224شيخُ الإسلام ابن تيمية فكلّ شيء في هذا الكون مرتبطٌ بالأسباب؛ فالنصر له أسبابه، والهزيمة لها أسبابها، وبقاء الأمم وتطورها له أسبابه، كما أنّ هلاك الأمم- أيضًا- له أسبابه. لذلك اهتمّ شيخ الإسلام ابن تيمية بهذه السّنة الكليّة، وقام بتوضيحها، وتوضيح الشّبهات ، ولا تتعارض مع قدر - عز وجل -التي ارتبطت بها، مُبينًا أنهّا لا تتناف مع التوكّل على الله .- عز وجل -الله كما بينّ لنا ما هي الأسباب التي يجب على الإنسان أن يسلكَها حتى يكون سعيدًا في الدنيا والآخرة، وسنقوم بتوضيح هذه الأمور. يقول شيخُ الإسلام- رحمه ا .)1(الأسباب والمسبّبات الحاكمة التي لا تتحوّل - عز وجل -كما بينّ أنّ قانون الأسباب والمسبّبات من سننِ الله ولا تتبدّل، وأن ترك الأسباب ينافي سنّة الله في خلقه وأوامره، فيقول معترضًا على مَن يُنكر وهذا وأمثاله من قلّة العلم بسنة الله في خلقه وأمره؛ فإنّ الله خلق المخلوقات “الأسباب: بأسباب، وشرع للعباد أسبابًا ينالون بها مغفرتَه ورحمته وثوابه في الدنيا والآخرة، فمَن ظنّ أنه بمجرد توكّله مع تركه ما أمره الله به مِن الأسباب يحصلُ مطلوبُه، وأنّ المطالب لا تتوقّف على الأسباب التي جعلها الله أسبابًا لها؛ فهو غالط؛ فالله- سبحانه- وإنْ كان قد ضمنَ للعبد رزقه وهو لا بدّ أن يرزقه ما عمّر فهذا لا يمنع أنْ يكون ذلك الرزق المضمون له أسبابٌ تحصل مِن فعل العبد وغير فعلِه، فأيضًا قد يرزقه حلالاً وحرامًا، فإذا فعل ما أمره به رزقه حلالاً، وإذا .)2(ترك ما أمره الله به فقد يرزقه حرامًا ويقول- أيضًا- في موضعٍ آخر مؤكّدًا نفسَ المعنى ويقدّره بأسباب، لكن مِن الأسباب ما يخرج عن قدرة العبد، ومنها ما يكون مقدورًا له، ومِن .)3(الأسباب ما يفعله العبد، ومنها ما لا يفعله ).70/8 الفتاوى،)1( .)529/8 الفتاوى،)2( .)534/8 الفتاوى،)3(
عدد الصفحات ٢٢٤وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 225 بل بينّ- رحمه الله- أنّه كما أنّ قوام الحياة مرتبطٌ بالأسباب؛ فإنّ الموت مرتبط بالأسباب، فيقوله- رحمه ا فليس كذلك هو، بل ما فعل الله بأسباب يمكن طلبه ودفعه بالأسباب التي قدّرها الله، فإذا أردنا أن يموت عدوّ الله سعيْنا في قتله، وإذا أردنا دفعَ ذلك عن المؤمنين دفعْناه بما شرع الله ]80﴾ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟالدّفع به، قال تعالى: ﴿ ﴾ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ وقال تعالى: ﴿ ]102﴾ﭩ ﭪ ﭫﭬ]81 وهذا مثل دفعِ الحرّ والبرد عنّا هو من فعل الله باللباس والاكْتساء، ومثل دفعِ الجوع والعطش هو مِن فعل الله بالطّعام والشراب، وهذا كما أنّ إزهاق الرّوح هو مِن فعل الله، ويمكن طلبُه بالقتل، وحصول العلم والهوى في القلب هو مِن فعل الله، ويمكن طلبه بأسبابه .)1(المأمور بها وبالدعاء لا يمكنُ الالتفاتُ إلى الأسباب وحدها بينَّ شيخُ الإسلام- رحمه الله- أنّه لا يمكن الاعتماد على الأسباب وحدها؛ لأنّ ذلك شركٌ في التوحيد، وكذلك محْو الأسباب نقصٌ في العقل وقدحٌ في الشرع، فيقول في ذلك بعضهم: الالتفاتُ إلى الأسباب شركٌ في التوحيد، ومحْو الأسباب أن تكون أسبابًا: نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع، ومجرد الأسباب لا يوجب حصول .)2(المسبّب ثمّ يفسّ شيخُ الإسلام هذا الكلامَ ويشرح الالتفات إلى الأسباب، فيبينّ أنّ الالتفات إلى الأسباب شركٌ في التوحيد وظلم وجهل، وهذه حال مَن دعا غير الله وتوكّل عليه، ويقول: « .)534/8 الفتاوى،)1( .)119/8 الفتاوى،)2(
