320شيخُ الإسلام ابن تيمية من مرحلة مبكرة في حياة المسلم، إنها تبدأ في مرحلة الطفولة بأن يرعى الآباء أبناءهم برعاية أجسامهم لتقوى، وتدريبهم على أنواع الرياضة من السباحة والرماية وركوب الخيل والمصارعة والجري وغير ذلك كما كتب عمر لأهل الشام يقول: (علّموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل)، مع تعويدهم على الخشونة والقسوة وغرس معاني القوة والرجولة والجهاد في نفوسهم. ولقد عدّد شيخُ الإسلام- رحمه الله- الأحاديث التي وردت في ذلك أو التي كلها تدعو المسلمين إلى تعلّم هذه المهارات القتالية التي هي من أفضل الأعمال؛ لأنها من أعمال الجهاد، والجهاد أفضل ما تطوّع به الإنسان. مِن هذه الأحاديث: .)1( أنه قال: (ارموا بني إسماعيل؛ فإن أباكم كان راميًاﷺفي صحيح البخاري عنه : (ارموا بني إسماعيل؛ فإن أباكم كان راميًا، ارموا ﷺومرّ على نفرٍ مِن أسْلم ينتضّلون فقال وأنا مع بني فلان). فأمسك أحد الفريقين بأيديهم فقال: (ما لكم لا ترمون)؟ قالوا: كيف . )2(نرمي وأنت معهم؟ فقال: (ارموا وأنا معكم كلكم : (مَن رمى بسهم في سبيل الله- بلغَ العدو أو لم يبلغه- كانت له عدل رقبة). ﷺوقال أنه قال: (إنّ الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة: صانعه يحتسب ﷺوفي السّنن عنه . )3(في صنعته الخير؛ والرامي به، والمُمدّ به أنه قال: (إنّ في الجنة مائة، درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة ﷺوفي الصحيحين عن النبي . )4(كما بين السماء والأرض، أعدّها الله للمجاهدين في سبيله ).38/4 صحيح البخاري،)1( .)147/4 صحيح البخاري،)2( .)571/28 مسند أحمد، ط: الرسالة،)3( .)16/4 صحيح البخاري،)4(
عدد الصفحات ٣٢٠وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 321 - الجمع بين القوة الروحية والقوة الماديّة3 إنّ مِن أهم عوامل النّصر الجمع بين القوتين الروحية والمادية، كما يؤكد الشيخُ هذا بأنه (لن ﭑ يقوم الدين إلاّ بالكتاب والميزان والحديد، كتاب يهدى به، وحديد ينصره، كما قال تعالى: ﴿ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛﭜ ﭝ ﭞ ]25﴾ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ الحقوق في العقود المالكية والقبوض، والحديد به تقوم الحدود على الكافرين والمنافقين، ولهذا كان في الأزمان المتأخّرة الكتاب للعلماء والعباد، والميزان للوزراء والكتّاب، وأهل الديوان، والحديد للأمراء والأجناد، والكتاب له الصلاة؛ والحديد له الجهاد؛ ولهذا كان أكثرُ الآيات والأحاديث النبوية في الصلاة والجهاد، وكان النبيﷺيقول في عيادة المريض .)1(عبدك يشهد لك صلاة؛ وينكأ لك عدوًّا تطبيقاتٌ على سنة الله في النصر: لقد ذكر شيخُ الإسلام في رسالةٍ كتبها إلى الملك الناصر يهنئه بنصره على التتار، واصفًا فيها حالَ التتار التي أدّت إلى هزيمتهم، وبين فيها سبب نصر الملك الناصر على عدوّه من التتار، ولقد جاء في هذه الرسالة: »« مِن الدّاعي أحمد بن تيمية إلى سلطان المسلمين، ومَن أيّد الله في دولته الدين، وأعزّ بها عباده المؤمنين، وقمعَ فيها الكفار والمنافقين والخوارج المارقين، نصره الله، ونصر به الإسلام، وأصلح له وبه أمورَ الخاص والعام، وأحيا به معالم الإيمان، وأقام به شرائع القرآن، وأذلّ به أهلَ الكفر والفسوق والعصيان. سلامٌ عليكم ورحمة الله وبركاته. فإنا نحمدُ إليكم الله الذي لا إله إلاّ هو، وهو للحمدِ أهل، وهو على كلّ شيء قدير، ونسأله )116 /5 الفتاوى الكبرى لابن تيمية)1(
