256شيخُ الإسلام ابن تيمية المبحثُ الخامس سنّةُ الله في الهدى والضّلال والرّشد والغيّ لعلّ أفضل مقدّمة لهذه السُّنّة هي ما كتبه شيخُ الإسلام بنفسه متحدثًا عن هذه السنّة فيقول: ﯬ إنّ الله- سبحانه- يـريد أن يبينّ لنا ويهدينا سنن الذين من قبلنا، الذين قال فيهم: ﴿ ]90﴾ﯭ ﯮ ﯯﯰ ﯱ ﯲ ] 7،6﴾ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ في قوله: ﴿ ويأمرنا أنْ نتّبع صراط هؤلاء، وهو سبيل مَن أناب إليه، فذكر هنا ثلاثةَ أمور: البيان، والهداية، والتوبة. وقيل: المراد بالسّنن هنا سننُ أهل الحقّ والباطل، أي: يريد أن يبينّ لنا سنن هؤلاء وهؤلاء، فيهدي عباده المؤمنين إلى الحقّ ويضلّ آخرين؛ فإنّ الهدى والضلال إنما يكون بعد البيان، كما ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ قال: ﴿ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ]4﴾ﮥ ﮦﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ]115﴾ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ المعنى المعجمي لكلمتي الهدى والضلال: الهادي، قال ابن الأثير: هو الذي بصرّ عباده وعرّفهم - عز وجل -الهدى: مِن أسماء الله طريق معرفته حتى أقرّوا بربوبيته، وهدى كلّ مخلوق إلى ما لا بدّ له منه في بقائه ودوام وجوده. وقال ابنُ سيده: الهدى ضدّ الضلال، وهو الرشاد، والمهدي: هو الذي قد هداه الله إلى .)1(الحقّ. وهديته الطريق: أي عرّفته، والهدى- أيضًا: الطاعة والورع ).42،41/15 لسان العرب لابن منظور، دار صادر،)1(
عدد الصفحات ٢٥٦وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 257 معنى الضلال: ضلّل: الضلال والضلالة: ضدّ الهدى والرشاد، وأضلّه: جعله ضالاًّ، ]37﴾ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜوقوله تعالى: ﴿ يقال: أضللت فلانًا: إذا وجّهته للضلال عن الطريق، وأضللت الشيء: إذا غيبته. ]104﴾ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ومن معاني الضلال: الضياع، ومنه قوله تعالى: ﴿ ]47﴾ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ وأضلّه: أي أضاعه وأهلكه، وفي التنزيل: ﴿ في هلاك، والضلال: النسيان، والضلال: الغيبوبة: يقال ضلّ الماء في اللبن: إذا غاب. وضلّ .)1(الكافر: إذا غاب عن الحجّة، وضلّ فلان عن القصد: إذا جار ووقع في الباطل المقصود بالهدى: ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ إنّ هدى الله هو الهدى، وهو الإسلام، قال تعالى: ﴿ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ]33﴾ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ]120﴾ﭠ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙﭚ ﭛ ويقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿ ] 120﴾ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ .)2(الهدى، يعني: هو الدين المستقيم الصحيح الكامل الشامل تقريرُ سنّة الله (تعالى) في الهدى والضلال: جعل الله تعالى سنَّته ماضيةً على جميع خلقه، فبينّ سبحانه أنّه يحب لنا أن نتبع صراطه المستقيم الواضح البينّ الذي لا اعوجاج فيه، وأنْ نقتفي سنن الذين من قبلنا في ملازمتهم الحقّ وعدولهم عن الباطل. الهدى والضّلال لا يأتيان إلاّ بعد التّبيين: لقد بينّ شيخ الإسلام أنّ الهدى والضلال لا يكون إلاّ بعد البيان؛ حيث ذكر قوله تعالى: ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﴿ ) باختصار وتصرف.58،57،56، ص10،9 لسان العرب، جـ)1( .)163/1 ابن كثير،)2(
