓ ﰔ ]51﴾ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﴾ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ]21﴾ﰕ ﰖ ﰗﰘ ﰙ ﰚ ﰛ ﰜ .)1(»]173[ أحوالُ الناس في التّعامل مع الفتن التي تلقاهم حالَ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تختلف أحوالُ الناس في تحمّل ما يصيبهم من البلاء حالَ الأمر والنهي، يوضّح الشيخ هذا التباين فيرى أنّ زعموا، ويكون فعلُهم ذلك أعظم فتنة؛ كالمقتتلين في الفتنة الواقعة بين الأمّة. وأقوام ينكلون عن الأمر والنهي والقتال الذي يكون به الدين كله لله، وتكون كلمة الله هي العليا لئلاّ يفتنوا، وهُم قد سقطوا في الفتنة، وهذه الفتنة المذكورة في سورة براءة دخل فيها الافتتان بالصور الجميلة؛ فإنها سبب نزول الآية، وهذه حال كثير من المتدينين يتركون ما يجب عليهم من أمر ونهي وجهاد يكون به الدين كله لله وتكون كلمة الله هي العليا؛ لئلاّ يفتنوا بجنس الشهوات؛ وهُم قد وقعوا في الفتنة التي هي أعظم ممّا زعموا أنهم فرّوا منه، وإنما الواجب عليهم القيام بالواجب وترك المحظور، وهما متلازمان؛ وإنما تركوا ذلك لكوْن نفوسهم لا تطاوعهم إلاّ على فعلهما جميعًا أو تركهما جميعًا، مثل كثيرٍ ممّن يحبّ الرئاسة أو المال وشهوات الغي؛ فإنه إذا فعل ما وجب عليه من أمر ونهي وجهاد وإمارة ونحو ذلك فلا بدّ أن يفعل شيئًا من المحظورات، فالواجب عليه أن ينظر أغلب الأمرين، فإن كان المأمور أعظم أجرًا من ترك ذلك المحظور لم يترك ذلك لما يخاف أن يقترن به ما هو دونه في المفسدة، وإن كان .)2(ترك المحظور أعظم أجرًا لم يفوّت ذلك برجاء ثواب بفعل واجب يكون دون ذلك ).165/28 الفتاوى،)1( .)167،166/28 الفتاوى،)2(

عدد الصفحات ٣٨٧

388شيخُ الإسلام ابن تيمية المبحثُ الثّامن والعشرون سنّةُ الله عز وجل في المحبّة والكراهية ومِن طبيعة النّفس الحبّ والكره، ولكن الإسلام يعرّف النفس أي شيء تحبّ، وأي شيء تكره، فيوقع في النفس حبّ الذات، ولكن بقدر محدود لا يطغى بحيث يصير عبدًا لشهواته وللذاته وللدنيا، ويوقع عليه الحبّ لله؛ لأنه الودود الرحيم المنعم. ويجعل النفس تحبّ الكون بما يوقع عليها مِن أنّ هذا الكون مخلوق لله، وأنهما عبدان لله، وأن هذا الكون مسخَّر لخدمة الإنسان. ثمّ يجعل الحبّ للمؤمنين فيدفعه إلى السعي على مصالحهم ومنافعهم. ثمّ يوقع على وتر حبّ جنس الإنسان؛ لأنه من مخلوقات الله، والآيات والأحاديث التي ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ جاءت تبينّ هذه المعاني كثيرة نورد بعضها: ﴿ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ]31﴾ﭷ ﭸﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ]165﴾ﮅ ﮆ ﮇﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ومن الأحاديث كقوله .)1(لقاءه وأمّا الكره فهو لكلّ ما ورد خارج طاعة الله سواء كان شيطانًا جنيًّا أو إنسيًّا، ويوجه الإسلام طاقة الكره الفكرية إلى كره الظلم بجميع أنواعه .)2(نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا ﴾ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖﮗوالعدوان شرّ ينبغي أن يكره ويقاوم ﴿ ]194[ .)201 /8 مسند أحمد، ت: شاكر)1( .)1994 /4 صحيح مسلم،)2(

