272شيخُ الإسلام ابن تيمية وأمّا ما يلحقهم من الجوع والعطش والتعب فذاك يكتب لهم به عمل صالح، كما قال ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ تعالى: ﴿ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩﮪ ﮫ ﮬ ﮭ .)1(»]120﴾ﮮ ﮯ ﮰ ويقول شيخُ الإسلام في موضع آخر مؤكدًا على هذا المعنى أنه يبتلي عباده بالحسنات والسيئات؛ فالحسنات هي النعم والسيئات هي المصائب؛ ليكون (والذي نفسي بيده لا يقضي الله أنه قال: ﷺالعبد صبّارًا شكورًا، وفي الصحيح عن النبي للمؤمن قضاء إلاّ كان خيرًا له، وليس ذلك لأحد إلاّ للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا .)2(»له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له مِن أنواع الابتلاء: تعدّدت صور الابتلاء التي ذكرها شيخُ الإسلام من خلال تتبعه للقرآن الكريم وفهمه لمضامينه، ومن هذه الابتلاءات: - الابتلاء بإنزال العقوبات:1 ﰅ ﰆ« ﯽ] 79﴾ﰇ ﰈ ﰉ ﰊﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ]165﴾ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﴾ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆوقال تعالى: ﴿ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ] 30 ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ] 48﴾ﯕ ﯖ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ]50﴾ﯩ ﯪ ﯫ ).255،254/14 مجموع الفتاوى،)1( .)54/16 الفتاوى،)2(
عدد الصفحات ٢٧٢وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 273 ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ] 209،208﴾ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﴾ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ]59[ ﭑ ﭒ ﭓ ال تعالى: ﴿ H]41﴾ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﭩ ﭪ ﭫ ] 21﴾ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ]34﴾ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ]26﴾ ﮮ ﮯ ﮰﮱ ﯓ ﯔ ﯕبهم المثل لما أهلكها بذلك العذاب: ﴿ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ تعالى: ﴿ ]117﴾ﭵ ﭶﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽﭾ ﭿ ﴾ إلى قوله: ﴿ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ عن أهل سبأ: ﴿ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ]17،16﴾ﮀ ﮁ ﮂ ﴾ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ] 102﴾ﮔﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ]15[ (يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثمّ أوفيكم إيّاها وفي الحديث الصحيح الإلهي: .)1(فمَن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلاّ نفسه وفي سيد الاستغفار: (أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي). .)2(»]47﴾ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽوقال تعالى: ﴿ - سلبُ النعم: ( لقد جعلَ الله - عز وجل - لنا النعم الكثيرة التي لا تعدّ ولا تحصى؛ حتى نتمتع بها في هذه في كلّ شيء؛ حتى تستمر هذه البركة؛ - عز وجل -الدنيا، وأمرنا بالشكر عليها، وطاعة الله ).1994/4 صحيح مسلم،)1( .)425،424/14 الفتاوى،)2(
