304شيخُ الإسلام ابن تيمية المبحثُ الثّالث عشر مِن سُنن الله - عز وجل - العدل ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ قال تعالى: ﴿ ﮆ ﮇﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﴾ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ]91،90[ تلك قاعدةٌ قرآنية ماضية وسنّة ربانية من أعظم سنن الشرائع السماوية؛ الناس تستقيم في الدنيا مع العدل الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم أكثر ممّا تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم تشترك في إثم؛ ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة. ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام. : (ليس ذنب أسرع عقوبة من البغي وقطيعة الرحم)؛ فالباغي يصرع في ﷺوقد قال النبي الدنيا وإن كان مغفورًا له مرحومًا في الآخرة؛ وذلك أن العدل نظام كلّ شيء؛ فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق، ومتى لم تقم بعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة؛ فالنفس فيها داعي الظلم لغيرها بالعلو عليه .)1(والحسد له؛ والتعدي عليه في حقه صورُ العدل كما ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية: في هذا الكون العدل، ومن أجل تحقيق هذا العدل في الكون والحياة - عز وجل -مِن سُنن الله - عز لكلّ المخلوقات بأمان واستقرار، وحتى تتحقّق العبودية لله وحده وعمارة الأرض جعل الله صورًا كثيرة لتحقيق هذا العدل، منها: الحدود والأحكام المختلفة، ومن هذه الحدود وجل - القصاص الذي يحفظ على الإنسان حياته وأمنه وحقه في البقاء كما أراد الله له. ).146/28 مجموع الفتاوى،)1(
عدد الصفحات ٣٠٤وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 305 - القصاص1 ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ قال تعالى: ﮗﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ]179،178﴾ﯚ ﯛ يقول شيخُ الإسلام- رحمه الله- في ذلك مُظهرًا معرفتَه بالنفوس البشرية وما يجول بها: « يرضوا بقتل القاتل بل يقتلون كثيرًا من أصحاب القاتل كسيد القبيلة ومقدم الطائفة، فيكون القاتل قد اعتدى في الابتداء وتعدّى هؤلاء في الاستيفاء، كما كان يفعله أهل الجاهلية الخارجون عن الشريعة في هذه الأوقات من الأعراب وغيرهم، وقد يستعظمون قتل القاتل لكونه عظيماً أشرف من المقتول، فيفضي ذلك إلى أولياء المقتول يقتلون مَن قدروا عليه من أولياء القاتل، وربما حالف هؤلاء قومًا واستعانوا بهم، وهؤلاء قومًا فيفضي إلى الفتن والعداوات العظيمة. وسببُ ذلك خروجهم عن سنن العدل الذي هو القصاص في القتلى، فكتب الله علينا القصاص- وهو المساواة والمعادلة في القتلى- وأخبر أن فيه حياة؛ فإنه يحقن دمَ غير القاتل من أولياء الرجلين. - وأيضًا فإذا علم مَن يريد القتل أنه يُقتَل كفّ عن القتل، وقد روي عن علي بن أبي طالب وعمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده- رضي الله عنهما، عن النبيﷺ أنه قال: كرم الله وجهه - (المؤمنون تتكافأ دماؤهم، وهم يدٌ على مَن سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ألا لا يقتل مسلم . رواه أحمد وأبو داود وغيرهما من أهل السنن. )1(بكافر، ولا ذو عهد في عهده أن المسلمين تتكافأ دماؤهم- أي: تتساوى وتتعادل- فلا يفضُلُ عربي ﷺفقضى رسول الله على عجمي، ولا قرشي أو هاشمي على غيره من المسلمين، ولا حرٌّ أصلي على مولى عتيق، ولا عالم أو أمير على أمي أو مأمور، وهذا متفق عليه بين المسلمين، بخلاف ما كان عليه أهل .)2(الجاهلية وحكام اليهود ).181/4 سنن أبي داود،)1( .)195 السياسة الشرعية، ص)2(