عدد الصفحات ٣٨٨

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 389 ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗوالاعتداء على الضعفاء في الجماعة ينبغي أن يكرَه ويقاوم ﴿ ]75﴾ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ]191﴾ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜوفتنة الناس عن دينهم شرّ ينبغي أن يكره ويقاوم ﴿ ]193﴾ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ﴿ والإفساد في الأرض ومحاربة الله ورسوله، والصدّ عن سبيله شرّ ينبغي أن يكره وأن يقاوم. والفواحش ما ظهرَ منها وما بطن شرّ ينبغي أن يقاوم، وكلّ انحراف عن سبيل الله شرّ ينبغي أن يقاوم ويكره، وجماع الشرّ كلّه الشيطان، وهو الذي يتمثّل فيه الشرّ كله، وهو الذي يدعو إلى كلّ شرّ، ومن ثمّ ينبغي أن توجّه له طاقة الكره كاملة، وتُعلَن عليه حربٌ لا هوادة فيها ولا تسليم! والمؤمن بكلّ طاقاته مجنّد حياته كلها لدفع الشرّ، ومحاولة التغلب عليه، وبذلك يتوازن الحبّ والكره، ويصدر عن كلّ وتر منهما نغمة الصحيح. ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ والإسلام يوافق الفطرة في هذا فيعترف بالدّوافع: ﴿ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮰ ]14﴾ﮱ ﯓ ﯔ ﯕﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ الحياة وما يتفرع عنه من دافع حفظ الذات وحفظ النوع، ودافع القتال عن الذات، أو القتال عن الغير، ودافع الملك، ودافع التميز والبروز. ولكن لا يترك لهذه الدوافع العنان، بل يضبطها بضوابط لتستقيم الحياة، وإلاّ لساقت هذه الدوافع الإنسان إلى الدمار والهلاك، فمهمّة العقيدة والقيم الإسلامية هي ضبط هذه الدوافع .)1(حتى لا تصل إلى حدّ التهور والدمار ).90-86/2 السنن الإلهية في الحياة الإنسانية، د/ شريف الشيخ صالح أحمد الخطيب،)1(

عدد الصفحات ٣٨٩

390شيخُ الإسلام ابن تيمية لو نظرنا إلى جميع الأفعال الموجودة في هذا الكون ستجد وراءها إمّا بغضًا لهذا الفعل، أو محبّة له، وما كان من خلاف ذلك كان من لوازم أفعال أخرى، يقول شيخُ الإسلام موضّحًا هذا المعنى ويبغضها هو لما في ذلك من المحبوب أو اللذة يجدها بالدّفع، فيقال: شفى صدره وقلبه، والشفاء والعافية بمحبوب. والمحبة والإرادة تكون إمّا بواسطة، وإمّا بغير واسطة مثل فعله للأشياء التي يكرهها كشرب الدواء والمكروه، وفعل الأشياء المخالفة لهواه وصبره ونحو ذلك. فإنّ هذه الأمور وإنْ كانت مكروهة من بعض الوجوه فإنما يفعل- أيضًا- لمحبّة وإرادة، وإن لم تكن المحبّة لنفسها بل المحبّة لملازمها، فإنه يحبّ العافية والصحة المستلزمة لإرادة شرب ﯪ الدواء، ويحبّ رحمة الله ونجاته من عذابه المستلزم لإرادة ترك ما يهواه، كما قال تعالى: ﴿ ]40﴾ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ يحبّه ويهواه، لكن يترك أضعفهما محبّة لأقواهما محبّة كما يفعل ما يكرهه لما محبّته أقوى من كراهة .)1(ذلك، وكما يترك ما يحبّه لما كراهته أقوى من محبة ذلك المحبّةُ والإرادة أصلان للبغض والكراهية: « .)2(علة أسبابُ البغض: « الحبّ للشيء، فإنه قد يكون لنفسه لا لأجل منافاته للبغض، وبغض الإنسان وغضبه ممّا يضادّ .)3(وجود محبوبه ومانع ومستلزم لا يكره عليه، ونجد قوة البغض للنافي أشدّ وأحْوط ).8 قاعدة في المحبة، ص)1( .)8 قاعدة في المحبة، ص)2( .)8 قاعدة في المحبة، ص)3(

