المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

شيخ الإسلام بن تيمية و جهوده في تفسير القرآن الكريم تطبيقا على آيات السنن الربانية

وفاء عبد العظيم عبد الوهاب محمد

صفحة ١٨ من ٢٨

288شيخُ الإسلام ابن تيمية هو واجب أو مستحب؟ على قولين: فعلى الأول يكون من أعمال المقتصدين، وعلى الثاني يكون من أعمال المقربين. قال عمر بن عبد العزيز: الرضا عزيز ولكن الصبر معول المؤمن. وقد بينّ شيخ الإسلام منزلة الرضا، ووضح أن الحمد من كمال الرضا، فذكر أن الرضا بما أمر الله به فأصله واجب وهو من الإيمان، وقد فصل في هذا الأمر تفصيلاً كثيرًا مصطحبًا ذلك .)1(بالأدلة من الكتاب والسنة وأقوال الأئمة وجوبُ الاحتراز من أسباب الفتنة والبلاء: الاحتراز من الفتن واجبٌ على كلّ مسلم؛ فإن الإنسان إذا تعرض للفتن فقد يفتن ولا يسلم، ومن هذه الفتن التي يعرض الإنسان نفسه لها: الدخول على السلطان، أو الاختلاط بالنساء، فيقع بالمحرمات، أو الاختلاط بأصحاب البدع والمنكرات، أو طلب الإمارة والملك والرئاسة، وبينّ ذلك الشيخ فيقول والنهي عن المنكر) و(الصلاة) و(الحج) و(الصوم) و(الزكاة) من الفتن النفسية وغيرها ما ليس في غيرها. ويعرض في ذلك ميل النفس إلى الرئاسة والمال والصور، فإذا كانت النفس غير قادرة على ذلك لم تطمع فيه كما تطمع مع القدرة؛ فإنها مع القدرة تطلب تلك الأمور المحرمة؛ بخلاف حالها بدون القدرة؛ فإن الصبر مع القدرة جهاد؛ بل هو من أفضل الجهاد. وأكمل من ثلاثة أوجه: (أحدها): أن الصبر عن المحرمات أفضل من الصبر على المصائب. (الثاني): أن ترك المحرمات مع القدرة عليها وطلب النفس لها أفضل من تركها بدون ذلك. (الثالث): أن طلب النفس لها إذا كان بسبب أمر ديني، كمن خرج لصلاة أو طلب علم أو جهاد فابتلي بما يميل إليه من ذلك فإن صبره عن ذلك يتضمن فعل المأمور وترك المحظور، بخلاف ما إذا مالت نفسه إلى ذلك بدون عمل صالح، ولهذا كان يونس بن عبيد يوصي بثلاث يقول: لا تدخل على سلطان، وإن قلت: آمره بطاعة الله. ولا تدخل على امرأة، وإن قلت: أعلمها كتاب الله. ولا تصغ أذنك .)2(إلى صاحب بدعة وإن قلت: أرد عليه ) وما بعدها.40/10 الفتاوى،)1( .)577،576/10 الفتاوى،)2(

عدد الصفحات ٢٨٨

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 289 كما يبينّ شيخ الإسلام هذا في موضع آخر بقوله دخل فيه باختياره وابتلي فعليه أن يتقي الله، ويصبر ويخلص ويجاهد. وصبره على ذلك وسلامته مع قيامه بالواجب من أفضل الأعمال، كمن تولى ولاية وعدل فيها، أو ردّ على أصحاب البدع بالسنة المحضة ولم يفتنوه، أو علم النساء الدين على الوجه المشروع من غير فتنة. لكن الله إذا ابتلى العبد وقدر عليه أعانه، وإذا تعرض العبد بنفسه إلى البلاء وكله الله إلى لعبد الرحمن بن سمرة: (لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أعطيتها عن مسألة ﷺنفسه، كما قال النبي ، وكذلك قال في الطاعون: (إذا وقع )1(وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها .)2(ببلد وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه، وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه فمَن فعل ما أمره الله به فعرضت له فتنة من غير اختياره فإنّ الله يعينه عليها بخلاف مَن تعرّض لها، لكن باب التوبة مفتوح؛ فإن الرجل قد يسأل الإمارة فيوكل إليها، ثمّ يندم فيتوب من سؤاله فيتوب الله عليه ويعينه؛ إمّا على إقامة الواجب، وإمّا على الخلاص منها؛ وكذلك ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮯ ﮰ ﮱ ﯓ سائر الفتن، كما قال: ﴿ .)3(»]53﴾ﯔ ﯕ *** ).63/9 صحيح البخاري،)1( .)214/3 مسند أحمد، ط الرسالة،)2( .)578،577/10 الفتاوى،)3(