عدد الصفحات ٢٧٣274شيخُ الإسلام ابن تيمية فإذا تركنا الطاعة والشكر المستلزم لحفظ هذه النعم سلبها الله - عز وجل - منا حتى يبتلينا فنتوب ونعود إليه؛ وذلك لأن الشكر من الواجب المستحق من العبد تجاه الخالق. وقد أشار شيخُ الإسلام إلى هذا الابتلاء في أكثر من موضع من ذلك، ذكره أن الله يسلب النعم ويخفض المنزلة بفعل المنهيات فيقول من النعم التي كان فيها، وإن كان لا يعاقب بالضرر، ويبينّ أن الوجوب والاستحقاق يعلم بالبديهة، فتارك الواجب وفاعل القبيح وإن لم يعذب بالآلام كالنار فيسلب من النعم وأسبابه ما يكون جزاءه، وهذا جزاء من لم يشكر النعمة، بل كفرها أن يسلبها، فالشكر قيد النعم، وهو موجب للمزيد، والكفر بعد قيام الحجة موجب للعذاب، وقبل ذلك ينقص النعمة ولا .)1(يزيد وفي موضع آخر تحدّث شيخ الإسلام عن الابتلاء والسلب في أثناء شرحه لحديث النبي الذي سأل فيه ربَّه ألاّ يسلط عليهم عدوًا من غيرهم فيقول في ذلك ﷺ وقد أخبر أن الله تجاوز لأمته عن الخطأ والنسيان، وقد أخبر ﷺوإن كان قد استقر بموت النبي أن الرسول يضع عن أمته إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، وسأل ربه لأمته أن لا يسلط عليهم عدوًّا من غيرهم فيجتاحهم فأعطاه ذلك؛ لكن ثبوت هذا الحكم في حقّ آحاد الأمّة قد لا يحصل إلا بطاعة الله ورسوله، فإذا عصى الله ذلك الشخص العاصي عوقب عن ذلك بسلب هذه النعمة، وإن كانت الشريعة لم تنسخ. يبينّ هذا أن في هذا الدعاء سؤال الله بالعفو والمغفرة والرحمة والنصر على الكفار، ومعلوم أنّ هذا ليس حاصلاً لكلّ واحد من أفراد الأمة، بل منهم مَن يدخل النار، ومنهم مَن ينصر عليه الكفار، ومنهم مَن يُسلب الرزق؛ لكونهم فرطوا في طاعة الله ورسوله، فيسلبون ذلك .)2(بقدر ما فرطوا أو قصروا ).254/16 الفتاوى،)1( .)149/14 مجموع الفتاوى،)2(
عدد الصفحات ٢٧٤وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 275 - الابتلاءُ بالذنوب 3 قد يقع الإنسان في كثير من الذنوب التي قد تحار نفسه كيف وقعت في هذه الذنوب؟ وعندما يبحث في أعماق نفسه يجد أن الذي أوقعه في ذلك ربما تفريطه في بعض الحقوق أو النوايا الصالحة، أو عدم فعله ما خلق من أجله من إخلاص العبودية لله- تعالى، يقول شيخ الإسلام موضّحًا هذا المعنى لله- فهو عقوبة له على عدم فعله ما خلقه الله له، وفطره عليه، فإن الله إنما خلقه لعبادته وحده . )1((كلُّ مولود يولَد على الفطرة : ﷺلا شريك له، ودلّه على الفطرة، كما قال النبي ﯔ ﯕ ﯖ ﯗﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞﯟ ﯠ ﯡ ﯢ وقال تعالى: ﴿ ]30﴾ﯣﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ فهو لمّا لم يفعل ما خلق له وما فطر عليه وما أمر به من معرفة الله وحده، وعبادته وحده؛ عـوقب على ذلـك بأن زيـن له الشيطان ما يفعله من الشرك والمعاصي. قال تعالى للشيطـان: ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﴾ إلى قوله: ﴿ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﴿ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ]65-63﴾ﯨ ﯩﯪ ﴾ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ]100،99[ .]202،201﴾ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ فقد تبينّ أنّ إخلاص الدين لله يمنع من تسلط الشيطان، ومن ولاية الشيطان التي توجب ﴾ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ العذاب، كما قال تعالى: ﴿ ]24[ الشيطان له في ضد ذلك ).95/2 صحيح البخاري، باب: إذا أسلم الصبي فمات،)1(
عدد الصفحات ٢٧٥276شيخُ الإسلام ابن تيمية وإذا لم يخلص لربه الدين ولم يفعل ما خلق له وفطر عليه عوقب على ذلك، وكان من عقابه: تسلّط الشيطان عليه حتى يزين له فعل السيئات، وكان إلهامه لفجوره عقوبة له على كوْنه لم .)1(يتّق ا - الابتلاءُ بالمصائب من أجل تكفير الذنوب: 4 لقد منّ الله على المؤمنين بفضله ورحمته بأنْ فتح لهم الأبواب التي يخرجون منها مِن الذنوب - عز وجل-التي أوقعهم الشيطان أو النفس الأمارة بالسوء فيها، فجعل الأمل في رضا الله موجودًا وباستمرار، حيث جعل لهم ما يكفر ذنوبهم، ويرفع درجاتهم في الجنة، ومِن هذه الأشياء الابتلاء بالمصائب. وتناول شيخُ الإسلام هذا المعنى في كتاباته كثيرًا، ومن هذا ما يتناوله في شرح حديث النبي :ﷺ .)2(« وقد قضى عليه بالسيئات الموجبة للعقاب، فكيف يكون ذلك خيرًا؟ والإجابة على هذا التساؤل لها وجهان: « ]79﴾ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑوالمصائب، كما في قوله: ﴿ ولهذا قال: (إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له)، فجعل القضاء ما يصيبه من سرّاء وضرّاء. هذا ظاهرُ لفظ الحديث، فلا إشكال عليه. (مَن سرّته حسنته : ﷺالوجه الثاني: أنه إذا قدر أن الأعمال دخلت في هذا، فقد قال النبي ، فإذا قضى له بأن يحسن فهذا ممّا يسه، فيشكر الله عليه، وإذا قضى )3(وساءته سيئته فهو مؤمن ).333،332،331/14 مجموع الفتاوى،)1( .)348/1 مسند الشهاب، القضاعي،)2( .)161/6 مصنف ابن أبي شيبة، باب: ما ذكر فيما يطوى عليه المؤمن من الخلال،)3(
عدد الصفحات ٢٧٦وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 277 عليه بسيئة فهي إنما تكون سيئة يستحق العقوبة عليها إذا لم يتب منها، فإن تاب أبدلت بحسنة، فيشكر الله عليها، وإن لم يتب ابتلي بمصائب تكفرها فصبر عليها، فيكون ذلك خيرًا له. ، والمؤمن هو الذي لا يصرّ على ذنب، بل يتوب (لا يقضي الله للمؤمن) قال: ﷺوالرسول منه، فيكون حسنة كما قد جاء في عدّة آيات. إنّ العبد ليعمل الذنب فيدخل به الجنة بعمله، لا يزال يتوب منه حتى يدخل بتوبته منه الجنة، والذنب يوجب ذلّ العبد وخضوعه ودعاء الله واستغفاره إياه وشهوده بفقره وحاجته إليه، وأنه لا يغفر الذنوب إلاّ هو، فيحصل للمؤمن- بسبب الذنب- من الحسنات ما لم يكن يحصل بدون ذلك، فيكون هذا القضاء خيرًا له. فهو في ذنوبه بين أمرين: إمّا أن يتوب فيتوب الله عليه فيكون من التوابين الذين يحبّهم الله. وإمّا أن يكفر عنه بمصائب؛ تصيبه ضراء فيصبر عليها، فيكفر عنه السيئات بتلك المصائب وبالصبر عليها ترتفع درجاته، وقد جاء في بعض الأحاديث: (يقول الله- تعالى: أهل ذكري أهل مجالستي، وأهل شكري أهل زيادتي، وأهل طاعتي أهل كرامتي، وأهل معصيتي لا أؤيسهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم)، أي: محُبهم؛ فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين، .)1((وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأكفر عنهم المعائب - الابتلاء بالحسنات والسيئات:5 قد أخبر الله- تعالى- في كتابه أنه يبتلي عباده بالحسنات والسيئات؛ فالحسنات هي النعم، أنه قال: ﷺوالسيئات هي المصائب؛ ليكون العبد صبّارًا شكورًا، وفي الصحيح عن النبي (والذي نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلاّ كان خيرًا له، وليس ذلك لأحد إلاّ للمؤمن، .)2(إن أصابته سرّاء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له تعالى- ولقد وضح شيخ الإسلام ابن تيمية ذلك في موضع غير هذا فقال أن الحسنات يذهبن السيئات، والاستغفار سبب للرزق والنعمة، وأن المعاصي سبب للمصائب ).319،318/14 مجموع الفتاوى،)1( )، والحديث سبق تخريجه54/16 الفتاوى،)2(
