المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

شيخ الإسلام بن تيمية و جهوده في تفسير القرآن الكريم تطبيقا على آيات السنن الربانية

وفاء عبد العظيم عبد الوهاب محمد

صفحة ٢٣ من ٢٨

368شيخُ الإسلام ابن تيمية المبحثُ الخامسُ والعشرون سنّةُ الله في شانئ الرسول ، أي: مُبغضه وكارهه وذامّه ومنتقصه، وهذه سنة الله- تعالى- ﷺومعني شانئ الرسول ؛ فهو يمثل للأمّة القدوة والمعلم ﷺالماضية في كلّ مَن يحاول الانتقاص من مقام النبي والمربي. بتر شانئ رسوله من كلّ خير، فيبتر ذكره وأهله وماله، عز وجليقول شيخُ الإسلام فيخس ذلك في الآخرة، ويبتر حياته فلا ينتفع بها، ولا يتزود فيها صالحًا لمعاده، ويبتر قلبه فلا يعي الخير، ولا يؤهله لمعرفته ومحبته والإيمان برسله، ويبتر أعماله فلا يستعمله في طاعة، ويبتره من الأنصار فلا يجد له ناصرًا ولا عونًا، ويبتره من جميع القرب والأعمال الصالحة فلا يذوق لها طعماً، ولا يجد لها حلاوة، وإن باشرها بظاهره فقلبه شارد عنها. ، ورده لأجل هواه أو متبوعه أو شيخه أو ﷺوهذا جزاء مَن شنأ بعض ما جاء به الرسول أميره أو كبيره. كمَن شنأ آيات الصفات وأحاديث الصفات وتأوّلها على غير مراد الله ورسوله منها، أو حملها على ما يوافق مذهبه ومذهب طائفته، أو تمنى أن لا تكون آيات الصفات أنزلت ولا .ﷺأحاديث الصفات قالها رسول الله ومن أقوى علامات شناءته لها وكراهته لها أنه إذا سمعها حين يستدل بها أهل السنة على ما دلّت عليه من الحقّ اشمأز من ذلك، وحاد ونفر عن ذلك؛ لما في قلبه مِن البغض لها، والنفرة عنها، فأي: شانئ للرسول أعظم من هذا. وكذلك أهل السماع الذين يرقصون على سماع الغناء والقصائد والدفوف والشبابات إذا سمعوا القرآن يتلى ويقرأ في مجالسهم استطالوا ذلك واستثقلوه، فأي شنآن أعظم من هذا.

عدد الصفحات ٣٦٨

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 369 وقسْ على هذا سائر الطوائف في هذا الباب وكذا مَن آثر كلام الناس وعلومهم على القرآن والسنة، فلولا أنه شانئ لما جاء به الرسول ما فعل ذلك، حتى إن بعضهم لينسى القرآن بعد أن حفظه ويشتغل بقول فلان وفلان. ولكن أعظم مَن شنأه وردّه من كفر به وجحده وجعله أساطير الأولين، وسحرًا يؤثر، فهذا أعظم وأطمّ انبتارًا، وكلّ من شنأه له نصيب من الانبتار على قدر شناءته له، فهؤلاء لمّا شنئوه بضدّ ذلك، ﷺوعادوه جازاهم الله بأن جعل الخير كله معاديًا لهم فبترهم منه، وخصّ نبيّه وهو أنه أعطاه الكوثر، وهو من الخير الكثير الذي آتاه الله في الدنيا والآخرة، فمماّ أعطاه في الدنيا الهدى والنصر والتأييد وقرة العين والنفس وشرح الصدر ونعم قلبه بذكره وحبّه بحيث لا يشبه نعيمه نعيماً في الدنيا ألبتة، وأعطاه في الآخرة الوسيلة والمقام المحمود، وجعله أول مَن يفتح له ولأمّته باب الجنة، وأعطاه في الآخرة لواءَ الحمد والحوض العظيم في موقف القيامة إلى غير ذلك. وجعل المؤمنين كلّهم أولاده وهو أبٌ لهم، وهذا ضد حال الأبتر الذي يشنؤه ويشنأ ما جاء به. ﴾، أي: مبغضك، والأبتر: المقطوع النسل الذي لا يولد له خير ﮎ ﮏوقوله: ﴿ ولا عمل صالح، فلا يتولد عنه خير ولا عمل صالح. ، أو تردّه لأجل هواك، ﷺفالحذر الحذر- أيهّا الرجل- مِن أن تكره شيئًا ممّا جاء به الرسول أو انتصارًا لمذهبك، أو لشيخك، أو لأجل اشتغالك بالشهوات، أو بالدنيا؛ فإن الله لم يوجب على أحدٍ طاعة أحدٍ إلاّ طاعة رسوله، والأخذ بما جاء به، بحيث لو خالف العبد جميع الخلق واتبع الرسول ما سأله الله عن مخالفة أحد، فإن من يطيع أو يطاع إنما يطاع تبعًا للرسول، وإلاّ لو أمر بخلاف ما أمر به الرسول ما أطيع. فاعلم ذلك واسمع وأطعْ واتّبع، ولا تبتدع تكن أبترَ مردودًا عليك عملك، بل لا خير في .)1(عمل أبتر من الاتباع، ولا خير في عامله، والله أعلم ).529-526/16 الفتاوى،)1(