عدد الصفحات ٢٢٥226شيخُ الإسلام ابن تيمية أيضًا؛ فإنّ كثيرًا من أهل الكلام أنْكروا الأسباب بالكليّة وجعلوا وجودها كعدمِها، كما أنّ أولئك الطبيعيّين جعلوها عللاً مُقتضية، وكما أنّ المعتزلة فرّقوا بين أفعال الحيوان وغيرها، ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫﯬ ﯭ ﯮ ﯯ والأقوال الثلاثة باطلة؛ فإنّ الله يقول: ﴿ ]57﴾ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ]65﴾ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚويقول تعالى: ﴿ ] 26﴾ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞﮟ لا بها، ويعرف الفرق بين الجبهة والعين في اختصاص أحدهما بقوة ليست في الآخر. وأمّا قولهم: الإعراض عن الأسباب بالكلية قدحٌ في الشرع، بل هو- أيضًا- قدح في العقل؛ فإن أفعال العباد من أقوى الأسباب لما نيطَ بها، فمَن جعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمُفسدين في الأرض أو يجعل المتّقين كالفجّار؛ فهو مِن أعظم الناس جهلاً وأشدّهم كفرًا، بل ما أمر الله من العبادات والدعوات والعلوم والأعمال من أعظم الأسباب فيما نيط بها من العبادات، وكذلك ما نهى عنه من الكفر والفسوق والعصيان هي مِن أعظم الأسباب لما علق بها من الشقاوات ويقول أيضًا .)1(مِن جلب المنافع أو دفع المضار؛ قادحٌ في الشرع خارجٌ عن العقل الأسبابُ تكون بسببها لا عندها ردّ شيخ الإسلام على مَن قالوا: إنّ الأسباب تكون بسببها لا عندها مثل أنْ يقولوا: إنّ الإحراق يحصل عند وجود النار، وليس بالنار، والشبع يحصل لا بالأكل ولكن عند وجوده، والإرواء ونحو ذلك. يقول شيخُ الإسلام في ذلك والقوى والطبائع فأضحكوا العقلاءَ على عقولهم، ثمّ إنّ هؤلاء يقولون: لا ينبغي للإنسان ). 178،177/8 الفتاوى،)1(
عدد الصفحات ٢٢٦وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 227 أن يقول: إنه شبع بالخبز وروي بالماء، بل يقول: شبعت عنده ورويت عنده؛ فإنّ الله يخلق الشبع والريّ ونحو ذلك من الحوادث عند هذه المقترنات بها عادة لا بها، وهذا خلافُ الكتاب ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫﯬ ﯭ ﯮ والسنة؛ فإن الله- تعالى- يقول: ﴿ ﴾ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﮖ ]14﴾ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ] 57 ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ]52﴾ﮦ ﮧ ﮨ ﴾ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ]9﴾ﮨ ﮩ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ]99[ ﴾ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄﮅ ]11-10[ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﭽ ]26﴾ﮔ ﮕ ﮖ ﮗﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ]16-15﴾ﮋ ﮌ وهكذا إذا تأمّلنا هذه الآيات الكريمة التي استشهد بها شيخُ الإسلام في ضرورة الأخذ ﴾ فاستعمل ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼﯽبالأسباب؛ نجد أنّ الله- تعالى- قال: ﴿ ﴾ للدّلالة على السببيّة، كما جعل الماءَ سببًا لإنبات الجنات جعل ﯸ ﯹالقرآنُ الباءَ في ﴿ العذاب سببًا للإصابة. وأيضًا مِن سنّته- سبحانه- أنْ جعل الأمثلة سببًا لهداية البشر أو ضلالهم، وجعل الآيات البيّنات المُحكمات سبيلاً لتلك الهداية، فسبحانه مِن حكمته أنْ جعل كلّ الأمور مرتبطةً ، وسوف يحاسب الإنسان عز وجل -بأسبابها، وجعل الأخذَ بالأسباب مِن تمام الإيمان بالله - على ترك الأسباب وعدم الأخذ بها.