عدد الصفحات ٣٢١322شيخُ الإسلام ابن تيمية أن يصلي على خاتم النبيين، وإمام المتقين، محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً. أمّا بعد، فقد صدقَ الله وعده، ونصر عبدَه، وأعزّ جنده، وهزم الأحزاب وحده، وأنعم الله على السلطان وعلى المؤمنين في دولته نعماً لم تعهد في القرون الخالية، وجدّد الإسلام في أيامه تجديدًا بانت فضيلتُه على الدول الماضية، وتحقّق في ولايته خبرُ الصادق المصدوق أفضل الأوّلين والآخرين الذي أخبر فيه عن تجديد الدين في رءوس المئين. والله- تعالى- يوزعه والمسلمين شكر هذه النعم العظيمة في الدنيا والدين، ويتمّها بتمام النصر على سائر الأعداء المارقين. وذلك أنّ السلطان- أتمّ الله نعمته- حصل للأمّة بيُمن ولايته وحسن نيّته وصحة إسلامه وعقيدته وبركة إيمانه ومعرفته وفضل همته وشجاعته وثمرة تعظيمه للدين وشرعته ونتيجة اتباعه كتاب الله وحكمته؛ ما هو شبيهٌ بما كان يجري في أيام الخلفاء الراشدين، وما كان يقصده .)1(أكابرُ الأئمة العادلين من جهاد أعداء الله المارقين من الدين وهكذا يتّضح لنا من خلال قراءة هذه الرسالة وضع أيدينا على أسباب النصر، وهي: - إحياء معالم الإيمان.1 - إقامة شرائع القرآن2 - يمن ولايته وحسن نيته3 - صحة إسلام القائد وعقيدته4 - بركة إيمان القائد ومعرفته5 - همة القائد وشجاعته6 - تعظيمه للدين وشرعته7 - قيامه لفريضة الجهاد8 .)399-398/28 الفتاوى،)1(
عدد الصفحات ٣٢٢وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 323 كما وضّح- أيضًا- الأسباب التي أدّت إلى هزيمة التتار مثل أنهم وذوو الغي والعدوان، الخارجون عن شرائع الإيمان طلبًا للعلو في الأرض والفساد، وتركًا لسبيل الهدى والرشاد أو أنهّم الأعداء .)1(والجماعة، المفارقون للشرعة والطاعة ولقد جعل شيخُ الإسلام الجهاد سببًا للنصر على الأعداء وحضّ عليه بالحديث في فضله قد ذمهم، وبينّ أنّ الجهاد سببٌ عظيم - عز وجل -وأهميته، كما ذمّ المتقاعسين عنه، وبينّ أنّ الله ، ومن ذلك يقول شيخ الإسلام) 2(للمغفرة، وهو الدواء الناجح لكثير من الأدواء أنّ الجهاد فيه خير الدنيا والآخرة، وفي تركه خسارة الدنيا والآخرة، قال الله- تعالى- في كتابه: ]52﴾ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜﮝ﴿ الشهادة والجنة، فمَن عاش مِن المجاهدين كان كريماً له ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة، : (يعطى الشهيد ست خصال: يغفر له بأول ﷺومن مات منهم أو قتل فإلى الجنة، قال النبي قطرة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويكسى حلة من الإيمان، ويزوج ثنتين وسبعين من : (إن في ﷺالحور العين، ويوقى فتنة القبر، ويؤمن من الفزع الأكبر) رواه أهل السنن، وقال - عز وجل -الجنة لمائة درجة، ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء والأرض، أعدها الله : (مثل ﷺللمجاهدين في سبيله)، فهذا ارتفاع خمسين ألف سنة في الجنة لأهل الجهاد، وقال ، وقال )3(المجاهد في سبيل الله مثل الصائم القائم القانت الذي لا يفتر من صلاة ولا صيام رجل: أخبرني بعمل يعدل الجهاد في سبيل الله؟ قال: (لا تستطيعه). قال: أخبرني به؟ قال: (هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم لا تفطر وتقوم لا تفتر)؟ قال: لا. قال: (فذلك الذي يعدل .)4(الجهاد في سبيل ا ).399/28 الفتاوى،)1( .)422-417/28 انظر: الفتاوى،)2( .)16/4 صحيح البخاري،)3( .)15 /4 صحيح البخاري،)4(