عدد الصفحات ٣٦٩

370شيخُ الإسلام ابن تيمية وفي موضع آخر يقول شيخُ الإسلام: (فمن شنأ شيئًا ممّا جاء به الرسول- صلى الله عليه وسلم- فله من ذلك نصيب؛ فإنّ ما أكرم الله به نبيّه من سعادة الدنيا والآخرة فللمؤمنين المتابعين نصيبٌ بقدر إيمانهم. فما كان من خصائص النبوة والرسالة فلم يشارك فيه أحدٌ من أمّته . )1(وما كان مِن ثواب الإيمان والأعمال الصالحة فلكلّ مؤمن نصيب بقدر ذلك سنّةُ الله في متّبع الرسول: وهكذا نجد سُننّ الله- تعالى- الماضية في شانئ الرسول، وما تمضي سننه في شانئه تبدو سننه في متّبعه في كفاية الله له وحفظه وتنوير قلبه بالبصيره والفراسة الصائبة، يحدثنا عن هذا شيخُ ﴾ (الأنفال: ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽالإسلام عند تفسير قوله تعالى: ﴿ )، فيذكر أن معنى حسبك الله (أي الله كافيك وكافي من اتبعك من المؤمنين، فلو كانت 64 كفايته للمؤمنين المتبعين للرسول سواء اتبعوه أو لم يتّبعوه لم يكن للإيمان واتباع الرسول ثمّ أثر في هذه الكفاية ولا كان لتخصّصهم بذلك معنى، وكان هذا نظير أن يقال هو خالقك وخالق من اتبعك من المؤمنين، ومعلوم أنّ المراد خلاف ذلك، وإذا كان الحسب معنى يختص به بعض [ ﴾ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬﮭ ﴿الناس علم أن قول المتوكّل حسبي الله، وقوله تعالى ]3الطلاق على العمل بوعدٍ أو خصّ أهلَه بكرامة؛ فلا بدّ أن يكون بين وجود ذلك العمل وعدمه فرق في حصول تلك الكرامة، وإن كان قد يحصل نظيرها بسبب آخر فقد يكفي الله بعضَ مَن لم يتوكل عليه كالأطفال لكن لا بدّ أن يكون للمتوكل أثرٌ في حصول الكفاية الحاصلة للمتوكلين، فلا .)2(يكون ما يحصل من الكفاية بالتوكل حاصلاً مطلقًا وإن عدم التوكل وممّا يؤكّد أن الاتّباع ينير بصيرة القلب قوله: (كلّ مَن وافق الرسولﷺ في أمر خالف فيه ﴾ فإن ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜغيره؛ فهو من الذين اتبعوه في ذلك، وله نصيب من قوله: ﴿ 38 صـ28 مجموع الفتاوى، جـ)1( .)89 /1 جامع الرسائل لابن تيمية)2(

عدد الصفحات ٣٧٠

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 371 المعية الإلهية المتضمنة للنصر هي لما جاء به إلى يوم القيامة، وهذا قد دلّ عليه القرآن، وقد رأينا .)1(من ذلك وجرّبنا ما يطول وصفه ﮩ ﮪ ﴿ويقول أيضًا: (وذكر- سبحانه- آية النور عقيب آيات غضّ البصر، فقال: وكان شاه بن شجاع الكرماني لا تخطئ له فراسة، وكان يقول: مَن عمر ﴾ﮫ ﮬ ظاهره باتباع السّنة وباطنه بدوام المراقبة، وغضّ بصره عن المحارم، وكفّ نفسه عن الشهوات، وذكر خصلة خامسة وهي أكلُ الحلال؛ لم تخطئ له فراسة. والله تعالى يجزي العبدَ على عمله بما هو من جنس عمله؛ فغضّ بصره عماّ حرم يعوّضه الله عليه من جنسه بما هو خير منه فيطلق نور .)2(بصيرته ويفتح عليه باب العلم والمعرفة والكشوف، ونحو ذلك ممّا ينال ببصيرة القلب *** 37 صـ28 مجموع الفتاوى، جـ)1( .258\257 صـ21 مجموع الفتاوى، جـ)2(