عدد الصفحات ٢٨٩

290شيخُ الإسلام ابن تيمية المبحثُ السّابع سنّةُ الله في الخائنين للأمانة ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ قال تعالى: ﴿ ]28،27ٌ﴾ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ « عرضها الله على السموات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولاً، فمَن أدى الأمانة استحقّ من الله الثواب الجزيل، ومن لم يؤدها- بل خانها- استحق العقاب الوبيل، وصار خائنًا لله وللرسول ولأمانته، منقصًا لنفسه بكونه اتصفت نفسه بأخسّ الصفات، وأقبح الشيات، وهي الخيانة مفوتًا لها أكمل الصفات وأتمها، وهي الأمانة. ولمّا كان العبد ممتحنًا بأمواله وأولاده، فربما حمله محبة ذلك على تقديم هوى نفسه على أداء أمانته، أخبر الله- تعالى- أنّ الأموال والأولاد فتنة يبتلي الله بهما عباده، وأنها عارية ستؤدى لمَن ﴾.ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺأعطاها، وتردّ لمَن استودعها ﴿ فإنْ كان لكم عقل ورأي، فآثروا فضله العظيم على لذة صغيرة فانية مُضمحلة، فالعاقل .)1(يوازن بين الأشياء، ويؤثر أولاها بالإيثار، وأحقّها بالتقديم وقد أعطى الشيخ صورةً من صور الأمانة والحفاظ عليها، وصورة من صور التخلي عنها بقوله فيكون قد خان أمانته، كذلك قد يؤثره زيادة في ماله أو حفظه بأخذ ما لا يستحقه أو محاباة مَن يداهنه في بعض الولايات، فيكون قد خان الله ورسوله وخان أمانته. ).319 تيسير الكريم الرحمن، ص)1(

عدد الصفحات ٢٩٠

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 291 ثمّ إنّ المؤدي للأمانة مع مخالفة هواه يثبته الله فيحفظه في أهله وماله، والمطيع لهواه يعاقبه الله بنقيض قصده فيذلّ أهله ويذهب ماله، وفي ذلك الحكاية المشهورة أن بعض خلفاء بني العباس سأل بعض العلماء أن يحدثه عماّ أدرك فقال: أدركت عمر بن عبد العزيز فقيل له: يا أمير المؤمنين أقفرت أفواه بنيك من هذا المال، وتركتهم فقراء لا شيء لهم، وكان في مرض موته فقال: أدخلوهم عليّ، فأدخلوهم بضعة عشر ذكرًا ليس فيهم بالغ، فلماّ رآهم ذرفت عيناه ثمّ قال: يا بني، والله ما منعتكم حقًّا هو لكم، ولم أكنْ بالذي آخذ أموال الناس فأدفعها إليكم، وإنما أنتم أحد رجلين: إمّا صالح فالله يتولىّ الصالحين، وإمّا غير صالح فلا أترك له ما يستعين به على معصية الله، قوموا عني. قال: فلقد رأيت بعض ولده حمل على مائة فرس في سبيل الله، يعني: أعطاها لمَن يغزو عليها. قلت: هذا وقد كان خليفة المسلمين من أقصى المشرق بلاد الترك إلى أقصى المغرب بلاد الأندلس وغيرها، ومن جزائر قبرص وثغور الشام والعواصم كطرسوس ونحوها إلى أقصى اليمن، وإنما أخذ كلّ واحد من أولاده من تركته شيئًا يسيرًا يقال: أقلّ مِن عشرين درهمًا. قال: وحضرت بعض الخلفاء وقد اقتسم تركته بنوه فأخذ كلّ واحد منهم ستمائة ألف دينار، ولقد رأيت بعضهم يتكفّف الناس- أي: يسألهم بكفّه، وفي هذا الباب من الحكايات .)1(والوقائع المشاهدة في الزمان والمسموعة عماّ قبله ما فيه عبرة لكل ذي لبّ *** ).16،15 السياسة الشرعية لابن تيمية، ص)1(