عدد الصفحات ٣٩٠

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 391 الحبّ في الله والبغضُ في الله رأسُ الإيمان يقول شيخُ الإسلام- رحمه ا .)1(من أحبّ لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله؛ فقد استكمل الإيمان المحبّة المحمودة والمحبّة المذمومة: المحبّة المحمودة: التي أمر الله بها وخلق خلقه لأجلها هي ما في عبادته وحده لا شريك له؛ إذ العبادة متضمّنة لغاية الحبّ بغاية الذّل، والمحبّة التي تليق به- سبحانه- هي العبادة والإنابة .)2(ونحوهما ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ المحبّة المذمومة: هي المحبّة التي دخل فيها الشرك، كما قال تعالى: ﴿ ﴾. ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ولهذا كان هذا الحبّ أعظم الأقسام المذمومة في المحبّة، كما أن حبّ الله أعظم الأنواع .)3(المحمودة السعادةُ والنعيم لأصحاب المحبّة المحمودة، والشقاءُ لأصحاب المحبّة المذمومة: إنّ الشرك بالله هو أعظمُ أقسام الحبّ المذمومة؛ فهو أصل الشقاء ورأسه الذي لا يبقي في العذاب إلاّ أهله. أمّا أصحاب المحبّة المحمودة من أهل التوحيد الذين أحبّوا الله وعبدوه وحده لا شريك له فلا يبقى منهم في العذاب أحد، والذين اتخّذوا من دونه أندادًا يحبّونهم كحبّه وعبدوا غيره هُم ]48﴾ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨأهل الشرك الذين قال الله- تعالى- فيهم: ﴿ وجماعُ القرآن هو الأمر بتلك المحبّة ولوازمها، والنهي عن هذه المحبّات ولوازمها، وضرب الأمثال والمقاييس للنوعين، وذكر قصص أهل النوعين. ).9 قاعدة في المحبة، ص)1( .)10 قاعدة في المحبة، ص)2( .)11 قاعدة في المحبة، ص)3(

عدد الصفحات ٣٩١

392شيخُ الإسلام ابن تيمية ]59﴾ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ وأصل دعوة جميع المرسلين قولهم: ﴿ وعلى ذلك قاتلَ مَن قاتل منهم المشركين، كما قال خاتم الرسل يشهدوا أن لا إله إلاّ الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم .)1(إلاّ بحقّها وحسابهم على ا ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ قال الله- تعالى: ﴿ ﴾ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ]13[ قال-رضي الله عنه -ولهذا قال في الحديث المتّفق عليه في الصحيحين، عن أنس بن مالك ، وفي رواية في الصحيح)2(« كان فيه ثلاث: أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه ممّا سواهما، وأن يحبّ المرء لا يحبّه إلاّ لله، وأن يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله كما يكره أن يلقى في النار وفي الصحيح عن أنس- أيضًا، عن النبي قال . )3(أكون أحبّ إليه من ولده ووالده والناس أجمع وفي صحيح البخاري أنّ عمر قال: يا رسولَ الله، والله لأنت أحبّ إليّ من كلّ شيء إلاّ من نفسي. فقال .)4(أحبّ إلي من نفسي. قال آثارُ وتوابع المحبّة: يقول شيخُ الإسلام- رحمه ا إرادة ومحبّة صدر، ولهذا كانت المحبّة والإرادة مُنقسمة إلى: محبوب لله وغير محبوب، كما أنّ العمل والحركة منقسم كذلك. ).14 /1 صحيح البخاري،)1( .)12/1 صحيح البخاري،)2( .)67/1 صحيح مسلم،)3( .)43/4)، وانظر الحديث في الجامع الصحيح للسنن والمسانيد،13،12،11 قاعدة في المحبة، ص)4(

