المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

شيخ الإسلام بن تيمية و جهوده في تفسير القرآن الكريم تطبيقا على آيات السنن الربانية

وفاء عبد العظيم عبد الوهاب محمد

صفحة ١٢ من ٢٨

190شيخُ الإسلام ابن تيمية ينابيع الشرع الأولى، والكنز المختفي من الهدي النبوي، وما كان عليه سلف المؤمنين، فكانت المعركة الشديدة تعتلج في نفس هذا الرجل العظيم، يرى فيما درس من الإسلام نورًا ساطعًا لامعًا، ويرى في عصره ظلمة شديدة وفسادًا في كلّ نواحيه، يرى في ماضي الإسلام عزًّا واتحادًا ووئامًا، ويرى في عصره ذلاًّ وانقسامًا، يرى في ماضيه حكماً صالحًا وأمرَ المسلمين شورى بينهم، ويرى في حاضره استبدادًا وطغيانًا، وقد أكل القوي الضعيف، واستمرأ الحاكم لحمَ المحكوم وماله، فتقدّم الرجل ليصلح وليداوي، وقد وجد الدواء بأيس كُلفة، ومِن أسهل طريق، وجده في كتاب الله وسنة رسوله وأعمال الصحابة وكبار التابعين، فتقدّم بالدواء ونادى به، وما كانت آراؤه العلمية كلها إلاّ دواء عصره، ولو فتشت عن البواعث التي بعثته للمجاهرة بكلّ ما رأى لوجدت أنّ الذي بعث على المجاهرة عيبٌ في الزمان، وفساد عند أهل العصر في العمل، أو في .)1(الفكر، أو فيهما معًا *** ).105 ابن تيمية حياته وعصره، الشيخ محمد أبو زهرة، ص)1(

عدد الصفحات ١٩٠

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 191 المبحثُ الثّاني التدبّرُ السّنني لدى شيخ الإسلام ابن تيمية تعدّدت مشاركات شيخ الإسلام- رحمه الله- في مجال التفسير الموضوعي، وتحدّثنا عن ذلك سابقًا في البابِ الثاني من جهوده في التفسير وعلوم القرآن، وأشرْنا إلى أنّ موضوع السّنن الإلهية كان مِن الموضوعات التي دخلت تحتَ نظام التفسير الموضوعي، وكان لشيخ الإسلام جهدٌ رائع في هذا المجال سيتّضح لنا في هذا الباب- إنْ شاء الله تعالى. ، فهو يدور مع الآيات - عز وجل -إنّ موضوع السنن الإلهية موضوعٌ ارتبط بكتاب الله كما يليق، وعلى الوجه الصائب، وحتماً - عز وجل - القرآنية فهماً واستنباطًا إذا تدبّرنا كتاب الله سيثمر ذلك في معرفة تلك السنن، خاصّة إذا توافرت لدى الباحث روافد السنن التي تتيح له استنباطها ومعرفتها وتطبيقها على الحياة والأحياء، حيث إنها تربط بين آيات الله- تعالى- التي نتلوها وآيات الله التي نشاهدها بعين أنفسنا في الكون والأنفس والأحياء والحياة، فهي تنظّم العلاقة القائمة بين الكون والإنسان، وكيف أنه لو استقام للإنسان ذلك لحقّق الرسالة التي ، والقيام بحقّ الخلافة في هذا الكون وتعْميره، - عز وجل -خُلق مِن أجلها، وهي العبودية لله - وكان خير شاهد على جميع الكائنات يوم القيامة، ولقد جاء الأنبياء جميعهم ليعلمونا هديه ، ويربطوننا بهذه السنن الإلهية.سبحانه وتعالى - هذه السننَ وطبقوها في حياتهم ووظفوها، وكانوا - رضي الله عنهم -ولقد فهِمَ الصحابة من السابقين، وعلى قدر هذا الفهم للسنن وعلى قدر الاجتهاد في تطبيق ذلك تتحقّق السعادة في الدنيا والآخرة. وهذا- أيضًا- ما دعا إليه شيخ الإسلام- رحمه الله- وبيّنه في معظم كتاباته، ووضّح لنا ، وتطبيق - عز وجل -أنّ السعادة والشقاء مرتبطان ارتباطًا كليًّا بمدى هذا الفهم لكتاب الله سننه- سبحانه- في هذا الكون.