عدد الصفحات ٢٩١

292شيخُ الإسلام ابن تيمية المبحثُ الثّامن سنّةُ الله في التسخير معنى التسخير لغة: ومعنى التسخير في اللغة: التّذليل، والسخرة: ما تسخره من دابة أو خادم بلا أجر أو ثمن، ﴾ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ويقال: سخرته بمعنى: قهرته وذللته، قال تعالى: ﴿ ]33 للآدميّين، وهو الانتفاع بها في بلوغ منابتهم، والاقتداء بها في مسالكهم، وتسخير ما في الأرض، .)1(أي: تسخير بحارها وأنهارها ودوابها وجميع منافعها - عز وجل وسنّة الله في التسخير هي سنة تدلنا على أن كلّ ما في هذا الكون مسخر من قبل الله لعباده؛ حتى ينتفعوا، وليستفيدوا من مكونات هذا الكون في عمارة الأرض، وتحقيق العبودية - الكاملة، ولقد ألمح الشيخ عن هذه السنة حين حديثه عن الأسباب، فذكر أنّ الأسباب ليست وحدها مستقلة، ويجب أن لا يعتمد الإنسان على الأسباب، وذكر أنّ كلّ ما في الكون مسخّر بتدبيره وحكمته، فيقول شيخُ الإسلام متحدثًا عن حركة الكون: - عز وجل -من قبل الله « هي التي لا إحساس للمتحرك بها كحركة التراب إلى أسفل، والإرادية هي التي للمتحرك بها حس كحركة الحيوان، فما كان من هذه متحركًا بطبع فيه أو إرادة فمبدأ حركته منه، وما كان مقسورًا فقاسره من المخلوقات إنما يقسه لما فيه من الاستعداد لقبول قسه، وذلك معنى ليس من القاسر، فحركات الأفلاك إذا اجتمعت ليست مستقلّة بتحريك هذه الأجسام، وإن جاز أن تكون جزءًا للسبب، كما نشهد أن الشمس جزء سبب في نمو بعض الأجسام ورطوبتها ويبسها ونحو ذلك، ثمّ بتقدير أن تكون أسبابًا فلها موانع ومعارضات؛ إذ ما من سبب يقدر إلاّ وله مانع إرادي أو طبيعي أو غير ذلك كـ: الدعاء والصدقة والأعمال الصالحة؛ فإنها من ).145/7 لسان العرب،)1(