عدد الصفحات ٢٧٧278شيخُ الإسلام ابن تيمية ﯘ ﴾ إلى قوله: ﴿ ﮔﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ والشدة، فقال تعالى: ﴿ ﴾ إلى قوله: ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ]3-1﴾ﯙ ﯚ ﯛ ﯜﯝ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ]12-10﴾ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ]17-16﴾ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﴾، ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ وقال تعالى: ﴿ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ]66﴾ﭬ ﭭﭮ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﴾، وقال تعالى: ﴿ﰄ ﰅ ﰆ ﴾، ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ]9﴾ﮧ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ وقال تعالى: ﴿ .)1(»]43-42﴾ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ - الابتلاء بالهزيمة:6 لقد جعل الله الابتلاء سنته التي يعالج بها أحوال الناس ونفوسهم إذا خرجت عن الإطار الذي رسمه الله لهم في كتابه العظيم وسنة رسوله ﷺ، ولقد تنوعت هذه الابتلاءات طبقًا لأحوال الناس ونفوسهم، وطبقًا لما يعالج الأفراد أو يعالج الجماعات، ومن هذه الابتلاءات التي تعالج الجماعات هو الابتلاء بالهزيمة؛ حتى تراجع الجماعة المسلمة طريقتها وأطرها وما جلبته لنفسها من الخير والشر، فتستعيد طريقها الذي فقدته، وتسترد عافيتها، فتحصل على النصر الدائم، وتخرج من الهزيمة المؤقتة بإذن الله. لذلك عالج شيخ الإسلام هذه المسألة، ومن هذه المعالجات معالجته لما ابتلي به المسلمون من غزو التتار، ووضع مقارنة رائعة بين ما حدث للمسلمين في هذا الزمان، وما حدث لهم في غزوة الخندق وغزوة أحد، ووضح أن هذا الأمر هو سنة الله في الأولين، كما هي سنته في ).54،53/16 مجموع الفتاوى،)1(
عدد الصفحات ٢٧٨وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 279 المتأخرين، وسنن الله لا تتخلف؛ فهي مطردة وعادته- سبحانه- مستمرة، وعهود الله في كتابه وسنة رسوله تنال آخر هذه الأمّة كما نالت أولها، أي: هذه القصص المذكورة في الكتاب ليست بمنزلة ما يفترى من القصص المكذوبة، كنحو ما يذكر في الحروب من السير المكذوبة. ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ وقـال- تعالى- لمّا ذكـر قصة فرعون: ﴿ ]26،25﴾ﮈ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅﮆ مع أعدائه ببدر وغيرها: ﴿ﷺوقال في سيرة نبينا محمد ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ] 13﴾ﮖ ﮗﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢﮣ ﮤ محاصرته لبني النضير: ﴿ ﮥ ﮦ ﮧﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕﯖ ﯗ ]2﴾ﯘ ﯙ ﯚﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ .)1(فأمرنا أن نعتبر بأحوال المتقدمين علينا من هذه الأمة، وممّن قبلها من الأمم لذلك فسنة الله في الابتلاء بالهزيمة هي سنة إلهية باقية على الدوام، ومن أسباب الابتلاء بالهزيمة ما ذكره شيخُ الإسلام في حديثه عن هزيمة المسلمين أمام التتار في بادئ الأمر حيث قال النيات، والفخر، والخيلاء، والظلم، والفواحش، والإعراض عن حكم الكتاب والسنة، وعن المحافظة على فرائض الله، والبغي على كثير من المسلمين الذين بأرض الجزيرة والروم، وكان عدوهم في أول الأمر راضيًا منهم بالموادعة والمسالمة، شارعًا في الدخول في الإسلام، وكان مبتدئًا في الإيمان والأمان، وكانوا- هُم- قد أعرضوا عن كثير من أحكام الإيمان، فكان من حكمة الله ورحمته بالمؤمنين أن ابتلاهم بما ابتلاهم به؛ ليمحص الله الذين آمنوا وينيبوا إلى ربهم، وليظهر من عدوهم ما ظهر منه من البغي والمكر والنكث والخروج عن شرائع الإسلام، فيقوم ).426،425/28 مجموع الفتاوى،)1(