عدد الصفحات ٣٠٥306شيخُ الإسلام ابن تيمية - العدل في الأموال:( ومِن صور العدل- أيضًا كثيرًا من الأحكام التي تنظم العلاقة الحالية بين الناس. يقول شيخُ - عز وجل -وضع الله الإسلام- رحمه الله- شارحًا ذلك أمر الله ورسوله مثل: قسم المواريث بين الورثة على ما جاء به الكتاب والسنة. وقد تنازع المسلمون في مسائل من ذلك، وكذلك في المعاملات من المبايعات والإجارات والوكالات والمشاركات والهبات والوقوف والوصايا ونحو ذلك من المعاملات المتعلقة بالعقود والقبوض، فإن العدل فيها هو قوام العالمين، لا تصلح الدنيا والآخرة إلاّ به. فمِن العدل فيها ما هو ظاهر يعرفه كلّ أحد بعقله كوجوب تسليم الثمن على المشتري، وتسليم المبيع على البائع المشتري، وتحريم تطفيف المكيال والميزان، ووجوب الصدق والبيان، وتحريم الكذب والخيانة والغش، وأن جزاء القرض الوفاء والحمد. ومنها ما هو خفي جاءت به الشرائع أو شريعتنا أهل الإسلام، فإنّ عامّة ما نهى عنه الكتاب والسنة من المعاملات يعود إلى تحقيق العدل، والنهي عن الظلم، دقّه وجلّه، مثل أكثر المال مثل: بيع الغرر، وبيع ﷺالباطل وجنسه من الربا والميس وأنواع الربا والميس التي نهى النبي حبل الحبلى، وبيع الطير في الهواء، والسمك في الماء، والبيع إلى أجل غير مسمى، وبيع المساة، وبيع المدلس والملامسة والمنابذة والمزابنة والمحاقلة والنجش، وبيع الثمن قبل بدوّ صلاحه، وما نهى عنه من أنواع المشاركات الفاسدة كالمخابرة كزرع بقعةٍ بعينها من الأرض. ومن ذلك ما قد ينازع فيه المسلمون لخفائه واشتباهه، فقد يرى هذا العقد والقبض صحيحًا ﯸ ﯹ ﯺ عدلاً، وإن كان غيره يرى فيه جورًا يوجب فساده، وقد قال الله- تعالى: ﴿ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍﰎ ]59﴾ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ
عدد الصفحات ٣٠٦وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 307 التي يحتاجون إليها إلا ما دلّ الكتاب والسنة على تحريمه، كما لا يشرع لهم من العبادات التي .)1(يتقربون بها إلى الله إلاّ ما دلّ الكتاب والسنة على شرعه - العدلُ مع النفس: 3 إنّ العدل مع النفس مِن أهمّ أنواع العدل؛ لأن الإنسان إن لم يكن عادلاً مع نفسه فإنه يوردها المهالك، فلا تأخذ حظّها في الدنيا ولا تأخذ حظها في الآخرة؛ لذلك وضّح شيخُ الإسلام لنا كيفية العدل مع النفس، وبينّ أنّ من أهمّ صور العدل معها هو فعل الحسنات وترك السيئات؛ وذلك لأنّ ]46﴾ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑﰒ ﰓ ﰔ ﰕﰖ لها، وفسادها ظلم لها، قال تعالى: ﴿ ]7﴾ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰﮱ ﯓ ﯔ ﯕوقال تعالى: ﴿ قال بعض السلف: إن للحسنة لنورًا في القلب، وقوة في البدن، وضياء في الوجه، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة لظلمة في القلب، وسوادًا في الوجه، ووهنًا في البدن، .)2(ونقصًا في الرزق، وبغضًا في قلوب الخلق مِن فضل العدل: - أنّ العدلَ أصلٌ جامع: 1 يقول شيخُ الإسلام ابن تيمية في فضل العدل .)3(الظلم، وهذا أصلٌ جامع عظيم - أنّ العدلَ صفةٌ من صفات المؤمنين: ( .)4(وقال- رحمه ا *** ).211 السياسة الشرعية، ص)1( .)98/10 الفتاوى،)2( .)86/1 مجموع الفتاوى،)3( .)327/2 الفتاوى،)4(