عدد الصفحات ٢٩٢

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 293 أعظم الأسباب في دفع البلاء النازل من السماء، ولهذا أمرنا بذلك عند الكسوف، وغيره من : (إن الشمس والقمر لا ينكسفان ﷺالآيات السماوية التي تكون سببًا للعذاب، كما قال النبي لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله يخوف بهما عباده، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى .)2( عند الكسوف بالصلاة والذكر والاستغفار والصدقة والعتاقةﷺ، وأمر )1(الصلاة المسخَّراتُ الكونية ودلالتها على الله- تعالى: اهتمّ شيخُ الإسلام- رحمه الله- بذكر المسخّرات الكونية ودلالتها على الله- تعالى، وفوائدها في حياة الخلق، فيرى أنّ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ تعالى: ﴿ ]18﴾ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﯷ وهو- سبحانه- مع ذلك قد جعل فيها منافع لعباده وسخرها لهم كما قال تعالى: ﴿ ﮘ ] 33﴾ﯸ ﯹ ﯺ ﯻﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ]54﴾ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ] 13﴾ﰋ ﰌ ﰍ الحرّ والبرد والليل والنهار ونضاج الثمار وخلق الحيوان والنبات والمعادن، وكذلك ما يجعله بها لهم من الترطيب والتيبيس، وغير ذلك من الأمور المشهودة، كما جعل في النار الإشراق والإحراق، وفي الماء التطهير والسقي وأمثال ذلك من نعمه التي يذكرها في كتابه، كما قال ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ تعالى: ﴿ ] 49-48﴾ﮞ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﴾، وكما قال: ﴿ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ببعض كـما قال تعالى: ﴿ ﯩ ﯪ ﯫﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ .)3(﴾ﯻ ﯼ ).34/2 صحيح البخاري،)1( .)171/8 الفتاوى،)2( .)167/35 مجموع الفتاوى،)3(

عدد الصفحات ٢٩٣

294شيخُ الإسلام ابن تيمية مِن سنة الله في خلقه أن جعل بعضهم فوق بعض درجات كما أنه سخر بعضهم لبعض: يتحدّث شيخُ الإسلام عن سنّة الله- تعالى- في تسخير الخلق لبعضهم بعضًا أنْ فضّل بعضهم على بعض في الدنيا؛ ليتخذ بعضهم بعضًا سخريًّا، ومعنى ذلك أن يستفيد بعضهم من بعض في الأعمال والحرف والصنائع؛ لأنه لو تساوى الناس في الغنى ولم يحتَجْ بعضهم إلى بعض لتعطلت المصالح والمنافع، ولم تنشأ منهم المجتمعات، ولم تقم فيها حضارة، يؤثر أن يكون هو القاهر، ثمّ إنه مع هذا لا بدّ له- في العقل والدين- من أن يكون بعضهم فوق ﱫ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ بعض، كما أن الجسد لا يصلح إلاّ برأس، قال تعالى: ﴿ ﯞ ] 165﴾ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ .)1(»]32﴾ﯮ *** ).85/13)، والحديث خرجه البيهقي في شعب الإيمان،217 السياسة الشرعية، ص)1(

عدد الصفحات ٢٩٤

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 295 المبحثُ التّاسع سنّةُ الله في السعادة والشقاء ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ قال- تعالى- مبيّنًا سنّته في السعادة والشقاوة: ﴿ ]124﴾ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﴾ الذي أذكره به فتولى عنه ولم يقبله ﯳ ﯴ ﯵ ﯶيقول الطبري- رحمه ا ﯷ ﯸ ﯹ ولم يستجب له، ولم يتعظ به فينزجر عما هو عليه مقيم من خلافه أمر ربه ﴿ ﴾ يقول: فإن له معيشة ضيقة، والضنك من المنازل والأماكن والمعايش: الشديد، يقال: ﯺ .)1(هذا منزل ضنك: إذا كان ضيّقًا يقول شيخ الإسلام- رحمه الله- مبيّنًا الطريق الأصلح للسعادة يفلح ولا يلتذّ ولا يسّ ولا يطيب ولا يسكن ولا يطمئن إلاّ بعبادة ربه وحبه والإنابة إليه، ولو حصل له كلّ ما يلتذّ به من المخلوقات لم يطمئن ولم يسكن؛ إذ فيه فقر ذاتي إلى ربه، ومن حيث هو معبوده ومحبوبه ومطلوبه، وبذلك يحصل له الفرح والسور واللذة والنعمة والسكون والطمأنينة. وهذا لا يحصل له إلاّ بإعانة الله له، لا يقدر على تحصيل ذلك له إلاّ الله، فهو دائماً مفتقر إلى ] 5﴾ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ حقيقة ﴿ ويشتهيه ويريده ولم يحصل له عبادته لله بحيث يكون هو غاية مراده ونهاية مقصوده، وهو المحبوب له بالقصد الأول، وكلّ ما سواه إنما يحبه لأجله، لا يحبّ شيئًا لذاته إلاّ الله، فمتى لم يحصل له هذا لم يكن قد حقّق حقيقةَ (لا إله إلاّ الله)، ولا حقق التوحيد والعبودية والمحبة، وكان فيه من النقص والعيب، بل من الألم والحسة والعذاب بحسب ذلك. ).390/18 جامع البيان، ت: شاكر،)1(