عدد الصفحات ٣٩٢

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 393 وإذا كان كذلك فالمحبّة لها آثار وتوابع سواء كانت صالحة محمودة نافعة، أو كانت غ ذلك، لها وجْدٌ وحلاوة وذوق ووصال وصدود، ولها سرور وحزن وبكاء. والمحبّة المحمودة هي المحبّة النافعة، وهي التي تجلب لصاحبها ما ينفعه وهو السعادة، والضارة هي التي تجلب لصاحبها ما يضرّه وهو الشقاء، ومعلوم أنّ الحي العالم لا يختار أن يحبّ ما يضرّه، لكن يكون ذلك عن جهل وظلم؛ فإنّ النفس قد تهوى ما يضرّها ولا ينفعها، وذلك ظلم منها لها، وقد تكون جاهلة بحالها به بأنْ تهوى الشيء وتحبّه بلا علم منها بما في محبّته من المنفعة والمضرّة وتتبع هواها، وهذا حال مَن اتّبع هواه بغير علم. وقد يكون عن اعتقادٍ فاسد، وهو حال مَن اتّبع الظنّ وما تهوى نفسه، وكلّ ذلك من أمور الجاهلية، وإن كان كلّ من جهلها وظلمها لا يكاد يخلو عن شبهة يشتبه بها الحقّ، وشهوة هي في الأصل محمودة إذا وضعت في محلّها كحال الذي يحبّ لقاء قريبِه؛ فإن هذا محمود، وهو أصل صلة الرحم التي هي شجنة من الرحمن. لكن إذا اتّبع هواه حتى خرج عن العدل بين ذوي القربى وغيرهم كان هذا ظلماً، كما ﭒ ]152قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ ﴾ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ]135 وكذلك الذي يحبّ الطعام والشراب والنساء فإن هذا محمود، وبه يصلح حال بني آدم، ولولا ذلك لما استقامت نفس الأنساب، ولا وجدت الذرية، ولكن يجب العدل والقصد ]31﴾ﭙ ﭚ ﭛ ﭜﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ في ذلك، كما قال تعالى: ﴿ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ وكذلك: ﴿ ]7،6﴾ﭺ ﭻ ﭼ .)1(بحسب ظلمه وعدوانه ).17،16 قاعدة في المحبة، ص)1(

عدد الصفحات ٣٩٣

394شيخُ الإسلام ابن تيمية الأهواءُ المذمومة: عدّد شيخُ الإسلام صورًا من الأهواء المذمومة، منها: - الآراءُ المخالفة للسنّة والشريعة في مسائل الاعتقاد الخبرية ومسائل الأحكام العملية، وسمّى 1 أهلها: أهل الأهواء؛ لأنّ الرأي المخالف للسنة جهلٌ لا علم، ويؤكّد على ذلك بدليلٍ من القرآن حيث يذكر الله في القرآن مَن يتّبع هواه بغير علم، ويذمّ من يتبع هواه بغير هدي من الله، ]50﴾ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸكما قال تعالى: ﴿ ]119﴾ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰتعالى: ﴿ وكلّ مَن اتبع هواه اتبعه بغير علم؛ إذ لا علم بذلك إلاّ بهدى الله الذي بعث به رسله، كما ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ قال تعالى: ﴿ ﴾، ولهذا ذمّ الله الهوى في ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ .)1(مواضع من كتابه ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ - واتباع الهوى يكون في الحبّ والبغض، كقوله تعالى: ﴿ 2 ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ]26﴾ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ قال تعالى: ﴿ ﭟﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮﭯ ﭰ ﭱ ﭲ .)2(]135﴾ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ نهى النبيُّ عن اتّباع أهواء الخلق: ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠﭡ ﭢ قال تعالى: ﴿ ] 120﴾ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ اتباع أهواء الذين أوتوا الكتاب بعد ما جاءهم من العلم. ).19 قاعدة في المحبة، ص)1( .)20،19 قاعدة في المحبة، ص)2(