عدد الصفحات ٢٥٧258شيخُ الإسلام ابن تيمية ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ] 4﴾ﮦﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﴾، ووضّح أنّ الهدى والضلال يأتي بعد أن يبينّ الله للناس ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜﮝ طرق الحقّ والخير. ﴾، يعني: سنن أهل ﮙ﴾ متعلقًا بـ ﴿ﮚومِن كلامه في توضيح هذه الآية الباطل لا بـ (يهدي)، وأهل الحقّ متعلّق بقوله: ويهديكم. وقال الزجّاج: السنن: الطرق، فالمعنى: يدلّكم على طاعته كما دلّ الأنبياء وتابعيهم. وهذا أوْلى؛ لأنه قد يقدّم فعلين، فلا يجعل الأول هو العامل وحده؛ بل العامل إمّا الثاني ]96﴾ﰖ ﰗ ﰘ ﰙوحده، وإمّا الاثنان كقوله: ﴿ أو إذا أريد هذا التقدير: يبينّ لكم سنن الذين من قبلكم ويهديكم سننًا، فدلّ على أنه يهدينا سننهم. ﴾ فإنه قال بعدها: ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚوالمـراد بذلـك سنن أهل الحقّ، بخلاف قوله: ﴿ ﴾ فإنه أراد تعريف عقوبة الظالمين ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﴿ بالعيان، وهنا فأنزل علينا من القرآن ما يهدينا به سنن الذين من قبلنا، وهُم الذين أنعم الله .)1(عليهم ارتباطُ سنّة الله في الهدى بالتّبيين والتوبة: وذلك لأنّ الإنسان- أولاً- يحتاج إلى معرفة الخير والشر، وما أمر به وما نهي عنه، ثمّ يحتاج بعد ذلك إلى أن يهدى فيقصد الحقّ ويعمل به دون الباطل. وهو سننُ الأنبياء والصالحين، ثمّ لا بدّ له بعد ذلك من الذنوب، فيريد أن يتطهّر منها بالتوبة، فهو محتاجٌ إلى العلم والعمل به، وإلى التوبة مع ذلك، فلا بدّ له من التقصير أو الغفلة في سلوك تلك السّنن التي هداه الله إليها، فيتوب منها بما وقع من تفريط في كلّ سنة من تلك السنن. ).579/10 الفتاوى،)1(
عدد الصفحات ٢٥٨وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 259 وهذه فيستغفر الله ويتوب إليه، فإنّ العبد لو اجتهد مهْما اجتهد لا يستطيع أن يقوم لله بالحقّ الذي .)1(أوجبه عليه، فما يسعه إلاّ الاستغفار والتوبة عقيب كلّ طاعة ورودُ كلمةِ الهدى في القرآن الكريم: ـ الهدى بمعنى الدّعاء إلى الخير: 1 ﭶالهداية عند شيخ الإسلام تعني الأمرَ والنهي، وهو الدعاء إلى الخير كما قال تعالى: ﴿ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ] 7﴾ﭷ ﭸ ]52﴾ﭭ ويوضّح هنا شيخ الإسلام ذلك فيقول: قد يقال يعرفكم سنن الذين من قبلكم من أهل السعادة والشقاوة؛ لتتبعوا هذه وتجتنبوا هذه، كما قال ] 10﴾ ﮠ ﮡ تعالى: ﴿ عباس: سبيل الهدى والضلال. وقال مجاهد: سبيل السعادة والشقاوة، أي: فطرناه على ذلك وعرّفناه إيّاه، والجميع واحد. والنجدان: الطريقان الواضحان، والنجدُ: المرتفع من الأرض. فالمعنى: ألم نعرّفه طريق الخير والشر ونبيّنه له كتبيين الطريقين العاليين. لكنّ الهدى والتبيين والتعريف في هذه الآية يشترك فيه بنو آدم ويعرفونه بعقولهم. ﮕ ﮖ ﮗ وأمّا طريق مَن تقدّم مِن الأنبياء فلا بدّ من إخبار الله- تعالى- عنها كما قال: ﴿ ]49﴾ﮘ ﮙ ﮚﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ لكنْ يجاب عن هذا بأنه لو أريد هذا المعنى لقال: يريد الله ليبين لكم سنن الذين من قبلكم، ولم يحتَجْ أن يذكرَ الهدى إذا كان المعنى واحدًا، فلماّ ذكر أنه يريد التبيين والهدى علم أنّ هذا غير ).580/10 الفتاوى،)1(