عدد الصفحات ٣٠٧308شيخُ الإسلام ابن تيمية المبحثُ الرّابع عشر سنّةُ الله في النصر والهزيمة إعانة المظلوم، نصره على عدوه. معنى النصر: ، وتفسيره: أن يمنعه من الظلم إن وجده )1(«وفي الحديث ظالمًا، وإن كان مظلومًا أعانه على ظالمه، والاسم النصرة. ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ : ﴿- عز وجل -والنصرة: حسن المعونة، قال الله ] 15﴾ﰌ يظهره، ولا ينفعه غيظه وموته - سبحانه وتعالى -فليختنق غيظًا حتى يموت كمدًا؛ فإن الله .ﷺ﴾ للنبي محمد ﰆ ﰇ ﰈ ﰉحنقًا، فالهاء في قوله: ﴿ وانتصر الرجل: إذا امتنع من ظالمه. قال الأزهري: يكون الانتصار من الظالم: الانتصاف والانتقام، وانتصر منه: انتقم. .)2(والانتصار: الانتقام، والتناصر: التعاون على الن وردَ النصرُ في القرآن الكريم على أربعة وجوه: ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ الوجه الأول: النصر بمعنى: المنع، وذلك في قوله تعالى: ﴿ ]48﴾ﰂ ﴾ ﭿ ﮀ ﮁالوجه الثاني: النصر بمعنى: العون، فذلك كقوله تعالى: ﴿ ]11 ﴾ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ الوجه الثالث: يعني: الظفر، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿ ]250﴾ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ]126عمران ).128/3 صحيح البخاري،)1( .)269،267، ص14،13 لسان العرب لابن منظور، جـ)2(
عدد الصفحات ٣٠٨وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 309 .]4﴾ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜالوجه الرابع: يعني: الانتقام في مثل قوله تعالى: ﴿ ومن هذه المعاني يظهر أنّ النصر له صور متعدّدة يجعلها الله لعباده، فقد ينصرهم بمنعهم مِن أعدائهم، وقد يكون بالعون على الأعداء، وقد يكون بالظفر المادي والتّمكين، وقد يكون .)1(بالانتقام من أعدائهم الكافرين، إلى غير ذلك مِن وجوه الن تقريرُ سنّة الله في النصر والهزيمة وبيانها: في نصر المؤمنين وهزيمة الكافرين، وهي - عز وجل -« طرفٌ من الناموس الأكبر الذي يحكم الحياة الإنسانية، وقد ربط الله بين نصره للمؤمنين وب الحقّ الذي تقوم عليه السماء والأرض والنظام الكوني بشكل عام، وهذه السنة- شأنها كشأن بقية سنن الله- نافذةٌ ماضية، كما تمضي هذه الكواكب والنجوم في دوراتها المنتظمة، وكما يتعاقب الليل والنهار في الأرض على مدار الزمان، وكما تنبثق الحياة في الأرض الميتة التي ينزل عليها الماء، بل إن هذه السنة هي الأكثر مضيًّا ونفاذًا من كلّ ذلك؛ لأن هذه السنة المادية قد تنخرق .)2(لتحقق سنة النصر، أو لحكمة يريدها ا ولقد تحدّث شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- عن هذه السنة الإلهية، ووضّح فيها قوانين وشريعته الواضحة في النصر والهزيمة، فتراه يتحدّث عن ذلك في مواضع - عز وجل -الله متعدّدة من كتاباته موضّحًا أنّ سنن الله على مرّ العصور والأزمات ثابتة تلحق أوّل الأمم وآخرها لا تتبدّل، ومِن ذلك ما أورده عن تفاصيل حرب التتار مع المسلمين، وما ألحقوه بالأمّة من الهزيمة والبلاء في معارك مريبة، ثمّ نالت الأمّة الفوز والانتصار على هذا العدو الحاقد. يقول شيخُ الإسلام ﴾ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ﴿ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ]25[ .)116/2 السنن الإلهية في الحياة الإنسانية، د/ شريف صالح أحمد الخطيب،)1( ،2004)، مكتبة الرشد، ط117/2 السنن الإلهية في الحياة الإنسانية، د/ شريف صالح أحمد الخطيب،)2( الرياض، السعودية