عدد الصفحات ٣٩٤

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 395 ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨوكذلك قال- تعالى- في آية أخرى: ﴿ ]49﴾ﯩ ﯪ ﯫﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ وقال تعالى: ﴿ ﴾ ﮠﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ]150[ فقد نهاه عن اتّباع أهواء المشركين، واتباع أهواء أهل الكتاب، وحذره أن يفتنوه عما أنزل ا إليه من الحقّ، وذلك يتضمّن النهي عن اتباع أهواء أحد في خلاف شريعته وسنته، وكذا أهل الأهواء من هذه الأمّة. ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ وقد بينّ ذلك في قوله تعالى: ﴿ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱﯓ ﯔ ﯕ ]19،18﴾ﯖ فقد أمره في هذه الآية باتّباع الشريعة التي جعله عليها، ونهاه عن اتباع ما يخالفها، وهي أهواء الذين لا يعلمون. .)1(ولهذا كان كلّ مَن خرج عن الشريعة والسنة مِن أهل الأهواء كما سماهم السلف وأخيرًا يقول شيخُ الإسلام ملخّصًا ما في هذه السنة بكلام رائع وعمل في العالم فأصلها المحبّة والإرادة، وكلّ محبّة وإرادة لا يكون أصلها محبّة الله وإرادةَ وجهه فهي باطلةٌ فاسدة؛ كان كلّ عمل لا يُراد به وجهه باطلاً، فأعمال الثقلين الجنّ والإنس منقسمة؛ منهم مَن يعبد الله ومنهم مَن لا يعبده، بل قد يجعل معه إلهًا آخر، وأمّا الملائكة فهم عابدون لله. وجميعُ الحركات الخارجة عن مقدور بني آدم والجن والبهائم فهي من عمل الملائكة وتحريكها لما في السماء والأرض وما بينهما، فجميع تلك الحركات والأعمال عبادات لله مُتضمنة ) بتصرف.22،21،20 انظر: قاعدة في المحبة، ص)1(

عدد الصفحات ٣٩٥

396شيخُ الإسلام ابن تيمية لمحبّته وإرادته وقصده، وجميع المخلوقات عابدة لخالقها، إلاّ ما كان من مردَة الثقلين، وليست عبادتها إيّاه قبولها لتدبيره وتصريفه وخلقه، فإنّ هذا عام لجميع المخلوقات حتى كفار بني آدم، فلا يخرج أحدٌ عن مشيئته وتدبيره، وذلك بكلمات الله التي كان النبي يستعيذ بها فيقول: (أعوذ بكلمات الله التامّات التي لا يجاوزهن برّ ولا فاجر)، وهذا من عموم ربوبيّته وملكه. وهذا الوجه هو الذي أدركه كثيرٌ من أهل النظر والكلام حتى فسّوا ما في القرآن والحديث من عبادة الأشياء وسجودها وتسبيحها بذلك، وهُم غالطون في هذا التّخصيص شرعًا وعقلاً- أيضًا؛ فإنّ المعقول الذي لهم يعرفهم أنّ كلّ شيء وكلّ مُتحرك وإنْ كان له مبدأ فلا بدّ له من غاية ومنتهى، كما يقولون: لها علّتان، فاعلية وغائية، والذي ذكروه إنّما هو من جهة العلة .)1(الفاعلية، وبعض المخلوقين كذلك يجعلونه من جهة العلة الغائية، وهذا غلط ذكر الشيخ- رحمه الله- آراءَ الفلاسفة وردّ عليها، ثمّ ذكر بعد ذلك استنتاجًا وهو إذا كانت المحبّة والإرادة أصل كلّ عمل وحركة، وأعظمها في الحقّ محبّة الله وإرادته بعبادته وحده لا شريك له، وأعظمها في الباطل أن يتّخذ الناس من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله، ويجعلون له عدلاً وشريكًا؛ علم أنّ المحبة والإرادة أصل كلّ دين، سواء كان دينًا صالحًا أو دينًا فاسدًا؛ فإنّ الدين هو من الأعمال الباطنة والظاهرة، والمحبّة والإرادة أصل ذلك كلّه، والدين هو الطاعة والعبادة والخلق، فهو الطّاعة الدائمة اللازمة التي قد صارت عادة وخلقًا بخلاف الطاعة مرّة واحدة، ولهذا فسّ الدين بالعادة والخلق، ويفس الخلق بالدين- أيضًا- كما ] 4﴾ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ في قوله تعالى: ﴿ عنه سفيان بن عيينة، وأخذه الإمام أحمد عن سفيان بن عيينة وبذلك فساه، وكذلك يفس .)2(بالعادة ويقول- أيضًا وكلّ أحد همام حارث له حبّ وبغض لا يخلو الحي عنهما، وعمله يتبع حبّه وبغضه، ثمّ قد ).23-22 قاعدة في المحبة، ص)1( .)32-31 انظر: قاعدة في المحبة، ص)2(