عدد الصفحات ٣٧١

372شيخُ الإسلام ابن تيمية المبحثُ السّادس والعشرون من سُنن الله- تعالى- في المخلوقات أنْ خلقهم أزواجًا وأقرانًا مِن سنّته- سبحانه- في المخلوقات أنْ خلقهم أزواجًا وأقرانًا، وهذه سنّة ربانية ثابتة هو عز وجل ومطردة، لا يتخلّف عنها كائن من الكائنات، يقول الشيخ في ذلك وحده الواحد الأحدُ المختصّ بالوحدانية دون سواه، تنزه عن كلّ ما يكون طبعًا في مخلوقاته ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ]4-1﴾ﭢ إليه المخلوق من الآدميّين والبهائم والملائكة والجن، بل والنبات ونحو ذلك؛ فإنّه ما من شيء من المخلوقات إلاّ ولا بدّ أن يكون له شيء يناسبه: إمّا أصل وإمّا فرع وإمّا نظير أو اثنان من ذلك أو ثلاثة، وهذا في الآدميّين والجن والبهائم ظاهر، وأمّا الملائكة فإنهم وإنْ لم يتوالدوا بالتناسل ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ فلهم الأمثال والأشباه؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿ ]50-49﴾ﰃ ﰄ ﰅ .)1(الأزواج واحد سنّةُ الله في خلق الناس درجات: لقد منّ الله على بني آدم أنّه خلقهم ورزقهم وفاضَلَ بينهم في الرزق، ورفع بعضهم فوق بعض درجات، وسخّرهم لبعضهم البعض؛ حتى يعمر الكون، وينتفع الناس بما خلقه الله لهم مِن نعم، فيعبدوه حقّ عبادته. ومن الأشياء التي يتفاضل بها الناس العلم، يقول شيخ الإسلام من يشاء في قصة مناظرة إبراهيم، وفي قصة احتيال يوسف، ولهذا قال السلف: بالعلم؛ فإن سياق الآيات يدلّ عليه، فقصّة إبراهيم في العلم بالحجة والمناظرة لدفع ضرر الخصم عن ).439/2 الفتاوى،)1(

عدد الصفحات ٣٧٢

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 373 الدين، وقصّة يوسف في العلم بالسياسة والتدبير لتحصل منفعة المطلوب، فالأول علم ب يدفع المضارّ في الدين، والثاني علم بما يجلب المنافع، أو يقال: الأول هو العلم الذي يدفع المضرّة عن الدين ويجلب منفعته، والثاني علمٌ بما يدفع المضرّة عن الدنيا ويجلب منفعتها ويواصل شيخُ الإسلام حديثه مبيّنًا أنّ هذين الصّنفين من قصر عن علمهما أصبح مقهورًا لهما، فتارة بالاحتياج إليهم إذا هجم عدوّ يفسد الدين بالجدل، أو الدنيا بالظلم، وتارة بالاحتياج إليهم إذا هجم على أنفسهم مِن أنفسهم ذلك، وتارة بالاحتياج إليهم لتخليص بعضهم مِن شرّ بعض في الدين والدنيا، وتارة يعيشون في ظلهم في مكان ليس فيه مبتدع يستطيل عليهم ولا والٍ يظلمهم وما ذاك إلاّ لوجود علماء الحجج الدامغة لأهل البدع والسياسة الدافعة للظلم. صنفان إذا صلحوا صلحَ الناس: العلماء والأمراء، وكما أنّ المنفعة فيهما فالمضرّة منهما؛ فإنّ البدع والظلم لا تكون إلاّ فيهما: أهل الرياسة العلمية، وأهل الرياسة القدرية، ولهذا قال طائفة من السلف كالثوري وابن عيينة وغيرهما ما معناه: إنّ مَن نجا من فتنة البدع وفتنة السلطان؛ . )1(فقد نجا مِن الشرّ كله *** ).494/14 الفتاوى،)1(