عدد الصفحات ٣٠٩310شيخُ الإسلام ابن تيمية ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ]27،26﴾ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ فإنّ هذه الفتنة التي ابتلي بها المسلمون مع هذا العدو المفسد الخارج عن شريعة الإسلام في المغازي التي ﷺقد جرى فيها شبيهٌ بما جرى للمسلمين مع عدوهم على عهد رسول الله أنزل الله فيها كتبه، وابتلى بها نبيه والمؤمنين ممّا هو أسوة لمَن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا إلى يوم القيامة؛ أي: هذه القصص المذكورة في الكتاب ليست بمنزلة ما يفترى من القصص المكذوبة كنحو ما يذكر في الحروب من السير المكذوبة. ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ وقال- تعالى- لمّا ذكر قصة فرعون: ﴿ ]26-25﴾ﮈ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅﮆ مع أعدائه ببدر وغيرها: ﴿ﷺوقال في سيرة نبينا محمد ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ]13﴾ﮖ ﮗﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ وقال- تعالى- في محاصرته لبني النضير: ﴿ ﮠ ﮡ ﮢﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﴾ ﯔ ﯕﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ]2[ فأمرنا أن نعتبر بأحوال المتقدمين علينا من هذه الأمّة وممّن قبلها من الأمم ﯗ ﯘ ﯙ وذكر في غير موضع أنّ سنّته في ذلك سنة مطردة وعادته مستمرة، فقال تعالى: ﴿ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ]62-60﴾ﯷ ﯸ ﯹﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ وقال تعالى: ﴿ ]23،22﴾ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ
عدد الصفحات ٣١٠وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 311 وأخبر- سبحانه- أنّ دأب الكافرين من المستأخرين كدأب الكافرين من المستقدمين، .)1(فينبغي للعقلاء أن يعتبروا بسنة الله وأيامه في عباده ودأب الأمم وعاداتهم وقد تبطئ هذه السنّة فلا تتحقّق سريعًا، أو تتحقّق بصورة قد لا يدركها البشر، ولكن التي لا تتبدّل - عز وجل -المؤمنين الصادقين يوقنون أنّ النصر آتٍ لا محالة، وأنه هو سنة الله ولا تتخلّف. ﴾ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙيقول شيخُ الإسلام مبيّنًا هذا المعنى عند حديثه عن قوله تعالى: ﴿ « :] 110[ إخباراته- لم يقيّد زمانه ولا مكانه ولا سنته ولا صفته، فكثيرًا ما يعتقد الناس في الموعود به صفات أخرى لم ينزل عليها خطاب الحقّ، بل اعتقدوها بأسباب أخرى كما اعتقد طائفةٌ من لهم أنهم يدخلون المسجد الحرام ويطوفون به أنّ ذلك يكون عام ﷺالصحابة إخبار النبي خرج معتمرًا، ورجا أن يدخل مكّة ذلك العام ويطوف ويسعى، ﷺ الحديبية؛ لأن النبي على ﷺفلماّ استيأسوا من دخوله مكة ذلك العام- لمّا صدّهم المشركون حتى قاضاهم النبي : ألم تخبرنا أنا ندخل البيت ﷺالصلح المشهور- بقي في قلبِ بعضهم شيء حتى قال عمر للنبي ونطوف؟ قال: بلى، فأخبرتك أنك تدخله هذا العام؟ قال: لا. قال: فإنك داخله ومطوّف به .)2(وكذلك قال له أبو بكر ويتحدّث شيخُ الإسلام في موضعٍ آخر مؤكّدًا على هذا المعنى من أنّ وعد الله بالنصر للمؤمنين الصادقين لا بدّ أن يتحقّق، وإنْ ظنّ الناس خلاف ذلك، ويبينّ أنّ سبب هذا الظنّ الذي قد يصيب بعض الناس بسبب أنّ باب الوعد والوعيد هو في الكتاب بأسماء مطلقة للمؤمنين والصابرين والمجاهدين والمحسنين، فما أكثر مَن يظنّ مِن الناس أنه مِن أهل الوعد، ويكون اللفظ في ظنّه أنه متّصف بما يدخل في الوعد لا في اعتقاد صدق الوعد في نفسه، ويضرب ) وما بعدها.424/28 الفتاوى،)1( .)184/15 الفتاوى،)2(