عدد الصفحات ١٩١

192شيخُ الإسلام ابن تيمية معنى التدبّر السّنني في القرآن الكريم: أقصدُ بتدبّر السنن الإلهية: الوقوف عند القرآن والتفكر فيه لاستنباط ما فيه مِن سنن الله- تعالى- المطّردة لتسخيرها والانتفاع بها، والسير على منهاجها، وعدم تنكّبها. « :ﷺيقول الرسول القرآن لا يجاوزُ تراقيهم، يقولون مِن قول خير البرية، يمرقون مِن الدّين كما يمرق السّهم من . )1(الرميّة والاكتفاء بالتلاوة والحفظ دون التدبّر مخالفٌ لمنهاج السلف الصالح في التعامل مع القرآن في ﷺالكريم، عن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال صدْر هذه الأمّة لا يحفظ من القرآن إلاّ السورة ونحْوها، ورزقوا العمل بالقرآن، وإنّ آخرَ هذه .»الأمّة يرزقون حفظ القرآن ولا يرزقون العمل به وفي هذا المعنى قال ابن مسعود: إنا صعُبَ علينا حفظ ألفاظ القرآن، وسهُلَ علينا العملُ به، وإنّ مَن بعدنا يسهُلُ عليهم حفظ القرآن، ويصعُبُ عليهم العمل به. فتدبّر القرآن وقراءته قراءةً تدبّرية هي القراءة المُنتجة للفهم والاعتبار والعمل، وهي المِنهاج .- رضي الله عنهم - في تعليمه القرآن للصحابة ﷺالذي سار عليه رسول الله كان يقرئهم ﷺ أنّ رسول الله yذكر أبو عمرو الداني بإسناده عن عثمان بن مسعود وأ العشرَ فلا يجاوزونها إلى عشرٍ أخرى حتى يتعلّموا ما فيها من العمل، فيعلمنا القرآن والعمل جميعًا. ﴾ و﴿ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ وقــال محـ مــد بــن كـعـب القرظـي: لأنْ أقــرأ: ﴿ .)3( القرآن)2(﴾ ليلة أردّدهما وأتفكّر فيهما أحبّ إليّ مِن أن أبيت أهذّ ﭜ )، باب 1321/3 صحيح البخاري، )1( )، والنسائي،2188)، وسنن الترمذي، كتاب الفتن، باب101/3وصفاتهم ). 46/2( الهذّ: سرعة القطع والقراءة )2( .)8824 مصنّف ابن أبي شيبة، باب: قراءة القرآن، ح)3(