عدد الصفحات ٢٢٧228شيخُ الإسلام ابن تيمية وكما اهتمّ القرآن بالأخذ بالأسباب وأهمّيتها في تحقيق الأهداف الدنيوية والأخروية كذلك في كثيرٍ من الأحاديث على الأخذ ﷺجاءت السنّة النبوية مؤكّدة على ذلك؛ فحثّ النبي كقوله: (لا ﷺبالأسباب، يقول شيخ الإسلام- رحمه ا : (إنّ هذه القبور مملوءة ﷺفإنّ صلاتي عليه بركة ورحمة)، وقال ; يموتنّ أحدكم إلاّ آذنتموني به على أهلها ظلمة، وإنّ الله جعل بصلاتي عليهم نورًا)، ومثل هذا كثير. ونظيرُ هؤلاء الذين أبطلوا الأسبابَ المقدّرة في خلق الله مَن أبطل الأسباب المشروعة في أمر الله؛ كالذين يظنّون أنّ ما يحصل بالدّعاء والأعمال الصالحة وغير ذلك مِن الخيرات إن كان مقدّرًا حصل بدون ذلك، وإن لم يكن مقدرًا لم يحصل بذلك، وهؤلاء كالذين قالوا للنبي ﷺ: . )1(أفلا ندعُ العمل ونتّكل على الكتاب؟ فقال: (لا، اعملوا؛ فكلٌّ ميسّ لما خلق له وفي السّنن أنه قيل: يا رسولَ الله، أرأيت أدوية نتداوى بها، ورقى نسترقي بها، وتقاة نتّقيها، . )2(هل تردّ مِن قدر الله شيئًا؟ فقال: (هي مِن قدر ا ولهذا قال مَن قال مِن العلماء: الالتفات إلى الأسباب شركٌ في التوحيد، ومحْو الأسباب أن تكون أسبابًا تغْيير في وجه العقل؛ والإعراضُ عن الأسباب بالكليّة قدحٌ في الشرع، والله- سبحانه- خلق الأسباب والمسبّبات، وجعل هذا سببًا لهذا، فإذا قال القائل: إنْ كان هذا مقدّرًا . )3(حصل بدون السبب وإلاّ لم يحصل؛ جوابه أنه مقدّر بالسبب، وليس مقدرًا بدون السبب للأسباب شروطٌ وموانع يتحدّث شيخُ الإسلام عن الأسباب ويرى: أنّه يجب أنْ يعلم الإنسان أنّ كلّ شيء في هذا الكون مشروطٌ بأسباب لكي يتحقّق، كما أنّ هذا الشيء له موانع تقتضي عدمَ تحقّقه أو الوصول إليه، ولكي يصلَ الإنسان إلى ما يريد لا بدّ أنْ يحقّق الأسباب المشروطة لهذا الشيء، ويقضي على )، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن 2136)، ح445/4 سنن الترمذي، باب: الشقاء والسعادة،) 1( صحيح، وقال الألباني: صحيح ).400/4 سنن الترمذي، ت شاكر، باب: ما جاء في الرقى،)2( .)139/8 مجموع الفتاوى،)3(
عدد الصفحات ٢٢٨وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 229 كلّ الموانع التي تحول بينه وبين الوصول إلى هدفه، فمثلاً لكي يزرع الفلاح حقلَه ويحصل ع النبات المطلوب؛ لا بدّ أن يأخذ بالشروط المطلوبة من حرثِ الأرض واختيار البذور وزرعها، ثمّ رعايتها وريهّا بانتظام، وأيضًا عليه بأن يزيلَ الموانع مثل: منع الآفات من الوصول للنبات، ومقاومة الأمراض التي تصيب الزرع، وغيرها. يقول شيخُ الإسلام ابن تيمية .)1(الموانع ثمّ قال شيء من الأسباب مستقلاًّ بمطلوب، بل لا بدّ من انضمام أسباب أخَر إليه، ولا بدّ- أيضًا- مِن صرف الموانع والمعارضات عنه حتى يحصل المقصود، فكلّ سببٍ فله شريك وله ضدّ، فإنْ لم يعاونه شريكه ولم يصرف عنه ضدّه لم يحصل سببه؛ فالمطر وحده لا ينبت النبات إلاّ بما ينضمّ إليه من الهواء والتراب وغير ذلك، ثمّ الزرع لا يتمّ حتى تصرف عنه الآفات المُفسدة له، .)2(والطعام والشراب لا يغذي إلاّ بما جعل في البدن من الأعضاء والقوى ويقول ابن تيمية- رحمه ا انضمام أسباب أخرى إليه هذه الأسبابُ الأخرى هي التي يسمّيها البعض بالشروط، وقد سماّها ابن تيمية نفسُه شروطًا في موضعٍ آخر من كلامه حيث يقول المطر إذا نزل وبذر الحَبّ لم يكن ذلك كافيًا في حصول النبات، بل لا بدّ مِن ريح مربية بإذن الله، ولا بدّ من صرف الانتفاء عنه، فلا بدّ من تمام الشروط، وزوال الموانع، وكلّ ذلك بقضاء الله وقدره، وكذلك أمر الآخرة ليس بمجرد العمل ينال الإنسان السعادةَ بل هي سبب، ولهذا قال « :ﷺالنبي ).133/8 مجموع الفتاوى،)1( .)167/8 مجموع الفتاوى،)2(