عدد الصفحات ٣١١312شيخُ الإسلام ابن تيمية ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ مثالاً على ذلك فيقول ﴾ الآيت ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ]51﴾ﭮ ﭯ ]172،171 .)1(الغالبون، ويكون الأمرُ بخلاف ذلك وأيضًا يقول شيخ الإسلام: إنّ النصر قد يقع، ويتحقّق موعوده- سبحانه- للإنسان بالنصر، ولكنّه لا يدرك ذلك، فقد يأتي النصر بصورٍ غير مألوفة لا توجد في اعتقادات الناس، ولكن في خيرهم وفلاحهم، فيقول- رحمه الله- في ذلك يظنّ أنه مِن الموعود به، فالظنّ المخطئ في فهْم ذلك كثير جدًّا، أكثر مِن باب الأمر والنهي، مع كثرة ما وقع من الغلط في ذلك، وهذا ممّا لا يحصر الغلط فيه إلاّ الله- تعالى، وهذا عامّ لجميع الآدميّين؛ لكن الأنبياء- صلوات الله عليهم وسلامه- لا يقرّون؛ بل يتبينّ لهم، وغير الأنبياء قد لا يتبينّ له ذلك في الدنيا، ولهذا كثرَ في القرآن ما يأمر نبيّهﷺ بتصديق الوعد والإيمان، وما يحتاج إليه ذلك مِن الصبر إلى أنْ يجيء الوقت، ومن الاستغفار لزوال الذنوب التي بها ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄﰅ ﰆ ﰇ ﰈ تحقيق اتّصافه بصفة الوعد، كما قال تعالى: ﴿ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ]60﴾ﰉ ﰊ .))2((]77﴾ الآيةﰁ ﰂ ﰃ إنّ حال الناس في وقت الأزمات التي تصيب الأمّة يختلف من حيث اختلاف الناس في درجاتهم الإيمانية بين متيقّن من النصر، وبين يائس منه، وبين آخر قد هزّته المفاجأة فلا يدري ماذا يفعل ولا إلى أين يصير، وهنا تظهر قوة المؤمن وثباته الذي هو حتماً يكون عاملاً من عوامل النصر على الأعداء في كلّ زمان ومكان، وخير تطبيق لهذه الأحوال ما ذكره ابن تيمية من حال الناس عند غزو التتار لهم، وهي حال أشبه بوقت غزوة الأحزاب في عهد رسول ، فالله في كلّ زمان ومكان يثبت المؤمنين ويلهمهم ماذا يفعلون في مثل هذه المواقف ﷺالله ).194/15 الفتاوى،)1( .)195/15 الفتاوى،)2(
عدد الصفحات ٣١٢وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 313 الصعبة، فيكون ذلك من أسباب نصرهم على عدوهم مهما كان ذلك عسيرًا، في حين ترى المنافقين وضعاف الإيمان يتخبطون فيخرج المؤمنون من الأزمة وقد فازوا بالأجر والنصر معًا، أمّا غيرهم فيخرجون من الأزمة صفر اليدين، لا هم فرحون بموعود الله حيث أصابهم الشك فلم يقفوا في صفّ الحقّ، ولا هُم مأجورون على صبرهم وثباتهم. فإنّ الناس تفرّقوا فيها ما بين شقي وسعيد، كما يتفرّقون كذلك في اليوم الموعود، وفرّ الرجل فيها من أخيه وأمّه وأبيه؛ إذْ كان لكلّ امرئ منهم شأن يغنيه، وكان مِن الناس مَن أقصى همّته النجاة بنفسه لا يلوي على ماله ولا ولده ولا عرسه، كما أنّ منهم مَن فيه قوّة على تخليص الأهل والمال، وآخر فيه زيادة معونة لمَن هو منه ببال، وآخر منزلته منزلة الشفيع المُطاع، وهُم درجات عند الله في المنفعة والدفاع، ولم تنفع المنفعة الخالصة من الشكوى إلاّ الإيمان والعمل الصالح والبر والتقوى. وبليت فيها السائر، وظهرت الخبايا التي كانت تكنّها الضمائر، وتبين أن البهرج من الأقوال والأعمال يخون صاحبَه أحوج ما كان إليه في المآل، وذم سادته وكبراءه مَن أطاعهم فأضلوه السبيلَ، كما حمد ربّه من صدق في إيمانه فاتخّذ مع الرسول سبيلاً، وبان صدق ما جاءت به الآثار النبوية من الأخبار بما يكون، وواطأتها قلوب الذين هُم في هذه الأمّة محدثون، كما تواطأت عليه المبشرات التي أريها المؤمنون، وتبينّ فيها الطائفة المنصورة الظاهرة على الدين الذين لا يضرّهم مَن خالفهم ولا مَن خذلهم إلى يوم القيامة؛ حيث تحزّبت الناس ثلاثة أحزاب: حزب مجتهد في نصر الدين، وآخر خاذل له، وآخر خارج عن شريعة الإسلام، وانقسم الناس ما بين مأجور ﭦ ومعذور، وآخر قد غرّه بالله الغرور، وكان هذا الامتحان تمييزًا من الله وتقسيماً؛ ﴿ ﴾ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ .)1(»]24[ عواملُ الن للنّصر أسبابٌ وعواملُ، منها ما هو مادي ومنها ما هو معنوي. ) وما بعدها.427/28 الفتاوى،)1(