عدد الصفحات ٣٢٣324شيخُ الإسلام ابن تيمية وهذه الأحاديث في الصحيحين وغيرهما. وكذلك اتّفق العلماء- فيما أعلم- على أنه ليس في التطوعات أفضل من الجهاد؛ فهو أفضل من الحج، وأفضل من الصوم التطوع، وأفضل من الصلاة التطوع. والمرابطة في سبيل الله أفضل من المجاورة بمكة والمدينة وبيت المقدس، حتى قال أبو هريرة - رضي الله عنه -: لأنْ أرابط ليلة في سبيل الله أحبّ إليّ من أن أوافق ليلة القدر عند الحجر الأسود. ﷺفقد اختار الرباطَ ليلة على العبادة في أفضل الليالي عند أفضل البقاع؛ ولهذا كان النبي وأصحابه يقيمون بالمدينة دونَ مكة؛ لمعان منها: أنهم كانوا مرابطين بالمدينة؛ فإنّ الرباط هو المقام بمكان يخيفه العدو ويخيف العدو، فمن أقام فيه بنية دفع العدو فهو مرابط والأعمال : (رباط يوم في سبيل الله خيرٌ من ألف يوم فيما سواه من المنازل) ﷺبالنيات، قال رسول الله .)1(رواه أهل السنن وصححوه قال: (رباط يوم وليلة في سبيل الله خيرٌ من ﷺوفي صحيح مسلم، عن سلمان، أن النبي صيام شهر وقيامه، ومن مات مرابطًا أجري عليه عمله، وأجري عليه رزقه من الجنة، وأمن ، يعني: منكرًا ونكيرًا. )2(الفتّان فهذا في الرباط فكيف الجهاد؟ )، وقال: (من )3(: (لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في وجه عبد أبدًا ﷺوقال اغبرّت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار) فهذا في الغبار الذي يصيب الوجه والرجل فكيف بما هو أشقّ منه؛ كـ: الثلج والبرد والوحل؟ - عز المنافقين الذين يتعلّلون بالعوائق كـ: الحر والبرد؛ فقال - عز وجل -ولهذا عاب الله ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ : ﴿وجل - ).39/6 راجع سنن النسائي،)1( .)497/4 مستخرج أبي عوانة،)2( .)13 /6 سنن النسائي،)3( ﱫ ﭭ ﭮ ﭯﭧ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅﮆ ﮇ ١٨ التوبة: ﮈ ﮉ ﮊ ﱪ
عدد الصفحات ٣٢٤وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 325 ]81﴾ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅﮆ ﮇ ﮈ ﮉ الذين يقولون: لا تنفروا في البرد فيقال: نار جهنم أشدّ بردًا، كما أخرجاه في الصحيحين من النبيﷺ أنه قال: (اشتكت النار إلى ربها فقالت: ربي أكل بعضي بعضًا، فأذن لها بنفسين نفس .)1(في الشتاء، ونفس في الصيف، فأشدّ ما تجدون من الحر والبرد فهو من زمهرير جهنم فالمؤمن يدفع بصبره على الحر والبرد في سبيل الله حرّ جهنم وبردها، والمنافق يفرّ من حرّ الدنيا وبردها حتى يقع في حر جهنم وزمهريرها. واعلموا- أصلحكم الله- أنّ النصرة للمؤمنين، والعاقبة للمتقين، وأنّ الله مع الذين اتقوا والذين هُم محسنون. ناصرنا عليهم، ومنتقم لنا منهم، - عز وجل -وهؤلاء القوم مقهورون مقموعون، والله ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم. ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ فأبشروا بنصر الله- تعالى- وبحُسن عاقبته ﴿ ]139﴾ﯔ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﴿ ﯓ ﯔﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋﰌ ﰍ ﰎ ﴾ ﰏ ﰐ ﰑﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﰙﰚ ﰛ ﰜ ﰝ ﰞ ﰟ ﰠ ﰡ ]14-10[ واعلموا- أصلحكم الله- أنّ مِن أعظم النعم على من أراد الله به خيرًا أنْ أحياه إلى هذا الوقت الذي يجدّد الله فيه الدين، ويحيي فيه شعار المسلمين وأحوال المؤمنين والمجاهدين حتى يكون شبيهًا بالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار. ).431/1)، وصحيح مسلم،120/4 صحيح البخاري،)1(
عدد الصفحات ٣٢٥326شيخُ الإسلام ابن تيمية فمَن قام في هذا الوقت بذلك كان مِن التابعين لهم بإحسان الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأعدّ لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا، ذلك الفوز العظيم. فينبغي للمؤمنين أن يشكروا الله- تعالى- على هذه المحْنة التي حقيقتها منْحة كريمة من الله، وهذه الفتنة التي في باطنها نعمة جسيمة حتى والله لو كان السابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار- كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم- حاضرين في هذا