عدد الصفحات ١٩٢

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 193 ولهذا حضّ سلفنا الصالح على تدبّر القرآن الكريم، والوقوف عند آياته للانتفاع بها، ، واقتداءً )1(والامتثال لها بما يعود على المرْء بالخير والصلاح في الدّنيا، والفوز والنجاة في الآخرة وأصحابه الكرام وسلف الأمّة الصالحين- رضوان الله عليهم. ﷺبما جاء عن النبي هـ) ليحيي هذه السنة المباركة، ويؤكّد 728هـ661جاء شيخُ الإسلام ابن تيمية سنة عليها وعلى التزامها، فيقول- رحمه ا وممّن قبلها مِن الأمم، وذكر في غير موضع أنَّ سنَّته في ذلك مطَّردة وعادته مستمرّة، فينبغي للعقلاء أنْ يعتبروا بسنَّة الله وأيَّامه في عباده، ودأب الأمَم وعاداتهم ومَن يتصفّح كتب ابن تيمية يجد أثرَ التدبّر السنني في صفحاتها واضحة. ]29﴾ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷويقول ]68﴾ ﮣ ﮤ ﮥ ] 82﴾ﭻ ﭼ ﭽ وقال: ﴿ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ وتدبّر الكلام دونَ فهْم معانيه لا يمكن، وكذلك قال تعالى: ﴿ ]2﴾ﮮ ومِن المعلوم أنّ كلّ كلام فالمقصود منه فهْمُ معانيه دونَ مجرّد ألفاظه، فالقرآن أولى بذلك. وأيضًا، فالعادةُ تمنعُ أنْ يقرأ قومٌ كتابًا في فنٍّ مِن العلم كـ: الطبّ والحساب ولا يستشرحوه، فكيف بكلام الله الذي هو عصمتُهم، وبه نجاتهم وسعادتهم، وقيام دينهم ودنياهم؟! ولهذا كان النزاعُ بين الصحابة في تفسير القرآن قليلاً جدًّا، وهو وإنْ كان في التابعين أكثرَ منه في الصحابة، فهو قليلٌ بالنسبة إلى مَن بعدهم، وكلّما كان العصر أشرفَ كان الاجتماع والائتلاف والعلم والبيان فيه أكثر وقال أيضًا العلم ما لا يدركه أكثرُ الناس، وأنه يبينّ المشكلات، ويفصل النزاع بكامل دلالاته وبيانه إذا . )2(أعطي حقّه ولم تحرّف كلمة عن موضعها )، د/ رشيد كهوس، ط أولى، المنصورة، 14،13 انظر: تدبر السنن الإلهية عند السلف الصالح، ص) 1( م2015دار الكلمة، ). 825/20 مجموع الفتاوى،)2(

عدد الصفحات ١٩٣

194شيخُ الإسلام ابن تيمية وما يؤكّد ذلك- أي: تدبّر السنن وأهميتها عند شيخ الإسلام- أنّ هذا الأمر ورثه تلاميذُه عنه، فتجد أنّ تلميذه الإمام ابن قيم الجوزية- رحمه الله- يقول معاشه ومعاده وأقرب إلى نجاته مِن تدبّر القرآن وإطالة التأمّل فيه، وجمع الفكر على معاني آياته؛ فإنها تطلع العبدَ على معالم الخير والشرّ بحذافيرهما، وعلى طرقاتهما وأسبابهما وغاياتهما وثمراتهما ومآل أهلهما، وتضع في يدِه مفاتيح كنوز السعادة والعلوم النافعة، وتثبتُ قواعد الإيمان في قلبه، وتشيّد بنيانه، وتوطّد أركانه، وتريَه صورةَ الدنيا والآخرة والجنة والنار في قلبه، وتحضره بين الأمم، وتريه أيامَ الله فيهم، وتبصرّه مواقع العِبرَ، وتشهده عدلَ الله وفضله، وتعرّفه ذاته وأسماءه وصفاته وأفعاله، وما يحبّه وما يبغضه، وصراطه الموصل إليه، وما لسالكيه بعد الوصول والقدوم عليه، وقواطع الطريق وآفاتها، وتعرّفه النفس وصفاتها، ومفسدات الأعمال ومُصحّحاتها، وتعرّفه طريق أهل الجنة وأهل النار وأعمالهم وأحوالهم وسيماهم، ومراتب أهل السعادة وأهل الشقاوة، وأقسام الخلق واجتماعهم فيما يجتمعون فيه، وافتراقهم فيما يفترقون فيه، وبالجملة تعرّفه الربّ المدعوّ إليه، وطريق الوصول إليه، وما له من الكرامة إذا قدم عليه وتعرّفه- في مقابل ذلك- ثلاثة أخرى: ما يدعو إليه الشيطان، والطريق الموصل إليه، وما للمستجيب لدعوته من الإهانة والعذاب بعد الوصول إليه. فهذه الفقرة تعبرّ عن التدبّر السنني عند الإمام ابن القيم، حيث يعتبر تدبّر سنن القرآن يعودُ على العبد بالمنافع الآجلة والعاجلة، ويضمنُ له صلاح دينه ودنياه، والنجاة في آخرته. ثمّ تحدّث عن فوائد التدبّر السّنني التي ينبني عليها مجموعةٌ من سنن الله في الخير والشرّ، والدنيا والآخرة، والسعادة والإيمان، وسنن قيام الأمم وانهيارها، وسنن النفس وما يجولُ في خلجاتها، ثمّ السّنن الموصّلة إلى الله تعالى، فالسنن التي تصدّ عن سبيله، ثمّ مقاصد أفعال . )1(الله- جلّ وع فهرس بأهمّ السنن الإلهية التي تناولها الشيخ تناولاً موضوعيًّا من خلال آي القرآن الكريم: ).41 راجع: تدبر السنن عند السلف، ص)1(