عدد الصفحات ٢٥٩260شيخُ الإسلام ابن تيمية الهدى«هذا؛ فـ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﴾، أي: داع يدعوهم إلى الخير، كما قال تعالى: ﴿ﭶ ﭷ ﭸ تعالى: ﴿ .)1(﴾، أي: تدعوهم إليه دعاء تعليمﭭ ـ الهدى بمعنى الإلزام:( بينّ الشيخ ووضّح أنّ المقصود بسنة الله في الهدى هو سنته فيمَن يتبع تعاليم الإسلام وهدى الأنبياء ولا يحيد عن ذلك أن يثيبه، ومَن عصى أن يعاقبه، وأنّ الذين أطاعوه في ذلك إنّما أطاعوه بهداه لهم (هدى الإلهام). بهذا - عز وجل -وأنّ الذين عصوه عصوه بإرادتهم، ولكن تمادوا في ذلك، فعاقبهم الله التّمادي فأضلّهم بأنْ حرمهم سبل الهداية، فالله وحده هو الذي جعل المصلي مصليًا والمسلم الناس مِن أن يتبعوا سبل الغواية، وأمرهم أن يسلكوا سبلَ - عز وجل -مسلماً، وقد حذّر الله ]123﴾ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱالهدى والرشاد، فقال تعالى: ﴿ ويقول شيخُ الإسلام في ذلك بأسلوبه الرائع مبيّنًا لطائف معنى الفعل هدى يتعدّى بنفسه؛ لأنّ التقدير: ويلزمكم سنن الذين من قبلكم فلا تعدلوا عنها، وليس المراد هنا ﴾؛ لكونه لو أراد ذلك لوقع؛ ولم يكن فينا ﭧ ﭨ ﭩبالهدى الإلهام، كما في قوله: ﴿ ضالّ؛ بل هذه إرادة شرعية أمرية بمعنى المحبة والرضا، ولهذا قال الزجّاج: يريد أن يدلّكم على ما يكون سببًا لتوبتكم، فعلّق الإرادة بفعل نفسه. فإنّ الزجّاج ظنّ الإرادة في القرآن ليست إلاّ كذلك، وليس كما ظن؛ بل الإرادة المتعلّقة بفعله يكون مرادها كذلك، فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ وأمّا الإرادة الموجودة في أمره وشرعه فهو كقوله: ﴿ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ] 6﴾ الآيةﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ]33﴾ﮌ ﮍ ﮎ ).581،580 /10 الفتاوى،)1(
عدد الصفحات ٢٦٠وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 261 فهذه إرادته لما أمر به، بمعنى أنه يحبه ويرضاه ويثيب فاعله؛ لا بمعنى أنه أراد أن يخلقه ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ فيكون كما قال: ﴿ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ]125﴾ الآيةﭠ ﭡ ﴾ فهذه إرادةٌ لما يخلقه ويكونه، كما يقول ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ المسلمون: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وهذه الإرادة متعلّقة بكلّ حادث. والإرادة الشرعية الأمرية لا تتعلق إلاّ بالطاعات، كما يقول الناس لمن يفعل القبيح: يفعل شيئًا ما يريده الله مع قولهم: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. فإنّ هذه الإرادة (نوعان) كما قد بسط في موضع آخر. وقد يُراد بالهدى الإلهام، ويكون الخطاب للمؤمنين المطيعين الذين هداهم الله إلى طاعته؛ فإن الله- تعالى- أراد أنْ يتوب عليهم ويهديهم فاهتدوا، ولولا إرادته لهم ذلك لم يهتدوا، كما ﴾ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ قالوا: ﴿ .)1(»]43[ ـ الهدى بمعنى البيان3 قال شيخ الإسلام: (هنا البيان والتعريف أي: يعرفكم سنن الذين من قبلكم من أهل ﴾ قال علي وابن ﮠ ﮡالسعادة والشقاوة لتتبعوا هذه وتجتنبوا هذه كما قال تعالى: ﴿ مسعود: سبيل الخير، والشر. وعن ابن عباس: سبيل الهدى والضلال. وقال مجاهد: سبيل السعادة والشقاوة: أي فطرناه على ذلك وعرّفناه إيّاه، والجميع واحد. والنّجدان الطريقان الواضحان، والنجدُ المرتفعُ من الأرض، فالمعنى ألم نعرّفه طريق الخير والشر ونبيّنه له كتبيين الطريقين العاليين؛ لكن الهدى والتبيين والتعريف في هذه الآية يشترك فيه بنو آدم ويعرفونه .)2(بعقولهم ).582،581/10 الفتاوى،)1( )580 /10 مجموع الفتاوى)2(