الزمان لكان من أفضل أعمالهم جهاد هؤلاء القوم المجرمين، ولا يفوت مثل هذه الغزاة إلاّ مَن خست تجارته، وسفّه نفسه، وحرم حظًّا عظيماً من الدنيا والآخرة؛ إلاّ أن يكون ممّن عذر الله- تعالى- كـ: المريض والفقير والأعمى وغيرهم، وإلاّ فمَن كان له مال وهو عاجز ببدنه فليغزُ بماله؛ ففي الصحيحين، .)1(عن النبيﷺ أنه قال: (مَن جهّز غازيًا فقد غزا، ومَن خلفه في أهله بخير فقد غزا ومَن كان قادرًا ببدنه وهو فقير فليأخذ من أموال المسلمين ما يتجهّز به، سواء كان المأخوذ زكاة أو صلة أو من بيت المال أو غير ذلك؛ حتى لو كان الرجل قد حصل بيده مال حرام وقد تعذّر ردّه إلى أصحابه لجهله بهم ونحو ذلك، أو كان بيده ودائع أو رهون أو عوار قد تعذّر معرفة أصحابها فلينفقها في سبيل الله؛ فإنّ ذلك مصرفها. يغفر ذنوبه، كما أخبر الله - عز وجل -ومَن كان كثير الذنوب فأعظم دوائه الجهاد؛ فإنّ الله ﴾. ﯝ ﯞ ﯟ : ﴿- عز وجل -في كتابه بقوله ومَن أراد التخلّص من الحرام والتوبة ولا يمكن ردّه إلى أصحابه فلينفقه في سبيل الله عن أصحابه؛ فإنّ ذلك طريق حسنة إلى خلاصه، مع ما يحصل له من أجر الجهاد وأيضًا ذكر من أسباب النصر: الاعتصام بحبل الله وكتابه وسنة رسوله، والبعد عن التعزّي بعزاء الجاهلية، والمقصود به هو التعصّب للقبائل وغيرها، والقتال من أجل ذلك لا يفلح عند : (من قتل تحت راية عمية يغضب لعصبية ويدعو لعصبية فهو في النار) رواه ﷺالله، وقال : (من تعزّى بعزاء أهل الجاهلية فأعضوه بهنّ أبيه ولا تكنوا)، فسمع أبي بن ﷺمسلم، وقال ). 1506/3)، وصحيح مسلم،27/4 صحيح البخاري،)1(
عدد الصفحات ٣٢٦وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 327 كعب رجلاً يقول: يا لفلان فقال: اعضض أير أبيك. فقال: يا أبا المنذر؛ ما كنت فاحشًا. فقال . رواه أحمد في مسنده.ﷺبهذا أمرنا رسول الله ووضح الشيح: ومعنى قوله: (مَن تعزّى بعزاء الجاهلية)، يعني: يعتزي بعزواتهم، وهي الانتساب إليهم في الدعوة، مثل قوله: يا لقيس، يا ليمن، ويا لهلال، ويا لأسد، فمَن تعصّب لأهل بلدته أو مذهبه أو طريقته أو قرابته أو لأصدقائه دون غيرهم كانت فيه شعبة من الجاهلية، حتى يكون المؤمنون كما أمرهم الله- تعالى- معتصمين بحبله وكتابه وسنة رسوله؛ فإنّ كتابهم واحد ودينهم واحد ونبيّهم واحد وربهم إله واحد لا إله إلاّ هو، له الحمد في الأولى ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون، قال الله- تعالى: ﴿ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ -102﴾ﮮ ﮯﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ]106 الفرقة والبدعة فاللهَ الله، عليكم بالجماعة والائتلاف على طاعة الله ورسوله والجهاد في سبيله؛ يجمع اللهُ .)1(قلوبكم، ويكفّر عنكم سيئاتكم، ويحصل لكم خير الدنيا والآخرة النّصرٌ سنّة إلهية: لقد خلق الله الكونَ وجعل كلّ ما فيه محكومًا بالسنن والقوانين الإلهية الثابتة التي لا تتغيرّ ولا تتبدّل، وقد جعل الله للنصر قوانينَ ثابتة، كما جعل للهزيمة قوانينها، ولقد تحدّث شيخُ الإسلام عن هذه السنّة ووضّح فيها قوانين الله وشريعته الواضحة في النصر والهزيمة، فنراه ). 2214/4)، وصحيح مسلم،423/28 الفتاوى،)1(