عدد الصفحات ٣١٣314شيخُ الإسلام ابن تيمية أولاً: الأسباب المعنوية: اتّباع الرسل: مِن أهم أسباب النصر اتّباع الرسل وتعاليمهم التي أمروا بها قومهم من التمسك بحبل الله، ، وطاعتهم فيما أمرهم الله به، واتباع سنتهم، والاقتداء - عز وجل -وحسن الاعتماد على الله بهم في مثل مواقفهم التي سلكوها من قبل، يقول شيخ الإسلام في ذلك ﴾، ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ قد أخبر أنه ﴿ ] 33[ الإنسان بجنس عمله؛ فالجزاء من جنس العمل؛ فمن خالف الرسل عوقب بمثل ذنبه؛ فإن كان قد قدح فيهم ونسب ما يقولونه إلى أنه جهل وخروج عن العلم والعقل ابتلي في عقله وعلمه، وظهر من جهله ما عوقب به. ومن قال عنهم: إنهم تعمدوا الكذب أظهر الله كذبه، ومن قال: إنهم جهال أظهر الله جهله؛ ففرعون وهامان وقارون لما قالوا عن موسى: إنه ساحر ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ كذاب أخبر الله بذلك عنهم في قوله: ﴿ ] 24-23﴾ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗﭘ إهلاكه بالقتل، وصار يصفه بالعيوب كقوله: ﴿ ﮇ ﮈ ﮉ ]26﴾ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ]52﴾ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ على الله وعلى رسله، وأذلّه غاية الإذلال، وأعجزه عن الكلام النافع؛ فلم يبين حجّة. سماّه أبا جهل، وهو ﷺوفرعون هذه الأمّة، أبو جهل، كان يسمّى أبا الحكم، ولكن النبي أبو جهل أهلك به نفسه وأتباعه في الدنيا والآخرة.rكما سماّه رسول ا والذين قالوا عن الرسول: إنه أبتر، وقصدوا أنه يموت فينقطع ذكره عوقبوا بانبتارهم كما ]3﴾ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ قال تعالى: ﴿ حتى أهل البدع المخالفون لسنته.
عدد الصفحات ٣١٤وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 315 قيل لأبي بكر بن عياش: إنّ بالمسجد قومًا يجلسون للناس ويتكلمون بالبدعة. فقال: مَن جلس للناس جلس الناس إليه، لكن أهل السنة يبقون ويبقى ذكرهم، وأهل البدعة يموتون .)1(ويموت ذكرهم وتحدّث شيخُ الإسلام في موضع آخر عن هزيمة اليهود، وبينّ أن سببها تكذيبهم للأنبياء، ومخالفتهم لهم، يقول شيخ الإسلام بحبل من الله وحبلٍ من الناس- لم يكونوا بمجرّدهم ينتصرون لا على العرب ولا غيرهم، وإنما عليه كانوا يقاتلون مع حلفائهم قبل الإسلام، والذلة ضربت عليهم من حين بعث المسيح - .)2( فكذبوهالسلام - مِن عوامل النصرِ الجهادُ في سبيل الله: الجهادَ سنّته في هذا الكون للوقوف في وجه الأعداء؛ للحفاظ - عز وجل -لقد جعلَ الله على أمن الأمّة وأعراضها وضعفائها ومقدراتها، فإذا ترك المسلمون الجهاد وضيّعوا هذه السنة بأن يسلط عليهم الأعداء، ويرزقهم الذلّ والمهانة، وفي - عز وجل -فقد استحقوا عقوبة الله ذلك تحدّث شيخ الإسلام عن فريضة الجهاد وأهميتها في نصر الأمّة في أكثر من موضع، ومن هذه المواضع يقول شيخُ الإسلام كالشروع في الحج، يعني: أنّ ما حفظه من علم الدين وعلم الجهاد ليس له إضاعته؛ لقول النبي ، وقال: (عرضت علي أعمال )3(: (مَن قرأ القرآن ثمّ نسيه لقي الله وهو أجذم) رواه أبو داود ﷺ أمتي- حسنها وسيئها- فرأيت في مساوئ أعمالها الرجل يؤتيه الله آية من القرآن ثمّ ينام عنها .)4(حتى ينساها)، وقال: (مَن تعلّم الرمي ثمّ نسيه فليس منا) رواه مسلم ). 173،172،171/13 الفتاوى،)1( .)301/1 الفتاوى،)2( .)209/7 سنن أبي داود، ت: الأرنؤوط،)3( .)243/34 الجامع الصحيح للسنن والمسانيد،)4(