عدد الصفحات ٣٧٣

374شيخُ الإسلام ابن تيمية المبحثُ السّابع والعشرون سنّةُ الله في الأنفس للنّفس البشرية أسرارٌ كثيرة، منها ما اكتشفه العلم، ومنها ما يعرفه الناس بالعُرف والخبرة، ومنها ما أخبرنا عنه القرآن الكريم؛ ولله في هذه الأنفس سنن لا تتبدّل ولا تتحوّل، فطرها الله عليها ولا تصلح إلاّ بمراعاتها، وقد عُني شيخ الإسلام عناية خاصة في معظم كتبه بها مبيّنًا أن سعادة الإنسان وصلاحه لا يتمّ إلاّ بالاهتمام بهذه السنن وتطبيقها، وأن نحسن التعامل مع النفوس كما أمرنا الله حتى نظفر بسعادة الدنيا والآخرة. ولقد تعدّدت سننُ الله في الأنفس فهي بمثابة سنّة كليّة تحوي تحتها سننًا جزئية ومنها: جعل الغيرةَ صفةً لازمة للنفس الإنسانية: يقول شيخُ الإسلام في ذلك مبينًا أنّ الله قد جعل الغيرة في نفس بني آدم لازمة لهم قد جعل في نفوس بني آدم من الغيرة ما هو معروف؛ فيستعظم الرجل أن يطأ الرجل امرأته أعظم من غيرته على نفسه أن يزني، فإذا لم يكره أن تكون زوجته بغيًّا وهو ديوث كيف يكره أن يكون هو زان، ولهذا لم يوجد من هو ديوث أو قواد يعفّ عن الزنا؛ فإن الزاني له شهوة في نفسه، والديوث ليس له شهوة في زنا غيره، فإذا لم يكن معه إيمان يكره به زنا غيره بزوجته كيف يكون معه إيمان يمنعه من الزنا، فمَن استحلّ أن يترك امرأته تزني استحل أعظم الزنا، ومن أعان على ذلك فهو كالزاني، ومن أقرّ على ذلك مع إمكان تغييره فقد رضيه، ومَن تزوّج غير .)1(تائبة فقد رضي أن تزني؛ إذ لا يمكنه منعها من ذلك؛ فإن كيد النساء عظيم المودّة والرحمة بين الزوجين: معنى المودة: الودّ مصدر وددت، وهو يودّ من الأمنية ومن المودّة، يقول ابن سيده: الودّ هو الحبّ يكون في جميع مداخل الخير، والودّ بضم الواو وفتحها وبكسها هو المودّة، والودود هو .)2( المحبّ ).320/15 الفتاوى،)1( .)177/15 لسان العرب،)2(

عدد الصفحات ٣٧٤

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 375 ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓوقد قال الله- تعالى: ﴿ ]21َ﴾ﮔ ﮕ ﮖﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ فالمودة والرحمة نعمتان جعلهما الله- تعالى- ملازمينْ لكلّ زوجين راغبين في أن تكون لهما أسرة ناجحة مكتوب لها الدوام والاستمرار. « آصرة منها الأبوة والبنوة، فما ظنّكم بآصرة جمعت الأمرين، وكانت بجعل الله- تعالى، وما هو .)1(بجعل الله فهو في أقصى درجات الإتقان « صرح المجتمع الشامخ العريض، وهما ثمرة الإخاء الرحمي الذي ربط الله بوشائجه الإنسانية .)2(كلها رباطًا أخويًّا لا تنفصم عراه يقول شيخُ الإسلام ابن تيمية يحبّ لنفسه ما يحبّ للآخر، فإذا رضيت المرأة أن تنكح زانيًا فقد رضيت عمله، وكذلك إن رضي الرجل أن ينكح زانية فقد رضي عملها، ومن رضي الزنا كان بمنزلة الزاني، فإن أصل الفعل هو الإرادة، ولهذا جاء في الأثر: (من غاب عن معصية فرضيها كان كمَن شهدها أو .)4(، وأعظم الخلة خلّة الزوج)3(فعلها)، وفي الحديث: (المرء على دين خليله من سُنن الله في خلق الأنفس محبّةُ العلم دون الجهل: في النفوس حاجةٌ ضرورية إلى العلم؛ به تقوم، وعليه تبنى، ولا تستقرّ نفس سوية إلاّ به، ﴾ داعية إلى ﭻ ولا تسعد إلاّ في رياضه؛ ولذا كانت أول كلمة من القرآن الكريم نزولاً: ﴿ ).644/1 التحرير والتنوير)1( )، ط: الدار السعودية، ط 30 سنن الله في المجتمع من خلال القرآن الكريم للصادق عرجون، ص) 2( م1980هـ1404الثالثة، ).352/1 مسند إسحاق بن راهويه،)3( .)319/15 الفتاوى،)4(