عدد الصفحات ٢٢٩230شيخُ الإسلام ابن تيمية ﴾ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ، وقد قال: ﴿) 1(أنْ يتغمّدني الله برحمة منه وفضل باء المقابلة عوضًا وثمنًا كافيًا ﷺ]32 في دخول الجنة، بل لا بدّ من عفْو الله وفضله ورحمته، فبعفْوه يمحو السيئات، وبرحمته يأ .)3 )2(»بالخيرات، وبفضْله يضاعف البركات كيف نعتبرُ بالأسباب؟ للأسباب اعتباراتٌ كي تصل بالإنسان إلى طريق السعادة في الدّنيا والآخرة، وتحقّق أهدافَه في الحياة كما يجب، لذلك وضع- رحمه الله- للأسباب ثلاثةَ أمور يجب مراعاتهُا عند الأخذ بالأسباب، هي: أحدهم: أنّ السبب المُعين لا يستقلّ بالمطلوب، بل لا بدّ من أسباب أخرى، ومع هذا فلَها موانع، فإنْ لم يكمل الله الأسبابَ ويدفع الموانع؛ لم يحصل المقصود، وهو- سبحانه- ما شاء كان وإنْ لم يشأ الناس، وما شاء الناس لا يكون إلاّ أن يشاء الله. الثاني: أنّه لا يجوز أنْ يعتقد أنّ الشيء سبب إلاّ بعلم، فمَن أثبت شيئًا سببًا بلا علم، أو يخالف الشرع؛ كان مبطلاً، مثل أنْ يظنّ أنّ النذر سببٌ في دفع البلاء وحصول النّعماء. الثالث: أنّ الأعمال الدينية لا يجوز أنْ يتّخذ منها شيئًا سببًا إلاّ أن تكون مشروعة؛ فإنّ العبادات مبناها على التوقيف؛ فلا يجوز للإنسان أن يشرك بالله فيدعو غيره، وإن ظنّ أنّ ذلك سببٌ في حصول بعض أغراضه، وكذلك لا يُعبَد الله بالبدع المخالفة للشريعة، وإنْ ظنّ ذلك، فإنّ الشياطين قد تعين الإنسان على بعض مقاصده إذا أشرك، وقد يحصل بالكفر والفسوق والعصيان بعضُ أغراض الإنسان فلا يحلّ له ذلك؛ إذ المفسدة الحاصلةُ بذلك أعظمُ )، وصحيح مسلم، باب: لن يدخل 121/7 صحيح البخاري، باب: القصد والمداومة على العمل، )1( .)2169/4أحدكم الجنة بعمله بل برحمة الله، ).167/8 مجموع الفتاوى،)2( انظر: كتاب السنن الإلهية في الأمم والجماعات والأفراد في الشريعة الإسلامية، الدكتور عبد الكريم) 3( .)29،28، ص3زيدان، مؤسسة الرسالة، ط
عدد الصفحات ٢٣٠وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 231 بعث بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد rمِن المصلحة الحاصلة به؛ إذِ الرسول .)1(وتقليلها، فما أمر اللهُ به فمصلحته راجحة، وما نهى عنه فمفسدتُه راجحة بينَْ الأسباب والقدر ذمّ شيخُ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- الذين تركوا الأخذَ بالأسباب اعتمادًا على معرفتهم بالقدر، ووضّح أنّ هذا خطأ عظيم، يقول في ذلك مستمسكون بالدّين في أداء الفرائض المشهورة، واجتناب المحرّمات المشهورة، لكنْ يغلطون في ترك ما أمروا به مِن الأسباب التي هي عبادة، ظانّين أنّ العارف إذا شهد القدر أعرض عن ذلك، مثل مَن يجعل التوكّل منهم أو الدّعاء ونحو ذلك مِن مقامات العامّة دون الخاصة، بناءً على أنّ مَن شهد القدر علم أنّ ما قدّر سيكون، فلا حاجة إلى ذلك، وهذا غلطٌ عظيم؛ فإن اللهّ إنّ اللهّ خلق للجنة « :ﷺقدّر الأشياء بأسبابها كما قدّر السعادة والشقاوة بأسبابها، كما قال النبي لمّا ﷺ، وكما قال النبي )2(»أهلاً، خلقها لهم وهُم في أصلاب آبائهم، وبعمل أهل الجنة يعملون أخبرهم بأنّ اللهّ كتب المقادير، فقالوا: يا رسول الله، أفلا ندع العمل ونتّكل على الكتاب؟ فقال: (لا، اعملوا فكلّ ميسّ لما خُلق له، أمّا مَن كان مِن أهل السعادة، فسيُيَس لعمل أهل السعادة، .)3(وأمّا مَن كان مِن أهل الشقاوة، فسيُيَس لعمل أهل الشقاوة بينَْ الأسباب والتوكّل في النّفع والضرّ، وفي الرزق، وفي قضاء - عز وجل -إنّ التوكّل هو اعتمادُ القلب على الله إلاّ - عز وجل -جميع الحوائج، ولكنْ لا يتمّ هذا التوكّل الذي هو مِن أفضل العبادات عند الله بعدما يأخذ الإنسانُ بكافّة الأسباب المتاحة لديه. وقد فصّل شيخُ الإسلام ابن تيمية هذا المعنى وردّ على الشبهات، ومِن كلامه- رحمه الله: « .)138،137/1 الفتاوى،)1( .)448/2 مسند إسحاق بن راهويه،)2( .)171/6)، وصحيح البخاري،2050/4)، وصحيح مسلم،171/10 الفتاوى،)3(