عدد الصفحات ٣١٥316شيخُ الإسلام ابن تيمية وكذلك الشروع في عمل الجهاد؛ فإنّ المسلمين إذا صافوا عدوًّا أو حاصروا حصنًا ليس لهم : (ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمَتَه أن ينزعها حتى ﷺالانصراف عنه حتى يفتحوه، ولذا قال النبي .)1(يحكم الله بينه وبين عدوه الإخلاصُ والاتحاد مِن أسباب النصر والتمكين، الاعتصامُ بحبل الله وكتابه، والبعدُ عن التعزّي بعزاء الجاهلية، وهو التعصّب للقبائل وغير القبائل، والقتال من أجل ذلك لا يفلح عند الله، أي: لا بدّ للمجاهد أن يكون مخلصًا لله- تعالى- في جهاده، ويكون مجاهدًا لكي تكون كلمةُ الله هي العليا، عاريًا من حظوظ الأنفس، ورغبات الدنيا، طامعًا في ثواب الله ومرضاته، ولقد ذكر شيخُ الإسلام في هذا كثيرًا من الأحاديث التي تؤيّد هذا المعنى، منها: (إذا التقى المسلمان بسيفيْهما فالقاتل والمقتول في النار). قيل: يا رسول قال رسول اللهﷺ: .)2(الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: (إنه أراد قتل صاحبه من عوامل النصر: الإرادة: مِن عوامل النصر: الإرادة الصادقة المنبعثة من الإيمان بالله إيمانًا صادقًا قويًّا بأنه هو ناصرهم ومعينهم ومؤيدهم، وأنّه هو حسيبهم يعلم ما بهم، وأنهم بذلوا كلّ ما في وسعهم بعزيمة وهمة، فيرحمهم- سبحانه- وينزل عليهم نصرَه المبين، ويؤيّدهم بجنود مِن عنده، فهم لم يفعلوا إلاّ كلّ ما يرضي الله ورسولَه بنيّة صالحة، وهدفهم نصرُ دين الله، ورفع كلمة التوحيد، أو تخليص الأمّة ممّا يلحقها من فساد واعتداء. فبالإرادة وحدَها قد ينصر اللهُ المسلمين على عدوّهم نصرًا لم يكونوا يتوقّعونه، وبقوّة وأسباب لم يكونوا يعلمونها، بل كانوا يكرهونها، وهذا ما حدث مع التتار عند غزوهم لبلاد الشام، ولنترك أحد المجاهدين الأعلام أصحاب الإرادة القوية والعزيمة الثابتة شيخ الإسلام ).187/28 مجموع الفتاوى،)1( .)2213/4)، وصحيح مسلم،15/1 صحيح البخاري،)2(
عدد الصفحات ٣١٦وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 317 ابن تيمية، والذي يشبه هزيمة التتار بغزوة الأحزاب عندما هزم الله المشركين ومن والاهم، وفي ذلك يقول العام حتى طلبوا الاستصحار غير مرّة، وكنا نقول لهم: هذا فيه خيرة عظيمة، وفيه لله حكمة وسرّ فلا تكرهوه، فكان من حكمته: أنه فيما قيل: أصاب قازان وجنوده حتى أهلكهم، وهو كان فيما قيل: سبب رحيلهم. وابتلي به المسلمون ليتبينّ مَن يصبر على أمر الله وحكمه ممّن يفرّ عن طاعته وجهاد عدوه. وكان مبدأ رحيل قازان فيمَن معه من أرض الشام وأراضي حلب يوم الاثنين حادي عشر جمادى الأولى يوم دخلتْ مصر عقيْب العسكر، واجتمعت بالسّلطان وأمراء المسلمين، وألقى الله في قلوبهم مِن الاهتمام بالجهاد ما ألقاه، فلماّ ثبّت الله قلوب المسلمين صرف العدو جزاءً منه، وبيانًا أنّ النيّة الخالصة والهمّة الصادقة ينصر الله بها، وإن لم يقعِ الفعل، وإن تباعدت .)1(الديار الأسبابُ الماديّة للنصر: للنصر أسبابٌ ماديّة متعدّدة، ومن أهمها: - إعدادُ العدّة والسلاح: 1 القوةَ المادية من أسباب النصر التي لا يمكن الاستغناء عنها، - عز وجل -لقد جعل الله ]60﴾ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ حيث قال- تعالى- في كتابه الكريم: ﴿ ﴾ جاءت نكرة لتدلّ على الشمول لجميع أنواع القوى في كلّ عصر، وأنّ هذا ﯝوكلمة ﴿ الشمول وهذا الخلود من مزايا القرآن الكريم، فهو يأتي بالكلمة الواحدة تحسبها كغيرها من الكلمات، فإذا تتابعت العصور وتطوّر الناس من حالٍ إلى حال وجدتها أوسعَ من هذه مِن: ﷺالعصور ومِن تلكُم التطورات، فكلمة القوّة شملت ما عرفه الصحابة أيام الرسول سيف ورمح ودرع، وهي تشمل اليومَ ما نعرفه من أسلحة متطوّرة، وكلمة الرمي التي فس ).165)، والسنن الإلهية في الحياة الإنسانية، ص463/28 مجموع الفتاوى،)1(