عدد الصفحات ١٩٤

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 195 - سنّة الله في أهل الإيمان والجهاد1 - سنّة الله في المتوكل2 - سنّة الله في أنّ الرفعة لأهل العلم 3 - سنّة الله في تضييق الرزق على أهل الذنوب4 - سنّة الله في الابتلاء بالحسنات والسيئات5 - سنّة الله في أهل الفواحش6 - سنّة الله في نصر الأمم7 - سنّة الله في هزيمة الأمم8 - سنّة الله في هلاك الأمم9 - سنّة الله في التّمك10 - سنّة الله في التّسخ11 - سنّة الله في التّوازن12 - سنّة الله في هداية الناس بعد خلقهم13 ـ سنّة الله في سَلْب النّعم 14 ـ سنّة الله في الجمع بين المتشابهين والتفرقة بين المختلف15 ـ سنّة الله في الظا16 ـ سنّة الله في الاختلاف17 ـ سنّة الله في الخير والشرّ18 ـ سنّة الله في الأنفس19 - سنّة الله في فقر المخلوقات إلاّ إليه 20

عدد الصفحات ١٩٥

196شيخُ الإسلام ابن تيمية - سنّة الله في المحبة والكراهية.21 - سنّة الله في الفرقان22 - سنّة الله في السعادة والشقاء23 - سنّة الله في المخلصين مِن عباده24 - سنّة الله في الثواب والعقاب25 - سنّة الله في مَن يعتقد الحقّ الثابت 26 - سنّة الله في بقاء الأمم27 - سنّة الله في أهل المنكر28 - سنّة الله في الصّا 29 - سنّة الله في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر30 - سنّة الله في الأسباب والمسبّبات31 ***

عدد الصفحات ١٩٦

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 197 المبحثُ الثّالث تعريفُه لعلم السنن الربانيّة ومعرفتُه بها تظهر معرفةُ الشيخ بعلم السنن قويّة ظاهرة في معظم كتاباته، ولقد جعلها مقياسًا يقيس عليه العلماء، يقول عن بعض علماء المعتزلة مِن العقل والفضل ما ليس لأكثر نظائره، لكنه قليلُ المعرفة بالسنن ومعاني القرآن وطريقة . )1(السلف وقد تأتي هذه المعرفة للسّنن بصريح الكلام مثل سنّته- سبحانه- في نصرِْ الأمم وهلاكها، في الأنفس وما - عز وجل -وقد يأتي فهمُها ضمنيًّا من خلال كلامه وشروحه مثل سنة الله جُبلت عليه. تعريفُ السّنة لدى شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله: يرى شيخُ الإسلام- رحمه الله- أنّ السنة: هي العادة التي تتضمّن أن يفعل في الثاني مثلَ ما .)2(فعل بالأوّل، ولهذا أمر الله- تعالى- بالاعتبار كما يفرق بين الأمور المختلفة فإنه يجمع ويسوّي بين الأمور المتماثلة، فيحكم Iفيقول في الشيء خلقًا وأمرًا بحكم مثله، لا يفرق بين متماثلين ولا يسوي بين شيئين غير متماثلين، بل . )3(»إنْ كانا مختلفين مُتضادين لم يسوّ بينه وقد ذكر شيخُ الإسلام تعريفَ المِثل: بأنه النّظير الذي يقاس عليه ويُعتبرَ به، ويراد به مجموع .)4(القياس ).236/11 الفتاوى،)1( .)20/3 الفتاوى،)2( .)19/13 الفتاوى،)3( .)17،16/13 الفتاوى،)4(