عدد الصفحات ٢٣١232شيخُ الإسلام ابن تيمية ] 123﴾ﮘ ﮙ ﮚﮛ بالعبادة في قوله: ﴿ العبادة المأمور بها وتوكّل لم يكنْ أحسن حالاً ممّن عبدَه ولم يتوكّل عليه، بل كلاهما عاصٍ لله .)1(تاركٌ لبعض ما أمِر به وفي موضعٍ آخر يقول وهذا كمَن ظنّ أنه يتوكّل على ما قدر عليه من السعادة والشقاوة دونَ أن يفعل ما أمَره ا ويوضّح- أيضًا- كيف يكون التوكّل، فيقول لا على سببٍ من الأسباب، والله ييسّ له مِن الأسباب ما يُصلحه في الدنيا والآخرة، فإنْ كانت الأسباب مقْدورة له وهو مأمور بها فعلَها مع التوكّل على الله، كما يؤدّي الفرائض، وكما يجاهد العدو، ويحمل السلاح ويلبس جنّة الحرب، ولا يكتفي في دفْع العدوّ على مجرّد توكّله دونَ أن يفعل ما أمِر به من الجهاد، ومن ترك الأسباب المأمور بها؛ فهو عاجزٌ مفرّط مذموم. قال: (المؤمن القوي خيرٌ وأحبّ إلى ﷺ عن النبي tوفي صحيح مسلم، عنْ أبي هريرة الله من المؤمن الضعيف، وفي كلّ خير، احرصْ على ما ينفعك، واستعنْ بالله ولا تعجز؛ وإنْ أصابك شيء فلا تقل: لو أنيّ فعلت لكان كذا وكذا، ولكنْ قل: قدّر الله وما شاء فعل؛ فإنّ لو .)2(تفتح عمل الشيطان فقضى على أحدهما، فقال المقضي عليه: ﷺوفي سنن أبي داود: أنّ رجلينْ تحاكما إلى النبي إنّ الله يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيس، فإنْ غلبك « :ﷺحسبنا الله ونعم الوكيل. فقال .)3(»أمرٌ فقل: حسبنا الله ونعم الوكيل وقد تكلّم الناس في حمل الزّاد في الحجّ وغيره من الأسفار، فالذي مضت عليه سنة رسول وسنة خلفائه الراشدين وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وأكابر المشايخ هو حمل الزاد؛ ﷺالله .)4(لما في ذلك مِن طاعة الله ورسوله وانتفاع الحامل ونفعه للناس ).177/8 الفتاوى،)1( .)2052/4 صحيح مسلم،)2( .)429/2 شعب الإيمان،)3( .)529/8 الفتاوى،)4(
عدد الصفحات ٢٣٢وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 233 ثمّ يتابع ابن تيمية- رحمه الله- كلامَه، ويذكر أنّ الدعاء والتوكّل من أفضل العبادات فيقول دفع مَرهوب، ولكنّه عبادة محَْضة، ولكن ما حصل به حصل بدونه، وظنّ آخرون أنّ ذلك مجرّد علامة، والصواب الذي عليه السلف والأئمة والجمهور أنّ ذلك من أعظم الأسباب التي تُنال .)1(بها سعادة الدنيا والآخرة ويقول شيخُ الإسلام- أيضًا- موضّحًا بعضَ شبهات الناس حول الأسباب والتوكّل: « السّبب ماذا يكون بمنزلة من يقول: هذا المقتول لو لم يقتل هل كان يعيش، وقد ظنّ بعض القدريّة أنه كان يعيش، وظنّ بعض المنتسبين إلى السنة أنه كان يموت. والصّواب أنّ هذا تقدير لأمر علم اللهُ أنّه يكون؛ فالله قدّر موته بهذا السبب، فلا يموت إلاّ به، كما قدّر الله سعادة هذا في الدنيا والآخرة بعبادته ودعائه وتوكّله وعمله الصالح وكسْبه، فلا يحصل إلاّ به، وإذا قدّر عدم هذا السبب لم يعلم ما يكون المقدَّر، وبتقدير عدمه فقد يكون المقدّر .)2(حينئذ أنه يموت، وقد يكون المقدَّر أنه يحيى، والجزم بأحدهما خطأ *** ).531،530/8 الفتاوى،)1( .)531/8 الفتاوى،)2(