عدد الصفحات ٣٢٧328شيخُ الإسلام ابن تيمية يتحدّث عن ذلك في مواضع متعددة من كتاباته، موضحًا أنّ سنن الله على مرّ العصور والأزمان ثابتة تلحق أول الأمم وآخرها لا تتبدّل، ومن هذا الحديث كلامه الذي أورده عن تفاصيل حرب التّتار مع المسلمين، وما ألحقوه في الأمّة من هزيمة في المعارك، وأخيرًا نال الأمّة الفوز والانتصار على هذا العدو الحاقد، يقول شيخُ الإسلام مع هذا العدو المفسد الخارج عن شريعة الإسلام قد جرى فيها شبيه بما جرى للمسلمين مع في المغازي التي أنزل الله فيها كتبه، وابتلى بها نبيه والمؤمنين، ممّا rعدوهم على عهد رسول ا هو أسوة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا إلى يوم القيامة؛ فإنّ نصوص الكتاب يتناولان عموم الخلق بالعموم اللفظي والمعنوي، أو بالعموم ﷺوالسنة اللذين هما دعوة محمد .)1(»المعنوي مِن أسباب هزيمة المؤمنين: لقد كثرت وتعدّدت أسباب النصر والهزيمة على مرّ العصور والأزمان، ومنها: عدم الاستعداد الجيد للمعارك، والبعد عن منهج الله وأحكامه، أو التفرقة والضعف بين الصفوف، أو التفرقة والنفاق، أو البخل بالنفقة، أو الجبن والهلع والتقاعس عن الجهاد، ولشيخ الإسلام في ذلك أحاديث منها: كلامه ووصفه لأسباب هزيمة المسلمين أمام التتار في بداية الأمر فيقول- رحمه ا المسلمين في العام الماضي بذنوب ظاهرة وخطايا واضحة من: فساد النيات والفخر والخيلاء والظلم والفواحش والإعراض عن حكم الكتاب والسنة، وعن المحافظة على فرائض الله، والبغي على كثير من المسلمين الذين بأرض الجزيرة والروم، وكان عدوّهم في أول الأمر راضيًا منهم بالموادعة والمسالمة، شارعًا في الدخول في الإسلام، كان مبتدئًا في الإيمان والأمان، وكانوا هم قد أعرضوا عن كثيرٍ من أحكام الإيمان، فكان من حكمة الله ورحمته بالمؤمنين أن ابتلاهم بما ابتلاهم به ليمحّص الله الذين آمنوا، وينيبوا إلى ربهم، وليظهر من عدوهم ما ظهر منه من البغي ).425/28 الفتاوى،)1(
عدد الصفحات ٣٢٨وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 329 والمكر والنكث والخروج عن شرائع الإسلام، فيقوم بهم ما يستوجبون به النصر، وبعدوهم ما .)1(يستوجب به الانتقام للهزيمة حكمةٌ ربّانية: يبتلي الناس بالهزيمة، فيكون ذلك سببَ رجوعهم إلى ربهّم، فيحصل - عز وجل -إنّ الله لهم من البركة والخير ما لا يحصل لهم لو انتصروا على عدوهم، يقول في ذلك شيخ الإسلام- رحمه الله- في حديثٍ عن هزيمة المسلمين أمام التتار مقارنة بهزيمتهم في غزوة أحد في نفوس كثيرٍ من مقاتلة المسلمين ورعيتهم من الشر الكبير ما لو يقترن به ظفر بعدوّهم- الذي هو على الحال المذكورة- لأوجب لهم ذلك من فساد الدين والدنيا ما لا يوصف. كما أنّ نصر الله للمسلمين يوم بدر كان رحمة ونعمة، وهزيمتهم يوم أحد كان نعمة ورحمة قال: (لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلاّ كان خيرًا، وليس ذلك ﷺعلى المؤمنين؛ فإنّ النبي لأحد إلاّ للمؤمن، إن أصابته سراء فشكر الله كان خيرًا له، وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرًا .)2(له تطبيقاتٌ على سنن الله في النصر والهزيمة: يقول شيخُ الإسلام تطبيقًا على سنّة الله في النصر والهزيمة عام أول شبيهة بأحد، وكان بعد أحد بأكثر من سنة- وقيل: بسنتين- قد ابتلي المسلمون عام الخندق. عام ﷺكذلك في هذا العام ابتلي المؤمنون بعدوهم كنحو ما ابتلي المسلمون مع النبي سورة الأحزاب «الخندق، وهي غزوة الأحزاب التي أنزل الله فيها ذكر هذه الغزاة التي نصر الله فيها عبدهﷺ، وأعزّ فيها جنده المؤمنين، وهزم الأحزاب- الذين تحزّبوا عليه- وحده بغير قتال، بل بثبات المؤمنين بإزاء عدوهم. ).432-431/28 الفتاوى،)1( .)432/28 الفتاوى،)2(