عدد الصفحات ٣٧٥

376شيخُ الإسلام ابن تيمية القراءة، التي هي باب أساس من أبواب العلم، يقول شيخُ الإسلام في ذلك أنّ الله خلق في النفوس محبّة العلم دون الجهل، ومحبّة الصدق دون الكذب، ومحبّة النافع دون الضّار، وحيث دخل ضدّ ذلك فلمعارض من هوى وكبر وحسد ونحو ذلك. كما أنّه في صالح الجسد خلق الله فيه محبّة الطعام والشراب الملائم له دون الضّار، فإذا اشتهى ما يضرّه أو كره ما ينفعه فلمرض في الجسد، وكذلك- أيضًا- إذا انْدفع عن النفس المعارض من الهوى والكبر والحسد وغير ذلك أحبّ القلب ما ينفعه من العلم النافع والعمل الصالح. كما أنّ الجسد إذا اندفع عنه المرض أحبّ ما ينفعه من الطعام والشراب، فكلّ واحد من وجود المقتضي وعدم الدافع سبب للآخر، وذلك سبب لصلاح حال الإنسان، وضدّهما سببٌ لضدّ ذلك؛ فإذا ضعف العلم غلب الهوى الإنسان، وإن وجد العلم والهوى وهما المقتضي والدافع فالحكم للغالب. وإذا كان كذلك فصلاحُ بني آدم الإيمان والعمل الصالح، ولا يخرجهم عن ذلك إلاّ شيئان: أحدهما: الجهل المضادّ للعلم فيكونون ضلاّلاً. والثاني: اتّباع الهوى والشهوة اللذين في النفس فيكونون غواة مغضوبًا عليهم؛ ولهذا قال: ] 2،1﴾ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﴿ .)1(الخلفاء الراشدين المهديّين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ فوصفهم بالرشد الذي هو خلاف الغي، وبالهدى الذي هو خلاف الضلال، وبهما يصلح .)2(العلم والعمل جميعًا، ويصير الإنسان عالمًا عادلاً، لا جاهلاً ولا ظالمًا سنّةُ الله في أهل الطاعة: القوة والعزّة لازمةً من لوازم أهل الطاعة؛ فهُم أقوياء بتمسكهم بما تعالىلقد جعل الله ، وعزّتهم تعالىأمرهم الله به من الطاعات، ومجاهدتهم لأنفسهم، واعتمادهم الدائم على الله ).201/4 سنن أبي داود،)1( .)242/15 الفتاوى،)2(

عدد الصفحات ٣٧٦

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 377 ؛ لأنه هو الغني، وهو الذي يرزقهم ويدافع عنهم ويحميهم من شر أعدائهم المحدقتعالىبالله بهم، وقد ذكر شيخُ الإسلام هذه السنة موضّحًا ومبيّنًا لها فيقول ﯱ ﯲ والعزة لأهل الطاعة التائبين إلى الله في مواضع كثيرة كقوله في سورة هود: ﴿ ]52﴾ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ]8﴾ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ وقوله: ﴿ ]139﴾ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ويحفظ فرجه وغير ذلك ممّا نهى الله عنه؛ يجعل الله له من النور والعلم والقوة والعزة ومحبة الله ورسوله، فما ظنّك بالذي لم يحُمْ حول السيئات، ولم يعِرْها طرفَه قطّ، ولم تحدّثه نفسُه بها، بل هو يجاهد في سبيل الله أهلها ليتركوا السيئات؟ فهل هذا وذاك سواء؛ بل هذا له من النور والإيمان والعزة والقوة والمحبة والسلطان والنجاة في الدنيا والآخرة أضعاف أضعاف ذاك، وحاله أعظم وأعلى، ونورُه أتمّ وأقوى؛ فإن السيئات تهواها النفوس، ويزينها الشيطان، فتجتمع فيها .)1(الشبهات والشهوات سنّة الله في أهل الجهاد: ؛ فالجهاد تمام الإيمان وذروة سنامه، لذلك عز وجاإنّ لأهل الجهاد والإيمان منزلة عند الله في كتابه العزيز، وأعطاهم من المزايا ما لم يعطِ لغيرهم، يوضح شيخ عز وجل مدحهم الله الإسلام هذه السنة الإلهية فيقول إليه الكفر والفسوق والعصيان حتى يعوض عن شهوات الغي بحب الله ورسوله وما يتبع ذلك، وعن الشهوات والشبهات بالنور والهدى، وأعطاه الله من القوة والقدرة ما أيده به حيث دفع بالعلم الجهل، وبإرادة الحسنات إرادة السيئات، وبالقوة على الخير القوة على الشر في نفسه فقط، والمجاهد في سبيل الله يطلب فعل ذلك في نفسه وغيره- أيضًا؛ حتى يدفع جهله بالعلم، .)2(وإرادته السيئات بإرادة الحسنات ونحو ذلك، والجهاد تمام الإيمان، وسنام العمل ).400/15 الفتاوى،)1( .)401/15 الفتاوى،)2(