عدد الصفحات ٢٣٣234شيخُ الإسلام ابن تيمية المبحثُ الثّاني سنةُ الله في الاختلاف الاختلاف في اللغة: يعني عدمَ الاتفاق على الشيء، بأن يأخذ كلّ واحدٍ طريقًا غير طريق الآخرين في أمريْن من الأمور. ويعني- أيضًا- عدمَ التساوي: فكلّ ما لم يتساو فقد تخالف. والاختلاف والخلاف هو المضادّة، وقد خالفه مخالفة وخلافًا فهو يدلّ على ما يدلّ عليه لفظُ الاختلاف، وإن كان معناه أعمّ؛ إذ هو مِن الضّد، ولا يلزم من كلّ مختلفين أن يكونا ضدّين، .)1(وإن كان كلّ ضدين مختلف بالاجتماع والائتلاف، ونهانا عن التفرق والاختلاف، قال - عز وجل - لقد أمرنا الله ]103﴾ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶﭷتعالى: ﴿ .)2(« :ﷺوقال رسول الله « :ﷺوفي حديث أخرجه الترمذي قال .)3(الوَاحِدِ، وَهُوَ مِنَ الاثْنَينِْ أَبْعَدُ ويقول شيخ الإسلام- رحمه الله تعا .)4(عن التفرّق والاختلاف ).430/1 لسان العرب،)1( .)120/3 صحيح البخاري، باب: ما يذكر في الأشخاص والخصومة بين المسلم واليهود،)2( )، وانظر: السنة الإلهية في الأمم465/4 سنن الترمذي، كتاب الفتن، باب: ما جاء في لزوم الجماعة،) 3( ) بتصرف137والجماعات والأفراد، عبد الكريم زيدان، ص ).186/19 مجموع الفتاوى،)4(
عدد الصفحات ٢٣٤وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 235 وهذا يعني أنّ الاختلاف سنة بشرية لا يمكن إغفالها، أو يستحيل أن يوجد مجتمع بشري دون أن يكون بين أفراده اختلافات، يذكر شيخ الإسلام ذلك ويوضّحه في أثناء حديثه عنْ لأمّته حيث يقول- صلوات الله وسلامه عليه- في الحديث الصحيح ﷺدعاء النبي ربي لأمتي ثلاثًا فأعطاني اثنتينْ ومنعني واحدة، سألته أن لا يهلك أمتي بسِنَة عامّة فأعطانيها، وسألته أن لا يسلّط عليهم عدوًا من غيرهم فيجتاحهم فأعطانيها، وسألته أنْ لا يجعل بأسهم . فيقول شيخ الإسلام)1(بينهم فمنعنيها، وقال: يا محمّد، إني إذا قضيت قضاءً لا يُرَد ﴾ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰفي الصحيحينْ: لمّا نزل قوله تعالى: ﴿ ﯖ : (أعوذ بوجهك). ﴿أو من تحت أرجلكم﴾ قال: (أعوذ بوجهك). ﴿ﷺ ] 65 .)2(﴾ قال: (هاتان أهونﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ وهذا لأنّه لا بدّ أن تقع الذنوب من هذه الأمّة، ولا بدّ أن يختلفوا؛ فإن هذا من لوازم الطبع البشري، لا يمكن أن يكون بنو آدم إلاّ كذلك، ولهذا لم يكن ما وقع فيها من الاختلاف والقتال والذنوب دليلاً على نقصها، بل هي أفضل الأمم، وهذا الواقع بينهم من لوازم البشرية، وهو في غيرها أكثر وأعظم، وخير غيرها أقلّ، والخير فيها أكثر، والشرّ فيها أقلّ، فكلّ خير في غيرها .)3(فهو فيها أعظم، وكلّ شرّ فيها فهو في غيرها أعظم معنى الاختلاف عند شيخ الإسلام ابن تيمية: جاء لفظُ الاختلاف في القرآن الكريم في آياتٍ كثيرة، وكان في معظم المواد يدلّ على التّضاد لا المقابلة، يقول شيخُ الإسلام ابن تيمية- رحمه ا التّضاد والتعارض، لا يُراد به مجرّد عدم التماثل- كما هو اصطلاح كثيرٍ من النّظّار- ومنه قوله: ﭕ ﭖ ﭗ ] 82﴾ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﴿ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ]9-8﴾ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ .)4(»]253﴾ﭽ ﭾ ﭿ ).2215/4 روى جزءًا منه مسلم في صحيحه، باب: هلاك هذه الأمّة بعضهم ببعض، )1( .)56/6 صحيح البخاري، باب: قوله: ﴿قل هو القادر﴾،)2( .)151-150/14 مجموع الفتاوى،)3( .)19/13 مجموع الفتاوى،)4(