عدد الصفحات ٢٧٩280شيخُ الإسلام ابن تيمية بهم ما يستوجبون به النصر، وبعدوهم ما يستوجب به الانتقام؛ فقد كان في نفوس كثير من مقاتلة المسلمين ورعيتهم من الشر الكبير ما لو يقترن به ظفر بعدوهم- الذي هو على الحال المذكورة- لأوجب لهم ذلك من فساد الدين والدنيا ما لا يوصف. كما أن نصر الله للمسلمين يوم بدر كان رحمةً ونعمة، وهزيمتهم يوم أحد كان نعمة ورحمة (لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلاّ كان خيرًا، وليس ذلك لأحد إلاّ قال:ﷺعلى المؤمنين؛ فإن النبي .)1(»للمؤمن، إن أصابته سراء فشكر الله كان خيرًا له، وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرًا له بهذه المحنة من - عز وجل -ثمّ يقدم شيخ الإسلام وصفًا لحال المؤمنين عندما يبتليهم الله ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ هزيمة وخوف، فيقول تعقيبًا على قول الله- تعالى: ﴿ ] 21﴾ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ فلهم فيه أسوة حسنة، حيث أصابهم مثل ما أصابه، ﷺيبتلون بالعدو كما ابتلي رسول الله فليتأسوا به في التوكل والصبر، ولا يظنون أنّ هذه نقم لصاحبها وإهانة له، فإنه لو كان كذلك خير الخلائق، بل بها ينال الدرجات العالية، وبها يكفر الله الخطايا لمن ﷺما ابتلي بها رسول الله كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا، وإلاّ فقد يبتلى بذلك من ليس كذلك فيكون في حقه عذابًا، كالكفار والمنافقين. ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍﰎ ثمّ قال تعالى: ﴿ ]22﴾ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﴿ ]214﴾ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ فبينّ الله- سبحانه- منكرًا على مَن حسب خلاف ذلك أنهّم لا يدخلون الجنة إلاّ بعد أن يبتلوا مثل هذه الأمم قبلهم بـ .)2(و ).432،431/28 مجموع الفتاوى،)1( .)460،459/28 الفتاوى،)2(
عدد الصفحات ٢٨٠وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 281 من الابتلاءات التي تصيب الإنسان أمراض القلوب، ولو تأمّلنا أمراض القلوب لوجدنا أنها تصيب الإنسان بسبب مخالفته لكتاب الله والسنة النبوية المطهرة، وغفلته عن ذكره- سبحانه- على النحو الذي ينبغي له. ولقد تحدّث شيخُ الإسلام عن هذه المحنة، وفصل القول فيها حتى أخذت من كتاباته فصولاً في أماكن مختلفة في كتبه؛ لأنّ صلاح القلوب، وهي أسباب قبول العبادات، وبلوغ الدرجات العالية عند الله- سبحانه، فيقول الشيخ في مرض القلب هو نوعُ فساد يحصل له يفسد به تصوره وإرادته، فتصوره بالشبهات التي تعرض له حتى لا يرى الحق، أو يراه على خلاف ما هو عليه، وإرادته بحيث يبغض الحقّ النافع ويحب الباطل ﮃ ﮄ الضار؛ فلهذا يفس المرض تارة بالشك والريب، كما فس مجاهد وقتادة قوله: ﴿ ﭭ ﭮ ﭯ ] 10﴾ﮅ .)1(»]32﴾ﭰ ﭱ وكذلك يقول- رحمه ا يؤلم القلب، والقرآن شفاء لما في الصدور، ومن في قلبه أمراض الشبهات والشهوات ففيه مِن البينات ما يزيل الحقّ من الباطل، فيزيل أمراض الشبهة المفسدة للعلم، والتصور والإدراك بحيث يرى الأشياء على ما هي عليه. وفيه من الحكمة والموعظة الحسنة بالترغيب والترهيب والقصص التي فيها عبرة ما يوجب صلاح القلب، فيرغب القلب فيما ينفعه، ويرغب عماّ يضره، فيبقى القلب محبًّا للرشاد، مبغضًا للغي، بعد أن كان مريدًا للغي مبغضًا للرشاد. فالقرآن مُزيل للأمراض الموجبة للإرادات الفاسدة حتى يصلح القلب، فتصلح إرادته، ويعود إلى فطرته التي فطر عليها، كما يعود البدن إلى الحال الطبيعي، ويغتذي القلب من ).93/10 الفتاوى،)1(