عدد الصفحات ١٩٧

198شيخُ الإسلام ابن تيمية ولفظُ المِثل في القرآن الكريم وجهٌ مِن أوْجه السنّة الإلهية التي يُعرف بها. ويتكلّم شيخُ الإسلام- رحمَه الله- في موضعٍ آخر عنْ هذا المفهوم للسنّة الإلهية، فيذكر أنّ: « لكنْ يكون بعض الأنواع أغلب على بعض الناس في الدّين وغير الدين كالطبّ؛ فإنه تجربات وقياسات، وأهلُه منهم مَن تغلبُ عليه التّجربة، ومنهم مَن يغلب عليه القياس، والقياس أصلُه التجربة، والتجربة لا بدّ فيها من قياس، لكن مثل قياس العاديات لا تعرف فيه العلّة والمناسبة، وصاحب القياس مَن يستخرج العلّة المناسبة، ويعلّق الحكم بها والعقل خاصّة القياس والاعتبار والقضايا الكلية، فلا بدّ له من الحسّيات التي هي الأصل ليعتبر بها، والحسّ . )1(إن لم يكنْ مع صاحبه عقل وإلاّ فقد يغلط لذلك يتّضح لنـا أنّ للسنّة مرادفات عند ابن تيمية، وهي المثل والاعتبار والقياس، ولذلك قام بشرح ذلك؛ فقال ]2﴾ ﯡ ﯢ ﯣابن عباس: هلاّ اعتبرتم الأصابع بالأسنان؟ فإذا قال: ﴿ ]111﴾ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱوقال: ﴿ أعمالهم جُوزي مثلَ جزائهم؛ ليحذر أنْ يعمل مثل أعمال الكفّار، وليرغب في أن يعمل مثل أعمال ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ المؤمنين أتباع الأنبياء، قال تعالى: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ]137﴾ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﭕ ﭖ ﭗﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ]77،76﴾ﭦﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹﯺ ]62-60﴾ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ).76/13 الفتاوى،)1(

عدد الصفحات ١٩٨

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 199 وقد تأتي السّنن الإلهية- أيضًا- عند شيخ الإسلام بمعنى: كلمات الله- تعالى- التي يأمرُ ﴾ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ بها هذا الكون، فسبحانه: ﴿ . )1(]82 وتأتي السّنن الإلهية- أيضًا- عنده بمعنى: الحقيقة الكونيّة حيث يقول في هذه الحقيقة ويشهدها يشهدُ هذه الحقيقة، وهي الحقيقة الكونية التي يشترك في شهودها ومعرفتها المؤمن والكافر والبرّ والفاجر، وإبليس معترفٌ بهذه الحقيقة وأهل النار، قال إبليس: ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ]36﴾ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﴿ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ]39﴾ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ]62﴾ﮘ ﴾ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ وكذلك أهل النار و﴿ ﴾ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ] 106 .)2(»]30 *** .)322/11 انظر: الفتاوى،)1( .)157،156/10 انظر: الفتاوى،)2(