عدد الصفحات ٢٣٥236شيخُ الإسلام ابن تيمية ولقد تعدّدت أوْجه الاختلاف بين الناس على مرّ العصور والأزمان، خاصّة فيما يتعلّق بالقضايا الخلافية الدينية، ومِن أوْجه الاختلاف التي ذكرها ابن تيمية يشرع من الدّعاء وما لا يشرع، وكاختلافهم هل تشرع الصّلاة عند الذبح، وليس هو مِن .)1(مسائل السبّ عند أحدٍ مِن المسلم هلاكُ الأمّة بالاختلاف: - عز وجل إنّ الإسلام أمر بالاجتماع، ونهى عن الاختلاف وعدم الاتفاق؛ وذلك لأنّ الله يعرف طبيعةَ الناس البشرية؛ المسلمين منهم وغير المسلمين، لذلك كان الاختلاف مذمومًا - وهو مِن أسباب هلاك الأمم، والائتلاف ممدوحًا وهو من أسباب بقائها وقوتها؛ فالاتحاد قوّة، والتفرقة ضعف، لذلك وضّح شيخ الإسلام هذا الأمرَ وبيّنه عندما ذكر حديث الإمام مسلم عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رجلاً قرأ آية سمعت النبي يقرأ خلافَها، فأخذت بيده « ، فذكرت ذلك فعرفت في وجهه الكراهية، وقالﷺفانطلقت به إلى النبي ، فذكر أنّ هذا الحديث أخرجه الإمام مسلم، ثمّ تتلفوا؛ فإنّ مَن كان قبلكم اختلفوا فهلكوا عن الاختلاف الذي فيه جحد كلّ واحدٍ من المختلفين ما معَ الآخر من ﷺقال: نهى النبي الحقّ؛ لأنّ كلا القارئين كان محُسنًا فيما قرأه، وعلّل ذلك: بأنّ مَن كان قبلنا اختلفوا فهلكوا؛ .)2(فالخلاف إذًا علّة هلاك الأمّة تطبيقاتٌ على السنّة السابقة: جاءت تطبيقاتُ شيخ الإسلام- رحمه الله- لهذه السنّة كثيرة لا نستطيع إحصاءها هنا، وهي تطبيقاتٌ واعية عالج فيها كثيرًا من أوجه الخلاف في الأمّة المسلمة، ومن هذه التطبيقات الخلافُ بين أهل السنّة وأهل البدعة، موضّحًا أنّ أهل السنة هُم أهل طاعة الله- تعالى، وجزاؤهم الجنة، ، وهنا ﷺوأهل البدعة هُم أناس خضعوا لأهوائهم وحادوا عن منهج الله- تعالى- وسنّة النبي ).106/1 مجموع الفتاوى،)1( .)175/4)، والحديث أخرجه الإمام البخاري،35 اقتضاء الطريق المستقيم، ص)2(
عدد الصفحات ٢٣٦وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 237 - عز وجلطرفٌ من كلام شيخ الإسلام يوضّح فيه جزءًا من هذه التطبيقات؛ فيقول ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ : ﴿- سبحانه وتعالى - أمرنا بالاتحاد وعدم التفرق؛ حيث قال - ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶﭷ ﭸ ﭹ ]103-102﴾ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ]105﴾ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮰ قوله تعالى: ﴿ ] 110﴾ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ إلى قوله: ﴿ الممات، كما أمر الأنبياء جميعَهم بالإسلام، وأن نعتصم بحبله جميعًا ولا نتفرق، ونهانا أن نكون كالذين تفرّقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات، وذكر أنه تبيضّ وجوه وتسودّ وجوه، قال ابن عباس: تبيضّ وجوه أهل السنّة والجماعة، وتسودّ وجوه أهل البدعة والفرقة، وذكر أنّه ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ] 106﴾ﯡ ﯢ ﯣ يقال لهم: ﴿ . )1(﴾ فأمر بملازمة الإسلام، وبينّ أن المسودّةَ وجوهُهم أهل التفرق والاختلاف ﭯ ووضّح شيخ الإسلام أنّ الابتعاد عن الأصول الثابتة من كتاب وسنة هو أصل كلّ الخلافات بين المسلمين، وأنّ التمسك بهذه الأصول هو الحلّ الأمثل لإنشاء أمّة الإسلام المتّحدة التي هي خير أمّة أخرجت للناس، فيرى أنه وطاعة رسوله وأولي الأمر منّا، وأمرنا عند التنازع في شيء أن نردّه إلى الله وإلى الرسول، وأمرنا بالاجتماع والائتلاف، ونهانا عن التفرّق والاختلاف، وأمرنا أن نستغفر لمَن سبقنا بالإيمان، وسماّنا المسلمين، وأمرنا أن ندوم عليه إلى الممات، فهذه النصوص وما كان في معناها توجبُ علينا الاجتماع في الدين كاجتماع الأنبياء قبلنا في الدين، وولاة الأمور فينا هُم خلفاء الرسول، (إن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي قام قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء ويكثرون. قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: أوفوا (العلماء . وقال أيضًا: )2(بيعة الأول فالأول، وأدوا لهم الذي لهم؛ فإن الله سائلهم عماّ استرعاهم ).115،114/19 مجموع الفتاوى،)1( .)340/13 مسند أحمد، ط الرسالة، مسند أبي هريرة،)2(