عدد الصفحات ٢٩٥

296شيخُ الإسلام ابن تيمية ولو سعى في هذا المطلوب ولم يكنْ مستعينًا بالله متوكلاً عليه مفتقرًا إليه في حصوله لم يحصل له؛ فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فهو مفتقر إلى الله من حيث هو المطلوب المحبوب المراد المعبود، ومن حيث هو المسئول المستعان به المتوكل عليه، فهو إلهه، لا إله له غيره، وهو .)1(ربه لا ربّ له سواه من أسباب السعادة في نظر الشيخ- رحمه الله-: تتبّع شيخُ الإسلام- رحمه الله- أسباب السعادة، وسننَ الله- تعالى- فيها من خلال فهْم الشيخ لمضامين القرآن الكريم، ويمكننا أن نرصدها على النحو الآتي: ـ اتّباع المرسلين:1 قال- رحمه ا الناس بذلك هم أعلمهم بآثار المرسلين، وأتبعهم لذلك، فالعالمون بأقوالهم وأفعالهم المتبعون لها هم أهل السعادة في كلّ زمان ومكان، وهم الطائفة الناجية من أهل كلّ ملّة، وهم أهل السنة والحديث من هذه الأمة؛ فإنهم يشاركون سائر الأمّة فيما عندهم من أمور الرسالة، ويمتازون .)2(عنهم بما اختصوا به من العلم الموروث عن الرسول؛ ممّا يجهله غيرهم أو يكذب به - فعلُ المأمور وتركُ المحظور: ( ويبينّ شيخُ الإسلام- رحمه الله أن فعل المأمور وترك المحظور من أسباب السعادة التي يتحصل عليها الإنسان في حياته فيقول والسعادة؛ فشهادة التوحيد تفتح باب الخير، والاستغفار من الذنوب يغلق باب ال - الإخلاصُ لله- تعالى: 3 ويرى- رحمه ا عنه ما يضادّ ذلك من السوء والفحشاء، ويخاف من حصول ضدّ ذلك، بخلاف القلب الذي ).194/10 مجموع الفتاوى،)1( .)26/4 مجموع الفتاوى،)2(