عدد الصفحات ٣٧٧

378شيخُ الإسلام ابن تيمية في أهل الإيمان والجهاد أن يرفعهم على غيرهم من الناس، وأن يغفر تعالىإنّ سنة الله ، عز وجللهم ويدخلهم جنته، ويثبت أقدامهم، وينصرهم على عدوهم إذا هم أخلصوا لله يقول شيخُ الإسلام موضّحًا هذه السنة ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﴿ ﴾ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ]15﴾ﯛﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ] 19﴾ الآية ﯔ ﯕ ﯖ الآية، وقال: ﴿ ] 69﴾ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤﮥ المجاهدين كما قال تعالى: ﴿ العلم والنور. ﴾ﭶ ﭷ﴾ إلى قوله: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗوقال: ﴿ ] 68-66 الهجرة، ثمّ أخبر أنهم إذا فعلوا ما يوعظون به من الهجرة والجهاد كان خيرًا لهم وأشدّ تثبيتًا؛ ففي الآية أربعة أمور: الخير المطلق، والتثبيت المتضمّن للقوة والمكنة، والأجر العظيم، وهداية الصراط المستقيم. ]7﴾ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ وقـال تعــالى: ﴿ ]41-40﴾ﮔ ﮕ ﴾ إلى قولـه: ﴿ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ وقـال: ﴿ .)1(»]54﴾ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ﴿وقـال: في أهل الفواحش:عز وجلسنّةُ الله للفواحش آثارُها السيئة على الفرد والمجتمع؛ فهي وسيلة من أهمّ وسائل الهدم، وقد عاقب الله عليها بعض الأقوام السابقة كقوم لوط فأهلكهم بإصرارهم على هذا السوء، وهذه سنّته- بتلك المعاصي التي نهى الله عنها، يقول في ذلك تعالىسبحانه- فمَن يفعل فعلهم يجترئ على الله شيخُ الإسلام: ).402/15 الفتاوى،)1(

عدد الصفحات ٣٧٨

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 379 « بضدّ ذلك من السّكرة والعَمه والجهالة وعدم العقل وعدم الرشد والبغض وطمس الأبصار، هذا مع ما وصفهم به من الخبث والفسوق والعدوان والإسراف والسوء والفحش والفساد ]55﴾ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱوالإجرام، فقال عن قوم لوط: ﴿ ﴾ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ]72﴾ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﴿ ﴾ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ]37﴾ﮙ ﮚ ]78 ﭮ ﭯ ﭰ] 69﴾ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ] 81 ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ] 74﴾ﭱ ﭲ ﮗ ﮘ ﴾ إلى قوله: ﴿ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﴾ إلى قوله: ﴿ ﯞ ﯟ ﯠ .)1(»]34﴾ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ]34-29﴾ﮙ مِن السّنن الإلهية أنّ كلّ بني آدم خطّاء، وأنّ الله يغفر الذنوب جميعًا: لقد خلق الله- تعالى- بني آدم جميعًا لديهم قابلية للخطأ، ولديهم قابلية للتوبة عند المعاصي ، ومِن حكمته- سبحانه- وسننِه الماضية أنه غفور رحيم، يغفر لكلّ مَن رجع تعالىوالرجوع لله إليه تائبًا نادمًا، ولقد تناول شيخُ الإسلام ابن تيمية هذا المعنى موضّحًا ومبيّنًا مؤمن من بعض الذنوب مثل: ترك غض البصر، أو ترك إبداء الزينة، وما يتبع ذلك. ويؤكد ذلك بحديث: (ما من أحد من بني آدم إلاّ أخطأ أو همّ بخطيئة إلاّ يحيى بن أنه قال: (كلّ بني آدم خطاء ﷺ، وذلك لا يكون إلاّ عن نظر، وفي السنن عن النبي )2(زكريا . )3(وخير الخطائين التوابون : (يقول الله- تعالى: يا عبادي إنكم تخطئون بالليل ﷺوفي الصحيح عن أبي ذر، عن النبي والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا ولا أبالي، فاستغفروني أغفر لكم). ).402/15 الفتاوى،)1( .)346/6 مصنف ابن أبي شيبة،)2( )، وقال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلاّ من حديث ع 659/4 سنن الترمذي، ت: شاكر،)3( بن مسعدة، عن قتادة