عدد الصفحات ٢٨١282شيخُ الإسلام ابن تيمية الإيمان والقرآن بما يزكيه ويؤيده، كما يغتذي البدن بما ينمّيه ويقوّمه، فإن زكاة القلب مثل نَماء .)1(البدن ولقد فصّل شيخُ الإسلام ابن تيمية في هذا الموضوع موضحًا أنواع أمراض القلوب، وطرق معالجتها، مبيّنًا الفرق بينها وبين موت القلوب. - الابتلاء بالخير والشر:7 يبتلي البشر جميعًا بالخير ليرى ماذا يفعلون في هذه النعم، وكيف سيؤدون حقوقها، Iا وكذلك يبتليهم بالشر ليعلم كيف سيتصرفون في أحوالهم، هل سيصبرون أم سيجزعون أم سيحاولون أن يغيروا من أنفسهم ويجاهدوها؟ وفي كلّ حالات الإنسان المختلفة يكون له من الجزاء بالثواب أو العقاب على حسب حالته. والخيرُ والشرّ سنّة إلهية موجودة منذ أن خلق الله البشر، فليس في الكون خير مطلق أو شرّ مطلق، ولعل ذلك لحكمة إلهية جليلة، وهي أن لا نركن إلى الدنيا وننسى الآخرة، ونعشق دار وكل ما خلقه- ممّا فيه «الفناء فلا نستعد جيدًا لدار البقاء، يقول شيخ الإسلام في هذا المعنى شرّ جزئي إضافي- ففيه من الخير العام والحكمة والرحمة أضعاف ذلك، مثل: إرسال موسى إلى فرعون، فإنه حصل به التكذيب والهلاك لفرعون وقومه، وذلك شر بالإضافة إليهم، لكن حصل به- من النفع العام للخلق إلى يوم القيامة، والاعتبار بقصة فرعون- ما هو خير عام، .»فانتفع بذلك أضعاف أضعاف مَن استضر به ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ كما قال تعالى: ﴿ ﮃ ﮄ ﮅ ] 56-55﴾ﮰ ﮱ ﯓ ]26﴾ﮆ ﮇ ﮈ شقي برسالته طائفةٌ من مشركي العرب وكفار أهل الكتاب، وهم الذين ﷺوكذلك محمد كذبوه، وأهلكهم الله- تعالى- بسببه، ولكن سعد بها أضعاف أضعاف هؤلاء، ولذلك مَن ).96/10 مجموع الفتاوى،)1(
عدد الصفحات ٢٨٢وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 283 ، فأهلك الله بالجهادrشقي به مِن أهل الكتاب كانوا مبدلين محرفين قبل أن يبعث الله محمدًا طائفة، واهتدى به من أهل الكتاب أضعاف أضعاف أولئك، والذين أذلهّم الله من أهل الكتاب بالقهر والصغار، أو من المشركين الذين أحدث فيهم الصّغار، فهؤلاء كان قهرهم رحمة لهم؛ لئلا يعظم كفرهم، ويكثر شرهم، ثمّ بعدهم حصل من الهدى والرحمة لغيرهم ما لا يحصيهم إلاّ الله، وهم دائماً يهتدي منهم ناس من بعد ناس ببركة ظهور دينه بالحجة واليد. فالمصلحة بإرساله وإعزازه، وإظهار دينه، فيها من الرحمة التي حصلت بذلك ما لا نسبة لها إلى ما حصل بذلك لبعض الناس من شر جزئي إضافي، لما في ذلك من الخير والحكمة- أيضًا؛ .)1(إذ ليس فيما خلقه الله- سبحانه- شرّ محض أصلاً، بل هو شرّ بالإضافة وفي موضع آخر تحدّث شيخ الإسلام عن الشر الجزئي الإضافي، وذلك بعد ذكره لدعاء : فإنه لا يخلق شرًّا محضًا، )2( في دعاء الاستفتاح: (والخير بيديك، والشر ليس إليكﷺ النبي بل كلّ ما يخلقه ففيه حكمة، هو باعتبارها خير، ولكن قد يكون فيه شرّ لبعض الناس، وهو شر جزئي إضافي. فأمّا شرّ كلي، أو شرّ مطلق؛ فالربّ منزّه عنه، وهذا هو الشر الذي ليس إليه. وهذا الموضع ضلّ فيه فريقان من الناس الخائضين في القدر بالباطل: فرقة كذبت بهذا، وقالت: إنه لا يخلق أفعال العباد، ولا يشاء كلّ ما يكون؛ لأن الذنوب قبيحة، وهو لا يفعل القبيح، وإرادتها قبيحة، وهو لا يريد القبيح. وفرقة: لمّا رأت أنه خالق هذا كله ولم تؤمن أنه خلق هذا لحكمة بل قالت: إذا كان يخلق هذا فيجوز أن يخلق كلّ شر، ولا يخلق شيئًا لحكمة، وما ثمّ فعل تنزه عنه، بل كلّ ما كان ممكنًا جاز أن يفعله، وجوّزوا: أن يأمر بكلّ كفر ومعصية، وينهى عن كلّ إيمان وطاعة، وصدق وعدل، وأن يعذّب الأنبياء، وينعم الفراعنة والمشركين وغير ذلك، ولم يفرقوا بين مفعول ومفعول. ).277،276/14 الفتاوى،)1( .)257/1 مسند الشافعي،)2(