عدد الصفحات ٣٩٦

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 397 يكون ذلك في أمور هي له عادة وخلق، وقد يكون في أمور عارضة لازمة؛ علم أنّ كلّ طائفة من بني آدم لا بدّ لهم من دين يجمعهم؛ إذْ لا غني لبعضهم عن بعض، وأحدهم لا يستقل بجلب منفعته ودفع مضرته، فلا بدّ من اجتماعهم، وإذا اجتمعوا فلا بدّ أن يشتركوا في اجتلاب ما ينفعهم كلهم مثل: طلب نزول المطر، وذلك محبتهم له، وفي دفع ما يضرهم مثل عدوهم، وذلك بغضهم له، فصار ولا بدّ أن يشتركوا في محبة شيء عام وبغض شيء عام، وهذا هو دينهم المشترك العام. وأمّا اختصاص كلّ منهم بمحبة ما يأكله ويشربه وينكحه وطلب ما يستره باللباس فهذا يشتركون في نوعه لا في شخصه، بل كلّ منهم يحب نظير ما يحبه الآخر لا عينه، بل كلّ منهم لا ينتفع في أكله وشربه ونكاحه ولباسه بعين ما ينتفع به الآخر، بل بنظيره. وهكذا هي الأمور السماوية في الحقيقة، فإنّ عين المطر الذي ينزل في أرض هذا ليس هو عينَ الذي ينزل في أرض هذا، ولكن نظيره ولا عين الهواء البارد الذي يصيب جسد أحدهم قد .)1(لا يكون نفس عين الهواء البارد الذي يصيب جسد الآخر، بل نظيره لكنّ الأمور السماوية تقع مشتركة عامّة، ولهذا تعلّق حبّهم وبغضهم بها عامّة مشتركة بخلاف الأمور التي تتعلّق بأفعالهم كالطعام واللباس، فقد تقع مختصة، وقد تقع مشتركة. وإذا كان كذلك فالأمور التي يحتاجون إليها يحتاجون أن يوجبوها على أنفسهم، والأمور التي تضرّهم يحتاجون أن يحرموها على نفوسهم وذلك دينهم، وذلك لا يكون إلاّ باتفاقهم على ذلك وهو التعاهد والتعاقد؛ ولهذا جاء في الحديث ، فهذا هو من الدين المشترك بين جميع بني آدم من التزام واجبات ومحرمات، وهو الوفاء )2(له والعهد، وهذا قد يكون باطلاً فاسدًا إذا كان فيه مضرّة لهم راجحة على منفعته، وقد يكون دينًا ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ حقًّا إذا كانت منفعة خاصة أو راجحة، كما قال تعالى: ﴿ ).35 قاعدة في المحبة، ص)1( .)471/6 السنن الكبرى للبيهقي،)2(