عدد الصفحات ٣٧٩

380شيخُ الإسلام ابن تيمية وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: ما رأيت شيئًا أشبه باللّمم ممّا قال أبو هريرة: إنّ النبي قال: (إنّ الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة؛ فزنا العينين النظر، وزنا ﷺ اللسان النطق) الحديث إلى آخره، وفيه: (والنفس تتمنى ذلك وتشتهي، والفرج يصدق ذلك »)1(أو يكذبه) أخرجه البخاري تعليقًا من حديث طاووس، عن أبي هريرة ويقول- أيضًا مأمورون بالتوبة، وإنّما أمروا بها لتقبل منهم، فالتوبة مقبولة منهم ومن سائر المذنبين، كما قال ]104﴾ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ تعالى: ﴿ ﴾ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ تعالى: ﴿ ]25 أو غير ذلك، وسواء تاب الفاعل أو المفعول به فمَن تابَ تابَ الله عليه بخلاف ما عليه طائفة من الناس؛ فإنهم إذا رأوا مَن عمل مِن هذه الفواحش شيئًا أيسوه من رحمة الله حتى يقول .)2(أحدهم: من عمل من ذلك شيئًا لا يفلح أبدًا ولا يرجون له قبول توبة مِن سنّة الله في خلقه أنْ جعل الجزاءَ من جنس العمل: ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔﮕ قال تعالى: ﴿ ﴾.ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ قال ابن القيم: (من هدى في هذه الدار إلى صراط الله المستقيم الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه هدى هناك إلى الصراط المستقيم الموصل إلى جنته ودار ثوابه وعلى قدر ثبوت قدم العبد على هذا الصراط الذي نصبه الله لعباده في هذه الدار؛ يكون ثبوتُ قدمه على الصراط المنصوب على متن جهنم، وعلى قدر سيره على هذه الصراط يكون سيره على ذاك الصراط؛ فمنهم مَن يمرّ كالبرق، ومنهم من يمرّ كالطرف، ومنهم من يمرّ كالريح، ومنهم من يمرّ كشدّ الركاب، ومنهم من يسعى سعيًا، ومنهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يحبوا حبوًا، ومنهم المخدوش ).2046/4 والحديث أخرجه مسلم- أيضًا- في صحيحه )1( .)404،403/15 الفتاوى)2(

عدد الصفحات ٣٨٠

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 381 المسلّم، ومنهم المكدوس في النار؛ فلينظر العبد سيره على ذلك الصراط مِن سيره على هذا حذو . )1(﴾ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ﴾ ﴿ﯡ ﯢالقذة بالقذة: ﴿ قال ابن تيمية: (ولمّا كان في الصبر من حبس النفس والخشونة التي تلحق الظاهر والباطن من التعب والنصب والحرارة ما فيه كان الجزاء عليه بالجنة التي فيها السعة والحرير الذي فيه .)2(اللّين والنعومة والإتكاء الذي يتضمن الراحة والظلال المنافية للحر قال ابن تيمية: (فالجزاء من جنس العمل؛ فمَن كان في الدنيا ليس بحي الحياة النافعة التي خلق لأجلها، بل كانت حياته من جنس حياة البهائم، ولم يكن ميتًا عديم الإحساس؛ كان في . )3(الآخرة كذلك ولنا في الأمم السابقة عبرةٌ وعظة حيث أهلكهم الله بنفس طريقتهم في الاعتداء والظلم، فمَن أخاف الناس أخافه الله، ولقد عاقب الله المتخلّفين في غزوة تبوك بأنْ حرمهم من الجهاد. قال شيخ الإسلام: (ومن احتمل الهوان والأذى في طاعة الله على الكرامة والعز في معصية الله كما فعل يوسف- عليه السلام- وغيرُه من الأنبياء والصالحين؛ كانت العاقبة له في الدنيا .)4(والآخرة، وكان ما حصل له من الأذى قد انقلب نعيماً وسرورًا من سُنن الله في الأنفس الأمرُ بالمعروف والنهيُّ عن المنكر: إنّ صلاح المجتمع لا يتمّ إلاّ بصلاح الفرد، وإنّ ضرر المجتمع يتمّ- أيضًا- بضرر الفرد؛ تعالىلذلك فإنّ سنة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من السنن الاجتماعية التي جعلها الله وتمثيله لذلك بالسفينة ﷺلحفظ المجتمع ووقايته من الفساد والخطأ، ولو تذكّرنا حديث النبي التي كان أعلاها قومٌ وأسفلها قومٌ قد قاموا بخرق السفينة، فإذا سكتَ الذين بالأعلى ولم ينهوهم عن فعلهم غرقوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا، لذلك اهتمّ ابن 33 صـ1 مدارج السالكين: جـ)1( .73 صـ1 جامع الرسائل: جـ)2( 298-297 صـ14 مجموع الفتاوى: جـ)3( 132 صـ15 السابق: جـ)4(