عدد الصفحات ٢٨٣284شيخُ الإسلام ابن تيمية ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ وهذا منكر من القول وزور، كالأول، قال تعالى: ﴿ ﴾ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ]36-35﴾ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ]21 ﴾، ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ تعالى: ﴿ ونحو ذلك ممّا يوجب أنه يفرق بين الحسنات والسيئات، وبين المحسن والمسيء، وأن من جوّز عليه التسوية بينهما فقد أتى بقول منكر، وزور ينكر عليه. وليس إذا خلق ما يتأذى به بعض الحيوان لا يكون فيه حكمة، بل فيه من الحكمة والرحمة ما يخفى على بعضهم ممّا لا يقدر قدره إلاّ الله، وليس إذا وقع في المخلوقات ما هو شر جزئي بالإضافة يكون شرًّا كليًّا عامًّا، بل الأمور العامة الكلية لا تكون إلاّ خيرًا ومصلحة للعباد، كالمطر العام، وكإرسال رسول عام. وهذا ممّا يقتضي أنه لا يجوز أن يؤيد الله كذابًا عليه بالمعجزات التي أيد بها أنبياءه الصادقين؛ فإن هذا شرّ عام للناس، يضلهم ويفسد عليهم دينهم ودنياهم وآخرتهم. وليس هذا كالملك الظالم، والعدو؛ فإن الملك الظالم لا بدّ أن يدفع الله به من الشر أكثر من ظلمه، وقد قيل: ستون سنة بإمام ظالم خير من ليلة واحدة بلا إمام، وإذا قدر كثرة ظلمه فذاك ضرر في الدين، كالمصائب تكون كفارة لذنوبهم ويثابون عليها، ويرجعون فيها إلى الله، ويستغفرونه ويتوبون إليه. وكذلك ما يسلط عليهم من العدو. وأمّا مَن يكذب على الله، ويقول- أي: يدعي- أنه نبي، فلو أيده الله تأييد الصادق للزم أن يسوي بينه وبين الصادق، فيستوي الهدى والضلال، والخير والشر، وطريق الجنة وطريق النار، ويرتفع التمييز بين هذا وهذا، وهذا ممّا يوجب الفساد العام للناس في دينهم ودنياهم وآخرتهم. بقتال من يقاتل على الدين الفاسد من أهل البدع، كالخوارج، وأمر ﷺولهذا أمر النبي بالصبر على جور الأئمة، ونهى عن قتالهم والخروج عليهم، ولهذا قد يمكن الله كثيرًا من الملوك
عدد الصفحات ٢٨٤وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 285 الظالمين مدّة، وأمّا المتنبئون الكذابون فلا يطيل تمكينهم، بل لا بدّ أن يهلكهم؛ لأن فسادهم ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ عام في الدين والدنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷﭸ ﭹ ﭺ ] 46-44﴾ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ]24﴾ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ .)1(عليه وخلاصة القول في هذا الأمر ما ذكره شيخ الإسلام في موضع آخر الله، إلاّ على أحد الوجوه الثلاثة، وقد تضمنت الفاتحة للأقسام الثلاثة هو- سبحانه- الرحمن ، )2(الذي وسعت رحمته كلّ شيء، وفي الصحيح عن النبيﷺ أنه أرحم بعباده من الوالدة بولدها وقد سبقت وغلبت رحمته غضبه، وهو الغفور الودود، الحليم الرحيم. ﴾ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ فإرادته أصل كلّ خير ونعمة، وكل خير ونعمة فمنه، ﴿ ﯻ ﴾، ثمّ قال: ﴿ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ]53[ .]50،49﴾ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ]98﴾ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎوقال تعالى: ﴿ والرحمة من صفاته المذكورة بأسمائه، فهي من موجب نفسه المقدسة، ومقتضاها ولوازمها. وأمّا العذاب فمن مخلوقاته، الذي خلقه بحكمة، هو باعتبارها حكمة ورحمة؛ فالإنسان لا .)3(يأتيه الخير إلاّ من ربه وإحسانه وجوده، ولا يأتيه الشر إلاّ من نفسه الإنسانُ والتعرّض للبلاء: الصابرين في مواقف البلاء ووعدهم بالأجر العظيم على هذا - عز وجل -لقد مدحَ الله ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ الصبر، قال- تعالى- في محكم كتابه: ﴿ ] 156،155﴾ﭵ ﭶ ﭷ ) وما بعدها.266/14 الفتاوى،)1( .)512/2 مختصر صحيح مسلم للمنذري، ت: الألباني،)2( .)272/14 الفتاوى،)3(