عدد الصفحات ٣٢٩330شيخُ الإسلام ابن تيمية وحقوقه وحرمته وحرمة أهل بيته لما كان هو القلب ﷺذكر فيها خصائص رسول الله الذي نصره الله فيها بغير قتال، كما كان ذلك في غزوتنا هذه سواء، وظهر فيها سرّ تأييد الدين .)1(كما ظهر في غزوة الخندق، وانقسم الناس فيها كانقسامهم عام الخندق بينْ غزوة الأحزاب ومعركة المغول: شيخُ الإسلام رسم صورةً لغزوة الأحزاب وقارنها بمعركة المغول وما فيها من الأحداث، وسنذكر مقتطفاتٍ مِن كلامه في ذلك من أنواع الترّك ومن فرس ومستعربة، ونحوهم من أجناس المرتدة، ومِن نصارى الأرْمن وغيرهم، ونزل هذا العدو بجانب ديار المسلمين وهو بين الإقدام والإحجام مع قلّة من بإزائهم من المسلمين، ومقصودهم الاستيلاء على الدار واصطلام أهلها، كما نزلَ أولئك بنواحي المدينة بإزاء المسلمين. - وكذلك دام الحصارُ على المسلمين عام الخندق- على ما قيل- بضعًا وعشرين ليلة. وقيل: 2 عشرين ليلة، وهذا العدوّ عبر الفرات سابع عشر ربيع الآخر، وكان أول انصرافه راجعًا عن حلب لما رجع مقدّمهم الكبير قازان بمن معه يوم الاثنين حادي أو ثاني عشر جمادى الأولى يوم دخل العسكر عسكر المسلمين إلى مصر المحروسة، واجتمع بهم الداعي لما ألقى في قلوب المؤمنين ما ألقى من - عز وجل -وخاطبهم في هذه القضية، وكان الله الاهتمام والعزم ألقى الله في قلوب عدوهم الروع والانصراف. - وكان عام الخندق بردًا شديدًا وريحًا شديدة منكرة بها صرفَ الله الأحزاب عن المدينة، كما 3 ]9﴾ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽﭾ قال تعالى: ﴿ الله فيه الثلج والمطر والبرد على خلاف أكثر العادات، حتى كره أكثر الناس ذلك، وكنّا نقول لهم: لا تكرهوا ذلك؛ فإنّ لله فيه حكمة ورحمة. وكان ذلك من أعظم الأسباب التي صرف الله به العدو؛ فإنه كثر عليهم الثلج والمطر والبرد حتى هلك من خيلهم ما شاء الله، وهلك- أيضًا- منهم مَن شاء الله، وظهر فيهم وفي بقية ).433/28 الفتاوى،)1(
عدد الصفحات ٣٣٠وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 331 خيْلهم من الضعف والعجز بسبب البرد والجوع ما رأوا أنهم لا طاقة لهم معه بقتال، حتى بلغني عن بعض كبار المقدمين في أرض الشام أنه قال: لا بيّض الله وجوهنا، أعدونا في الثلج إلى شعره ونحن قعود لا نأخذهم؟ وحتى علموا أنهم كانوا صيدًا للمسلمين لو يصطادونهم؛ . )1(لكن في تأخير الله اصطيادهم حكمة عظيمة وموضع آخر تتشابه فيه المعركتان تسجّله الآية الكريمة في غاية الروعة، حيث يقول ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ الله- تعالى- في سورة الأحزاب: ﴿ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ]11،10﴾ﮛ يقول شيخُ الإسلام الفرات، وهو قبلي الفرات، فزاغت الأبصار زيغًا عظيماً، وبلغت القلوب الحناجر؛ لعظم البلاء؛ لا سيّما لمّا استفاض الخبر بانصراف العسكر إلى مصر، وتقرب العدو وتوجّهه إلى دمشق، وظنّ الناس بالله الظنونا، هذا يظن أنه لا يقف قدامهم أحد من جند الشام حتى يصطلموا أهل الشام، وهذا يظن أنهم لو وقفوا لكسوهم كسة، وأحاطوا بهم إحاطة الهالة بالقمر. وهذا يظنّ أنّ أرض الشام ما بقيت تسكن ولا بقيت تكون تحت مملكة الإسلام. وهذا يظنّ إنهم يأخذونها، ثمّ يذهبون إلى مصر فيستولون عليها فلا يقف قدامهم أحدٌ فيحدث نفسه بالفرار إلى اليمن ونحوها. وهذا- إذا أحسن ظنّه- قال: إنهم يملكونها العام كما ملكوها عام هولاكو سنة سبع وخمسين، ثمّ قد يخرج العسكر من مصر فيستنقذها منهم كما خرج ذلك العام، وهذا ظنّ خيارهم. وهذا يظنّ أنّ ما أخبره به أهل الآثار النبوية وأهل التحديث والمبشرات أماني كاذبة وخرافات لاغية، وهذا قد استولى عليه الرّعب والفزع حتى يمرّ الظنّ بفؤاده مرّ السحاب ليس له عقل يتفهم ولا لسان يتكلم. ).454/28 الفتاوى،)1(