عدد الصفحات ٣٨١

382شيخُ الإسلام ابن تيمية تيمية بهذه السنة قولاً وفعلاً، يقول ابن تيمية بعض، وإذا اجتمع اثنان فصاعدًا فلا بدّ أن يكون بينهما ائتمار بأمر وتناهٍ عن أمر، وإذا كان الأمر والنهي من لوازم وجود بني آدم، فمن لم يأمر بالمعروف الذي أمر الله به ورسوله، ويَنْهَ عن المنكر الذي نهى الله عنه ورسوله، ويؤمَر بالمعروف الذي أمر الله به ورسوله، ويُنْه عن المنكر الذي نهى الله عنه ورسوله؛ وإلاّ فلا بدّ أن يأمر وينهى، ويؤمر وينهى، إمّا بما يضاد ذلك، وإمّا .)1(بما يشترك فيه الحقّ الذي أنزله الله بالباطل الذي لم ينزله ا في سياق هذه السنّة الإلهية الاجتماعية الجماعية نجد الجزاء في الآخرة يأخذ طابعًا جماعيًّا تبعًا للجزاء الدنيوي، ففي الآخرة كذلك سنن جزائية فردية وجماعية، كما يوجد كتاب فردي يوجد كتاب للمجتمع بناءً على سنن الاجتماع البشري. ﯔ ﯕ ﯖ ﯗﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ قال تعالى: ﴿ ﮞ ]29،28﴾ﯦ ﯧ ﯨﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ] 14،13﴾ﮱ ﯓ ﯔ فقط كتاب للفرد وكتاب للأمّة، وإنما يوجد- أيضًا- إحضار للفرد وإحضار للأمّة؛ حيث إن ، فالإحضار الفردي يأتي فيه كلّ إنسان فردًا فردًا، - عز وجل -هناك إحضارًا بين يدي الله .)2(تعاوهناك إحضار للفرد وسط جماعة، وإحضار للأمّة بين يدي الله وسنرى كيف تحدّث ابن تيمية عن هلاك الأمم، وعَدّ من أسباب الهلاك إغفال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. اختلافُ الناس في امتثالهم لسنّة الله في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أمرَ الله- تعالى- عبادَه بمباشرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنّه صمام أمان البشرية وضمان بقائها، ولأنّه ليس بالأمر السهل؛ مدحه الله- تعالى- وجعله من خصائص الخيريّة ).294،292/2 الاستقامة)1( .)216،215 فقه السنن الإلهية: ص)2(

عدد الصفحات ٣٨٢

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 383 للأمّة المسلمة، يقول شيخ الإسلام وبغضُ الفجور وأهله وبغضُ نهيهم وجهادهم، كما يحبّ المعروف وأهله، ولا يحبّ أن يأمر به ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ولا يجاهد عليه بالنفس والمال؛ وقد قال تعالى: ﴿ ﴾، وقال تعالى: ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﴿ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﭑ ]24﴾ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﴾ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ]22الآية وكثيرٌ من الناس بل أكثرهم كراهتهم للجهاد على المنكرات أعظم من كراهتهم للمنكرات، لا سيّما إذا كثرت المنكرات وقويت فيها الشبهات والشهوات، فربّما مالوا إليها تارة وعنها أخرى، فتكون نفس أحدهم لوّامة بعد أن كانت أمارة، ثمّ إذا ارتقى إلى الحال الأعلى في هجر السيئات وصارت نفسه مطمئنة تاركةً للمنكرات والمكروهات لا تحبّ الجهاد ومصابرة العدو ﮈ ﮉ على ذلك، واحتمال ما يؤذيه من الأقوال والأفعال، فإنّ هذا شيء آخر داخل في قوله: ﴿ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﴾ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﴾ الآيات إلى قوله: ﴿ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ .)1(»]85-77 أهمّية سنّة الله في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خلق الله- تعالى- البشر وجعلَ في نفوسهم ضعفًا لوجود الشهوات والأهواء، وقد تنزعهم تلك المواطن الضعيفة في نفوسهم إلى البعد عن الحقّ، والركون إلى الدنيا وأهلها، أو التراخي عن السعي إلى الجنة ونعيمها، لذلك جعل الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسيلة لردّ ).341/15 الفتاوى)1(

عدد الصفحات ٣٨٣