عدد الصفحات ٢٨٥286شيخُ الإسلام ابن تيمية . قالو: كيف يذل نفسه؟ « :ﷺفي مواطن لا تطيقها، حيث قال . «قال وفي هذه المعاني تحدّث شيخ الإسلام حيث يقول يوجب على نفسه ما لا يوجبه الشارع عليه بالعهد والنذر ونحو ذلك، أو يطلب ولاية، أو يقدم أنه نهى عن النذر، ﷺعلى بلد فيه طاعون، كما ثبت في الصحيحين من غير وجه عن النبي .)1(وقال: (إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل وثبت عنه في الصحيحين أنه قال لعبد الرحمن بن سمرة: (لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت .)2(غيرها خيرًا منها فأت الذي هو خير، وكفر عن يمينك وثبت عنه في الصحيحين أنه قال في الطاعون: (إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا .)3(وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه وثبت عنه في الصحيحين أنه قال: (لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، ولكن إذا . )4(لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف وأمثال ذلك ممّا يقتضي أن الإنسان لا ينبغي له أن يسعى فيما يوجب عليه أشياء ويحرم عليه أشياء فيبخل بالوفاء، وكما يفعل كثير ممّن يعاهد الله عهودًا على أمور، وغالب هؤلاء يبتلون .)5(بنقض العهود ماذا يجب على الإنسان عند البلاء؟ عندما يتعرّض الإنسان للبلاء تحار نفسه وقد يفقد عقله أو صحته في زحام الهموم والصدمات، لذلك كان الصبر عند الشدائد هو العلاج لكل هذه الأعراض لأن الصبر يعطي الإنسان الفرصة للتفكير والمراجعة فيحصل بذلك الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة، وعلى )، باب: النهي عن النذر، وأنه لا يرد شيئًا. 1261/3 صحيح مسلم،)1( .)63/9 صحيح البخاري، باب: من لم يسأل الإمارة أعين عليها،)2( .)175/4 صحيح البخاري،)3( .)1362/3 صحيح مسلم،)4( .)38/10 مجموع الفتاوى،)5(
عدد الصفحات ٢٨٦وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 287 المسلم عند تعرضه للابتلاء واجبات يتحتم عليه القيام بها، حتى تزول المحنة ويتنزل الفرج، يقول شيخ الإسلام يكون من الرجال الموقنين القائمين بالواجبات، ولا بدّ في جميع ذلك من الصبر؛ ولهذا كان الصبر واجبًا باتفاق المسلمين على أداء الواجبات وترك المحظورات، ويدخل في ذلك الصبر على المصائب عن أن يجزع فيها، والصبر عن اتباع أهواء النفوس فيما نهى الله عنه. وقد ذكـر الله الصبر في كتابه في أكثر من تسعين موضعًا، وقرنه بالصلاة في قوله تعالى: ﯳ ﯴ ]45﴾ ﮰ ﮱ ﯓﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﴿ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ]153﴾ﯵﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﮆ ]115-114﴾ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﴾ إلى قوله: ﴿ﮯ ﮋ ﮌ ]130﴾ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ]55﴾ الآية ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀﮁ ﮂ ﮃ عن الصبر واليقين بقوله: ﴿ ﴾ فإن الدين كله علم بالحق وعمل به، والعمل به لا بدّ فيه من الصبر، بل وطلب علمه ﮄ : عليكم بالعلم؛ فإن طلبه لله عبادة، - رضي الله عنه -يحتاج إلى الصبر، كما قال معاذ بن جبل ومعرفته خشية، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، ومذاكرته تسبيح، به يعرف الله ويعبد، وبه يمجد الله ويوحد، يرفع الله بالعلم أقوامًا يجعلهم للناس قادة وأئمة يهتدون بهم، وينتهون إلى رأيهم. ﭑ فجعل البحث عن العلم من الجهاد، ولا بدّ في الجهاد من الصبر؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﴾ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ]3-1﴾ﭠ ]45[ ووضّح شيخُ الإسلام أنّ أفضل ما يقابل به الإنسان البلاء هو الرضا والصبر فيقول (الرضا) فقد تنازع العلماء والمشايخ من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم في الرضا بالقضاء: هل
عدد الصفحات ٢٨٧