عدد الصفحات ٣٩٧

398شيخُ الإسلام ابن تيمية ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ .)1(﴾ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ « وطاعة لا يكون لله فهو باطل، فكل دين سوى الإسلام فهو باطل، وأيضًا- فلا بدّ لكل حي من محبوب هو منتهى محبته وإرادته، وإليه تكون حركة باطنه وظاهره، وذلك هو إلهه، ولا يصلح ذلك إلاّ لله وحده لا شريك له، فكلّ ما سوى الإسلام فهو باطل. والمتفرّقون- أيضًا- فيه الذين أخذ كلّ منهم ببعضه وترك بعضه، وافترقت أهواؤهم قد برئ الله ورسوله منهم، ولا بدّ في كلّ دين وطاعة ومحبّة مِن شيئين: أحدهما: الدين المحبوب المطاع، وهو المقصود المراد. والثاني: نفس صورة العمل التي تطاع ويعبد بها، وهو السبيل والطريق والشريعة والمنهاج والوسيلة. ﴾ قال: أخلصه ﭰ ﭱ ﭲ ﭳكما قال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: ﴿ وأصوبه. قالوا: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إنّ العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة. فهكذا كان الدين يجمع هذين الأمرين المعبود والعبادة، والمعبود إله واحد، والعبادة طاعته ﴾ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅﮆوطاعة رسوله، فهذا هو دين الله الذي ارتضاه، كما قال تعالى: ﴿ ] 3[ .)2(غيره؛ لأنه دين فاسد باطل كمن عبد مَن لا تصلح عبادته، أو عبد بما لا يصلح أن يعبد به وموضوع الحبّ والكراهية يحوي تحتَه كثيرًا من العناوين التي لا يمكن استقصاؤها في هذه الرسالة، ومن هذه العناوين: تفاوت الناس في الحبّ والكراهية، وكيف يتبدّل الحبّ بالكراهية ).36 قاعدة في المحبة، ص)1( .)40،39 قاعدة في المحبة، ص)2(

عدد الصفحات ٣٩٨

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 399 .)1(والعكس أيضًا- إن كلّ محبة وكراهية لا بدّ أن يتبعها لذّة وألم؛ ففي نيل المحبوب لذّة، وفراقه يكون فيه ألم، وفي نيل المكروه ألم، وفي العافية فيه تكون لذّة، فاللذة تكون بعد إدراك المشتهى، والمحبّة .)2(تدعو إلى إدراكه .)3(أصل الإيمان العملي هو حبّ الله- تعالى- ورسوله، وحبّ الله أصل التوحيد العم ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ أصلُ الإشراك العملي بالله الإشراك في المحبّة، قال تعالى: ﴿ .)4(﴾ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ إنّ الحبّ يوجب المجاهدة ومحبة الجهاد؛ لأنه من أحبّ الله وأحبّه الله أحبّ ما يحبّه الله، وأبغض ما يبغضه الله، ووالى مَن يواليه الله، وعادى مَن يعاديه الله، لا تكون محبّة قط إلاّ وفيها ذلك بحسب قوّتها وضعفها؛ فإنّ المحبّة توجب الدّنو من المحبوب، والبعد عن مكروهاته، .)5(\ومتى كان مع المحبّة نبذ ما يبغضه المحبوب؛ فإنها تكون تامّة *** ) وما بعدها.50 انظر: السابق، ص)1( ) وما بعدها60 قاعدة في المحبة، ص)2( .)68 السابق: ص)3( .)70،69 السابق: ص)4( ) وما بعدها89 السابق: ص)5(

عدد الصفحات ٣٩٩