عدد الصفحات ١٩٩

200شيخُ الإسلام ابن تيمية المبحثُ الرّابع خصائصُ السّنن الإلهية عند شيخ الإسلام للسننِ خصائصُ لا بدّ لنا من معرفتها حتى نستطيع أنْ نوظّفها، ونَفيد منها في واقعـنا وحياتنا، ولقد حـرص الكثيرُ من العلماء على توضيح تلك الخصائص؛ فهي حـاكمةٌ على جميـع ﴾ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ: ﴿تعالى- الأفراد كما في السّنن الكـونيّة تمامًا حيث يقـول - ﯢ ] 30[ ﯣ ﯤ ﯥﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ]40-38﴾ﰄ فكما أنّ السنن الكونية أو الظواهر الكونية حاكمةٌ على الجميع، فتغلي المياه عند درجة مائة، وتتجمّد عند درجة الصفر، وتعطي هذه النتيجة لكلّ مَن يتعامل معها بغضّ النظر عن دينه ومذهبه، فكذلك السّنن الإلهية في الأفراد والأمم والمجتمعات. فإذا وقفنا عند قانونٍ من قوانين الله- تعالى- كقانون النّصر نعلم أنّ له ضوابط ومعالم تنسحب على الجميع دونَ مجاملة ولا محُاباة، فهي لا تفرق بين مجتمع ومجتمع، ولا تفرّق بين ديانة وديانة، ولا تفرّق بين جيل وجيل؛ لذا دعا القرآن الكريم إلى التفكّر في آثار السابقين، فالذي يفهم السّنن الإلهية وعمومها يملكُ القدرة على التّعامل مع هذه السّنن، ويحسن الاستعداد ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ لنتائجها، وقد قال قومٌ جهلوا ذلك ندمًا في الآخرة: ﴿ ]10﴾ﯵ ﯶ كما أنّ هذه السنن الإلهية تتّسم بالاطّراد، فهي لا تتبدّل ولا تتخلّف. ونستطيع أن نقول: إنّ صفات هذه السّنن هي أنها: - ثابتة لا تتغيرّ ولا تتبدل. 1 - حاكمة لا تحابي ولا تجامل2

عدد الصفحات ٢٠٠

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 201 - مطّردة لا تتوقّف ولا تتأجّل 3 .)1(- عامّة لا تنتقي ولا تنتخب 4 كما يفرّق بين الأمور المختلفة - تعالى -وبينّ شيخُ الإسلام ذلك في أثناء حديثه عن أنّ الله فإنه يجمع ويسوّي بين الأمور المُتماثلة، ثمّ بعد توضيحه لذلك المعنى يعقّب على هذا الكلام . )2(» أنّ السنة لا تتبدّل ولا تتحوّل في غيرْ موضع - سبحانه وتعالى -وقد بينّ «بقوله ثمّ يقوم بتوضيح ذلك بأنّ المقصود أنّ الله أخبر أنّ سنته لن تتبدّل ولنْ تتحوّل، وسنته عادتُه التي يسوّي فيها بين الشيء ونظيره الماضي، وهذا يقتضي أنه- سبحانه- يحكمُ في الأمور ] 43﴾ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ المُتماثلة بأحكام مُتماثلة، ولهذا قال: ﴿ ]7﴾ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬونظائرهم، وقال: ﴿ ]214﴾ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﭑ ] 4﴾ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ]100﴾ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﯯ ﯰ التابعين لهم بإحسان مُشاركين لهم فيما ذكر من الرّضوان والجنة، وقد قال تعالى: ﴿ ﭑ ﭒ ]75﴾ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ]10﴾ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ] 3﴾ﭸﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ الناس بعد الأنبياء، فإنّ أمّة محمد خيرُ أمّة أخرجت للناس، وأولئك خيرُ أمّة محمد كما ثبت انظر: مفهوم السنن الربانية من الفهم إلى التسخير دراسة في ضوء القرآن الكريم، د/ رمضان خميس )1( ) وما بعدها بتصرف كب47الغريب، ص ).20،19/13 الفتاوى،)2(