عدد الصفحات ٢٦١262شيخُ الإسلام ابن تيمية الضلال خلاف الهدى: ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ : ﴿ - سبحانه وتعالى -نجد ذلك في كتاب الله حيث يقول ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ]27﴾ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ]34﴾ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ « وهؤلاء يريدون لكم الشرّ الذي يضركم كالشيطان الذي يريد أن يغويكم، وأتباعه هُم أهل الشهوات فلا تتخذوه وذريته أولياء من دوني، بل اسلكوا طرق الهدى والرشاد، وإياكم وطرق .)1(﴾ الآياتﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱالغي والفساد، كما قال تعالى: ﴿ الأشياءُ التي تناقض الهدى أو - اتباع الشهوات والأهواء:1 ﴾ﯬ ﯭ ﯮﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸكما قال تعالى: ﴿ ﴾ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ] 50[ ]77﴾ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ] 71[ ]14﴾ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ وقال تعالى: ﴿ ]18﴾ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣوقال تعالى: ﴿ واتّباع الهوى: هو اتباع أمر النفس، أي: فعل ما تهواه. ثلاثٌ مهلكات: شحّ مُطاع، وهوى مُتبع، وإعجابُ المرء بنفسه. وثلاثٌ «:ﷺيقول النبي مُنجيات: خشية الله في السّ والعلانية، والقصد في الفقر والغنى، وكلمة الحقّ في الغضب .)2(والرضا ).584،583/10 الفتاوى،)1( ) وما بعدها باختصار وتصرف، والحديث أخرجه البيهقي في شعب الإيمان،584/10 الفتاوى،)2( .)204/2باب: الخوف من الله،
عدد الصفحات ٢٦٢وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 263 - الغفلة عن الله والدار الآخرة( والمقصود أنّ القلب قد يغمره فيستولي عليه ما يريده العبد ويحبّه وما يخافه ويحذره كائنًا ﴾ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀمَن كان؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ ]63[ فيها من النعيم والعذاب الأليم ] 54﴾ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ قال الله تعالى: ﴿ حبّ المال والبنين المانع لهم من المسارعة في الخيرات والأعمال الصالحة. ]11-10﴾ الآيات ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦوقال تعالى: ﴿ أي: ساهون عن أمر الآخرة، فهم في غمرة عنها، أي: فيما يغمر قلوبهم من حبّ الدنيا ومتاعها، ساهون عن أمر الآخرة وما خلقوا له. ﴾ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ وهذا يشبه قوله: ﴿ ] 28 الغفلة عن الشيء، وذهاب القلب عنه، وهذا جماع الشرّ الشهوة«الله والدار الآخرة تسدّ بابَ الخير الذي هو الذكر واليقظة. و والخوف فيبقى القلب مغمورًا فيما يهواه ويخشاه غافلاً عن الله، رائدًا غير الله، ساهيًا عن ذكره، قد اشتغل بغير الله، قد انفرط أمره، قد ران حبّ الدنيا على قلبه. « أنه قال ﷺكما روي في صحيح البخاري وغيره عن أبي هريرة، عن النبي الدينار، تعس عبدُ الدرهم، تعس عبدُ القطيفة، تعس عبدُ الخميصة، تعس وانتكس وإذا شيك .)1(فلا انتقش، إن أعطي رضي، وإن منع سخط - حبّ الرئاسة وحبّ المال ومحبّة غير الله - عز وجل -: 3 ولقد عدّ شيخُ الإسلام هؤلاء الثلاث من الأشياء الشاغلة المهلكة للإنسان التي تحول بينه وهدايته، فيقول- رحمه ا- عز وجل -وبين الوصول إلى طاعة الله ).1385/2)، والحديث خرجه ابن ماجه في السنن، باب: في المكثرين،597،596/10 الفتاوى،)1(