عدد الصفحات ٢٣٧238شيخُ الإسلام ابن تيمية (وددت أني قد رأيت خلفائي. قالوا: ومَن خلفاؤك؟ قال: . وروي عنه أنّه قال: )1(ورثة الأنبياء . فهؤلاء هُم ولاة الأمر بعدَه، وهُم الأمراء والعلماء، )2(الذين يحيون سنتي يعلّمونها الناس وبذلك فسّها السلف ومَن تبعهم مِن الأئمة كالإمام أحمد وغيره. فالأصولُ الثابتة بالكتاب والسنّة والإجماع هي بمنزلة الدّين المشترك بين الأنبياء، ليس لأحدٍ خروج عنها، ومَن دخل فيها كان مِن أهل الإسلام المحض، وهُم أهل السنة والجماعة. وما تنوّعوا فيه مِن الأعمال والأقوال المشروعة فهو بمنزلة ما تنوّعت فيه الأنبياء، قال ﭼ ﭽ ]69﴾ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ الله تعالى: ﴿ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﴾ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﴾، وقال: ﴿ ﮋ ﮌ .)3(»]208 كما تحدّث الشيخ عن هذه السنّة الإلهية في أثناء تفسيره لبعض آيات القرآن الكريم، فيقول ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ في قوله تعالى: ﴿ ]2،1﴾ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ]4﴾ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ وقوله: ﴿ الحجّة على أهل الشرائع، وذمّ تفرّقهم واختلافهم، وأن ذلك بعد أن جاءتهم البينة. ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ وهاتان الجُمْلتان نظيرهما قوله: ﴿ ﮒ ]213﴾ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ]213﴾ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ).485/5 سنن أبي داود، ت: الأرنؤوط، باب: الحث على العلم،)1( .)997/2 جامع بيان العلم وفضله، باب: فساد التقليد ونفيه،)2( ) وما بعدها116/19 الفتاوى،)3(
عدد الصفحات ٢٣٨وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 239 ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮤ ]13﴾ﮘﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢﮣ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ]14﴾ﯙﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵﭶ وقوله: ﴿ . )1(]45، فصلت110﴾ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ثمّ ذكر ما أمرَ به الجميع بقوله: ﴿ ]5﴾ﮣ ﮤﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ .)2(والمشركين، وعاقبة الذين آمنوا وعملوا الصالحات معنى ذلك- كما ذكره الشيخ- أنه لا بدّ من إرسال الرسل إلى الناس بالبينات، ولكنّ الناس هُم الذين يختلفون في أنبيائهم، وهذا التفرّق والاختلاف لا يزول إلاّ بالاجتماع على الدّين الحقّ، وإقامة شريعة الله في الأرض، وإلاّ سيكون هذا التفرق سببًا لهلاكهم في الدين، وعقوبتهم في الآخرة. ويذكر شيخُ الإسلام ابن تيمية في موضعٍ آخر أنّ الاختلاف والفرقة كان بسبب ترك الحقّ وأخذهم الباطل؛ فيقول بعض الحقّ الذي بعث الله به نبيه، وأخذهم باطلاً يخالفه، واشتراكهم في باطلٍ يخالف ما جاء به ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ الرسول، وهو مِن جنس مخالفة الكفار للمؤمنين كما قال تعالى: ﴿ ]253﴾ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ﴾ إلى قوله: ﴿ﭗﭘ كذا.)1( .)510،509/16 الفتاوى،)2(
عدد الصفحات ٢٣٩