عدد الصفحات ٢٠١

202شيخُ الإسلام ابن تيمية « قالﷺفي الصحاح مِن غير وجْه أنّ النبي . )1(يلونهم، ثمّ الذين يلونهم ونستنتج ممّا سبق فهمَ شيخ الإسلام لخصائص السّنن، وأنها عامّة تطبق على كلّ الأفراد، ويشملهم نفسُ حكم الأوّلين ما داموا يفعلون فعلهم، سواء كان ذلك في الخير أو في الشرّ، وأنّ هذه السنن نافذةٌ حاكمة لا يستطيع أحدٌ ردّها أو أن يتجاوزها؛ فهي لا تحُابي. ونجدُ في كلامه- أيضًا- ما نفهمُ منه هذا المعنى حيث يقول « في قوله ﷺكلمات كونيّة وكلمات دينية، فكلماته الكونية هي التي استعاذ بها النبي ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ، وقال سبحانه: ﴿بكلمات الله التّامات التي لا يجاوزهن برّ ولا فاجر ﴾ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﴾، وقال تعالى: ﴿ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ . )2(]115 أي أنّ هذه الكلمات التي هي السّنن الإلهية قوانين حاكمة على كلّ شيء حتى الخوارق والمعجزات، فهي- أيضًا- واقعةٌ تحت سيطرتها فهي عامّة شاملة، ويقول في ذلك قدريّة كونيّة، والثانية شرعيّة دينية، وكشف الأولى العلم بالحوادث الكونية، وكشف الثانية . )3(العلم بالمأمورات الشرعية ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ويحمدُ اللهَ- عزّ وجلّ- في مقدّمة كتاب الألوهية: ﴿ ] 1﴾ﭗ ﭘ ﭙﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ]117﴾ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ هو كائن وسيكون، الذي ﴿ ﴾ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮالذي ﴿ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ]68[ )، والمعجم الكبير للطبراني،260/6)، والحديث في شرح مشكل الآثار،24،23/13 الفتاوى،) 1( .)212/18( .)322/11 الفتاوى،)2( .)322/11 الفتاوى،)3(

عدد الصفحات ٢٠٢

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 203 ]70﴾ﰈ ما فيها مِن إحكام المخلوقات، وأظهر قدرته على بريّته ما أبدعه مِن أصناف المحدثات، وأرشد إلى فعله بسنته تنوّع الأحوال المختلفات... عند تأمّل هذا الدّعاء نعلم كيف كان وعيُ الإمام- رحمه الله- بالسنّة الإلهية وخصائصها الحاكمة الشاملة لكلّ الأفراد والكائنات. ***