عدد الصفحات ٢٦٣264شيخُ الإسلام ابن تيمية بالباطل- ترضيه الكلمة التي فيها تعظيمه وإن كانت باطلاً، وتغضبه الكلمة التي فيها ذمّه وإن كانت حقًّا. والمؤمن ترضيه كلمة الحقّ له وعليه، وتغضبه كلمة الباطل له وعليه؛ لأن الله- تعالى- يحبّ الحقّ والصدق والعدل، ويبغض الكذب والظلم. فإذا قيل: الحقّ والصدق والعدل الذي يحبّه الله أحبّه وإن كان فيه مخالفة هواه؛ لأن هواه قد صار تبعًا لما جاء به الرسول. وإذا قيل: الظلم والكذب فالله يبغضه والمؤمن يبغضه ولو وافق هواه. ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ وكذلك طالب ]58﴾ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ وكذلك الذين يحبون العبد كأصدقائه والذين يبغضونه كأعدائه فالذين يحبونه يجذبونه إليهم، فإذا لم تكن المحبة منهم له لله كان ذلك مما يقطعه عن الله، والذين يبغضونه يؤذونه ويعادونه فيشغلونه بأذاهم عن الله، ولو أحسن إليه أصدقاؤه الذين يحبونه لغير الله أوجب إحسانهم إليه محبته لهم، وانجذاب قلبه إليهم، ولو كان على غير الاستقامة وأوجب مكافأته لهم فيقطعونه عن الله وعبادته. ، فيكون حبه لله، ولما - عز وجل -فلا تزول الفتنة عن القلب إلاّ إذا كان دين العبد كله لله يحبه الله، وبغضه لله ولما يبغضه الله، وكذلك موالاته ومعاداته، وإلاّ فمحبة المخلوق تجذبه، وحب الخلق له سبب يجذبهم به إليه. ثمّ قد يكون هذا أقوى، وقد يكون هذا أقوى، فإذا كان هو غالبًا لهواه لم يجذبه مغلوب مع هواه ولا محبوباته إليها؛ لكونه غالبًا لهواه ناهيًا لنفسه عن الهوى؛ لما في قلبه من خشية الله ومحبته التي تمنعه عن انجذابه إلى المحبوبات. وأمّا حبّ الناس له فإنه يوجب أن يجذبوه هم بقوتهم إليهم، فإن لم يكن فيه قوة يدفعهم بها عن نفسه من محبة الله وخشيته وإلاّ جذبوه وأخذوه إليهم، كحب امرأة العزيز ليوسف؛ فإن
عدد الصفحات ٢٦٤وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 265 قوة لها. هذا إذا أحبّ أحدهم صورته، مع أن هنا الداعي قوي منه ومنهم، فهنا المعصوم من عصمه الله، وإلاّ فالغالب على الناس في المحبة من الطرفين أنه يقع بعض الشر بينهم، ولهذا قال رسول .)1((لا يخلونّ رجل بامرأة إلاّ كان ثالثهما الشيطان : ﷺالله وقد يحبونه لعلمه أو دينه أو إحسانه أو غير ذلك؛ فالفتنة في هذا أعظم؛ إلاّ إذا كانت فيه قوة إيمانية وخشية وتوحيد تام؛ فإن فتنة العلم والجاه والصور فتنة لكل مفتون. وهم مع ذلك يطلبون منه مقاصدهم إن لم يفعلها وإلاّ نقص الحب، أو حصل نوع بغض، وربما زاد أو أدى إلى الانسلاخ من حبّه، فصار مبغوضًا بعد أن كان محبوبًا؛ فأصدقاء الإنسان يحبون استخدامه واستعماله في أغراضهم حتى يكون كالعبد لهم، وأعداؤه يسعون في أذاه وإضراره، وأولئك يطلبون منه انتفاعهم، وإن كان مضرًّا له مفسدًا لدينه لا يفكرون في ذلك، وقليل منهم الشكور. فالطائفتان في الحقيقة لا يقصدون نفعه ولا دفع ضرره، وإنما يقصدون أغراضهم به، فإن لم يكن الإنسان عابدًا لله متوكلاً عليه مواليًا له ومواليًا فيه ومعاديًا، وإلاّ أكلته الطائفتان، وأدى .)2(ذلك إلى هلاكه في الدنيا والآخرة وهناك الكثير من التفاصيل في ذلك في كتب شيخ الإسلام- رحمه الله. سبحانه:– المستحقون لهدايته -المتّبعون لأوامره:1 « (بعثت بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك أنه قال: ﷺعبد الله بن عمر؛ عن النبي ).466/3 سنن الترمذي، ت: شاكر، باب: في كراهية الدخول على المغيبات،)1( ) وما بعدها599/10 الفتاوى،)2(