عدد الصفحات ٢٩٦

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 297 لم يخلص لله فإنه في طلب وإرادة وحب مطلق، فيهوى ما يسنح له، ويتشبّث بما يهواه، كالغصن أي نسيم مر بعطفه أماله، فتارة تجتذبه الصور المحرمة وغير المحرّمة، فيبقى أسيرًا عبدًا لمن لو اتخذه هو عبدًا له لكان ذلك عيبًا ونقصًا وذمًّا، وتارة يجتذبه الشرف والرئاسة فترضيه الكلمة وتغضبه الكلمة، ويستعبده مَن يثني عليه ولو بالباطل، ويعادي مَن يذمّه ولو بالحقّ، وتارة يستعبده الدرهم والدينار، وأمثال ذلك من الأمور التي تستعبد القلوب، والقلوب تهواها، فيتخذ إلهه هواه، ويتبع هواه بغير هدى من الله. ومَن لم يكن خالصًا لله عبدًا له قد صار قلبه مستعبدًا لربه وحده لا شريك له بحيث يكون هو أحبّ إليه ممّا سواه، ويكون ذليلاً خاضعًا له، وإلاّ استعبدته الكائنات، واستوْلت على قلبه الشياطين، وكان من الغاوين إخوان الشياطين، وصار فيه من السوء والفحشاء ما لا يعلمه إلاّ .)1(ا - اعتقادُ الحقّ الثابت: 4 يبينّ الشيخُ- رحمه الله- أنّ أشدّ الناس سعادة وأبعدهم عن الشقاء مَن كان ملتزمًا بالحقّ الثابت، فيقول: (فكلّ مَن استقرأ أحوال العالم وجدَ المسلمين أحدّ وأسدّ عقلاً، وأنهم ينالون في المدّة اليسيرة من حقائق العلوم والأعمال أضعاف ما يناله غيرهم في قرون وأجيال، وكذلك أهل السنة والحديث تجدهم كذلك متمتعين. وذلك لأنّ اعتقاد الحقّ الثابت يقوّي الإدراك ويصحّحه، ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ . وقال: ﴿ 17﴾، محمد ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ قال تعالى: ﴿ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ .)2()66﴾(النساءﭷ *** ).216/10 مجموع الفتاوى،)1( .)10 /4 مجموع الفتاوى)2(

عدد الصفحات ٢٩٧

298شيخُ الإسلام ابن تيمية المبحثُ العاشر مِن سننِ الله في خلقه أنْ جعل لهم أميرًا، ولا يصلح حالهم إلّا بهذه الإمارة يقول شيخُ الإسلام- رحمه ا الدين، بل لا قيام للدين إلاّ بها؛ فإنّ بني آدم لا تتم مصلحتهم إلاّ بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى : (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمّروا ﷺبعض، ولا بدّ لهم عند الاجتماع من رأس حتى قال النبي . )1(أحدهم) رواه أبو داود من حديث أبي سعيد وأبي هريرة قال: (لا يحلّ لثلاثة ﷺوروى الإمام أحمد في المسند، عن عبد الله بن عمرو، أن النبي يكونوا بفلاة من الأرض إلاّ أمّروا عليهم أحدهم)، فأوجب ﷺ تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر تنبيهًا بذلك على سائر أنواع الاجتماع، ولأن الله- تعالى- أوجب الأمر بالمعروف والنهيَ عن المنكر، ولا يتمّ ذلك إلاّ بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد، ونصر المظلوم، وإقامة الحدود لا يتمّ إلاّ بالقوة .)2(والإمارة، ولهذا روي: (إنّ السلطان ظلّ الله في الأرض ويقال: ستّون سنَة من إمامٍ جائر أصلحُ من ليلة بلا سلطان، والتجربة تبينّ ذلك، ولهذا كان السّلف كالفضيل بن عياض وأحمد بن حنبل وغيرهما يقولون: لو كان لنا دعوة مجُابة لدعونا بها للسلطان، وقال النبيﷺ: (إنّ الله يرضى لكم ثلاثة: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن .)3(تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا مَن ولاّه الله أمركم) رواه مسلم ). 249/4 سنن أبي داود، ت: الأرنؤوط،)1( .)476/9 شعب الإيمان،)2( .)1340/3 صحيح مسلم،)3(

عدد الصفحات ٢٩٨

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 299 وقال: (ثلاث لا يغلّ عليهم قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم . )1(جماعة المسلمين؛ فإن دعوتهم تحيط بهم من ورائهم) رواه أهل السنن في الصحيح عنه أنه قال: الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة. قالوا: لمَن يا .)2(رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم فالواجبُ اتخّاذ الإمارة دينًا وقربة يتقرب بها إلى الله؛ فإن التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات، وإنما يفسد فيها حالُ كثيرٍ من الناس لابتغاء الرياسة أو المال بها، أنه قال: (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها ﷺوقد روى كعب بن مالك، عن النبي ، قال الترمذي: حديث حسن صحيح، فأخبر )3(من حرص المرء على المال أو الشرف لدينه أنّ حرص المرء على المال والرياسة يفسد دينه مثل أو أكثر من إرسال الذئبين الجائعين لزريبة .)4(الغنم *** ).467/35 مسند أحمد، ط: الرسالة،)1( .)21/1 صحيح البخاري،)2( .)84/7)، ومصنف ابن أبي شيبة،166/4 سنن الترمذي، ت: بشار،)3( .)217 السياسة الشرعية، ص)4(