عدد الصفحات ٢٠٣

204شيخُ الإسلام ابن تيمية المبحثُ الخامس حجيّةُ السّنن الربانيّة عند شيخ الإسلام ابن تيمية إنّ السّنن الربانيّة قطعيّةُ الثبوت؛ لأنها جزءٌ من آيات القرآن الكريم الذي ثبت كلّه ثبوتًا قطعيًّا، وهي- أيضًا- قطعيّة الدّلالة؛ وذلك لكثرة تكرارها والتأكيد عليها وعلى مدلولاتها، والأمر في خواتيمها بالاعتبار والاتّعاظ سواء كان ذلك في الآيات التي ورد فيها لفظُ السّنة كـ: التداول الحضاري، والأجل، والتسخير، والإهلاك، وشكر النعم وكفرها، والتغيير، والترف والمترفين، إلى غير ذلك من السّنن المُثبتة في القرآن الكريم. يقول ابن تيمية كلامًا يفهم منه حجيّة السّنن وثبوت حكمها وعادته هي اعتبارُ الشيء بنظيره، وهو التسوية بين المتماثلين، والتفريق بين المختلفين، وهو ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅﮆ ﮇ ﮈ ﮉ الاعتبارُ المأمور به في القرآن كقوله تعالى: ﴿ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗﮘ ﮙ ﮚ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ] 13﴾ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ]2﴾ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ عباس في دية الأصابع: هنّ سواء، واعتبروها بديّة الأسنان. فإذا عرفت قصص الأنبياء ومَن اتّبعهم ومَن كذّبهم، وأنّ متبعيهم كان لهم النجاة والعافية والنصر والسعادة، ولمكذبيهم الهلاك والبوار؛ جعل الأمر في المستقبل مثلما كان في الماضي، فعلم أنّ مَن صدّقهم كان سعيدًا، ومَن كذّبهم كان شقيًّا، وهذه سنة الله وعادته، ولهذا يقول- ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ سبحانه- في تحقيق عادته وسنّته، وأنّه لا ينقضها ولا يبدّلها: ﴿ ] 43﴾ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ .)2(،)1(منهم فكيف ينجون من العذاب مع مماثلتهم لهم ، الطبعة السلفية.1)، ط165/1 النبوات،)1( ) بتصرف واختصار كبيريْن54-53 انظر: مفهوم السنن الربانية من الفهم إلى التسخير، د/ رمضان خميس، ص)2(

عدد الصفحات ٢٠٤

وجهودُه في تفسير القرآن الكريم تطبيقًا على آيات السّنن الربانية 205 المبحثُ السّادس بينَ السّنن الإلهية الجارية والمعجزة لدى شيخ الإسلام ابن تيمية للسّنن الإلهية خصائص ومميزات قد رأيناها سابقًا، فهي لا تحابي ولا تجامل ولا تستثني، حاكمةٌ على جميع الأفراد، مطّردة تشمل جميع الأجيال والأمم والأنفس، ثابتة لا تُنسخ ولا تتغيرّ، وهذا ما ذكره شيخ الإسلام من خصائص السّنن الإلهية. - عز وجل -أمّا المعجزة عند شيخ الإسلام- رحمه الله- فهي، أيضًا، سنة مِن سنن الله لا تأتي إلاّ بحُكمه وإرادته وقدرته، قد اختصّ الله بها أنبياءه ورسله حتى يستطيعوا إثبات من - عليه السلام -رسالتهم لمَن أرسلوا إليهم، فهي سنّة إلهية لتأييدهم، كما فُعل مع إبراهيم - عليه السلام -أنّه جعل النار بردًا وسلامًا فلا تحرقه النار ولا يموت مِن دخانها، ويونس يعيش في بطْنِ الحوت، وغيرهما مِن الأنبياء، وهذه السنّة الخارقة- أي: المعجزة- لها قانونهُا . )1(الثابت المَنوط بها يقول شيخُ الإسلام ابن تيمية- رحمه ا على النبوة، وبرهانٌ عليها، فلا بدّ أن يكون مختصًّا بها، لا يكون مشتركًا بين الأنبياء وغيرهم، والربّ- تعالى- لا ينقض عادته التي هي سنّته في التسوية بين المُتماثلين والتفريق بين المختلفين، فهو- سبحانه- إذا ميّز بعض المخلوقات بصفات يمتاز بها عن غيره ويختصّ بها؛ قرنَ بذلك مِن الأمور ما يمتاز به عنْ غيره ويختصّ به. ولا ريب أنّ النبوّة يمتاز بها الأنبياء ويختصّون بها، والله- تعالى- يصطفي مِن الملائكة رسلاً ومِن الناس، وهو أعلمُ حيث يجعل رسالته، فمَن خصّه بذلك كان له مِن الخصائص التي لا تكون إلاّ لغيره ما يناسب ذلك، فيستدلّ بتلك الخصائص على أنه مِن أهل الاختصاص ) بتصرف.56 السابق، ص)1(

عدد الصفحات ٢٠٥