عدد الصفحات ٢٦٥266شيخُ الإسلام ابن تيمية له، وجعل رزقي تحت ظلّ رمحي، وجعلت الذّلة والصَّغار على مَن خالف أمري، ومن تشبه . )1(بقوم فهو منهم وكما أن من خالفه وشاقه وعاداه هو الشقي الهالك، فكذلك من أعرض عنه وعما جاء به واطمأن إلى غيره ورضي به بدلاً منه هو هالك- أيضًا. فالشقاء والضلال في الإعراض عنه، وفي تكذيبه، والهدى والفلاح في الإقبال على ما جاء به وتقديمه على كلّ ما سواه. فالأقسام ثلاثة: المؤمن به، وهو: المتّبع له، المحبّ له، المقدّم له على غيره. والمعادي له والمنابذ له والمعرض عما جاء به، فالأول هو السعيد، والآخران هما .)2(الهالكان - المتّبعون لرسله:( يقول شيخ الإسلام- رحمه الله- في رسالة رائعة تحدّث فيها عن الرسالة وأهميتها في إصلاح العبد ومعاشه ومعاده فمن أعظم نعم الله على عباده وأشرف منة عليهم: أن أرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، وبين لهم الصراط المستقيم، ولولا ذلك لكانوا بمنزلة الأنعام والبهائم، بل أشرّ حالاً منها. فمَن قبِلَ رسالةَ الله واستقام عليها فهو مِن خير البرية، ومَن ردّها وخرج عنها فهو مِن شرّ البرية، وأسوأ حالاً من الكلب والخنزير والحيوان البهيم. (مثل ما بعثني قال: ﷺ ، عن النبي - رضي الله عنه -وفي الصحيح من حديث أبي موسى الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا فكانت منها طائفة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وانتفعوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ. فذلك مثل من ).126/9 مسند أحمد،)1( .)105،104/19 الفتاوى،)2(
عدد الصفحات ٢٦٦وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 267 فقه في دين الله- تعالى- ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل .)1( متفق على صحتههدى الله الذي أرسلت به) وهكذا نرى أهمية الرسالة في هداية الإنسان إلى السعادة وإلى الطريق الحق، وكما يقول شيخ الإسلام يقدر بعدم الطبيب موت الأبدان، وأمّا إذا لم يحصل للعبد نور الرسالة وحياتها مات قلبه موتًا .)2(لا ترجى الحياة معه أبدًا، أو شقي شقاوة لا سعادة معها أبدًا - أصلُ الهدى العلم النافع، وأصلّ الرشاد العمل بالحقّ: 3 يقول شيخُ الإسلام- رحمه الله: ( فالعلم النافع هو أصل الهدى والعمل بالحق هو الرشاد، وضدّ الأول الضلال، وضدّ الثاني الغي فالضلال العمل بغير علم، والغيّ اتباعُ الهوى. قال ﴾ فلا ينال الهدى إلاّ بالعلم ولا ينال ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﴾ ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ تعالى: ﴿ الرشاد إلاّ بالصبر؛ ولهذا قال علي: ألاَ إنّ الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد- فإذا .)3(انقطع الرأس بان الجسد- ثمّ رفع صوته فقال ألاَ لا إيمان لمَن لا صبر له *** )، باب: فضل من علم وعلم. 27/1)، راجع: صحيح البخاري،100/19 الفتاوى،)1( .)97،96/19 الفتاوى،)2( .)40 /10 مجموع الفتاوى)3(