عدد الصفحات ٢٩٩

300شيخُ الإسلام ابن تيمية المبحثُ الحادي عشر مِن سُنن الله في الأمّة المسلمة ـ أنها لا تجتمع على ضلالة:1 يقول شيخُ الإسلام في معنى الإجماع ثبت إجماع الأمّة على حكمٍ من الأحكام؛ لم يكن لأحدٍ أن يخرج عن إجماعهم؛ فإنّ الأمّة لا تجتمع على ضلالة، ولكن كثير من المسائل يظنّ بعض الناس فيها إجماعًا ولا يكون الأمرُ كذلك، بل .)1(يكون القول الآخر أرجح في الكتاب والسنة ـ أنهّا لا تؤخذ بسنَةٍ عامة: ( وأيضًا مِن سنن الله في الأمَم المسلمة أنه- تعالى- لا يبتليها بشرّ عام، ولكنه يبتليها بشرور جزئية؛ حتى تثوب إلى رشدها وتسترجع مجدها، خاصة إذا حادت عن منهج الله، يقول شيخ الإسلام: (وليس إذا وقع في المخلوقات ما هو شر جزئي بالإضافة: يكون شرًّا كليًّا عامًّا، بل .)2(الأمور العامة الكلية لا تكون إلاّ خيرًا ومصلحة للعباد ـ الامتحانُ للمؤمنين ونصرة الله لهم: 3 فمِن سنن الله- تعالى- في المؤمنين أن يمتحنهم وينصرهم على أعدائهم من الكفار المكذّب للرسل، فذكر شيخُ الإسلام في تناوله لسورة العنكبوت لهم، وحاجتهم إلى الصبر والجهاد، وذكر فيها حسن العاقبة لمن صبر، وعاقبة من كذب الرسل، فذكر قصة إبراهيم؛ لأنها من النمط الأول، ونصرة الله له على قومه، وكذلك سورة الصافات ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ قال فيها: ﴿ ]73-71﴾ﯱ ﯲ ﯳ ).10 / 20 مجموع الفتاوى،)1( .)268 /14 مجموع الفتاوى،)2(

عدد الصفحات ٣٠٠

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 301 وذلوا، وإمّا بكونهم أهلكوا، ولهذا ذكر فيها قصة إلياس، ولم يذكرها في غيرها، ولم يذكر هلاك -127﴾ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ قومه، بل قال: ﴿ ] 128 يقمْ فيهم، وإلياس المعروف بعد موسى من بني إسرائيل، وبعد موسى لم يهُلك المكذّبين بعذاب الاستئصال، وبعد نوح لم يهلك جميع النوع، وقد بعث في كلّ أمّة نذيرًا، والله- تعالى- لم يذكر- قطّ- عن قوم إبراهيم أنهم أهلكوا كما ذكر عن غيرهم، بل ذكر أنهم ألقوه في النار فجعلها الله .)1(عليه بردًا وسلامًا، وأرادوا به كيدًا، فجعلهم الله الأسفلين الأخسين - مضاهاتهُا لليهود والنصارى: 4 يقول شيخُ الإسلام- رحمه ا يعلمون الحقّ ولا يتبعونه عملاً، أو لا قولاً ولا عملاً، وكفر النصارى من جهة عملهم بلا علم، فهم يجتهدون في أصناف العبادات بلا شريعة من الله، ويقولون على الله ما لا يعلمون. ولهذا كان السلف- سفيان بن عيينة، وغيره- يقولون: إنّ مَن فسد مِن علمائنا ففيه شبهٌ من اليهود! ومَن فسد مِن عبّادنا ففيه شبه من النصارى. وليس هذا موضع شرح ذلك. ومع أنّ الله قد حذّرنا سبيلهم، فقضاؤه نافذ بما أخبر به رسوله ممّا سبق في علمه، حيث قال فيما خرجاه في الصحيحين: عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله: (لتتّبعن سننَ مَن كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه). قالوا: يا رسول الله، اليهود . )2(والنصارى؟ قال: (فمَن وروى البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة، عن النبي قال: (لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي مأخذ القرون، شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع). فقيل: يا رسول الله، كفارس والروم؟ قال: . )3((ومَن الناس إلاّ أولئك)؟ ).29 النبوات، ص)1( .)2054/4)، وصحيح مسلم،169/4 صحيح البخاري،)2( .)313/8 مسند أحمد، ت: شاكر،)3(