عدد الصفحات ٣٣١332شيخُ الإسلام ابن تيمية وهذا قد تعارضت عنده الأمارات وتقابلت عنده الإرادات؛ لا سيّما وهو لا يفرق من المبشرات بين الصادق والكاذب، ولا يميّز في التحديث بين المخطئ والصائب، ولا يعرف النصوص الأثرية معرفة العلماء؛ بل إمّا أن يكون جاهلاً بها، وقد سمعها سماع العبر، ثمّ قد لا يتفطّن لوجوه دلالتها الخفية، ولا يهتدي لدفع ما يتخيل أنه معارض لها في بادئ الروية؛ فلذلك ﮖ استولت الحيرة على مَن كان متّسماً بالاهتداء وتراجمت به الآراء تراجم الصبيان بالحصباء ﴿ ﴾. ابتلاهم الله بهذا الابتلاء الذي يكفر به خطيئاتهم، ويرفع ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ به درجاتهم، وزلزلوا بما يحصل لهم من الرجفات ما استوجبوا به أعلى الدرجات. ﴾ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩقال الله- تعالى: ﴿ ]12[ ﯯ كما قال الله- تعالى: ﴿ﷺوحزب الله المحدثون عنه، حتى حصل لهؤلاء التأسي برسول الله .)1(»﴾ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ قدّم شيخ الإسلام شبيهًا آخر بين المعركتين، وهي ظهور المنافقين بكثرة حيث يقول الله- ]49﴾ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ تعالى: ﴿ وهؤلاء فئة خطيرة على المجتمع تعيقهم عن تحقيق التقدم والرقي، بل تساعدهم على الهزيمة بتلونهم وخيانتهم وتقاعسهم وجبنهم وأهواؤهم، لذلك يقول شيخُ الإسلام مبينًا خطرَ ذلك: « .)2(من الخوف، حتى يظنّوا أنها كانت غرورًا لهم كما وقع في حادثتنا هذه سواء ويقول في موضع آخر الإسلامية تقوم فينبغي الدخول في دولة التتار. وقال بعضُ الخاصة: ما بقيت أرض الشام تسكَن؛ بل ننتقل عنها إمّا إلى الحجاز واليمن وإمّا إلى مصر. ).447،446/28 الفتاوى،)1( .)450/28 الفتاوى،)2(
عدد الصفحات ٣٣٢وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 333 وقال بعضهم: بل المصلحة الاستسلام لهؤلاء كما قد استسلم لهم أهل العراق، والدخول تحت حكمهم. فهذه المقالاتُ الثلاث قد قيلت في هذه النازلة، كما قيلت في تلك، وهكذا قال طائفة من المنافقين والذين في قلوبهم مرض لأهل دمشق خاصة والشام عامة: لا مقام لكم بهذه الأرض، ونفي المقام بها أبلغ من نفي المقام، وإن كانت قد قرئت بالضم- أيضًا؛ فإن مَن لم يقدر أن يقوم ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ بالمكان فكيف يقيم به؟ قال الله- تعالى: ﴿ .)1(»]13﴾ﯠ ﯡﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ووضّح شيخُ الإسلام في سياقه لتفسير الآية عن مجاهد والحسن أن معنى ذلك: أن الله يحفظهما، فهُم يقصدون الفرار من الجهاد، ويحتجّون بحجة العائلة. ويضيف شيخُ الإسلام ذلك الحدث وما انطبق منه على تلك المعركة الدائرة بين المسلمين والتتار فيقول المعاقل والحصون وإلى الأماكن البعيدة كمصر، ويقولون: ما مقصودنا إلاّ حفظ العيال، وما يمكن إرسالهم مع غيرنا، وهم يكذبون في ذلك؛ فقد كان يمكنهم جعلهم في حصن دمشق لو دنا العدو، كما فعل المسلمون على عهد رسول اللهﷺ، وقد كان يمكنهم إرسالهم والمقام ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ للجهاد، فكيف بمَن فرّ بعد إرسال عياله؟ قال الله- تعالى: ﴿ ] 14﴾ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ المدينة من جوانبها ثمّ طلبت منهم الفتنة- وهي الافتتان عن الدّين بالكفر أو النفاق- لأعطوا الفتنة، ولجؤوها من غير توقّف. وهذه حالُ أقوام لو دخل عليهم هذا العدو المنافق المجرم، ثمّ طلب منهم موافقته على ما هو عليه من الخروج عن شريعة الإسلام- وتلك فتنة عظيمة- لكانوا معه على ذلك. كما ساعدهم في العام الماضي أقوام بأنواع من الفتنة في الدين والدنيا ما بين ترك واجبات وفعل محرمات، إمّا في حق الله، وإمّا في حق العباد، كـ: ترك الصلاة وشرب الخمور وسب ).450/28 الفتاوى،)1(