عدد الصفحات ٢٦٧268شيخُ الإسلام ابن تيمية المبحثُ السّادس سنّةُ الله في الابتلاء أو الفتنة المعنى اللغوي والاصطلاحي: جاء في لسان العرب: جماع معنى الفتنة: الابتلاء والامتحان، والاختبار، وأَصلها مأْخوذ من قولك: فتَنْتُ الفضة والذهب: إِذا أَذبتهما بالنار؛ لتميز الرديء من الجيِّدِ. وفي الصحاح: إِذا أَدخلته النار لتنظر ما جَوْدَتُه، والفتنة الإحراق، الإثم، اختلاف آراء ﴾ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥالناس، الإزالة، وفيه قوله تعالى: ﴿ ]73 ]191﴾ﭙ ﭚ ﭛ ﭜوالفتنة: الكفر كما في قوله تعالى: ﴿ : ﷺ]101﴾ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍالناس من القتال كما في قوله تعالى: ﴿ بأن يكون القتل والحروب والاختلاف الذي بين فرق المسلمين، (أرى الفتنة خلال بيوتكم) ويكون بما به من زينة الدنيا وشهواتها فيفتنون بذلك عن الآخرة والعمل لها. ابن الأَعرابي: الفِتْنة: الاختبار، والفِتْنة: المِحْنة، والفِتْنة: المال، والفِتْنة: الأَوْلادُ، والفِتْنة: الكُفْرُ، والفِتْنةُ: اختلافُ الناس بالآراء، والفِتْنةُ: الإِحراق بالنار؛ وقيل: الفِتْنة في التأْويل الظُّلْم. . )1(يقال: فلان مَفْتُونٌ بطلب الدنيا قد غَلا في طلبها معنى الابتلاء: بلوت الرجل بلوًا وبلاء وابتليته: اختبرته، وبلاه يبلوه بلوًا: إذا جربه واختبره. والاسم البلوى والبلوة والبلية والبلاء، وبلي بالشيء بلاء وابتلي، والبلاء يكون في الخير والشر. يقال: ابتليته بلاء حسنًا وبلاء سيئًا، والله- تعالى- يبلي العبد بلاء حسنًا ويبليه .)2(بلاء سيئًا، نسأل الله- تعالى- العفو والعافية، والجمع: البلايا ).12،11) جـ125 لسان العرب لابن منظور، ص)1( .)151، ص2،1 لسان العرب، جـ)2(
عدد الصفحات ٢٦٨وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 269 والابتلاء والفتنة والتمحيص والامتحان كلمات قرآنية، وأصل الابتلاء: الاختبار، جاء من معناها اللغوي: بلوت الرجل وابتليته: اختبرته، وابتلاه الله: امتحنه، والاسم البلوى والبلاء، والبلاء: الاختبار يكون في الخير والشر. الابتلاءُ سنّةٌ إلهية: - عز وجل الابتلاء سُنَّة جارية في النَّاس عامَّةً وفي المؤمنين خاصَّةً، أن تكون حياة الإنسان فوق هذه الأرض سلسلة متواصلة لا تكاد تنتهي من الابتلاءات - ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ : ﴿- سبحانه - والمحن، وفي هذا يقول ] 2-1﴾ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﴾ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂﰃ ﰄ ﰅيكون بالخير أو بالشر: ﴿ ]35[ ﭠ ﭡوقد يكون الابتلاء للمؤمنين في سبيل تمييز المجاهدين منهم والصابرين ﴿ ]31﴾ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ خلق البشر، - سبحانه وتعالى -فالابتلاء يمكن أن يكون في أي شأن من شئون الحياة، فالله واستخلفهم في الأرض، ولم يتركهم يهيمون على غير هدى، بل أرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين، فبينوا لهم سنن الهداية والرشاد، وبشروهم بالفوز في الدنيا والآخرة، إن هم أخذوا بها واتبعوها، كما حذروهم من مخالفة هذه السنن، وأنذروهم من عذاب الله إن هم ضلوا عنها، وتنكّبوا جادّة الصواب.. فلم يعد إذًا للناس من حجة بعد الرسل، بل أصبحوا بعد الرسالات في غمرة الابتلاء والاختبار، وغدوا مطالبين بتحرّي الصواب في شئونهم كلّها، وإلاّ سقطوا في الامتحان، .)1(خسوا الدنيا والآخرة )، دار النفائس، ط أولى، 133 أزمتنا الحضارية في ضوء سنة الله في الخلق، د/ أحمد كنعان، ص )1( م1997هـ1418