عدد الصفحات ٣٠١

302شيخُ الإسلام ابن تيمية فأخبر أنه سيكون في أمّته مضاهاة لليهود والنصارى، وهم أهل الكتاب، ومضاهاة لفارس والروم، وهم الأعاجم. ينهى عن التشبه بهؤلاء وهؤلاء، وليس هذا إخبارًا عن جميع الأمّة، بل قد تواتر وقد كان ، وأخبر أنّ الله )1(عنه أنّه قال: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرة على الحقّ حتى تقوم الساعة لا يجمع هذه الأمّة على ضلالة، وأنّ الله لا يزال يغرس في هذا الدين غرسًا يستعملهم فيه بطاعته. فعلم بخبره الصدق أنه في أمّته قوم متمسكون بهديه، الذي هو دين الإسلام محضًا، وقوم منحرفون إلى شعبة من شعب اليهود، أو إلى شعبة من شعب النصارى، وإن كان الرجل لا يكفر بكلّ انحراف، بل وقد لا يفسق- أيضًا، بل قد يكون الانحراف كفرًا، وقد يكون فسقًا، وقد يكون معصية، وقد يكون خطأ. وهذا الانحراف أمرٌ تقتضيه الطباعُ ويزيّنه الشيطان، فلذلك أمر العبد بدوام دعاء الله- .)2(سبحانه- بالهداية إلى الاستقامة التي لا يهودية فيها ولا نصرانية أصلاً *** ).137/1)، وصحيح مسلم،101/9 صحيح البخاري،)1( .)83-79 اقتضاء الصراط المستقيم لشيخ الإسلام، ص)2(

عدد الصفحات ٣٠٢

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 303 المبحثُ الثّاني عشر سنّةُ الله في قبول الأعمال عز وجل ومِن سنن الله- تعالى- في قبول الأعمال: (أنْ تكون أعمالاً صالحة، ومخلصة لله - ). - قال- رحمه ا ] 2﴾ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ الله)، كما قال تعالى: ﴿ وأصوبه. قالوا: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا. ﰐ ﰑ والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة، وذلك تحقيق قوله تعالى: ﴿ ]110﴾ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﰙ ﰚ ﰛ ﰜ وكان أميرُ المؤمنين عمر بن الخطاب يقول في دعائه له: اللهم اجعل عملي كله صالحًا، ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا، وقال تعالى: ﴿ .)1(»]21﴾ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ وقال- رحمه ا في دعاء الخارج إلى الصلاة: (اللهم إني أسألك بحقّ السائلين عليك، وبحقّ ممشاي ﷺالنبي هذا، فإني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا ولا رياء ولا سمعة، ولكن خرجت اتقاءَ سخطك، وابتغاء .)2(مرضاتك، أسألك أن تنقذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلاّ أنت *** ).333/1 مجموع الفتاوى،)1( .)25/6)، والحديث في مصنف ابن أبي شيبة،340/1 الفتاوى،)2(

عدد الصفحات ٣٠٣