عدد الصفحات ٣٣٣334شيخُ الإسلام ابن تيمية السلف وسب جنود المسلمين، والتجسس لهم على المسلمين، ودلالتهم على أموال المسلمين وحريمهم، وأخذ أموال الناس وتعذيبهم وتقوية دولتهم الملعونة، وإرجاف قلوب المسلمين .)1(منهم إلى غير ذلك من أنواع الفتنة أيضًا من السنن الإلهية في النصر هو عدم الفرار من المعركة، وأنّ مَن يفرّ مِن المعركة لن ينفعه هذا الفرار؛ فالموت قدر لا بدّ منه، فالفرار من الموت كالفرار من الطاعون، ولذلك قال ، والفرار من القتل كالفرار من )2(: (إذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه ﷺالنبي الجهاد، وحرف جميع أفرادها، فاقتضى ذلك: أنّ الفرار من الموت أو القتل ليس فيه منفعة أبدًا، وهذا خبر الله الصادق، فمن اعتقد أن ذلك ينفعه فقد كذب الله في خبره. والتجربة تدلّ على مثل ما دل عليه القرآن؛ فإنّ هؤلاء الذين فرّوا في هذا العام لم ينفعهم فرارهم؛ بل خسوا الدين والدنيا وتفاوتوا في المصائب، والمرابطون الثابتون نفعهم ذلك في الدين والدنيا حتى الموت الذي فرّوا منه كثر فيهم، وقلّ في المقيمين، فما منع الهرب من شاء الله، والطالبون للعدو والمعاقبون له لم يمت منهم أحد ولا قتل؛ بل الموت قلّ في البلد من حين خرج الفارون، وهكذا سنة الله قديماً وحديثًا. ] 16﴾ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ثمّ قال تعالى: ﴿ ينفعكم إلاّ حياة قليلة ثمّ تموتون؛ فإن الموت لا بدّ منه، وقد حكي عن بعض الحمقى أنه قال: فنحن نريد ذلك القليل، وهذا جهل منه بمعنى الآية؛ فإن الله لم يقل: إنهم يمتعون بالفرار قليلاً، لكنه ذكر أنه لا منفعة فيه أبدًا، ثمّ ذكر جوابًا ثانيًا أنه لو كان ينفع لم يكن فيه إلاّ متاع قليل، ثمّ ذكر جوابًا ثالثًا وهو أن الفار يأتيه ما قضي له من المضرة، ويأتي الثابت ما قضي له من ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯﭰ ﭱ ﭲ ﭳ المسّة، فقال: ﴿ ﯜ ] 17﴾ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ).452/28 الفتاوى،)1( .)22 /2 مسند أبي داود الطيال)2(
عدد الصفحات ٣٣٤وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 335 ﯞ ﯟ ﯠ]78﴾ الآيةﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤﯥ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﴾ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺﯻ ﯼ ﯽ ﯾﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ] 156عمران فرّ من المنية فصادفته، كما قال خالد بن الوليد- لمّا احتضر: لقد حضرت كذا وكذا صفًّا، وإن ببدني بضعًا وثمانين ما بين ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم، وهأنذا أموت على فراشي .)1(كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء ظهر- أيضًا- توافق آخرَ بينْ الغزوتين، وهو وجود المعوقين عن النصر في كلّ معركة، ﭼ ﭽ والقائلين لإخوانهم: ارجعوا فلن تستطيعوا أن تفعلوا شيئًا؛ حيث يقول الله- تعالى: ﴿ ] 18﴾ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄﮅ المعنى غيره، فإن كانوا فيه عوقوهم عن الجهاد بالقول أو بالعمل أو بهما، وإن كانوا في غيره راسلوهم أو كاتبوهم: بأن يخرجوا إليهم من بلد الغزاة؛ ليكونوا معهم بالحصون أو بالبعد، كما جرى في هذه الغزاة، فإن أقوامًا في العسكر والمدينة وغيرهما صاروا يعوقون من أراد الغزو، وأقوامًا ﮅ ﮆ بعثوا من المعاقـل والحصـون وغيرهـا إلى إخوانهم: هلمّ إلينا، قال الله- تعالى- فيهم: ﴿ ﴾، أي: بخلاء عليكم بالقتال معكم، والنفقة في سبيل ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍﮎ الله، وقال مجاهد: بخلاء عليكم بالخير والظفر والغنيمة. وهذه حال مَن بخل على المؤمنين بنفسه وماله، أو شحّ عليهم بفضل الله من نصره ورزقه الذي يجريه بفعل غيره؛ فإن أقوامًا يشحون بمعروفهم، وأقوامًا يشحّون بمعروف الله وفضله، .)2(وهم الحسّاد ).454/28 الفتاوى،)1( .)456/28 الفتاوى،)2(
عدد الصفحات ٣٣٥