عدد الصفحات ٢٦٩270شيخُ الإسلام ابن تيمية ولهذا الابتلاء والاختبار حكم عظيمة وفوائد جسيمة، ومنها: - تصفيةُ الصفوف والإعداد الحقيقي لتحمل الأمانة ورفع المنزلة والدرجة عند الله وتكفير 1 السيئات ومعرفة عز الربوبية وقهرها، وذل العبودية وكسها، والإنابة إلى الله، ورحمة أهل البلاء ومساعدتهم، ومعرفة قدر نعمة العافية والشكر عليها وثواب الآخرة. - الابتلاء مرتبط بالتمكين في الأرض ارتباطًا وثيقًا؛ إذ بعد كلّ محنة منحة، وبعد كلّ بلية 2 عطيّة، وبعد كلّ ترح فرح، وإن مع العس يسًا، وقد جرت سنة الله- تعالى- ألاّ يمكّن لأمّة إلاّ بعد أن تمرّ بمراحل الاختبار المختلفة، وإلاّ بعد أن ينصهر معدنها في بوتقة الأحداث المختلفة؛ ليميز الله الخبيث من الطيب، وليمحص الله الإيمان، ويختبر المؤمنين، وليعلم ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ الصابرين، ثمّ يكون لهم التمكين في الأرض، ﴿ ]24﴾ﮀﮁ ﮂ ﮃ ﮄ - الابـتلاء بالساء تارة وبالضراء تارة يختبرهم بالمسار ليشكروا، ويبتليهم بالمضار ليصبروا 3 .)1(]35﴾ﯺ ﯻ ﯼ ﯽﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂﰃ ﰄ ﰅ﴿ سنّةُ الله في الابتلاء عند شيخ الإسلام ابن تيمية: إنّ مِن سنن الله في الإنسان أن يبتليهم بالخير والشر؛ حتى تتميز معادنهم وتتّضح، وحتى تظهر درجاتهم المختلفة فمنهم الصابر ومنهم الجزع ومنهم السابق بالخيرات بإذن الله، ولقد تعدّدت مظاهر هذا الابتلاء ونتائجه؛ فهناك الكثير من الابتلاءات بالضراء كـ: الحوادث الكونية والكوارث الأرضية من زلازل وبراكين وجفاف وفساد في الماء وهلاك الزرع والنسل، وانتشار الأمراض بأنواعها المختلفة من أمراض بدنية وقلبية، وابتلاءات بالهزيمة، والاعتداء من الأعداء، وتسلط الحكام على المحكومين، أو عدم فهم المحكومين لحكامهم، وتحملهم لمسؤولية التكاليف، أو التفرق والتمزق والعداوة والبغصاء، وغيرها من المِحَن والمصائب أو الموت! ) سلسلة قوانين القرآن. 2008/2/1 راجع: محمد خير الشعال،)1(
عدد الصفحات ٢٧٠وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 271 كيف سيكون- عز وجل - وقد يبتلى بأنواع من الساء تكون اختبارًا له؛ حتى يرى الله تصرف الناس في هذه الحالة هل سيشكرون ويؤدون حقوق النعمة أم سيكفرون؟ ولقد تحدّث شيخُ الإسلام عن هذه السنة بإسهاب واضح، وبين كثيرًا من أوجه التعامل مع هذه الابتلاءات، وكيفية النجاح في هذه الاختبارات، مبينًا أن سبب المصائب من نفس الذي فيه الخير للإنسان في - عز وجل-الإنسان التي ارتكبت المعاصي وبعدت عن منهج الله ليس سببًا لشيء من المصائب، ولا تكون ﷺالدنيا والآخرة: فيقول طاعة الله ورسوله قط سببًا لمصيبة، بل طاعة الله والرسول لا تقتضي إلاّ جزاء أصحابها بخيري الدنيا والآخرة. ولكن قد تصيب المؤمنين بالله ورسوله مصائب بسبب ذنوبهم، لا بما أطاعوا فيه الله .ﷺوالرسول، كما لحقهم يوم أحد بسبب ذنوبهم، لا بسبب طاعتهم الله ورسوله وكذلك ما ابتلوا به في الساء والضراء والزلزال، ليس هو بسبب نفس إيمانهم وطاعتهم، لكن امتحنوا به؛ ليتخلصوا مما فيهم من الشر، وفتنوا به كما يفتن الذهب بالنار؛ ليتميّز طيّبُه من خبيثه. والنفوس فيها شرّ، والامتحان يمحص المؤمن من ذلك الشـر الذي في نفسه، قال تعالى: ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﴿ ]141،140﴾ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﯯ ﯰ ]154﴾ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞتعالى: ﴿ ]47﴾ﭴ ﭵ ﭶﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ لقومه: ﴿- عليه السلام -صالح ولهذا كانت المصائب تكفّر سيئات المؤمنين، وبالصبر عليها ترتفع درجاتهم، وما أصابهم في الجهاد من مصائب بأيدي العدو فإنه يعظم أجرهم بالصبر عليها، وفي الصحيح عن النبي (ما من غازية يغزون في سبيل الله، فيسلمون ويغنمون إلاّ تعجّلوا ثلثي أجرهم. وإن قال: ﷺ .أصيبوا وأخفقوا: تمّ لهم أجرهم)
عدد الصفحات ٢٧١