عدد الصفحات ٣١٧318شيخُ الإسلام ابن تيمية القوة التي في الآية تنبيهًا لأهميتها ومكانتها، ولأنها أداة حسمٍ في المعركة تشمل ﷺبها الرسول الرمي بالسهام والنبل بالأمس، وتشمل اليوم الرمي بالرصاص أو القنابل أو الصواريخ من البندقية أو المدفعية أو راجمات الصواريخ. « :«الرمي«ويقول شيخُ الإسلام مؤكّدًا على أن هذه القوة هي في سبيل الله، والضرب في سبيل الله، كلّ ذلك ممّا أمر الله- تعالى- به ورسوله، وقد ذكر الله- ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ تعالى- الثلاثة فقال تعالى: ﴿ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ]4﴾ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ]12﴾ﮞ ﮟ ﮠ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ]94﴾ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ]60﴾ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ أنه قرأ على المنبر هذه الآية فقال: (ألاَ إنّ القوة ﷺوقد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن النبي في الصحيح أنه قال: (ارموا ﷺالرمي، ألاَ إنّ القوة الرمي، ألاَ إنّ القوة الرمي)، وثبت عنه واركبوا، وأنْ ترموا أحبّ إليّ من أن تركبوا، ومَن تعلم الرمي ثمّ نسيه فليس منّا)، وفي رواية: أنه قال: (كل لهو يلهو به r(ومَن تعلم الرمي ثمّ نسيه فهي نعمة جحدها)، وفي السنن عنه ، وقال: )1(الرجل فهو باطل؛ إلاّ رميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته امرأته، فإنهن من الحق . )2((ستفتح عليكم أرضون، ويكفيكم الله، فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه وقد كشف القرآن الكريم للمؤمنين عن منابع القوة وعناصرها، وأمرهم بالبحث عنها واستخدامها، ومسايرة التقدم البشري، والسبق في الكشف والاختراع والسلطان، وبينّ لهم أنها في الحديد وما يستخرج منه من المصنوعات النافعة بواسطة النار التي هي أقوى منه كنتيجة للفكر والعمل، وأثبت لهم هذه الحقيقة حتى جعلها عقيدة لا قيام لدينهم ولا لدولتهم إلاّ ).533/28 مسند أحمد، ط: الرسالة،)1( .)1522/3 صحيح مسلم،)2(
عدد الصفحات ٣١٨وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 319 حيث أعلمهم أنه أنزل الحديد مع الكتاب إشارة إلى أن القوة مع الحق، ولا قيام له إلاّ به، بها، ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩﭪ فقال تعالى: ﴿ ]25﴾ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ .)1(ا ولأنّ الحديد من أهم عناصر القوة وعمادها فلا تخلو منه صنعة أو أسلحة، ولا تقوم حياة الناس إلاّ به، لذلك ذكر شيخُ الإسلام ذلك مبينًا دعائم الإسلام، حيث هو عماد الأسلحة التي تستخدم في جهاد الأعداء. يقول ابن تيمية- رحمه ا ﭑ ﭒ العليا، وكلمة الله: اسم جامع لكلماته التي تضمنها كتابه، وهكذا قال الله- تعالى: ﴿ ...﴾ الآية، فالمقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب أن يقوم الناس بالقسط ﭓ ﭔ ...﴾، فمَن عدل عن الآيات قوّم ﭝ ﭞفي حقوق الله وحقوق خلقه، ثمّ قال تعالى: ﴿ .)2(بالحديد، ولهذا كان قوام الدين بالمصحف والسيف - إعداد المجاهدين عسكريًّا:( « القوة المادية إعدادُ الرجال المقاتلين، فالرجال هُم أساسًا عماد الحرب وبهم تكون، وهذا الإعداد يحتاج إلى تدريب؛ لأنّ الحرب تحتاج إلى نوعٍ معينّ من الرجال بقدرات خاصة تأتي نتيجة لإعدادٍ خاص بدنيًّا وفنيًّا، ومِن هنا كان التدريب ركنَ الزاوية في الحرب. ونظرًا لأهمية التدريب؛ فقد حرص الإسلام حرصًا شديدًا على تنشئة أبنائه تنشئة قوية في أجسامهم، أو على إعدادهم عسكريًّا بالتدريب على السلاح، ومرحلة الإعداد هذه تبدأ ) وما بعدها بتصرف.252 السنة الإلهية في الحياة الإنسانية، ص)1( ) بتصرف255)، وانظر: السنن الإلهية، ص64-63/28 الفتاوى،)2(
عدد الصفحات ٣١٩